المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث فيما بين العروض واللغة ...



الصادق
09-12-06, 08:23 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذا البحث .. لشيخنا وقدوتنا النحوي العروضي الشاعر الدكتور أبو براء محمد جمال صقر ، حلية العلم ، وزينة المجالس ، عاشق لغة الضَّاد وآدابها ، العالم الضَّليع ، المُجَدِّدُ المُبْتَكِرُ ، تلميذ العلامة الإمام محمود محمد شاكر ، رحمه الله تعالى ! حفظ الله تعالى شيخنا ونفعنا بعلمه وأدبه !


بحث فيما بين العروض واللغة (1)

شِعْرُ أَبي سُرورٍ الْجامِعيِّ بَيْنَ الْمُعارَضَةِ وَالتَّخْميسِ

اكتساب الشعر

{1} الشعر نمط من اللغة فنيّ ؛ فكما نولد جميعًا مفطورين على اكتساب اللغة ، يولد بعضنا مفطورين على اكتساب فن اللغة وكما نحتاج جميعًا إلى من نكتسب منهم لغتهم لتصير لغتنا ، يحتاج بعضنا إلى من يكتسبون منهم فنهم اللغوي ليصير فنهم .
إن كل من حولنا قرباء وغرباء ، كبارا وصغارا ، ذكورا وإناثا ، يعلموننا اللغة ، ما لم يَصُدّوا عنا أو نَصُدَّ عنهم . وليس كل من حول بعضنا يعلمونهم فنّ اللغة ، ولو شدَّ بعضُهم يدَه بغَرْز بعض . إنما يعلِّمُهُمُوهُ طائفةٌ عزيزة انمازت من سائر الناس فسميت "الشعراء" ، كما انماز كلامهم من سائر الكلام فسمي "الشعر" (1) .

{2} ولأمر ما كانت أُسرالشعراء منذ أوّلية الشعر العربي ؛ فمُهَلْهِلٌ خال امرئ القيس وجَدُّ عمرو بن كلثوم لأمه ، وأكبر المرقـِّشَيْن عم الأصغر ، والأصغر عم طرفة ؛ يتعلم الولد من أبيه أو من هو بمنزلته ، كما تعلم هذا من أبيه أو من هو بمنزلته ، سُنّةً مستمرة (2).

{3} ولا يجوز الاعتراض بأنها سنة في الاكتساب سيّئة ، غير صالحة للفن، لأنها تُخرج صورًا منسوخة عن أصلها ، ليس فيها غير موات التقليد ، والفن رهين الإبداع الذي هو رهين الانقطاع من الماضي وهدم المألوف (3) ؛ ففضلاً عن أن التقليد نفسه هو المرحلة الفنية الحتمية الأولى (4) ، لا يكون حَديث إلا بعد قديم ، ولا يعرف حديث إلا بقديم ، بل قد صار معروفًا تفضيل اشتمال الفن الحديث على طرف من الفن القديم يتألّف المتلقين ويعطفهم (5) ، "ولو نحن ، في تنقيبنا عن آخر ملجأ لنا ، التقينا بجدنا الأول ، فإنا بلاشك سنرى حفرتي عينيه متوجهتين خلفًا نحو السمكة الزاحفة السعيدة التي كانت تعيش في حياة انسجام وانضباط في الوحول اللزجة التي عمرت يومًا المستنقعات المتبخرة " (6)!

بين المعارضة والسرقة

{4} وليس الأمر مقصورًا على تقليد البداءة ؛ فإنّ وحدةَ الثقافة التي هي قوام الأمة ، تُسَرِّب إلى أصحابها إطار فن اللغة ، كما تسرِّب إليهم إطار اللغة ؛ فكما يتعارفون بينهم على ما يتفاهمون به ، يتعارفون على ما يهتزّون له (7)، وما أكثر ما حفز الشاعر إلى الشعر قصيدة تعلّمها - على توسيع مفهوم التعلم ليشمل طرائق التلقي المختلفة كلها - فإما خضع لها رسالةً (مضمونًا) ، ووسائل (أدوات تعبير) ، أو رسالة فقط ، أو وسائل فقط، وإما أبى . فأما إذا ما أبى فإنه يفتش عن وسائل أخرى ملائمة يؤدي بها رسالة أخرى ممّا يشغله وعندئذ يخفى عن المتلقي عنه فضل تلك القصيدة عليه ، غير أن الشاعر يظل في نفسه أسير ذلك الفضل . وأما إذا خضع لرسالتها فقط ،أو لوسائلها فقط فإنه يعد سارقًا ، وهي دركات بعضها أخفى من بعض ، يسترها فقهاء السارقين ، ويفضحها فقهاء المتلقِّين (8). وأما إذا خضع لرسالتها ولوسائلها جميعًا ، فإنه يعد معارضًا أي مجاريًا مباريا (9).

{5} إن السرقة ضعف يجتهد صاحبه أن يخفيه ، "والحاذق يخفي دبيبه إلى المعنى ، يأخذه في سُتْرة فَيَحْكُمُ له بالسبق إليه أكثر من يمُرُّ به" (10)، وإن المعارضة قوة "أما المتقدمون فكانت لهم المعارضة ونحوها مما لا يضطلع به إلا قويٌ جريء " (11) ؛ فهو لا يخشى أن يبديها ؛ هذا البارودي ينظم داليته التي مطلعها :
" رضيتُ من الدنيا بما لا أودُّهُ وأيُّ امرئ يقوى على الدهر زندهُ " (12)،
ثم يقول في خلالها :
" وما أُبْتُ بالحرمان إلا لأنني ( أودُّ من الأيام ما لا توده )" (13)،
مضمِّنًا صدر مطلع دالية المتنبي :
" أَوَدُّ من الأيام ما لا توده وأشكو إليها بيننا وهي جنده " (14)،
دالاًّ على معارضته ، وهو إمام نهضة الأدب المصري الحديث ، الذي لا يساميه فــى الخمسمائة سنة التي قبله فيه أحد(15).

{6} يفعل البارودي ذلك ، قويًّا مفاخرًا ؛ فمن القمة التي يقف عليها يرسل بصره إلى المدى ، فتتجلى له قمم الشعر الباذخة ، فيناصيها ، ويباريها ، ثقة منه بمقدرته ، وإجلالاً لما يعارضه وتعلقًا به ، وخوضًا في هذه الظاهرة الإبداعية ، وانتصاحًا بنصيحة علماء الشعر ، وإدلالاً على معاصريه وفوتًا لهم بمقدرته ، وتزييفًا للقول باستفراغ السابقين وُسْع الإبداع ، ورغبة في سبق السابقين إلى مجاهل خَفِيَتْ عليهم (16) ؛ فلذلك كان "الفضل الذي له على عصره ، أكبر من الفضل الذي لعصره عليه ، فما جاء به من عند نفسه كثير لا يقاس إليه ما يجيء من قدرة معاصريه ، وذلك وحده خليق أن يُبوِّئه زعامة جيله ويقدمه إلى طليعة معاصريه وتابعيه"(17) .

قومية المعارضة

{7} كانت المعارضة نمطًا من إبداع الشعر ، عربيًّا خالصًا(18) ، مِسَنًّا أزليًّا جلا عن صفحة العروبة حين أوشكت تعفو وتستعجم ، ثورة أدبية ، واكب بها البارودي مثلا ، ثورة أحمد عرابي الحربية ، فخابت هذه ، ونجحت تلك ؛ فاستقامت بها عروبة مصر (19) ، ومَحْفِلاً أفشى به شوقي محاسن العربية ؛ بذل حُلاها ، ونشر حُللها ، مُدِلاًّ بثرائها ، مُغريًا بالاغتراف منه والاستغناء به (20) .

{8} وستبقى المعارضة ، إلى ذلك كله ، مِزْجرًا أبديًّا للحَقَدة الذين يدّعون مرة أن وحدة الأدب العربي كوحدة الثقافة العربية ، وَهْمٌ (21) ، ويستبشعون أخرى صلابة الثقافة العربية التي تمنع الأمة أن تقبل الفرد الحر الذي يؤمن بما يشاء ويعبر كما يشاء ، فتُثَبِّت الأشكال الشعرية العربية ، وتكسوها طابعًا دينيًّا ، وتسند إليها وظيفة الهُويّة (22) ، مِزْجرًا أبديًّا لهم بأن هذه الأمة التي تقبل الفرد الحر الذي يؤمن بما يشاء ويعبر كما يشاء ، وَهْم ! - وللجهلة الذين يساعدون الحقدة ، بالسخرية من "المخطط التقليدي للأداء" الذي يلائم "ميـة ، المواطنة السمراء في صحراء نجد" ، ولا يلائم "جانين ، المواطنة الفرنسية القاطنة في الرقم 73 بولفار سان ميشيل" ، التي إن وضعناها موضع مية معارضين مطلع دالية النابغة ، فقلنا :
يا دار (جانين) بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأبد
"أغْمي عليها" (23) ، مزجرًا أبديًّا لهم بأننا إنما نقول ذلك لمية السمراء ، لا لجانين الزرقاء ‍‍!

{9} ولن تفسد المعارضة على الشعر العربي الحديث" طزاجة العصرية "المزعومة (24) ، كما يفسده ما في استعمالنا لمصطلحي "التجديد" ، و"الحداثة" ، من قبول لشيء من الضياع ، وما في نسياننا لما في مصطلحي "المحافظة" و"القَدامة" ، من مجاهدة لذلك الضياع (25) ، ولا كما يفسده تقليد نمط من الشعر الغربي ، غريب عن ثقافتنا ، بعيد هو نفسه عن العصرية (26) - بل تظل منجاة مِسَنًّا : يمتنع بها الشاعر من الغرق بطوفان الضياع إذا طمّ وعمّ ، ويسن بها سنان آلته إذا تَثَلّم (27) .

{10} ولاسيما أن نرى الشاعر بالمعارضة مبدعًا ُمحلّقًا فيما انْفَسَح له من آفاق : هذا البارودي رغم ترديده بعض معانى ما عارضه وتقليده لبداءته ، يتصرف في مراحل أغراضه ، ويعرض عن غير المرضي منها ؛ "فلم يتعلق قط بأذيال القصائد التي كان يعارضها ، ولم تطغ على شخصيته ، أو تخف معالم شاعريته ، وإنما استطاع أن يملك رقابها فيفيد منها ويتحكم في توجيهها" (28) ، وهذا شوقي رغم ترديده مما عارضه ، بعض كلمات القافية والتراكيب ، يتصرف في المعاني ، والصور ، وأسلوب المقابلة ، بحيث حصل له "مشهد تكميلي ، ينبني على أصل ، لكن لا يتقيد به ، ويتبنى بعض ما فيه، دون أن يقصر في مزيد إثرائه . فيصح لنا أن نعتبر المعارضة عند شوقي (قراءة جديدة) للتراث" (29) .

تخاميس

{11} ومن شجون المعارضة التَّخْميس ؛ إذ هو من مبالغة الخالف في إجلال السالف ، وفيه يأتي إلى قصيدته ، فيفكُّ أبياتها بعضها من بعض ، ويصطنع لكل بيت ثلاثة أشطر من وزن صَدْره وقافيته ، يضيفها قبله ليأتي هو بعدها ملكًا في حاشيته مُبَجَّلاً !
لقد أجلّ أبيات أبي الفرج الساوي التي منها :
هي الدنيا تقول لساكنيها (أ) حذار حذار من بطشي وفتكي (ب)
فلا يغرركم مني ابتسام (ج) فقولي مضحك والفعل مبك (ب)
فبَجَّلَها قائلا - على ركاكته - :
دع الدنيا الدنية معْ بنيها (أ)
وطلقها الثلاث وكن نبيها(أ)
ألم ينبيك ما قد قيل فيها (أ)
هي الدنيا تقول لساكنيها (أ) حذار حذار من بطشي وفتكي (ب)
فلم يسمع لها فيهم كلام (ج)
وتاهوا في محبتها وهاموا (ج)
وكم نصحت وقالت يا نيام (ج)
فلا يغرركم مني ابتسام (ج) فقولي مضحك والفعل مبك (ب) (30)

{12} هو نمط من النظم متأخر الزمان والمكانة . فأما أنه متأخر الزمان ، فمن أنه تحويل لنوع من التخميس قديم نَحَلَ الرواةُ امرأ القيس شيئًا منه لم يُصَحَّحْ له ، ورُوي أن بشارًا المُرَعَّثَ كان يصنعه عبثاً واستهانة بالشعر (31) ، فيه "يؤتى بخمسة أقسام على قافية ، ثم بخمسة أخرى في وزنها على قافية غيرها كذلك ، إلى أن يفرغ من القصيدة ، هذا هو الأصل" (32) ، هكذا :
ـــــــ أ ــــــــ أ
ـــــــ أ ــــــــ أ
ـــــــ أ
ــــــ ب ـــــــ ب
ــــــ ب ـــــــ ب
ـــــــ ب
ثم حُوِّل إلى جعل قافية الشطر الخامس من الخَمَسات التالية للأولى ، مثل قافية خامس الخمسة الأولى ، هكذا :
ـــــــ أ ــــــــ أ
ـــــــ أ ــــــــ أ
ـــــــ أ
ــــــ ب ـــــــ ب
ــــــ ب ـــــــ ب
ـــــــ أ
ثم حُوِّل إلى تغيير قافية خامس الخمسة الأولى نفسه ، هكذا :
ـــــــ أ ــــــــ أ
ـــــــ أ ــــــــ أ
ـــــــ ب
ــــــ ج ـــــــ ج
ــــــ ج ـــــــ ج
ـــــــ ب

وسّميت هذه القافية الموحَّدة "عمود القصيدة" (33) ، وعندئذ التفت الشعراء إلى تخميس قصائد السالفين .

