المتسولون" مواقف مضحكة.. مؤلمة.. وأحلام بغد أفضل



تحقيق - أمل الحسين وبارعة إبراهيم
قد يكون المتسولون من أكثر الناس تعرضاً لمواقف متنوعة في الحياة اليومية وذلك لاحتكاكهم المباشر بأصناف مختلفة من الناس، فهؤلاء الناس الذين تراهم ووجوههم مليئة باليأس والحزن قد يتعرضون يومياً إما لمواقف مخيفة ومرعبة أو لمواقف شديدة الفكاهة حتى نعتقد أن زحمة المواقف في أذهانهم تجعلهم ينسون بعضاً منها في وقت قصير.. لذلك أخذنا الفضول أن نتعرف على هذه المواقف وهل للمتسولين أحلام مثل غيرهم من البشر؟ في هذا العمل التقينا مع مجموعة من المتسولين وقصدنا أن تتفاوت أعمارهم ليحكوا علينا مواقفهم مع الجمهور.
( 50ريالاً)

في البداية يقول الطفل إسلام عبدالكريم. أفغاني. يبلغ من العمر تسع سنوات (من أكثر المواقف التي واجهتني وأضحكتني عندما كنت أتسول في أحد مطاعم الأكلات السريعة فوقفت عند رجل سمين وطلبته أن يشتري لي ساندوتش (همبر غر) وكان هو في مراحل أكله الأخيرة حيث يتضح ذلك من أغطية الساندوتش الورقية التي تشير إلى أنه أكل ثلاث ساندوتش وعندما حضرت إليه كان في نهاية الثالثة وطلبت منه الطلب وكان قد أكل نصف الساندوتش الثالث فالتفت إلي وهو متذمر فمد لي بقية الساندوتش الثالث قائلاً (خذ سديت نفسي) ولم يعطيني إياها إلا بعد قضم منها قضمة كانت كبيرة حتى أنها أتت على ربع الساندوتش!! أما المواقف المخيفة عندما كنت أتسول في شارع عام في الليل وقفت سيارة فيها ثلاثة شباب ووقفت بجانب السيارة أمد يدي ففتح من أقف بجانبه الزجاج وسألني عن أسمي وهو يبتسم ثم قال لي (وش رأيك تروح معي وأعطيك 50ريال) هنا خفت فدائماً والدى يحذرني من أن أركب مع أحد أياً كان فما كان منى إلا أن ركضت مباشرة مبتعداً عنهم ويبدو أنه عجبهم خوفي فما كان منهم إلا أن قام الاثنان الآخران بفتح الزجاج وأصبح الثلاثة يطلقون صيحات عالية لا أفهم ما يقولون فيها وهم يضحكون.

سألناه بعد هذا ماذا يحلم أن يصبح عندما يكبر فقال بسرعة دون تفكير (طبيب أطفال) وأشار إلى مستوصف أهلي قريب منا لم نتنبه لوجوده وقال (دائماً أتسول عند بابه وأراقب الأطباء خاصة أطباء الأطفال، وكيف يتعاملون مع المرضى الأطفال وأحاول كثيراً أن أرى أنواع الأدوية التي توصف لهم حتى أصبحت أعرف كثيراً من الأدوية التي تصلح للأطفال).

فتنة اليدين!!

وقالت متسولة سعودية تبلغ من العمر 27عاماً، مطلقة (من أكثر المواقف المضحكة التي دائماً تواجهني عندما أمد يدي فيقول لي الشخص - والله أني أطفر منك - لكن من أشد المواقف المضحكة عندما تقدمت نحو سيارة فيها رجل وزوجته ويبدو أن الوضع بينهما لم يكن جيداً، وعندما مددت يدي أخرج الرجل مبلغاً ومد يده لي فما كان من زوجته إلا ثارت ثورة كبيرة على زوجها وقالت له - مهوب لله معطيها عشان يدينها اللي دخت يوم شفتها - أنا لم أعرف كيف أتصرف فقد لزمت مكاني وكأني تمثال وما إن انتهت زوجته منه حتى وجهت إلي نظرات كالشرر من تحت النقاب قائلة - رجعي اللي عطاك - وبالفعل قذفت بالمبلغ الذي في يدي عليه حتى أني لا اعرف كم كان!!) أما المواقف المؤلمة فتقول (المواقف المؤلمة التي أمر فيها كثيرة ويكون حزني على نفسي وليس على شخص آخر، فمن هذه المواقف كنت فعلاً محتاجة للمال وكان وقت شتاء والسماء تنذر بهطول مطر والسماء ترعد وتبرق مما أدخل الخوف في قلبي وعزمت على الرحيل قبل هطول المطر إلا أنه لايوجد معي أجرة السيارة وأثناء محاولتي التسول لجمع مبلغ عودتي وقفت سيارة فيها شابان وفتح الجالس بجانب السائق الزجاج عندي علامة نيته على إعطائي شيئاً من المال فمددت يدي فما كان منه إلا قلب يده بحيث يواجه أبهام يده اليمني نحو كفي المفتوح - العلامة التي تشير إلى أن الشخص استطاع خداعك أو مراوغتك - ثم قاد السيارة بسرعة وبصوت عالي - فحط- حتى ظننته أنه دهس أقدامي ففزعت لا أعرف كيف أتصرف خاصة أن رصيف المشاة كان بعيداً عني، ذاك الموقف جعلني أشعر بالحزن على نفسي، لذا أتمنى أن اتزوج من رجل يكفيني شر السؤال والتسول وأن أنجب أبناء أدخلهم المدارس ويعيشون حياة كريمة لا ذل فيها.

