بقلم : د‏.‏ محيي الدين عبدالحليم



أحرزت البحوث العلمية في مجال الهندسة الوراثية والعلوم البيولوجية والطبية طفرة هائلة في العقد الأخير من القرن العشرين‏,‏ وقد تطورت هذه التقنية تطورا كبيرا وواكبت في ذلك الثورة الهائلة التي يشهدها العالم في الكم المعرفي الذي أصبح متاحا في مختلف المجالات الطبية وذلك كبديل مطروح لحالات الفشل الوظيفي لبعض الأعضاء البشرية‏,‏ وقد تركت نتائج هذه البحوث تداعيات كبيرة أفزعت علماء الدين وأساتذة العلوم الاجتماعية والسلوكية نظرا لما خلفته هذه البحوث من نتائج قد تغير شكل الحياة علي ظهر هذا الكوكب الذي نعيش فيه‏.‏

وفي الحقيقة فإن هذه البحوث وإن كانت تستهدف دفع عجلة التنمية في مختلف مجالات الحياة الانسانية‏,‏ كما تستهدف تعميق المعرفة العلمية والكشف عن الأمراض وعلاج العقم الجنسي‏,‏ إلا أنها قد تجاوزت الحدود الأخلاقية في احيان كثيرة مما قد يسهم في تدمير الانسان‏,‏ ويشكل اعتداء صارخا علي حقه في حياة كريمة وصحة جيدة ومقدرات وراثية آمنة‏,‏ كما ان معطيات هذه البحوث تشكل تهديدا خطيرا للبيئة التي خلقها الله بكل ما فيها من جمال وتنوع وتوازن واتساق‏.‏
وفي هذا الاطار فإن التعامل مع مخلوقات الله يجب أن يتم في إطار منظومة قيمية وأخلاقية نابعة من الأعراف الإنسانية والشرائع السماوية بهدف احترام حرمة الحياة وعدم تعريض مخلوقات الله للأذي أو الموت من أجل الحصول علي نتائج علمية قد تسهم في تدمير الحياة‏.‏

وقد استلفتت هذه الظاهرة اهتمام علماء الدين وأساتذة العلوم الاجتماعية وأصابتهم بحالة من الهلع‏,‏ وعكفوا علي إجراء الدراسات بهدف اصدار التشريعات التي تنظم التجارب علي الكائنات الحية بصفة عامة وعلي الانسان بصفة خاصة‏,‏ وتضع الضوابط التي تكفل حمايته وكفالة حقه في الحياة الآمنة‏,‏ وتحدد العقوبات اللازمة لمزاولة هذا النشاط سواء بالبيع أو الشراء حرصا علي كرامة الإنسان وعدم تعريضها للتشهير أو التشويه أو الامتهان أو الاعتداء عليها‏.‏
وتأتي قضية نقل الأعضاء البشرية في مقدمة القضايا التي يدور حولها نقاش حاد في مختلف الأوساط وعلي كل الأصعدة نظرا لأهميتها الفائقة في إنقاذ حياة أعداد كبيرة من البشر من الهلاك‏,‏ أو تأهيلهم لحياة سوية‏,‏ وقد تطور هذا الأسلوب العلاجي في الآونة الأخيرة تطورا كبيرا وذلك نتيجة التزايد الهائل في الكم المعرفي الذي أصبح متاحا في هذا الصدد‏,‏ حتي أصبح هذا الأسلوب يتصدر كل الأساليب العلاجية المتاحة في حالات الفشل الوظيفي للأعضاء البشرية المختلفة‏,‏ وهذا يتطلب بالضرورة وضع التشريعات الملائمة للمجتمع العربي الذي تحكمه العقيدة الإ سلامية كما تحكمه منظومة من القواعد العقائدية والفكرية والأخلاقية التي يختص بها‏.‏

ولم تقف البحوث العلمية عند هذا الحد ولكنها تواصل مسيرتها لتتجاوز تقنيات نقل وزرع الأعضاء والأنسجة البشرية الي نقل وإعادة تركيب الجينات الوراثية في الخلايا البشرية للحد من لأمراض الوراثية التي تهدد حياة الإنسان واتسعت دائرة الاهتمام بإقامة بنوك للأعضاء والأنسجة البشرية والحيوانية مثل بنوك الدم ومشتقاته وبنوك العظام وبنوك العيون وبنوك الجلد وبنوك الألبان البشرية والأمشاج التناسلية والجينات الوراثية والأجنة‏.‏
وإذا كان العالم العربي قد حفل مؤخرا بهذه التقنية فإن الأمر يستوجب المسارعة بوضع التشريعات اللازمة والمواكبة لهذا التطوربما يلائم منظومة القواعد العقدية والاخلاقية والفكرية التي تحكم مسيرة الحياة في هذا المجتمع‏,‏ وبما يضمن ـ في نفس الوقت ـ عدم تخلف العرب عن اللحاق بركب التقدم العلمي والثورة التكنولوجية ومواكبة المستجدات التي افرزتها البحوث العلمية في هذا الصدد‏,‏ لاسيما أن العالم يشهد تزايدا مطردا في معدلات نقل الاعضاء والانسجة البشرية والحيوانية وذلك لزرعها في اجساد المرضي من البشر بعد ان اقر الخبراء من اهل الاختصاص في مختلف المحافل الدولية بان موت جذع الدماغ وهو الذي يعرف بالموت الاكلينيكي أو السريري يعد موتا حقيقيا ونهائيا بما يجعل الحصول علي اعضاء من اجسام هؤلاء الموتي امرا مسموحا به من الناحية الطبية وهي حالة عن حالة الغيبوبة وهي حالة مرضية تختلف عن حالة موت جذع الدماغ وتؤثر بدرجات متفاوتة الشدة علي مركز الوعي والاحساس‏.‏