{13} وأما أنه متأخر المكانة ، فمن أنه ذِلَّةُ الجادّ الذي يكبر السالف فيضع من نفسه له ، ولعبة الهازل الذي ربما قلب للسالف معناه ولسان حاله يقول: انظـر كيف ألعـب بك !
"وما لذلك قصد الذين وضعوا هذه الأنواع ، ولا هو شيء في أصل الفطرة الشعرية … تلك الأنواع في الشعر الجيد أشبه بالزيادة في تراب الميت : لا يجدِّد موته ولكنه وَسْواسٌ وعَيْث" (34).

في الشعر العماني وشعر أبي سرور

{14} لقد جَرَتْ على الشعر العماني ، سنة المعارضة العربية بما تعلق بذيلها من التخميس ، غير أن بعض الباحثين حمل على الشعر العماني مراحل الركود ثم البعث ثم التجديد والابتكار التي تناول بها النقاد الشعر في سائر بلاد العرب ، فصنـع فصـلا في "المعارضات الأدبية : قيمتها ودورها في بعث الشعر العماني" ذكر فيه أنها مثلت "جانبا له أهميته في حركة إحياء الشعر" (35) ، وأن من شعرائها أبا سرور (36) وفي خلال ذلك عرض للتخميس ، فرآه محاولة " لمجاراة أسلوب فحول الشعراء" (37) ، ثم رآه "لا يصلح دليلاً في مجال بعث الشعر العربي ونهضته ، بقدر ما كان معوقًا ومضعفًا لهذه الحركة" (38).
أما إكراه الشعر العماني على قبول تلك المراحل ، فمسألة فرغتُ مـن نقدهـا مـن قبل (39) ، وأما نسبة أبي سرور إلى "الإحيائيين" - على تكلف المرحلة والمذهب - فعجيبة الحصول له وهو ابن سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف ، العائش بيننا فتيًّا ، وأدق منها نسبته إلى "المحافظين" مثلا ، وأما قوله الأول في التخميس فمنقوض بقوله الآخر الذي كاد يسلم لولا شوبه بزعم المرحلة . وربما كان من مساوئ هذه الفَعْلة تضليلُ بعض الباحثين ؛ إذ نسب أبا سرور إلى الإحيائيين مرة (40) ، ثم أخلاه منها أخرى (41)!

{15} وخلال حديث الدكتور أحمد درويش عن مظاهر معاصرة الجيلين القديم والحديث في شعر الخليلي العماني ، يرد ذكر "جانب آخر من الأغراض التي طرقها الشيخ الخليلي يندرج في ترويض القول وإثبات العلاقة الدائمة المتجددة بالتراث وإثبات المقدرة الشعرية … في هذه الظاهرة كثير من شعر المعارضات والتخميس ، والموشحات ، وجانب كبير من شعر الحكمة" (42) ، ورغم ما في ضم الحكمة إلى ما قبلها من خلط لرسالة الشعر بوسائله ، أستحسن نسبة المعارضة والتخميس إلى "تَرْويض القَوْل" (43) الذي يلائم فهمنا السابق في الفقرة السابعة .

{16} وفى ختام دراسته لأبي سرور قال أبو همام : "سبق أن ذكرنا رأينا في التخميس أثناء حديثنا عن الخليلي ، وما قلناه هنالك يقال هنا" (44) ، وكان قال هنالك "هو أيضًا يضاف إلى الأبواب الأخرى المثبتة قدرة الشاعر إلى أقرانه من القدامى ، وينبئ كذلك عن مدى إعجاب شاعر بما يخمسه ، وإلا ما كان أغناه عن طرق هذا الموضوع جملة ، والقدامى عندنا عرفوا هذا الطريقة ... فالتخميس والتشطير مثل المعارضة ، جوادان يتسابقان ، ولكن الثاني ينسج على منوال الأول ، ويحاول أن يبزه ويسبقه" (45) ، ثم يقول في أبي سرور : "في الديوان معارضة لنونية ابن زيدون ... وحسنًا فعل الجيل اللاحق أن لم يحصر نفسه في آصار الجيل السابق عليه فامتاحوا من ذواتهم ، ووسعوا قراءتهم لولا أن بعضهم فر إلى الفوضى والتسيب" (46) .
وفيما قاله نظر أغراني بذكر كلامه على طوله ، أعرضه فيما يأتى :
أولاً - أما أن التخميس كالمعارضة ، علامة إعجاب الخالف بالسالف ، فمما لا ريب فيه ، وقد سبق في الفقرة الحادية عشرة بيانه .
ثانيًا - أما أن التخميس كالمعارضة ، باب الخالف إلى إثبات قدرة كالتي للسالف ، فمما فيه ريب ؛ إذ أين ذلة المخمِّس ولعبته من مجاراة المعارض ومباراته ؟!
ثالثًا - أما أن القدامى عرفوا التخميس ، فغير صحيح إذا عنى تخميس قصائد السالفين - وهو دون غيره مجال كلامه - إذ الذي عرفوه حتى نحلوا امرأ القيس شيئًا منه، طريقة في إخراج القصيدة على أشطر منظمة بالقافية ، سبق في الفقرة الثانية عشرة بيانها.
رابعًا - إطلاق الحكم على أبي سرور وغيره ، منهج أبي همام المطرد في كثير مما كتب ، يقتحمه بفضل خبرته ، واعتماد تطبيق المقارنة التمثيلي التفصيلي أسدى وأولى ، ويكفي دليلاً أن علّة ما رآه من أن نونية أبي سرور "ليس فيها ما ننتظره من التنفس من رئتي ابن زيدون" (47) ، أنها لا تعارضها أصلاً بل تعارض نونية شوقي !
لقد كتب ابن زيدون وهو مكروب نونيته في الأسف للفراق ، والشوق للقاء ، والغزل بالمحاسن وأرسلها إلى ولادة (48) ، وكتب شوقي وهو مكروب منفي إلى بلد كان لابن زيدون وولادة فصار لخوليو وكرستين ، نونيته في الأسف لتبدل الحال ، وتمجيد الوطن ، والشوق إليه ، والفخر بنفسه وبرفاق أَزْمته ، وأرسلها إلى مصر (49) ، وكتب أبو سرور متمثلاً حال شوقي ، نونيته في الشوق إلى الماضي العزيز ، والأسف لتبدل الحال ، والتهديد بالعودة ، والفخر بالمسلمين عامة والعمانيين خاصة ، وألقاها في المؤتمر الذي أقيم لذكرى ابن زيدون بالمغرب (50)
وربما كان من مساوئ فعلة أبي همام اتباعُها ؛ إذ أطلق بعض الباحثين الحكم على أبي سرور قائلاً : "قارئ شعره يلحظ مدى تأثره بالشعراء السابقين في مجاراتهم في كثير من قصائده ومعارضتهم والاقتباس من شعرهم ، والاستفادة من طرائقهم ، وهذا ما سوف تكشفه لنا هذه الدراسة" (51) ، ثم لم يف بما وعد !
خامسًا - رؤية المعارضة قيدًا تقيد به جيل أبي سرور ، واستحسان انفكاك الجيل التالي له منه ، مما لم نقبله وقدمنا تفنيده في الفقرة الثالثة ، ويكفي دليلاً اعترافه بخروج بعض هذا الجيل التالي ، إلى الفوضى والتسيب ، ولو تعلم المعارضة ما أخرجته إليهما .

{17} ليطلق الباحثون في الشعر العماني بعامة وشعر أبي سرور بخاصة ، القول في المعارضة والتخميس ما شاؤوا ، دون أن يشفع واحد منهم ذلك بتطبيق المقارنة التمثيلي التفصيلي ، رغم أنه وحده الفيصل (52) .
وليقل أبو سرور نفسه : "لم أقرأ ديوان شعر كاملاً عن شاعر ولكني كنت أكثر من مطالعتي من ديوان البارودي حتى عزمت أن أجعله شاعري الوحيد ، لما فيه من شهامة ورجولة وبطولة ، حتى وصلت إلى قصيدة يمدح فيها ويتزلف ، فثنيت عناني عنه ، ولم أكمله ، ولم أعد إليه ، وأتصفح أحيانًا من شعر عنتر وشعر المتنبي" (53) .
فلن يثنينا شيء عن تطبيق المقارنة التمثيلي التفصيلي المبني على مقدمة مُجَدْوَلةٍ مِنْ إحصاء العناصر الدالة ، ولا عن اعتماد نتائجه وحدها .

مادة البحث

{18} في أولية باب السرقات الشعرية قال ابن الأثير: "من المعلوم أن السرقات الشعرية لا يمكن الوقوف عليها إلا بحفظ الأشعار الكثيرة التي لا يحصرها عدد ، فمن رام الأخذ بنواصيها والاشتمال على قواصيها بأن يتصفح الأشعار تصفحًا ويقتنع بتأملها ناظرًا، فإنه لا يظفر منها إلا بالحواشى والأطراف" (54) .
وحال دارس المعارضات قريبة من حال دارس السرقات ، ومن ثم يوشك أن يوئسه العجز عما وصف ابن الأثير ، غير أن اختلاف حال المعارض وحال السارق ، ينشط به إلى عمله ؛ فبينما يتطرف السارق بسرقته فيطلبها من بنيات الطريق ليُنسب إليه الإبداع دون صاحبه ، يعمد المعارض بمعارضته إلى لَقَم الطريق فيطلب القصائد الشامخة المشهورة ليستفيد من دلالة تاريخها وحياتها في ذاكرة الأمة (55) ، وبينما يخفى السارق دبيبه ويستر حاله ، يبدى المعارض عمله ويخلع عليه من علامات ما عارضه ، كما سبق في الفقرة الخامسة .

{19} لقد بين الجدولان الأول والثانى ، معارضة أبي سرور لثمانى قصائد ، وتخميسه لقصيدتين : أما المعارضة الأولى فلميميّة المتنبي التي منها أبيات الفخر الشاردة: "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبى ..." (56) ، وأما الثانية فلنونية عمرو بن كلثوم المعلقة (57) ، وأما الثالثة فلميميّة المتنبي التي منها أبيات الحكمة الشاردة: "على قدر أهل العزم تأتى العزائم ..." (58)، وأما الرابعة فلكافيـّة شوقي التي منها أبيات الأغنية الشاردة: "يا جارة الوادى طربت وعادنى …" (59) ، وأما الخامسة فلنونية جرير التي منها أبيات الغزل الشاردة: "إن العيون التي في طرفها مرض …" (60) ، وأما السادسة فلنونية شوقي التي منها أبيات الأسف الشاردة: "يا نائح الطلع أشباه عوادينا …" (61) ، وأما السابعة فلرائية المتنبي التي منها أبيات الحكمة الشاردة: "دع النفس تأخذ وسعها قبل بينها …" (62) ، وأما الثامنة فلنونية شوقي التي منها أبيات الحكمة الشاردة: "دقات قلب المرء قائلـة لـه..." (63) - ولا ريب في أن المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس قديمًا وشوقى الذي ملأها وشغلهم حديثًا ، جديران بأن يتكافآ لديه ويشغلاه عن غيرهما - وأما التخميس الأول فلأبيات من دالية البارودي (64) شاعر أبي سرور الأول ، وأما الآخر فلقصيدة أبي وسيم (65) بَلَديِّه فخر سمائل .

دلالات أوّليّة

{20} لقد بين الجدولان الأول والثاني أن التخميس ربع المعارضة ، وهو دليل أنه ظاهرة ضعيفة عارضة توشك أن تمّحي ، وأن المعارضة قليلة إلى قصائد المجلدات الأربعة العديدة ، وهو حق طبيعتها ؛ فأين المِسَنّ الذي يجلو من صفحة السيف ، من السيف الذي ينتهب الرقاب انتهابا - غير أنها واردة في كل مجلد منها ، وهو حق طبيعتها كذلك ؛ فلا غنى للسيف عن المسن .