بيت وراتب

أما رجل مسن يبدو أنه في نهاية العقد السادس وهو يعيش وحده حسب قوله، رغم أننا حاولنا أثناء حديثنا أن نعرف منه بعض المعلومات عن حياته الخاصة واستشفينا أن لديه أبناء متفاوتين في الأعمار وهو يقر بوجودهم ولكنه تحفظ على أماكن سكنهم وعملهم ووصفهم بالعاقين، وأنه يعاني من عدة أمراض أهمها القلب رغم أنه حين استرسل في الحديث لمسنا أنه يتمتع بصحة جيدة فقد كان ينسى آلامه التي يئن منها وقد أخبرنا باسمه في بداية حديثنا معه معتقداً أننا جماعة للمساعدة وعندما عرف في نهاية الحديث أننا صحافة غضب جداً وحذرنا من نشر أسمه!! وأنه سيقاضينا في المحاكم لو نشرنا أسمه فسألناه هل تتابع الصحف لتعرف بنشر أسمك أم لا فقال (بتوصلني العلوم) وعندما رأينا غضبه الحاد ذكرناه أن قلبه مريض ولكنه لم يبال بتذكيرنا واستمر على حاله وغضبه، وقبل أن تصل الأمور بيننا إلى ما وصلت إليه من سوء وكان الحديث بيننا شيقاً وودياً سألناه لماذا تتسول فقال (من اجل لقمة العيش، فليس لدى من يطعمني ويكسوني وأنا رجل كبير وليس لدى أيه أملاك أتعيش منها) وسألناه الم تعمل طوال حياتك بحيث تستفيد من المعاش التقاعدي فأجاب (أنا لا أعرف الكتابة ولا القراءة ولم أعمل طوال حياتي في وظيفة حكومية، ففي بداية حياتي كنت أعمل في تحميل بضائع في منطقة جيزان ومنذ أكثر من أثني عشر سنة جئت للرياض بقصد العمل ولم أجد رغم سعيي الحثيث والمتواصل وأصبت بعدة أمراض أقعدتني عن البحث وبما أني احتاج أن آكل وأعيش لم أجد وسيلة للعيش سوى التسول).

هل ما تكسبه يومياً يكفي لمطعمك وملبسك وبما أنك رجل مريض فهل يكفي لأدويتك؟ كانت الإجابة في البداية زفرة حارة ثم قال (منذ الصباح الباكر أخرج من المنزل والآن نحن في المساء ولم أجمع سوى بضع ريالات) وأخرج ما يقارب من خمسة وثلاثين ريالاً فنبهناه أن هذا المبلغ لايطلق عليه بضع ريالات إلا أنه قال بألم وتحسر (وهل هذا يساوي جهدي بين السيارات والمارة طوال اليوم؟!!).

ثم حدثنا عن أكثر موقف مضحك مر به أثناء تسوله فقال (في أحد المرات كنت أقف بعيداً عن الشارع العام وكان خالياً من السيارات وفجأة لمحت سيارة مليئة بالنساء والأطفال فأسرعت إليها معتقداً أنهم سيعطفون على حالي خاصة الأطفال وبالفعل أسرعت الخطى لأصل إليهم قبل أن تضيء أشارة المرور باللون الأخضر ووصلت قبل أن تضيء الإشارة إلا أنه عند وصولي تفاجأت بأن النساء والأطفال ينزلون من السيارة ويتوزعون في الشارع والحي بقصد التسول!!) وقد علق على مثل هذا التصرف بأنه لايجوز أن تخادع الناس وتدعي الحاجة والفقر وأنت في غني عن ذلك!!

أما أكثر المواقف المؤلمة فأشار أنها كثيرة جداً وشبه يومية، فيكفية الماً أنه يضطر يومياً يمد يده لسؤال الناس، أما أمنياته لغدً أفضل فقال (أتمنى أن يرسل لي الله فاعل خير يمنحني منزلاً ويجري لي راتباً يكفيني سؤال الناس!!).
http://www.alriyadh.com/2006/12/15/article209428.html