واذا كانت منظمات حقوق الانسان تعترض علي عمليات التشريح للحيوانات الحية‏,‏ واجراء التجارب العلمية المؤلمة عليها مثل اختبارات تأثير السموم والعقاقير والاشعاع والميكروبات والصدمات الكهربائية والمغناطيسية وتقوم بحث العلماء للبحث عن بدائل رحيمة لاجراء هذه الاختبارات‏,‏ فانه من باب اولي ان يتفق العرب علي وضع الضوابط اللازمة للحد من التجاوزات والمخالفات الشرعية منعا للبلبلة والاضطراب وعدم ترك الحبل علي الغارب لكل من هب ودب ليدلي بدلوه في هذه المسألة الدقيقة والحساسة وكذلك وضع الضوابط الصارمة لاجراء التجارب العلمية علي الانسان الذي رفع الله قدره فوق سائر المخلوقات‏.‏

واذا كانت الشريعة الاسلامية قد كرمت الانسان روحا وجسدا سواء كان حيا أو ميتا واعتبرت جسده امانة لايجوز التصرف فيها الا بالحق‏,‏ حتي لو كان هذا التصرف صادرا من صاحب الجسد نفسه‏,‏ فإنه يصبح من الاهمية بمكان الاتفاق علي كلمة سواء بين العلماء والفقهاء علي شرعية نقل الاعضاء البشرية وكيفية هذا النقل ذلك ان شريعة الاسلام قد أكدت الاهتمام بصحة الانسان وحياته‏,‏ كما أكدت اهمية توظيف كل وسائل العلاج التي تكفل له الحياة الكريمة الخالية من الامراض‏,‏ وهذا يعني انه لايجوز للانسان ان يبيع عضوا من اعضائه‏,‏ أو تتم المتاجرة في الاعضاء البشرية نظير مقابل مادي‏,‏ لأن اعضاء الانسان ليست محلا للبيع أو الشراء‏,‏ فهذا الامر محرم شرعا‏,‏ إلا في الحدود التي تتطلب إنقاذ حياة مريض علي مشارف الهلاك وذلك إذا صرح الطبيب المؤمن المتخصص بأن هذا التبرع لا يترتب عليه ضرر بالشخص المتبرع‏,‏ بل يترتب عليه نفع كبير بالنسبة للمتبرع له وذلك اتساقا مع القاعدة الفقهية التي تقرر بأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف‏.‏ وفي هذا الإطار فإنه يجوز تبرع الإنسان الحي لغيره من البشر بعضو من اعضائه بشرط أن يكون هذا التبرع صادرا من انسان كامل الأهلية انطلاقا من أن الشريعة الإسلامية قد كرمت الإنسان بعد موته‏,‏ ونهت عن الاعتداء علي جسده أو تشويه هذا الجسد‏,‏ معتبرة أن الموت الشرعي هو مفارقة الحياة للإنسان مفارقة كاملة يترتب عليها توقف كل الأعضاء عن أداء وظائفها‏,‏ وفي هذه الحالة فإنه يجوز نقل عضو من اعضاء جسد الميت الي جسد إنسان حي اذا كان هذا الإنسان قد أوصي بذلك قبل وفاته‏,‏ أو شهد علي ذلك اثنان من ورثته شريطة أن يتم هذا النقل دون مقابل‏,‏ وشريطة ألا يؤدي العضو المنقول الي اختلاط الأنساب‏.‏

وقد حرمت الشريعة الإسلامية نقل البويضات الأنثوية من امرأة الي أخري‏,‏ أو استخدام السائل المنوي للرجل في تلقيح بويضات امرأة أخري غير زوجته‏,‏ كما حرمت إقامة بنوك للألبان البشرية تفاديا لمشكلات الخلط في رضاعة الأطفال‏,‏ وفي نفس الوقت فإنها قد حرمت نقل الجينات من والي الأمشاج التناسلية البشرية بهدف استنساخ الإنسان البشري لما ينطوي علي ذلك من تغيير خلق الله عز وجل‏.‏


منقول.........