{21} كانت المعارِضات الخالفات أقصر من المعارَضات السالفات ، إلا الخالفة الثامنة الأخيرة التي كانت أطول من سالفتها. إنه فضلا عن توفر أولئك الشعراء الكبار السالفيـن ، على الشعر ، وعنايتهم به وانصرافهم إليه ، وأن قصائدهم هذه من عيون شعرهم الذي إنما صار كذلك بما ناله من تحكيكهم وصبرهم أنفسهم عليه – ظهر لي أن لقلب أجزاء الرسالة (لُبّها) أثرا في ذلك ؛ فعندما يوافق هذا القلب في الخالفة نظيره في السالفة ، يجتهد الشاعر أن يشقق الكلام ويزيد على سلفه ، وهو ما كان في الثامنتين ؛ إذ اتفق بينهما "الرثاء" ، وعندما يخالفه ينصرف الشاعر إلى ما يقيم المعارضة ، وهو ما كان في الأوليين بالمدح في الخالفة والعتب في السالفة ، والثانيتين بالمدح في الخالفة والفخر في السالفة ، والثالثتين بالحكمة في الخالفة والمدح في السالفة ، والرابعتين بالغزل في الخالفة والتمجيد في السالفة ، والخامستين بالفخر في الخالفة والهجاء في السالفة ، والسادستين بالأسف في الخالفة والشوق في السالفة ، والسابعتين بالحكمة في الخالفة والمدح في السالفة.

{22} خمّس أبو سرور قصيدة أبي وسيم كلها ، على حين اقتطع من قصيدة البارودي ما خمسه ، وقد ظهرت لذلك عندى أسباب :
أولها - أن التخميس يضيف إلى البيت السالف مقدار مثله ونصفه ، بحيث يخرج من ستة وخمسين بيتًا هي قصيدة البارودي ، مقدار مائة وأربعين بيتا ، وهو شيء ضخم ، فاقتطع أبو سرور عشرين بيتًا فقط ( من 34 إلى 53 ) ، فأخرج مقدار خمسين بيتًا ، وهو شيء وسط، كما أخرج بتخميس أربعة عشر بيتًا هي قصيدة أبي وسيم ، مقدار خمسة وثلاثين بيتًا ، وهو شيء دون الوسط .
ثانيها - مناسبة أجزاء رسالة قصيدة أبي وسيم كلها لمراد أبي سرور ، بدليل أنه لم يخرج عنها بزيادة أو نقص ، وعدم مناسبة أجزاء رسالة قصيدة البارودي كلها ، بدليل أنه خرج عليها بطرح جزء الغزل .
آخرها - عناية أبي سرور ببلديّه فخر سمائل وقصيدته المشهورة " العصماء " - كما قال في العنوان - على حين كان تخميسه للأخرى إجلالاً لشاعر "بطل" ، كما قال في العنوان كذلك .

{23} لا أستطيع أن أغفل دلالة ترتيب بحور القصائد ، الذي كان هكذا : الطويل (40%)، ثم البسيط (30%) ، ثم الكامل(20%)، ثم الوافر (10%) . ولا دلالة ترتيب قوافيها، الذي كان هكذا : المطلقة النونية (40%) ، ثم المطلقة الميميّة (20%) ، والمطلقة الرائية (20%) ، ثم المطلقة الكافية (10%) ، والمطلقة الدالية (10%) ؛ فلا ريب في أن أبا سرور تاريخي الهوى ؛ فتلك الأبحر بترتيبها نفسه ، وهذه القوافي بترتيب حروف رويها نفسه – صفة عروضية كان شعر العرب القديم – ومنه الشعر العماني – يتصــف بها (66) .

زلّة عروضية

{24} سبق في الفقرة الحادية عشرة شرح طريقة تخميس قصائد السالفين . وقد بان منها أن الشاعر الخالف يُقَفِّي الثلاثة الأشطر الأولى التي يضيفها قبل بيت الشاعر السالف ، بمثل قافية الشطر الرابع الذي هو صدر بيت الشاعر السالف ؛ فيراعيه وكأنه بيت وحده ، بعد أن مكث مكانًا ذائبًا في البيت . ومن ثم يقيس الشاعر ما يأتي به من قوافي الثلاثة الأشطر ، إلى هذا الرابع وكأنه مطلع القصيدة ، فتجري قوانين علم القافية له أو عليه .
لقد كشف النظر في تقفية أبي سرور لما أضافه في كل بيت إلى شطري السالف ، أنه تجوز في تاء التأنيث متحركة (آخر الاسم المفرد) وساكنة (آخر الفعل الماضي) ؛ فاتخذها رويًّا على رغم تحرك ما قبلها ، وهو في علم القافية ضعيف ، ولاسيما أن تسكن (67) ؛ إذ هي ضعيفة الإسماع متحركةً عديمته ساكنةً (68) :
قال أبو سرور في تخميس البارودية :
" أنامت رجال الله عن بطن مكةِ
وقد بُيّتَتْ أخلاقهم للرزيةِ
وعاثت بوادٍ من بوادي المذلّةِ
فحتام نسري في دياجير محنةِ يضيق بها عن صحبة السيف غمدُهُ
تيقظ فعين السوء في الريف سُرِّحَتْ
إلى حُرم تحت المكارم خُدِّرَتْ
فما المرء أو يلقى المنايا وقد ضَرَتْ
إذا المرء لم يدفع يد الجور إن سطَتْ عليه فلا يأسف إذا ضاع مجدُهُ " (69).
أما البيت الأول فقد كان حق "مِحْنةٍ" في رابعه ، أن يلتزم في الثلاثة قبله ، النون قبل تاء التأنيث ، فأبدلها كافاً في الأول وياءً في الثاني ولاماً في الثالث . وأما البيت الثاني فقد كان حق "إنْ سطتْ" في رابعه ، أن يلتزم في الثلاثة قبله ، الطاء قبل تاء التأنيث ، فأبدلها حاء في الأول وراء في الثاني والثالث .
إنه إهمال لهذا الموضع الذي كان السالف يهمله إلا في مطلع قصيدته ، وكان حقه على أبي سرور ألا يهمله ، لأنه في نمط مختلف عن السالف ، تقفية الأشطر على النحو السابق في الفقرة الحادية عشرة ، شرط من شروطه .

رسالة القصيـدة

{25} ينبغي لدارس المعارضات والتخميسات أن يتفقد من الرسالة : كيف كانت في القصيدة السالفة ، ثم كيف صارت في القصيدة الخالفة ، ما يتبين به حقيقة عمل الخالف الفكري بين التقيد والتحرر ، فيضعه موضعه ويقدره قدره . ولا اعتراض هنا باستحالة تحررخالفة التخميس من ربقة رسالة سالفتها ؛ فربما وجّهتها غير وجهتها كما سبق في الفقرة الثالثة عشرة .
ولقد اطلعت بالجدولين الأول والثاني من أبي سرور في هذا الشأن ، على خمس أحوال :
الأولى - التقيد بأجزاء الرسالة في نفسها وفى ترتيبها جميعًا معًا ، وهو ما كان في المعارضة الثامنة والتخميس الأول بنسبة (20%) ، على أن ننتبه إلى أننا نقارن هذا التخميس بالأبيات العشرين السابق تحديدها من السالفة .
الثانية - التقيد بأجزاء الرسالة في نفسها دون ترتيبها ، وهو ما كان في التخميس الثاني بنسبة (10%) .
الثالثة - التحرر من أجزاء الرسالة بالزيادة عليها والنقص منها جميعًا معًا ، وهو ما كان في المعارضات الأولى والثانية والخامسة والسادسة بنسبة (40%) .
الرابعة - التحررمن أجزاء الرسالة بالزيادة عليها دون النقص منها ، وهو ما كان في المعارضة الثالثة بنسبة (10%) .
الخامسة - التحرر من أجزاء الرسالة بالنقص منها دون الزيادة عليها ، وهو ما كان في المعارضة الرابعة والسابعة بنسبة (20%) .
إن غلبة الحال الثالثة على أبي سرور تشهد لأخذه المعارضة أخذا خفيفًا جزئيًّا سماعيًّا ، ولا عجب ؛ فهو ربيب مجالس الأدب وأخو منتديات مذاكرة الإخوان (70).
وإن جمع الأحوال الثانية والرابعة والخامسة ، ليشهد بضيقه بالتقيد المحكم القاسي الذي انحصر في الحال الأولى .

وسائل القصيدة

{26} ثم ينبغي لدارس المعارضات والتخميسات كذلك ، أن يتفقد من وسائل أداء الرسالة: كيف كانت في القصيدة السالفة ، ثم كيف صارت في القصيدة الخالفة ، ما يتبين به حقيقة عمل الخالف الفني بين التقيد والتحرر ، فيضعه موضعه ويقدره قدره . ولقد اخترت للمقارنة ظواهر أسلوبية دالة مختلفة بين المعارضة والتخميس لاختلاف طبيعتيهما ؛ فإنه لما كانت الخالفة في المعارضة تجارى السالفة ، وفي التخميس تتضمنها ، جاز أن أبحث في المعارضة دون التخميس ، نوع الجملة وطولها وامتدادها ونوع كلمة القافية : كيف كانت في السالفة ثم كيف صارت في الخالفة ؟ ، وأن أبحث في التخميس دون المعارضة ، علاقة التركيب اللغوي في البيت القديم العمودي ذي الشطرين ، القبلية (بما سبق في القصيدة) والبعدية (بما لحق في القصيدة) : كيف كانت في السالفة ثم كيف صارت في الخالفة ؟

{27} أما مجال المقارنة في التخميس فكالشمس وضوحًا فحسمًا ، وأما مجالها في المعارضة فينبغي أن يكون الأبيات التي اتحد بينها جزء الرسالة في الخالفة وفي السالفة – مما وضحه الجدول الأول – على أن يراعى في اختيارها تمثيل أجزاء الرسائل المتحدة في أزواج المعارضات كلها ، وتناسبها قدر المستطاع ، لتتم للمقارنة شروطها كما تمت لها دواعيها(71) .
ولقد رأيت بالنظر الطويل أن تكون أبيات المقارنة هي أبيات المدح من الأوليين (12خ "أي من الخالفة" بنسبة 60% ، إلى 8س "أي من السالفة" بنسبة 21.62%) ، وأبيات الفخر من الثانيتين (10خ=21.27% إلى 72س=76.59%) ، وأبيات الحكمة من الثالثتين (18خ=62.06% إلى 2س=4.34%) ، وأبيات الغزل من الرابعتين (16خ=100% إلى 13س=23.63%) ، وأبيات الشوق من الخامستين (30خ=78.94% إلى 16س=21.91%) ، وأبيات الأسف من السادستين (13خ=23.21% إلى 17س=20.48%) ، وأبيات الحكمة من السابعتين (30خ=88.23% إلى 6س=14.63%) ، وأبيات الرثاء من الثامنتين (70خ=81.39% إلى 52س=81.27%) . ثم بان لي غلبة التفاوت بين نسبتي طرفي الأزواج ، الراجع لاختلاف مكانتي جزأي الرسالتين اللذين فيهما ، في قصيدتيهما ؛ فجزءٌ قَلْب كالذي في أبيات خالفة الأوليين ، وجزءٌ شَوًى (غير قلب) كالذي في أبيات سالفة الأوليين ، وهكذا ؛ فرأيت أن أصطفي من تلك الأزواج سادستيهما اللتين في الأسف ، وثامنتيهما اللتين في الرثاء ، لما بين طرفي كل منهما من تناسب تريده المقارنة ويقبلها .

نوع الجملة

{28} إن ترديد النظر في الجداول الثالث والرابع والخامس والسادس ، المبنية على أهمية دلالة نوع الجملة على الأسلوب وأن نوعها بنوع كلا ركنيها جميعًا لا أحدهما وحده ، أفضى إلى هاتين الملاحظتين :
الأولى - وافقت الخالفتان السالفتين في أول ميلهما ؛ إذْ كان في السادستين والثامنتين جميعًا "مضارع ، وضمير متكلم".
الأخرى – خالفت الخالفتان السالـفتين في ثاني ميلهمـا ؛ إذْ كان في السالفـة السادسـة "مضارع ، وضمير مخاطب" ، وفي السالفة الثامنة "ماض ، وضمير متكلم" ، و "ماض، ونكرة" ، فصار في الخالفة السادسة "معرف بأل ، واسم إشارة" ، وفي الخالفة الثامنة "أمر ، وضمير خطاب" .
أما الملاحظة الأولى فتوضح من جهة قرب الرثاء من الأسف ؛ ففي كل منهما الحزن مقيم ، وتوضح من جهة أخرى سيرورة روح القصيدة السالفة في الخالفة ، وأن الأصل الذي خضعت له الأولى لم تستطع الأخرى الانخلاع منه لطبيعيّته :
قالت السالفة السادسة :
" يا نائح الطلح أشباه عوادينا نشجى لواديك أم نأسى لوادينا "
فقالت خالفتها :
" لكننا لم ندان اليأس في غرض بل الرجاءَ نؤاخي في أمانينا "
وقال السالفة الثامنة :
" أبكي صباك ولا أعاتب من جني هذا عليه كرامة للجاني "
فقالت خالفتها :
" تستقبل الإخوان مسرورًا بهم وعلى ضلوعك مرجل الأحزان "
فالآسِفُ والمتفجِّع كلاهما متعلق بالبَثّ ، ليساعده أهله وإخوانه قديمًا كان أم حديثًا ، ولكن بلسان حال الخالف قال الشاعر :
" ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلت الفضل للمتقدم " !
وأما الملاحظة الأخرى فتوضح اجتهاد الخالف أن ينحو نحوًا خاصًّا به ويضـع
علامته :
قالت السالفة السادسة :
" تجر من فنن ساقًا إلى فنن وتسحب الذيل ترتاد المؤاسينا "
فقالت خالفتها :
" وذا هو الآخر الثاني ينادينا هذا هو القدس في الأغلال يا سينا "
وقالت السالفة الثامنة :
" شقت لمنظرك الجيوب عقائل وبكتك بالدمع الهتون غواني ...
ورأيتُ كيف تموت آساد الشرى وعرفت كيف مصارع الشجعان
ووجـدت في ذاك الخيـال عزائمًا ما للمنـون بدكهن يـدان "
فقالت خالفتها :
" أموا لزمزم حبه وتطوفوا متضـرعين له من الرحمــن
وتلمسوا حجر التوسل والمنى لا خاب راجي الله في إحسان "
فإن لكل شاعر فيما يسير فيه من بنيات الطريق دون أَمَمه ، لشأنًا ؛ فأما السالف في السادسة فراح يطرح أسفه على طائر في المكان ، وأما خالفه فراح يشير إلى مآسف أخرى، وأما السالف في الثامنة فعرض لأثر الفجيعة بالراحل العظيم في الناس وهو منهم ، وأما خالفه فقد شفعت له صداقته بالراحل العزيز ، أن يوصى أهله بما ينبغي أن يَبَرّوه به .

