شيء من
التكافؤ في النسب
محمد بن عبداللطيف آل الشيخ
قضية التكافؤ في النسب ليست جديدة على مجتمعاتنا وإنما هي قديمة بقدم المجتمع نفسه. وتغير الأعراف، وبالذات الأعراف (المتخلفة) منها أمر مرتبط ارتباطاً تاماً بتطور وعي الفرد السعودي، وإيمانه بأن مثل هذه الفروقات المصطنعة والهلامية بين أبناء البلد الواحد هي (مرض) يجب أن يعالج، و(تشوّه) يجب إزالته.. غير أن الخطورة عندما يتدخل (الفقيه) على الخط ليسبغ على هذه القضية رؤاه التي هي في الغالب محض شخصية، لا علاقة لها بالنص الديني بقدر علاقتها بتراكمات البيئة التي نشأ فيها، مدافعاً عن الوضع (الراهن) بحدة أو بمبرر أن هذه أعراف وتقاليد الناس التي لا نملك تغييرها، عندها يصبح هذا التدخل (الخطير) عقبة كأداء في طريق (النضج الحضاري) الذي نسعى جميعاً إلى تكريسه كواقع على أرض الوطن.
هذا ما تبادر إلى ذهني وأنا أتابع الحلقات المتتابعة التي بثتها قناة (الإخبارية) وأدارها بتمكن المذيع أحمد الركبان. كان الإعداد وإدارة الحوار لهذه الحلقة جيداً، وتخطى المكان ليدخل إلى الحوار محاورون من خارج الوطن، كما اشترك في النقاش متخصصون إضافة إلى الشيخ الدكتور عبدالله المطلق عضو هيئة كبار العلماء؛ الأمر الذي أثرى النقاش، وخرج بالقضية من (المحلية) إلى مجال جغرافي وتعدد ثقافي أوسع، وهو ما (ميّز) هذه الحلقة، وشدَّ كثيراً من المشاهدين إليها.
وإقحام الشريعة في هذه القضية أمر في تقديري له أبعاد خطيرة؛ فالإسلام هو دين المساواة بين البشر: (إن أكركم عن الله أتقاكم) وفي الحديث: (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى)، وهذا هو الأساس (النصّي) الذي يجب الاعتماد عليه في هذه القضية.. يقول الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله - بشكل قطعي لا لبس فيه: (ولم يثبت في اعتبار الكفاءة في النسب حديث، وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه: (العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض) فإسانده ضعيف. نعم وورد في الصحيح ما يدل على فضل العرب، وفضل قريش على العرب وفضل بني هاشم على قريش، ولكن لم يرد ذلك في أمر الكفاءة).
هذا من الجانب الشرعي.
أما من الجانب الاجتماعي فإن إسباغ أي نوع من التبرير على مثل هذه العادات والتقاليد، وبالذات تلك التي تنحى إلى الفرز الطبقي هو في نهاية التحليل الأخير (تقليد) عنصري بحت. ونحن نعيش في عصر أصبح فيه (التمييز العنصري) من رذائل العادات، ومنبوذات الشعوب المحضرة، بل هو من العادات التي تكاد تتفق البشرية جمعاء على نبذها ورفضها .
والمملكة، كعضو في هيئة الأمم المتحدة، وقعت على كثير من الاتفاقات والمعاهدات التي ترفض من حيث المبدأ التفرقة بمختلف أشكالها وأنماطها. وعندما يعتمد الفقيه أو القاضي الشرعي على هذا (التقليد) كما حدث في بعض الحالات التي نظرها القضاء لدينا، فإن هذا يعني أن (القضاء) تدخل لحماية هذه العادات والتقاليد، وأقر العمل بها، واستند إليها كمرجعية له في أحكامه، بدلاً من أن يقف موقف الرافض لها، الأمر الذي يجعل بعض الفقهاء، والمؤسسة القضائية على وجه التحديد (في النتيجة) مسؤولة بشكل أو بآخر عن تكريس هذه التفرقة البغيضة، في حين أن المأمول فيها، والمطلوب منها، اجتثاثها لا حمايتها وتجذيرها كواقع على الأرض.
ربما أن هناك من علماء السلف مَنْ أقرَّ (التكافؤ في النسب) كشرط من شروط الزواج؛ خشية مما قد يترتب على (رفضها) آنذاك من فتن، غير أن الوضع اليوم يختلف، إضافة إلى أننا لسنا محكومين دائماً باجتهادات كل أسلافنا، وأقوالهم؛ لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره - كما يقول علماء الأصول - فكيف لمن ووري الثرى أن يحكم على (الأحياء) ويبت في شؤونهم وقضاياهم وما استجد عليهم من مستجدات؟.. تغير الزمان والمكان والظروف يجب أن يأخذها الفقيه بعين الاعتبار؛ أما التكلس والتقوقع في الفقه، والإصرار عليه، واتباع أقوال واجتهادات لا يلزمنا الإسلام بها، دون النظر إلى الفوارق والتباينات الكبيرة بين زماننا وزمانهم، فهي (العقبة) الكأداء التي تقف (دائماً) كحجر عثرة في طريق الوعي (أولاً) وصولاً إلى التحضر (ثانياً)، ومواكبة (الآخرين) الذين سبقونا في الحضارة.
وأخيراً أقول: ربما قد أقبل على (مضض) أن يبقى الفقيه محايداً أمام هذه التشوهات ، أما أن يكون داعماً ومدافعاً ومتلمساً لهذه العادة الأعذار والمبررات، فهذا ما لا يمكن أن نقبله البتة.
===================================
الجزيرة 24/04/2007