المعلم وما أدراك ما المعلم ! المعلم تلك الشمعة التي تحترق لتضيء الطريق للآخرين، ذلك الإنسان الذي يؤدي رسالة نبيلة فريدة من نوعها، تلك الرسالة التي إن أداها صاحبها على أحسن وجه أصبح من ورثة الأنبياء. المعلم الذي يرى طلابه وقد تسموا أعلى المراتب والدرجات وهو يقوم بنفس الدور ويؤدي رسالته من غير ملل ولا كلل . وقد استعير تشبيه مجازي قد لا يعجب بعض القراء ولكنه من وجهة نظري مثال مُعبر، حيث أن المعلم مثل السلم الكهربائي المتحرك من أسفل إلى أعلى حيث يوصل الآخرين إلى القمة من غير ملل ولا تعب.

هذه مقدمة بسيطة لإعطاء المعلم بعضاً مما يستحق من ثناء وإطراء، وأنا حينما استخدم كلمة المعلم بلفظها المذكر فهي تشمل المعلم والمعلمة، فكل منهما يبني نصف المجتمع. كان المعلم في السابق في مجتمعنا يعتمد منهجاً ووسائل توضيحية من بيئته المحيطة به حيث أن ذلك أدعى للفهم وتلبية حاجات الطالب (المتعلم) التعليمية والتربوية، فكان المنهج رباني السمات، والطريقة فيها شدة من غير عنف ولين ومن غير ضعف والوسائل مما يألفه المتعلم ويستطيع الحصول عليه من غير تكليف ولا إسراف، وهكذا يجب أن تكون التربية والتعليم فهي كالشجرة تنبت في بيئتها ولا تستطيع الحياة في غير تلك البيئة.

وها نحن الآن في هذا العصر المعلوماتي، والتي أصبحت المعلومة الصحيحة في شكلها ومحتواها هي المحرك الأساسي والقوة التي لا يستغني عنها إذا ما أريد لأي أمة أن تكون في مقدمة الركب العالمي الجديد . فهل أعددنا منهجنا التعليمي التربوي – المنهج بمعناه الشمولي والذي يتضمن المعلم والمحتوى والبيئة والمتعلم نفسه – إعداداً يتلاءم مع روح العصر المعلوماتية ؟ أنا لا أبحث عن إجابة لأنها ليست بهذه السهولة ، ولكني أردت أن أثير تساؤلاً لعله يحظى بالبحث والدراسة .

اعتقد شخصياً أننا نسير في الاتجاه الصحيح وإننا وضعنا أقدامنا على خطوة الألف ميل في سبيل تصحيح المسار وإعداد امة قادرة بإذن الله على التعامل مع تحديات العصر ومقتضيات الحال، فالمنهج بكافة جوانبه بدأ يتغير ويجب أن يتغير. فلم يعد التلقين والحفظ هما الوسيلة الوحيدة والمحببة للتربية والتعليم، وليس المعلم هو محور هذه العملية، بل أصبح الطالب أو المتعلم هو محورها.

والمتعلمون مستوياتهم وحاجاتهم مختلفة مما ينبغي فيه مراعاة هذه الفروق والتركيز على التعلم الذاتي الذي يشبع حاجات الفرد وينمي فيه عناصر النبوغ والبروز، والمنهج بمعناه المحدود وهو المقرر الدراسي الذي ينبغي أن يواكب حاجات العصر ويتعامل معها بكل مرونة ويلبي الفروق الفردية لدى المتعلمين، وإن كان المعلم تقع عليه المسؤولية الكبرى في هذا المجال بشرط أن توفر له كافة العوامل التي تمكنه من القيام بهذه المسؤولية .

إننا في عصر المعلوماتية أحوج ما نكون فيه إلى منهج مرن يعترف ويتعامل مع متغيرات العصر، وإلى معلم قادر على تلبية الحاجات الفردية للمتعلمين وإلى توجيههم كيف يتعلمون وكيف يحصلون ويتعاملون ويوظفون قوة هذا العصر وهي المعلومة، وإلى طالب يريد أن يتعلم ويبحث ويحرر فكره وعقله وخياله من أجل أن يستفيد من موارد هذا الكون ويوجهها الوجه الخيرة ولكي يبدع ويطور طرق جديدة للتعامل مع المستجدات اليومية وما أكثرها.