طول الجملة

{29} لما اتحد بين طرفى المقارنة بحراهما العروضيان ، وظهرت حدود جملهما ، صلحت التفاعيل مقياسًا لطول الجملة ، فأطْلعنا الجدول السابع على ما يلي :
أولاً - كانت الجملة في الخالفتين أقصر منها في السالفتين .
ثانيًا - كان فارق طول جملة الخالفة عن طول جملة السالفة ، في الثامنتين أيسر جدًّا منه في السادستين .
لقد كان صاحب السالفتين واحدًا عفوًا ، وصاحب الخالفتين واحدٌ قصدًا ، ولكل شاعر طريقته التي يملأ بها فضاء أبياته ، وقد تبين أنها طريقة مستمرة علـى أنحـاء
متقاربة:
قالت السالفة السادسة :
" رسم وقفنا على رسم الوفاء له نجيش بالدمع والإجلال يثنينا
لفتيـةٍ لا تنال الأرض أدمعهم ولا مفارقهـم إلا مصلينـا
لو لم يسودوا بدين فيه منبهة للناس كانت لهم أخلاقهم دينا "
فقالت خالفتها :
" أين الألى من رجال العلم واأسفا بفقدهم أصبح الإسلام محزونا
وأيـن قرطبـة مَن مثل أحمدها بها نقيم له الذكرى ميادينـا
وأين مسجدك المشهور وا ألمي قد بات في يد أهل الشرك يشكونا "
وقالت السالفة الثامنة :
" يا طاهر الغدوات والروْحات والخطرات والإسرار والإعلان
هـل قام قبلك في المـدائن فاتح غاز بغيـر مهند وسنـان
يدعـو إلى العلم الشريف وعنده أن العلوم دعائم العمران "
فقالت خالفتها :
"يـا شيخ من خلفت في حفظ الوفا ومكارم الأخلاق والإحسان
يـا شيخ من ذا يلتقي بمحمد وسعاد من شوق عليـك تعاني
من ذا لإسماعيل إن سمحت به أرض الحجاز طويلة الأغصان "
إنه إذا كان السالف في السادسة قد حذف المبتدأ ثم أقبل ينعت الخبر ، على نهج عربي قديم (72) ، نعتين أحدهما جملة فعلية والآخر شبه جملة حرفي ، ثم أقبل ينعت المجرور من شبه الجملة الحرفي نعتين جملتين فعليتين ، وفي الثامنة قد استعمل جملة النداء الفعلية بمنادى مضاف ، ثم أقبل يعطف على المضاف إليه أربعة معطوفات ، ثم ثنى بجملة فعلية علق بفعلها متعلقين وبفاعلها نعتين ، فاستطال بخبرته ومقدرته - فإن خالفه في السادسة قد اعترض الجمل الإسمية الثلاث بجملة النداء الفعلية ، مرتين ، وبجملة الاستفهام الاسمية مرة ، وفي الثامنة قد قدم جملة النداء الفعلية ، مرتين ، قبل جملتي الاستفهام الفعلية ثم الاسمية ، وقدم جملة الاستفهام القصيرة قبل جملة الشرط الفعلية ، فكان يصيب فائدة تارة ، كما في "من مثل أحمدها" الذي يزيد الأسف ويوضح الانتساب إلى قرطبة ، وفي "من ذا لإسماعيل" الذي يوغل في التفجع ، وكان يخطئها تارة ، فيخرج إلى الحشو الظاهر ، كما في "وا أسفا" ، و"وا ألمي" ، و"يا شيخ" ، فيقع بقلة حيلته بين فكّي رحًى عَروك .

امتداد الجملة

{30} إن النصوص التي قارنا أساليبها بالاطلاع على نوع الجملة ثم طولها في كل منها ، تحتاج أبدًا إلى الاطلاع على علاقة الجملة بغيرها في كل منها الذي كان القدماء يسمونه "معرفة الفصل من الوصل" ويجلونه حتى ربما قصروا عليه صفة البلاغة (73)؛ فما النَّصّ إلا جمل مترابطة (74).
وإن الجداول الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر ، لتطلعنا على ما يلي :
أولا - وافقت الخالفتان السالفتين في أول ميلهما وكان إلى استعمال الاستئناف طريقة امتداد .
ثانيًا - كانت نسبة فارق الاستئناف عن العطف في السالفة السادسة (51.86%) ، وفى خالفتها (50%)، وهما متقاربتان، غير أنها كانت في السالفة الثامنة (37.84%) ، وفى خالفتها (62.96%) ، وهما متباعدتان .
ثالثًا - خالفت الخالفتان السالفتين في ترجيح استعمال الترتب على استعمال الاعتراض ؛ فبينما استعملت السالفة السادسة الاعتراض والترتب الشرطي واستعملت السالفة الثامنة الترتب الشرطي والقسمي ، استعملت الخالفة السادسة الاعتراض والخالفة الثامنة الترتب الشرطي والاعتراض .
قالت السالفة الثامنة :
" لـــو أن أوطانًا تصور هيكلاً دفنوك بين جوانح الأوطان
أو كان يحمل في الجوارح ميت حملوك في الأسماع والأجفان
أو كـان للذكر الحكيم بقية لم تأت بعد رثيت في القرآن ...
يا صب مصر ويا شهيد غرامها هذا ثرى مصر فنم بأمان
اخلع على مصر شبابك عاليًا والبس شباب الحور والولدان "
فقالت خالفتها :
" من للعصافير الذين بجنبه من صلب إسماعيل في الوُجْدان
مـن ذا يقبل كل خد منهم وقت الصباح بنشوة الولـهان
مـن ذا إليه يهرعون بشوقهم بعد الدراسة مفعمًا بحنان "
تترابط الجملتان بعطف الإسمية منهما على نظيرتها والفعلية على نظيرتها ، وفى عطف الفعلية على الإسمية وعكسه ، خلاف ، غير أن الأرجح جوازه . ولعموم ترابطهما شروط ثلاثة :
أولها - ألا تختلفا خبرًا وإنشاءً .
ثانيها - ألا تتصلا معنىً اتصالاً كاملاً بحيث تكون الأخرى كأنها الأولى .
آخرها - ألا تنفصلا معنىً انفصالاً كاملاً بحيث تبدو الأخرى كأنها غريبة عن الأولى وإن جمعتهما رسالة النص .
إذا كانت الشروط جاز العطف ، وإذا لم تكن وجب الاستئناف (75) .
وشعراء العرب من قديم - ومنهم العمانيون - يجتهدون ألا يعلقوا الأبيات بعضها ببعض ، ويرونه عيبًا يسَمُّونَه "التَّضمين" أي جعل البيت في ضمن البيت (76) ؛ فهو يمنعهم أن يقتطعوه ليرووه في المواقف وحده . وإن إيثار نماذج المقارنة جميعًا استعمال الاستئناف طريقة لامتداد الجملة ، لبقية مما ترك القدماء ، وإنما الذي خالَفَ بينهما ميلُ السالف إلى تنسيق أجزاء البيت ، على حين مال خالفه إلى تنسيق الأبيات ، ولا سيما في الثامنتين اللتين مثلتُ منهما بما يغني عن غيرهما .
ففي حين انبنى الجزء الأول من نموذج السالفة السابق ذكره ، على أن يتحمل كل بيت جملتين شرطًا وجوابًا بحيث يستطيع من شاء أن يقدر أول الثاني والثالث "لو" محذوفة لدلالة التي في بداءة الأول عليها ، وانبنى جزؤه الآخر على أن يتحمل كلٌّ من صدر أوله وبيته الثاني ، جملتين متعاطفتين وهو نمط من التركيب سبق شبيهه في الفقرة الثامنة والعشرين - انبنى نموذج الخالفة على أن يتحمل كل بيتٍ جملة استفهام تعلق بمسندها ما أتم البيت .
وقد سبق في الفقرة التاسعة والعشرين أن أشرت إلى أمثلة من الجمل الاعتراضية بان فيها طرف من اختلاف الخالف بما استعمل من مد الجملة بالاعتراض الذي ظهر عليه الحشو غالبا .

كلمة القافية

{31} في موضع القافية (آخر ساكنين في البيت ، مع ما بينهما من متحركات متى كانت، ومع المتحرك الذي قبلهما) (77)، وموضع كلمتها (جزء الجملة الذي يؤدي القافية ، كلمة كان أو أقل أو أكثر ، مما يسمى هنا كلمة تجوّزًا) (78) - من البيت وجملته ، تتجلى مجاهدات الشاعر الناجحة والفاشلة جميعًا ، فنراه قد اختار صيغة كلمة دون أخرى ، وقدم كلمة على أخرى ، وزاد كلمة دون أخرى ، ونقص كلمة دون أخرى ، وكل ذلك لا يخرج عن أن يكون في منزلة من هذه المنازل الأربع المرتبة ترتيبًا منطقيًّا(79) :
الأولى - إكمال نقص السابق ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الأساس الآخر الذي يكمل العنصر الأساس الأول ، أو العكس متى قدم الشاعر وأخر . ومن هذه المنزلة في الجدول الثاني عشر النوعان (4،7) ، وفي الجدول الثالث عشر الأنواع (3،5،6) . وهي مقياس عادل لإحكام الشعراء شعرهم .
الثانية - زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الفرع الذي يتعلق بأساس أو فرع آخر من جملته . ومن هذه المنزلة في الجدول الثاني عشر الأنواع (1،3،5،6) ، وفي الجدول الثالث عشر الأنواع (1،2،7) . وهي مقياس عادل لمجاهدة الشعراء في شعرهم .
الثالثة - إضافة بعض اللاحق ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الأساس الأول في جملة جديدة ، على أن يكون العنصر الآخر منها في البيت التالي ، وهذا هو "التضمين" السابق ذكره في الفقرة الثلاثين . ولم يقع منها شيء في الجدولين كليهما . وهي مقياس عادل لإغراب الشعراء بشعرهم .
الرابعة - إضافة كل اللاحق ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الأساس الأول من الجملة ، على أن يكون مستغنيًا عن ذكر العنصر الأساس الآخر ، باستتاره فيه أو حذفه بعده ، أو تكون كلمة القافية فرعًا متعلقًا بالأساسين المحذوفين بعده . ومن هذه المنزلة في الجدول الثاني عشر النوع (2) ، وفي الجدول الثالث عشر النوع (4) . وهي مقياس عادل لشجاعة الشعراء في شعرهم .
ولقد أفضى استيعاب معطيات الجدولين إلى ترتيب منازل كلمة القافية في السالفتين، على النحو التالي :
الأولى - زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه ، بمتوسط نسبة (74.75%) .
الثانية - إكمال نقص السابق ، بمتوسط نسبة (16.14%) .
الثالثة - إضافة كل اللاحق ، بمتوسط نسبة (8.76%) .
وفي خالفتيهما ، على النحو التالي :
الأولى - زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه ، بمتوسط نسبة (68.78%) .
الثانية - إضافة كل اللاحق ، بمتوسط نسبة (16.80%) .
الثالثة - إكمال نقص السابق ، بمتوسط نسبة (12.96%) .
لقد تصدرت "زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه" منزلة لكلمة القافية في القصائد كلها :
قالت السالفة السادسة :
" كل رمته النوى ريش الفراق لنا سهما وسل عليك البين سكينا "
فقالت خالفتها :
" وأين قرطبة مَنْ مِثْلُ أحمدِها بها نقيم له الذكرى ميادينا "
وقالت السالفة الثامنة :
" يا طاهر الغدوات والروحات والخطرات والإسرار والإعلان "
فقالت خالفتها :
" يا آل إبراهيم إن عزاءكم لعزاؤنا في السر والإعلان "
فكما بالغت السالفة السادسة في المعنى بزيادة الحال "سكينا" ، بالغت خالفتها بزيادة الحال "ميادينا" ، وكما بالغت السالفة الثامنة في المعنى بزيادة المعطوف "الإعلان" ، حذت خالفتها حذوها حتى لقد نقلت عنها ، وإن كان الذي فيهما جميعًا تعبيرًا سياقيًّا يطلب أوله (المعطوف عليه) آخره (المعطوف) .
وإن في ذلك لدليلا لغلبة المجاهدة على الشاعر العربي في كل زمان ومكان(80) .
ولقد غابت "إضافة بعض اللاحق" من منازل كلمة القافية في القصائد كلها ، فتبين سير الخالف على نهج السالف وسير السالف على نهج الشاعر العربي القديم وتمسكه بذوقه الفني .
ولقد اختلفت المنزلتان الباقيتان ، بين السالفتين وخالفتيهما ، فتقدمت في السالفتين منزلة "إكمال نقص السابق" ، وتقدمت في الخالفتين منزلة "إضافة كل اللاحق" :
قالت السالفة السادسة :
" نسقي ثرائهم ثناء كلما نثرت دموعنا نُظمت منها مراثينا "
فقالت خالفتها :
" يشكو إلينا ولكن من يناصره مات المناصر إلا من يغنّونا "
وقالت السالفة الثامنة :
" يزجون نعشك في السناء وفي السنا فكأنما في نعشك القمرانِ "
فقالت الخالفة :
" يا أم يا أماه ها ذاك الذي ذبح النفوس ولا طبيب شفاني "
فإذا كانت السالفة السادسة قد راعت كلمة القافية ومهدت لها بتقديم نائب الظرف وما أضيف إليه "كلما..." على فعله "نظم" ، وبتقديم الجار والمجرور "منها" إلى جوار فعلهما نفسه ، ليأتي نائب الفاعل المضاف إلى ضمير المتكلمين "مراثينا" كلمة القافية ، فتشتد علاقة آخر البيت بما قبله¬ - فإن خالفتها لم تراع ذلك ولم تُمَهِّدْ له ، بل مرت في البيت سادرة مجترئة ، حتى إذا ما أوشك ، أنشأت في المأزق جملة الصلة الفعلية المضارعية "يغنونا" من الفعل المشتمل على فاعله . وإذا كانت السالفة الثامنة قد راعت كلمة القافية ومهدت لها بتقديم الخبر شبه الجملة "في نعشك" ، ليأتي المبتدأ "القمران" كلمة القافية ، فتشتد علاقة آخر البيت بما قبله - فإن خالفتها لم تراع ذلك ولم تمهِّدْ له ، بل مرت في البيت سادرة مجترئة ، حتى إذا ما أوشك ، أنشأت في المأزق جملة فعلية "شفاني" من فعل مشتمل على فاعله متصل بمفعوله ضمير المتكلم ، خبرًا (للا) تصلح نعتًا (لطبيب) بتأوّل .
إن فيما صنعته الخالفتان لدليلا لإيثارهما الشجاعة على الإحكام الذي آثرته السالفتان ، وتمسكًا بنهج الشاعر العماني المعاصر(81) .

علاقات الأبيات

{32} إن مقارنة العلاقات النحوية لكل بيت من الأبيات التي خمسها أبو سرور ، تفضي - كما بين الجدول الرابع عشر الأخير - إلى الملاحظات التالية :
أولا - لم يقع أن كانت علاقة البيت القبلية والبعدية جميعًا معًا ، متصلة في السالفتين (قصيدتي البارودي وأبي وسيم) ، فانقطعت في الخالفتين (قصيدتي أبي سرور) .
ثانيًا - لم يقع أن كانت علاقة البيت القبلية والبعدية جميعًا معًا ، منقطعة في السالفتين ، فاتصلت في الخالفتين .
ثالثًا - وقع أن كانت علاقة البيت القبلية وحدها ، متصلة في السالفة ، فانقطعت في الخالفة ، في البيت السادس من الوسيمية وحده .
قال أبووسيم :
"5- فيادردم في لــج بحرك ساكنًا وأنت له يا فكر لا تبغ مـعبرا
6- فحتام أحسو الماء فيهم بعلقم ويشرب حولي الناس ماء وسكرا "
فقال أبو سرور :
"6 - فحتام أهوى عزة لغَشَمْشَمِ
وأهوى له تقدير ملك معظم
بذلت حياتي خير بَرّ مكرّمِ
فحتام أحسو الماء فيهم بعلقم ويشرب حولي الناس ماء وسكرا "
ففي حين عطف أبو وسيم جملة الطلب الاستفهامية في البيت السادس ، على جملة الطلب الأمرية في البيت الخامس - قطع أبو سرور جملة الطلب الاستفهامية ، عن جملة الخبر الفعلية قبلها ، واستأنف .
رابعًا - وقع أن كانت علاقة البيت البعدية وحدها متصلة في السالفة ، فانقطعت في الخالفة ، في الأبيات الثالث والعاشر والسادس عشر والتاسع عشر من البارودية ، وفي الأبيات الثاني والثالث والحادي عشر من الوسيمية .
قال البارودي :
"18- ولابد من يوم تَلاعب بالقنا أسود الوغى فيه وتمرح جُرْدُهُ
19 - يمزق أستار النواظر برقه ويقرع أصداف المسامع رعده
20 - تدبر أحكام الطعان كهوله وتملك تصريف الأعنة مرده "
فقال أبو سرور :
"19- ولابد من يوم يسرك شرقه
غداة يلاقي الغرب ثم يشقه
وتلقى به صهيون ما تستحقه
يمزق أستار النواظر برقه ويقرع أصداف المسامع رعده
20- فيالك من يوم تسيل سيوله
دماء الأعادي والأسنة غيله
يقوم على الأعداء بالقطع جيله
تدبر أحكام الطعان كهوله وتملك تصريف الأعنة مُرْدُهُ " .
ففي حين عدد البارودي نعوت "يوم" في البيت الثامن عشر ، فوصل بينها حتى إن من شاء عطفها كلها بعضها على بعض - قطع أبو سرور جملة الخبر الفعلية ، عن جملة التعجب الفعلية بعدها ، واستأنف ، فإن كان استعمل الفاء ، فلما توحي به من معنى السببية
خامسًا - وقع أن كانت علاقة البيت القبلية وحدها ، منقطعة في السالفة ، فاتصلت في الخالفة ، في الأبيات الأول والخامس والتاسع والثامن عشر من البارودية ، والثاني والخامس والسابع والثامن والتاسع والحادي عشر من الوسيمية .
قال أبو وسيم :
" 8- ورب صغير دون قدري قدره يرى نفسه من طور سيناء أكبرا
9- قصرت على دين الإله تواضعي وأوسعت أهل الكبر مني تكبرا "
فقال أبو سرور :
" 9- تراني صلبا في جميع المواضع
ولست لمغرور النفوس بخاضع
شموخي على العاتين أقصى تخاضعي
قصرت على دين الإله تواضعي وأوسعت أهل الكبر مني تكبرا "
ففي حين قطع أبو وسيم حديثه عن نفسه بالجملة الفعلية ، عن حديثه عن غيره بالجملة الإسمية - عدد أبو سرور مفاعيل "ترى" فوصل بينها حتى إن من شاء عطفها كلها بعضها على بعض .
سادسًا - لم يقع أن كانت علاقة البيت البعدية وحدها ، منقطعة في السالفة ، فاتصلت في الخالفة .
إن ضم الملاحظة الثانية إلى الأولى ، يوضح أنه كان صعبًا على أبي سرور أن يقلب أمر الأبيات بتخميسه لها ، رأسًا لعقب ، فيذيبها في قصيدته لتصير لبنة في جدارها أو موجة في بحرها ، أو لتنخلع من حالها الأولى إلى حال أخرى لم تكن لها في أُمّها ، فيُنْسى ما كانت عليه ويذكرَ ما صارت إليه .
وإن ضم الملاحظة الخامسة إلى الثالثة ، يوضح طرفًا من اجتهاد أبي سرور الموفق ، في التأليف بين كلامه وكلام السالف ، وأنه كان بكلام أبي وسيم بلديِّه أحفى منه بكلام البارودي ، وهي علامة أخرى تضاف إلى ما سبق في الفقرة الثانية والعشرين .
وإن ضم الملاحظة السادسة إلى الرابعة ، يوضح مقتضى هذا النمط من العروض الذي يخرج البيت من القصيدة قطعة وكأنه بيتان ونصف ؛ إذ يحتاج إلى أن يستقل كل بيت منه عما قبله وما بعده ، وكأنه من حيث تركيبه النحوي قصيدة وحده (82) .

_____________________________


بيان الحواشي والمراجع

1- المرزوقي (أبو على أحمد بن محمد بن الحسين) "شرح ديوان الحماسة" ، بتحقيق أحمد أمين وعبد السلام هارون ، طبعة دار الجيل ببيروت ، الأولى سنة 1411هـ =1991م ، 1/9 ؛ فقد نبه على الحاجة في إحكام الشعر إلى الرواية ، وهي التي شُهر فينا أن العرب ترفع بها الشاعر (المُفْلِق) من منزلته الثانية ، إلى منزلة الشاعر (الخِنْذيذ) الأولى ، وفيها يَجْرى ولا يُجْرى معه ، والقرطاجني (أبو الحسن حازم) "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" ، بتحقيق محمد الحبيب بن الخوجه ، طبعة دار الكتب الشرقية بتونس ، سنة 1966م ، ص 29 ؛ فقد أفاض في شرح حاجة المفطور على الشعر ، إلى طول تعلمه ، وابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد) "المقدمة" ، بتحقيق الدكتور على عبد الواحد وافي ، طبعة نهضة مصر الثالثة ، 3/1313-1314 ؛ فقد أشار إلى ذلك ثم أضاف أن منزلته تكون عند منزلة ما تعلم منه ، وفدوى طوقان "رحلة جبلية رحلة صعبة: سيرة ذاتية" ، الطبعة الثالثة سنة 1988م ، نشرة دار الشروق بعمان الأردن ص 88-93 ؛ فقد قصت كيف علمها الشعر أخوها الشاعر إبراهيم طوقان .
2- الجمحي (محمد بن سلام) "طبقات فحول الشعراء" ، قرأه وشرحه أبو فهر محمود محمد شاكر ، طبعة المدني بالقاهرة ، 1/40-41 ، وابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم الكوفي) "الشعر والشعراء" ، بتحقيق أحمد محمد شاكر وشرْحه ، طبعة دار المعارف ، 1/297 ، وفيه إشارة إلى القول بسبق مهلهل إلى تقصيد القصائد ، وقول الفرزدق فيه : "ومهلهل الشعراء ذاك الأول" ، وابن رشيق (أبو على الحسن الأزدي القيرواني) "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" ، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، طبعة دار الجيل ببيروت ، الخامسة سنة 1401هـ = 1981م ، الجزء الأول ، والرافعي (مصطفى صادق) "تاريخ آداب العرب" ، طبعة سنة 1394هـ = 1974م ، نشرة دار الكتاب العربي ببيروت ، 3 / 30 - 33 ، وقد خاض الأخيران في كون الشعر في بعض القبائل دون بعض ، وفى بعض البيوت من هذه القبائل دون بعض .
3- مكاوي (دكتور عبد الغفار) "ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر"، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1972م ، ص223 ؛ فقد أشار إلى أن طائفة من الشعراء المحدثين عدميون ، وماي (روللو) "شجاعة الإبداع" ، بترجمة محمود كامل ، الطبعة الأولى سنة 1992م ، نشرة دار سعاد الصباح بالقاهرة ، ص 70 ؛ فقد روى عن بيكاسو "كل فعل من أفعال الإبداع هو في المقام الأول فعل من أفعال الهدم" ، وأدونيس (على أحمد سعيد) "زمن الشعر" ، الطبعة الثالثة سنة 1983م ، نشرة دار العودة ببيروت ، ص 78 ؛ فقد ذكر أن الشاعر لا يبتدع لغته إلا حين ينتزعها من ماضيها .
4- العقاد (عباس محمود) "شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي" ، طبعة دار الهلال بمصر (كتاب الهلال العدد 252) ، لشهر ذي القعدة 1391هـ = يناير 1972م، ص 89-90 ، ومن الطريف أن بيكاسو نفسه صاحب القول بالهدم ، اشتغل زمانًا بتقليد سابقيه الكبار !
5- صادق (دكتورة آمال آمال أحمد مختار) "لغة الموسيقى: دراسة في علم النفس اللغوي وتطبيقاته في مجال الموسيقى" ، الطبعة الأولى سنة 1988 ، نشرة مركز التنمية البشرية والمعلومات بالقاهرة ، ص220 ، ولوتمان (يوري) "تحليل النص الشعري: بنية القصيدة" ، بترجمة الدكتور محمد فتوح أحمد وتقديمه وتعليقه ، طبعة دار المعارف بالقاهرة سنة 1995م ، ص 182 ، وحجازي (أحمد عبد المعطي) "قصيدة لا: قراءة في شعر التمرد والخروج" ، الطبعة الأولى سنة 1409 هـ = 1989 م ، نشرة مركز الأهرام التابع لمؤسسة الأهرام ، ص9 ؛ فرغم عبوس الرفض على وجه كتابه ، يدافع العَدَمِيين ثم يقول : "إذا كان لنا أن نبحث عن مكان لنا في الشعر العربي ، فلابد من البحث عن أصولنا فيمن ظهروا قبلنا من المجددين ، بل وفيمن سبقونا أيضًا من التقليديين ، فليس هناك تجديد خالص ، أو تقليد خالص إلا إذا كان مصطنعًا محسوبًا . والجديد يبدأ في خلايا القديم ويرثه . هذا الجدل هو قانون التاريخ، وليس هناك وجود بلا تاريخ ، والكائن الذي يرفض تاريخه ميت لا محالة".
6- مكليش (أرشيبالد) "الشعر والتجربة" ، بترجمة سلمى الخضراء الجيّوسي ، ومراجعة توفيق صايغ ، نشرة دار اليقظة العربية بمشاركة مؤسسة فرنكلين ببيروت ونيويورك ، سنة 1963م ، ص 51 .
7- سويف (دكتور مصطفى) "الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة" ، طبعة دار المعارف بمصر سنة 1951م ، ص 150 ، والعقاد ، ص 93-94.
8- ابن الأثير (أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن أبي الكرم محمد الشيباني الجزري) "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" ، قدم له وحققه وعلق عليه الدكتوران أحمد الحوفي وبدوي طبانه ، نشرة دار نهضة مصر بالقاهرة ، 3/218 فما بعدها ، وابن وكيع (أبو محمد الحسن بن على الضبي التنّيسي) " المنصف للسارق والمسروق منه ، في إظهار سرقات أبي الطيب المتنبي ، بتحقيق الدكتور محمد يوسف نجم ، الطبعة الأولى سنة 1404 هـ=1984 م ، 1/9 فما بعدها .
9- ابن منظور (أبو الفضل محمد بن مكرم المصري) "لسان العرب" ، طبعة دار المعارف بالقاهرة ، مادة عرض ، وطبانه (الدكتور بدوي) "معجم البلاغة العربية" ، الطبعة الثالثة سنة 1988م ، نشرة دار المنار بجدة ودار الرفاعي بالرياض ، ص 416 ، ووهبة (الدكتور مجدي) "معجم مصطلحات الأدب: إنكليزي، فرنسي، عربي"، نشرة مكتبة لبنان ببيروت ، ص 389 ، والطرابلسي (الدكتور محمد الهادي) "خصائص الأسلوب في الشوقيات" ، طبعة سنة 1981م ، نشرة الجامعة التونسية ، ص 239 – 240 ، ونوفل (الدكتور محمد محمود قاسم) "تاريخ المعارضات في الشعر العربي" ، الطبعة الأولى سنة 1403هـ = 1983م ، نشرة مؤسسة الرسالة ببيروت ودار الفرقان بالأردن ، ص 13 وما بعدها ، غير أن هذا الأخير تخفف من بعض أشراط المعارضة مقلّدًا غيره ، وقال بمعارضة ناقصة ، فأوشك أن يدخل فيها الشعر العربي الذي يَعرف !
10- العسكري (أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل) "كتاب الصناعتين الكتابة والشعر" ، بتحقيق على محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم ، طبعة دار الفكر العربي ، الثانية ، ص 204 ، وقد حفظنا للأخطل قوله : " نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة " !
11- الرافعي 3/386 .
12- البارودي (محمود سامي) "ديوانه" ، حققه وصححه وضبطه وشرحه على الجارم ومحمد شفيق معروف ، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب ، سنة 1992م ، توزيع مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعرى ، 1/187 .
13- السابق ، 1/191 .
14- المتنبي (أبو الطيب أحمد بن الحسين) "ديوانه" ، بشرح أبي البقاء العكبري المسمى "التبيان في شرح الديوان" ، ضبطه وصححه ووضع فهارسه مصطفى السقا وإبراهيم الإبياري وعبد الحفيظ شلبي ، نشرة دار المعرفة ببيروت، 2/19 . وراجع عند شاعر هذا البحث أبي سرور (حميد بن عبد الله بن حميد بن سرور الجامعي العماني السمائلي) "ديوانه" ، نشرة مكتبة الفردوس بسمائل عمان ، 3/34 ، 75 ؛ فقد دلّ في نونيته التي مطلعها :
يا طائر الشوق ما أشجاك أشجانا فروِّنا من كؤوس الأنس ألوانا
على معارضته نونية جرير (أبي حزرة بن عطية بن حذيفة الخَطَفَي) "ديوانه"، بشرح ابن حبيب ، وتحقيق الدكتور نعمان طه ، طبعة دار المعارف الثالثة ، 1/163 التي منها :
إن العيـون التي في طرفهـا مرض قتلننـا ثم لم يـحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا صراع به ، وهن أضعف خلق الله أركانا
بتضمين هذين البيتين ، وإن بشيء يسير من اختلاف الرواية . وقد استحسن ابن الأثير صنيعًا كالذي صنعه البارودي وأبو سرور ، فراجعه 3/205 ، ولم يملك المستشرق ستيرن (صمويل .م) في "الموشح الأندلسي" ، بترجمة الدكتور عبد الحميد شيحه ، الطبعة الأولى سنة 1990م ، نشرة مكتبة الآداب بالقاهرة ، إلا أن يقول في ص 87 : "عادة المعارضات في أن تأخذ الخرجة – أو المطلع – في الموشحة النموذج ، تعد دليلاً مثاليًّا ينتفي معه أي اتهام (بالسرقة) في هذا المقام . فالشاعر حين يقتبس خرجة موشحة مشهورة ، بل ويقدمها في صورة تضمين ، لا يدع مجالاً للتخمين ، إنما يبرهن بجلاء على أنه لا ينظر إلى المحاكاة بوصفها عارًا ينبغي ستره ، بل على العكس يراها عنوانًا على الشرف الذي يسعى جاهدًا إلى إحرازه لدى جماهير المتلقين" .
15- العقاد ص 90-91 .
16- سعيد (الدكتورة نفوسة زكريا) "البارودي: حياته وشعره" ، قدم له وأعده للنشر الدكتور محمد مصطفى هدارة ، طبعة مطابع جريدة السفير ، توزيع مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري ، ص 330-335 .
17- العقاد ص 114 .
18- الطرابلسي ص 239 ؛ فقد ذكر أن "المعارضة ضرب من ضروب نظم الشعر يختص به الأدب العربي … لم تحظ… بدراسة … في سر إخصابها في الحضارة العربية دون غيرها" .
19- محمود (الدكتور زكي نجيب) "مع الشعراء" ، طبعة دار الشروق بالقاهرة ، الرابعة سنة 1408هـ = 1988م ، ص 185-186 .
20- الطرابلسي ، ص 262 .
21- أبو ديب (الدكتور كمال) "الرؤى المقنعة: نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي (1) البنية والرؤيا" ، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1986م ، ص 668-669 .
22- أدونيس "الصوفية والسوريالية" ، الطبعة الأولى سنة 1992م ، نشرة دار الساقي ببيروت ، ص213 – 215 ، 229 – 230 ، وهو لم يخف في "زمن الشعر" ص89 ، شوقه إلى تفكك البنية الحضارية القديمة وزوالها ، وعوض (الدكتور لويس) "بلوتو لاند وقصائد أخرى من شعر الخاصة" ، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب ، الثانية سنة 1989م ؛ فقد أنف من قراءة البحتري وأبي تمام ، في ص10 ، وفخر بأن إحساسه باللغة العربية ضعيف وأثنى على من لم يقرأ حرفًا عربيًّا خلال ثلاث عشرة سنة إلا عناوين الأخبار في الصحف السيارة وبعض الشوارد السياسية ، في ص22 .
23- قباني (نزار توفيق) "الشعر قنديل أخضر" ، الطبعة السادسة عشرة ليناير 2000م ، من منشورات نزار قباني ببيروت ، ص89 – 90 .
24- الجيار (الدكتور مدحت) "موسيقى الشعر العربي: قضايا ومشكلات" ، طبعة دار المعارف بالقاهرة ، الثالثة سنة 1995م ، ص155 .
25- ناصف (الدكتور مصطفى) "رسالة إلى الشعراء" ، بحث بالعدد الخامس من مجلة إبداع المصرية ، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مايو سنة 1995م ، ص20 ، وأستحسن لك أن تراجع أدونيس " النص القرآنى وآفاق الكتابة " ، طبعة سنة 1993م ، نشرة دار الآداب ببيروت ، لتقرأ في رؤيته لقصيدة المستقبل قوله في ص 121 : "ربما سيعمل الشاعر على أن يدخل في كتابته الشعرية عناصر كثيرة تنتمى إلى المسرح والرواية والفلسفة والعلم والتاريخ وغيرها ، وعناصر كثيرة أخرى يأخذها من خارج الكلام ، من الفنون الأخرى ، ومن الواقع وأشيائه . والأرجح أن تتضافر أشكال الفن في شكل للشعر يؤالف بين مختلف الأنواع والأشكال الكتابية . وربما قرأنا في القصيدة المقبلة المسرح والرواية ، التاريخ والفلسفة ، الأشياء وما وراءها ، نبض القلب وتساؤل القلب . وربما رأينا فيها رسمًا هندسيًّا وموسيقى ، ربما أصبحت القصيدة أشبه بمسح كلّيّ لكلية اللغات والأشياء"!
26- ساعي (الدكتور أحمد بسام) "حركة الشعر الحديث في سورية من خلال أعلامه" ، الطبعة الأولى سنة 1398هـ = 1978م ، نشرة دار المأمون للتراث بدمشق ، ص536 ، 537 .
27- مكاوي ص327 ؛ فقد قال كلمة فاخرة فيما يستطيع شاعرنا العربي الجديد "حارس لغتنا وتراثنا وضميرنا ، وأمل حاضرنا ومستقبلنا" ، أن يتعلمه من تجربة الشعر الحديث في الغرب ، منها أنه "يستطيع أن يتعلم كيف يضع تراثه بين عينيه وفي حبات قلبه" .
28- سعيد ص357 .
29- الطرابلسي ص262 ، وراجع نوفل ص227 – 230 ، على رغم أنه خلط في الحكم عليها أخيرًا ، قولاً صالحًا وآخر سيئًا ، وكان كتابه مَرًّا ضعيفًا بما تيسر له في بعض العصور من نماذج المعارضات ، بحيث اتسع عنه اسمه ، وكذلك حال كتاب بوذينه (محمد) "المعارضات في الشعر العربي" ، نشرة بوذينه بتونس ؛ فكلاهما احتطابٌ مَغْسول !
30- الهاشمي (السيد أحمد) "ميزان الذهب في صناعة شعر العرب" ، طبعة سنة 1393هـ = 1973م ، نشرة دار الكتب العلمية ببيروت ، ص142 – 143 البهلاني (يحيى) "فن التخميس في الشعر العماني" ، الطبعة الأولى سنة 1415هـ = 1995م ، نشرة مكتبة مسقط بعمان، ص5 –7 .
31- ابن رشيق 1/182 .
32- السابق 1/180 .
33- الرافعي 3/386 ، والهاشمي ص138 ، وأنيس (الدكتور إبراهيم) "موسيقى الشعر" ، الطبعة السادسة سنة 1988م ، نشرة مكتبةالأنجلو المصرية ، ص307 ، ووهبه ص69 . ومن الطريف أن ابن منظور كأنه لم يسمع بشيء من ذلك التخميس ، فظنه ما كان من الشعر على خمسة أجزاء ، فحكم عليه بأنه ليس في وضع العروض ، في مادة (خمس) من لسان العرب . وقد علمنا أن الجزء في علم العروض والركن والإفعيل والتفعيل جميعًا ، التفعيلة ، ولما كان البيت في ضبط الخليل ، عبارة عن تكرار شطره الدائريّ ، استحال أن يكون من خمسة أجزاء !
34- الرافعي 3/386 .
35- دومة (دكتور علي عبد الخالق علي) "الشعر العماني : مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية" ، طبعة دار المعارف بمصر سنة 1984م ، ص83 .
36- السابق ص101 .
37- السابق 103 .
38- السابق نفسه .
39- صقر (الدكتور محمد جمال) "القافية الموحدة المقيدة وكلمتها في الشعر العماني" ، بحث من أعمال ندوة الأدب العماني الأولى بجامعة السلطان قابوس من 26 إلى 29 من فبراير سنة 2000م .
40- السليمي (محمود بن مبارك بن حبيب) "شعر حميد بن عبد الله الجامعي (أبو سرور)" ، رسالة ماجستير محفوظة بكلية الدراسات العليا بالجامعة الأردنية لسنة 1995م ، ص203 .
41- السابق ص267 .
42- درويش (الدكتور أحمد إبراهيم) "مدخل إلى دراسة الأدب في عمان" طبعة دار المعارف بمصر سنة 1992م ، نشرة دار الأسرة ، ص202 ،203 .
43- هي كلمة قديمة – وإن كانت (رياضة) أفصح – في معالجة مُصْعَب الشعر ليلين ويسمح ، استعملها البارودي قائلاً عن نفسه: " قال في صباه يَروضُ القول، ويذكر الطَّرَد :
سواي بتحنان الأغاريد يطرب وغيري باللذات يلهو ويعجب "
فقال محققا ديوانه الفاضلان: "هذه القصيدة على وزن وروى قصيدة الشريف الرضي التي مطلعها :
لغير العلا مني القلى والتجنب ولولا العلا ماكنت في الحب أرغب "
البارودي 1/89 . وكأن الدكتور محمد نوفل اعتمد على هذه الحاشية فجعل ذلك في فصل "المعارضات في العصر الحديث" ، مما عارض به البارودي هاشمية الشريف الرضي ، راجع نوفل ص179 – 180 ، وكان الأحرى أن يفتش عن أم هاشميات الكميت الأسدي التي مطلعها :
" طرِبْتُ وما شوقا إلى البيض أطربُ ولا لعبًا مني وذو الشوق يلعب "
فهي أولى وأقدم . راجع الرافعي (محمد محمود) "شرح الهاشميّات"، الطبعة الثانية ، ص 36 .
44- أبو همام (الدكتور عبد اللطيف عبد الحليم) "في الشعر العماني المعاصر" ، الطبعة الأولى ، توزيع مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة ، ص68 .
45- السابق ص37 .
46- السابق ص68 .
47- السابق نفسه .
48- المقري (أحمد بن محمد التلمساني) "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" ، حققه الدكتور إحسان عباس ، طبعة سنة1408هـ = 1988م ، نشرة دار صادر ببيروت ، 3/275 – 278 ، وعبد العظيم (علي) "ابن زيدون" ، العدد (66) من أعلام العرب ، طبعة دار الكاتب العربي بالقاهرة ، سنة 1967م ، ص126 وما بعدها .
49- شوقي (أحمد) "الشوقيات" ، بتحقيق الدكتور محمد حسين هيكل ، طبعة سنة 1970م ، نشرة المكتبة التجارية الكبرى بمصر ، 2/104 وما بعدها .
50- أبو سرور 3/112 وما بعدها . وربما كان لخلو حديثه عن أساتذته الشعراء من ابن زيدون في 1/49 ، وذكر شوقي منهم عند السليمي الذي لم يذكر منهم كذلك ابن زيدون في ص34 – دلالة ما في هذا المقام .
51- السليمي 36 .
52- سعيد ص348 .
53- أبو سرور 1/49 .
54- ابن الأثير 3/223 .
55- الرافعي 3/386 ، والأهواني (الدكتور عبد العزيز) "ابن سناء ومشكلة العقم والابتكار في الشعر" ، طبعة دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد ، الثانية سنة 1986م ، ص28 ، ورحيم (مقداد) "الموشحات في بلاد الشام منذ نشأتها حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري" ، الطبعة الأولى سنة 1407هـ = 1987م ، نشرة عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية ببيروت ، ص165 – 166 .
56- المتنبي 3/367 .
57- الأنباري (أبو بكر محمد بن القاسم) "شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات"، بتحقيق عبد السلام هارون وتعليقه ، طبعة دار المعارف بمصر ، الخامسة ، ص367 وما بعدها .
58- المتنبي 3/378 .
59- شوقي 2/179 .
60- جرير 1/163 .
61- شوقي 2/104 .
62- المتنبي 2/148 .
63- شوقي 3/158 .
64- راجع البارودي 1/192 – 195 .
65- الخصيبي (محمد بن راشد بن عزيز) "شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان" ، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة بعمان، الثانية سنة 1989م ، 1/177 .
66- السليمي ص203 ، وصقر ،الفقرتان }10،25{ ، وأنيس 191 ، والبحراوي (الدكتور سيد) "العروض وإيقاع الشعر" ، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1993م ، ص56 .
67- المعري (أبو العلاء أحمد بن سليمان) "اللزوميات" ، بتحقيق أمين عبد العزيز الخانجي ، نشرة مكتبة الخانجي بالقاهرة ، 1،2 ، 19 – 20 .
68- أيوب (الدكتور عبد الرحمن) "أصوات اللغة" ، طبعة الكيلاني بالقاهرة ، الثانية سنة 1968 ، ص135 .
69- أبو سرور 2/57 ، وهما البيتان الثاني والثالث ، ومثل الثاني العاشر والحادي عشر ، ومثل الثالث الثالث عشر . و"ضَرَتْ" فيما نقلت هكذا ، ضرورة ؛ إذ هـــو "ضَرِيَتْ" أي اشتدت ، فأما "ضَرَتْ" فاستخفت . وطريف جدًّا أن يستمر إيثار أبي سرور لقصيدة بلديّه أبي وسيم ، هنا كذلك؛ فلا يرتكب في تخميسه لها هذا الإهمال .
70- أبو سرور 1/49 ، والسليمى ص36 – 37 .
71- الآمدي (أبو القاسم الحسن بن بشر) "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري" ، بتحقيق السيد أحمد صقر ، طبعة دار المعارف بمصر ، الرابعة ، 1 /6 ، 57 ، 429 ، والقرطاجني ص 376 ، ومصلوح (الدكتور سعد) "الأسلوب: دراسة لغوية إحصائية" ، الطبعة الثالثة سنة 1412هـ = 1992م ، نشرة عالم الكتب بالقاهرة ، ص 49 ، 105 ، وويليك (رينيه) ووارين (أوستن) "نظرية الأدب" ، بترجمة محيي الدين صبحي ومراجعة الدكتور حسام الدين الخطيب ، الطبعة الثالثة سنة 1985 م ، نشرة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت ، ص 185 – 186 ، في أحد المنهجين الممكنين لمعالجة مثل هذا التحليل الأسلوبي .
72- الجرجاني (أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد النحوي) "دلائل الإعجاز" ، بتحقيق أبي فهر محمود محمد شاكر ، طبعة المدني بالقاهرة سنة 1984م ، نشرة مكتبة الخانجي بالقاهرة ، ص 146 وما بعدها .
73- الجاحظ (أبو عثمان عمرو بن بحر) "البيان والتبيين" ، بتحقيق عبد السلام محمد هارون وشرحه ، طبعة المدني بالقاهرة ، الخامسة سنة 1405هـ =1985م ، نشرة مكتبة الخانجي بالقاهرة ، 1/88 وما بعدها .
74- لاينز (جون) "اللغة والمعنى والسياق" ، بترجمة الدكتور عباس صادق الوهاب ، طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد ، الأولى سنة 1987 م ، ص 218 ، 219 ، 220 ، وفضل (الدكتور صلاح) "نظرية البنائية في النقد الأدبي" ، طبعة سنة 1992م ، نشرة مؤسسة مختار بالقاهرة ، ص 176 – 177 .
75- الجرجاني ص243 ، وابن هشام (أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف الأنصاري المصري) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ، طبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة ، 2 / 100 – 101 ، وحسن (عباس) "النحو الوافي" ، طبعة دار المعارف بالقاهرة ، السادسة ، 3/652-654 .
76- ابن الدهان (أبو سعيد بن المبارك البغدادي) "الفصول في القوافي" ، بتحقيق الدكتور محمد عبد المجيد الطويل ، الطبعة الأولى سنة 1412هـ = 1991م ، نشرة دار الثقافة العربية بالقاهرة ، ص76، وصقر ،الفقرة }38{.
77- الدمنهوري ص129 .
78- السابق نفسه .
79- صقر، الفقرة }35{ وما بعدها .
80- السابق نفسه.
81- السابق نفسه.
82- موريه (س) "الشعر العربي الحديث 1800-1970: تطور أشكاله وموضوعاته بتأثير الأدب الغربي" ، ترجمه وعلق عليه الدكتوران شفيع السيد وسعد مصلوح ، طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة سنة 1986م ، ص 83 ؛ ففي خلال وصفه للشعر المقطعي الذي ينتمي الموشح – ومثله المخمس – إليه عنده قال: "يحدد الشكل المقطعي بنية كل مقطع شعري وأسلوبه ، ويميل إلى التعبير في كل مقطع منها عن فكرة واحدة كاملة ، على حين يطور المقطع الشعري التالي الأفكار، وينتقل بها خطوة إلى الأمام".

الدكتور محمد جمال صقر المدرس بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة

يتبع ...

الصادق
09-12-06, 08:32 PM
بحث فيما بين العروض واللغة (2)


الْقافِيَةُ الْمُوَحَّدَةُ الْمُقَيَّدَةُ وَكَلِمَتُها في الشِّعْرِ الْعُمانيِّ



مقدمة

{1} مضطرا أعبأ بالنظر في تاريخ الشعر العماني على وفق تاريخ الحكم العماني ؛ فقد حمل عليه بعض الباحثين ما خرج به من نتائج نظره في تاريخ الشعر على وفق تاريخ الحكم في سائر بلاد العرب، من التردي في مآزق الركاكة والتكلف ، الذي طبع على شعر العصر الوسيط بين زمان نهضة العباسيين وزمان نهضة المحدثين (1) .

وهو الأمر الذي دعا إلى النظر في سر ذلك التردي الوسيط في سائر بلاد العرب ، ثم إلى النظر في كونه في عُمان ، فظهر أنه إذا كان الحكم في سائر بلاد العرب للأتراك والمماليك حوالي ستة قرون من القرن الهجري السابع ، وهم من العجمة والعي عن البيان العربي فهما وإفهاما ، بحيث كسدت لديهم سوق الشعر ، وراجت لدى العامة الذين عُرفوا من قديم إلى حديث ، بالإعراض عن حقائق الشعر والإقبال على أباطيله ، فصنع لهم الشعراء من الركاكة والتكلف ، ما أرضاهم - فإن الحكم في عُمان ظل للعرب ، وإن شعراء عُمان ظلوا على طريقة شعراء العرب في الزمان الأول ، من انتجاع الحكام وامتداحهم واصطناع فاخر الشعر لهم (2) ، بل كان أكثر الأئمة والحكام أنفسهم حريصا على الشعر سماعا وقولا (3).

{2} لقد كان محقق ديوان الشعر العماني من ذلك العصر، ينبه على متانة لغته ولا يزيد ، وكأنه يخشى أن تدرك شاعرَه وصمة العصر الوسيط (4)، أو يبوح بتميزه على تخوف من أن يرمى باجتزاف القول (5)، ثم كان دارس شعراء النهضة الحديثة العمانيين يلح على ذكر " دورهم الريادي "، و" فكرهم التجديدي " ، وعلى قرن " دورهم " في ذلك " بدور " محمود سامي البارودي الذي عاد إلى الينابيع الثرة ليمتاح منها ما يحيي به موات الشعر (6)، وكلا صنيعي المحقق والدارس أقرب إلى إثبات تردي الشعر العماني فيما تردى فيه شعر سائر بلاد العرب آنئذ ، منه إلى نفيه !

{3} لقد حاول الدكتور أحمد درويش عرض نماذج لإفلات الشعر العماني من أن تشمله تلك الظاهرة ، ثم ذكر الحاجة إلى دراسات أخرى تحمل هذا العبء (7). وينبغي لي أن أذكر أنه على رغم كون هذه المسألة على النحو الآنف عرضه ، سبب ولوجي حمى الشعر العماني ، فضلا عن شهرة بقائه خصبا لم يقض له البحث حقه - لم أر المنهج التماس النماذج الكثيرة وبيان نجاتها من وصمة العصر الوسيط ؛ إذ هو أشبه شيء بالصراخ في الخلاء ، لا أَثَرَ ولا سَمْعَ ، و" كُلُّ مُجْرٍ في الخَلاء يُسَرُّ " ! بل المنهج التماس النماذج الكثيرة من عصور الشعر العماني كلها ، وموازنة بعضها ببعض .
إن الناقد الألمعي الشيخ الآمدي ، لما وجد في شعر أبي تمام والبحتري ، اختلافا شديدا ، لم ير الفصل فيه أن ينظر في شعر كل منهما وحده ، بل أن يضع شعر كل منهما بإزاء الآخر ، بل قد خلص إلى استحسان حصر النظر في القصيدتين المتفقتين في المعنى وفي العروض (8)، وبه قال القرطاجني (9) ، واستمر اعتقاده إلى عصرنا هذا (10).

{4} من ثم نظرت في عصر النباهنة ( 549- 809هـ/ 1154- 1456م ) ، فاخترت الستالي أبابكر أحمد بن سعيد الخروصي (584 – 676هـ) ، معاصر مبتدأ العصر الوسيط ، وأشهر مذكور بالاقتدار مع النبهاني (11)، ثم نظرت في عصر اليعاربة (1622- 1741م) ، فاخترت الحبسي راشد بن خميس بن جمعة بن أحمد (المولود سنة 1089هـ المجهول سنة الوفاة) ، معاصر معمعة العصر الوسيط، والمذكور المشهور بكثرة الشعر والتصرف فيه (12)، ثم نظرت في عصر البوسعيديين (1741م إلى الآن) ، فاخترت البهلاني ناصر بن سالم بن عديم الرواحي (1273- 1339هـ/ 1860- 1920م) ، معاصر معمعة النهضة الحديثة في سائر بلاد العرب ، وثورة رادة مدرسة إحياء الشعر ، والمذكور في ذروة شعراء عمان (13)، ثم أضفت الصقلاوي سعيد بن محمد الجنيبي، العائش بيننا معاصرا لطفرات الحداثة ، وهو المذكور " بخلاصة الشعر العماني النقية الآن " ، و" السلفية العصرية " أو " العصرية السلفية " (14)، عسى أن أبين ما بلغته هذه المدرسة الشعرية العمانية من خلال وارثها المعاصر، وأستبين ما تبلغه ضحى الغد .

{5} تتناول الموازنة أجزاء أطرافها كلها حين تكون من الانحصار والاقتصار بحيث تمكنها من ذلك ، كأن تكون قصيدتين أو ثلاثا ، فأما إذا كانت أطرافها دواوين كاملة ، كحالها معي هنا ، فينبغي للباحث أن يختار للمقارنة العناصر التي تقفه على مواطن تميز أطرافها ، معتمدا في هذا على الظن الغالب ، ومستعينا بما سبقه من دراسات (15).
لقد اخترت لموازنة شعر أولئك الشعراء بعضه ببعض، القافية وكلمتها ، قاصدا بالقافية آخر ساكنين في البيت مع ما بينهما من متحركات متى كانت ، ومع المتحرك الذي قبلهما (16)- إنها إذن مجموعة من الأصوات المجردة في آخر البيت ، ربما كانت تفعيلته الأخيرة ، أو أكثر ، أو جزءا منها - وقاصدا بكلمة القافية ما قام من عناصر الجملة بأداء تلك القافية . إنها إذن مجموعة من الأصوات الحية ، لا تحديد لموقعها من الجملة ، وربما كانت كلمة واحدة منها ، أو أكثر ، أو جزءا من كلمة . ومن ثم يبدو إطلاق مصطلح (كلمة) على كل حال من تلك الأحوال ، توسعا ، وهو من أعراف العروضيين (17).

{6} قال المعري على لسان الحصان للبغل : " أَمّا دَعْواكَ نِظامَ الشِّعْرِ ، فَخَلَّةٌ لا تُفْتَقَدُ مَعَها زَلَّةٌ . إِذا جاءَ الرَّويُّ فُضِحَ الْغَويُّ . وَلَوْ قيلَ إِنَّ الْقافِيَةَ سُمِّيَتْ قافِيَةً لِأَنَّها تَقْفو الْجاهِلَ بِها أَيْ تَعيبُه ، لَكانَ ذلِكَ مَذْهَبًا مِنَ الْقَوْلِ . وَالْقَريضُ مُشابِهٌ أُمَّ أَدْراصٍ، وَمَنْ سَلَكَها غَيْرَ خَبيرٍ ، فَكَأَنَّما سَقَطَ مِنْ ثَبيرٍ " (18).
ولكل ساقطة لاقطة : شاعر خصم لا يرحم ، أو عالم ناقد لا يكتم ! وإنما كان للقافية وكلمتها صفة المهوى أي المكان الذي يسقط منه فتندق عنقه من لا علم له به ، بأمرين :
أولهما : بروز هذا الموضع من البيت وجملته ، للشاعر والناقد جميعا ، فأما الشاعر الواعي فإنه يختار له أبرز عناصر جانبي قصيدته العروضي واللغوي تأثيرا في توصيل رسالتها ، وأما الناقد الواعي فإنه يراعي ذلك في ذوقه للقصيدة .
والآخر : توحيد قوافي أبيات القصيدة الواحدة ، فتكرار مجموعة من الأصوات كلما جاء هذا الموضع من البيت وجملته ، يزيده خصوصية تستولي على الانتباه ، بما يجتمع فيه من عناصر " مختلفة في ذاتها متشابهة في مواقعها ومواضعها من العمل ، بغية التسوية بين ما ليس بمتساو ، أو بهدف الكشف عن الوحدة من خلال التنوع، وقد تعني تكرار المتشابه بغية الكشف عن الحد الأدنى لهذا التشابه، أو حتى إبراز التنوع من خلال الوحدة " (19).
إنه يغري الناظر في القصيدة بملاحظته قبل غيره ، ليوازن بين (كلمات القافية ) التي كان توحيد القافية سبب اشتباهها صوتا ، في حين أن كلا منها في واد (20). ولقد كان من فطنة بعض كبار الأسلوبيين العرب في زماننا هذا ، لكون هذا الموضع من البيت وجملته مجتمع أبرز مميزات الشعر العربي ، أنه صار كلما استعصت عليه العلل والأحكام يحتكم إليه وإلى خصائصه (21).

{7} ولا يقل عن ذلك كله إغراء باختيار القافية وكلمتها ، انحصار هذا الموضع بحيث يمكنني التمهيد للنظر فيه بالإحصاء . لقد رضيت منذ زمان ، جدوى اعتماد الإحصاء ، وصرت كلما مضيت في طريقي أزداد به رضا ونفرة ممن يلقي الأحكام غفلا منه . ولست في ذلك بمنبتٍّ من طريقة علمائنا القدماء ؛ فما الاستيعاب الأولي الذي التزموه مدخلا إلى علومهم ، إلا نمط منه تمسكوا به (22).
ولقد خرجت أبحاث زعمت اعتماد الإحصاء ، نفر الباحثون منها وساء به ظنهم ، والحق أن الذي زعموه عد لا إحصاء ؛ إذ يقف عند حصر عنصر يغلب أن يكون اختياره تقليدا محضا أو خبط عشواء ، فأما الإحصاء فيتجاوز ذلك إلى إعطاء " البيانات القابلة للتوظيف في مجال الكشف عن أدق خواص النص على المستويات التحليلية المختلفة كافة " (23)لينظر بها الباحث في إحكام عمله .

{8} وينبغي درء تهمة ( الشكلانية ) عن هذا النمط من الأبحاث بالتمسك بالشكل نفسه لا التبرؤ منه ؛ إذ هو في الحقيقة مضمون محض ؛ فالفكر والعبارة عنه شيء واحد (24)، أو هو على الأقل ، القسم الفني من المضمون ، الذي يعول عليه في تمييز الأساليب (25)، وكفى بتقديس الشكل دلالة على تعلقه بأصول التفكير (26).

{9} أقدم دراسة القافية الموحدة ، لما لتوحيدها من أثر في قيمتها سبق بيانه ، ولانحصار القافية المعددة في بعض شعر الحبسي والصقلاوي . وعلى رغم كون توحيد القافية تكرارا لمجموعة الأصوات التي تكونها آخر كل بيت من أبيات القصيدة الواحدة ، ينبغي التنبيه على خطر حرف الروي دون غيره من تلك الأصوات في توحيد القافية وتعديدها .
لقد أراد الدكتور أحمد كشك كفكفة غلواء زعم الشعراء المحدثين أنهم حرروا القافية ؛ " لأن ترخصا في قيمة الروي ليس ترخصا في القافية كلها . فقد علمنا أن الوصل والتأسيس والردف والخروج أجزاء قافية ووجود هذه القيم مع ضياع الروي لا يثبت أن القافية قد ضاع أمرها في شعرنا المعاصر تماما . على دارس الشعر إذ عن له أن يدرك التطور في القافية أو قل التحرر فيها ، أن يقيس هذا التحرر بمنظور القافية الأشمل بحروفها وحركاتها ، وكل ما تلتزمه من قيم لغوية تتمم حدها الإيقاعي ؛ ومعنى ذلك - كما قلت - نفي تصور القافية من خلال حرف واحد من حروفها فحسب " (27)، فأوحى بأنه لا أثر لتعديد الروي في توحيد القافية ، وهو رأي له شيعته من نقاد الشعر الحديث المتعصبين له، أثار شاعرا عموديا فاستنكره وذكر أن القافية لا تقوم بغير الروي، وتمسك بما رواه ابن كيسان من جعل القافية هي حرف الروي نفسه (28).
والحقيقة في غير تعصب ، أن حرف الروي ركن مؤثر وجودا وعدما ، في توحيد القافية وتعديدها، وليس أدل على ذلك من تفقد سيرة القافية الخالية منه. إننا نظرنا في قصيدة الحبسي " أنيسة الوحيد " أسبق ما عدّد قافيتَه ورودا ، فوجدناها تبدأ بقافية مطلقة مردفة بالألف موصولة بالياء، رائية :
" الحمد لله الوهوب الباري الخالق المهيمن الجبارِ " (29)
وتثني بها كذلك في البيت الثاني ، ما دام الراء رويا ، حتى إذا ما صارت دالية ، صارت مطلقة مجردة موصولة بالياء ، ثم غير ذلك :
" مدبر الأمر المليك الصمد المستعان الواحد المنفردِ " (30)
ونظرنا في قصيدة الصقلاوي " لو كنت معي " ، أسبق ما عدّد قافيته ورودا، فوجدناها تبدأ مقيدة مجردة، رائية :
" لو كنت معي يا فتنة من زمن
لتحول كل الأصفر أخضر " (31)،
وتثني بها وتثلث كذلك، ما دام الراء رويا، حتى إذا ما صارت تائية، صارت مطلقة مردفة بالألف موصولة بالياء ، ثم غير ذلك :
" لو كنت معي..
لعشقت بصوتك أحلى النغمات " (32).
إن القافية عندئذ تتعدد من جهة كل جزء منها، وكأن حرف الروي سلك عقدها الذي انقطع فانفرطت حباته .
أقدم بحث القافية الموحدة لأهميتها ، وأقدم بحث المقيدة منها لانحصارها ، معتمدا معطيات إحصاء العناصر الدالة أفكارا يدور عليها البحث، مجتهدا في تفصيلها وتفسيرها ، مستعينا بالله على سَلْسَلَةِ الأبحاث فيما بقي .




تنبيهات :

- راعيت في ترتيب الجداول نسب استعمال الأنواع في مادة البحث ، فإذا اتفقت النسب راعيت الترتيب العروضي العلمي .
- اُلمقَيَّدة هي الساكنة الرَّوِيّ الذي هو الصوت الصامت الثابت دون غيره من أصوات القافية .
- اُلمرْدَفة هي التي قبل رويها ألف أو واو أو ياء ساكنة تسمى ( رِدْفا ) .
- اُلمؤَسَّسة هي التي قبل الحرف الذي قبل رويها ألف تسمى ( تأسيسا ) .
- اُلمجَرَّدَة هي الخالية من الردف والتأسيس .
- اَلمقْصورة هي التي رويها ألف أصلية .
- مجموع القصائد المقيدة القافية الموحدة ، من قصائد الدواوين كلها ، 6 من 147 للستالي ، و 51 من 348 للحبسي ، و 15 من 97 للبهلاني ، و 5 من 42 للصقلاوي ؛ فهي إذن 77 من 634 .

أولا: القافية المقيدة على العموم

{10} إن النسبة القليلة التي قدمها الجدول الأول لتقييد القافية في الشعر العماني على العموم (12.14%)، غير غريبة عن الشعر العربي القديم وما نحا نحوه مما بعده (33)، وهو ما أثار الباحثين إلى كشف سره وتفسيره، فكان منهم من رأى الشعر موسيقا تكون بالحركة والمد ولا تكون بالسكون إلا تعمدا ؛ رغبة في طريقة تعبيرية خاصة (34)، وهو فيما أحسب، الرأي المتناقل بين أهل اللغة والأدب غير ذوي العلم المكين بالموسيقا، وكان منهم من دعا إلى اختيار أحد أمور ثلاثة:
أن يكون السكون أثقل من الحركة لا كما علمنا علماؤنا القدماء، ومن ثم آثر الشعراء الحركة رغبة لشعرهم في الشياع والخلود، أو أن يكون السكون أخف من الحركة كما علمونا، غير أن الشعراء المغرمين بالأصعب، آثروا الحركة إدلالا بصنعتهم وقدرتهم، أو أن يكون قد ضاع من الشعر القديم كثير، كما قال أبوعمرو بن العلاء، فألبست علينا النسبة (35).
إن خروج الشعر العربي العماني على النحو القديم نفسه، يثبت ألا لبس هناك، فضلا عن إثباته وثاقة العلاقة، ثم إن التحريك الذي يزيد آخر البيت مقطعا طويلا مفتوحا (ص ح ح)، أثقل- بلا ريب- من التسكين، أما ارتباط الموسيقا بالحركة فككل شيء في هذه الدنيا، غير أنه لا يكون إلا بالسكون !
إن السكون ركن الإيقاع الذي هو أساس الموسيقا ، ثم هو قرار اللحن الذي هو قالبها.
إن الحقيقة عندي أن إطلاق القافية وتقييدها جميعا، متعلقان بطريقة المتكلمين في الوقف- والقافية موضع الوقف المطمئن من البيت- التي كانت بالتحريك ثم صارت بالتسكين (36)، وهو ما يسلمنا إلى الفكرة التالية.

ثانيا: القافية المقيدة على الخصوص

{11} إن نسبة تقييد القافية في شعر الستالي (4.08%)، ثم الحبسي (14.65%)، ثم البهلاني (15.46%)، التي قدمها الجدول الأول، وبينت اتجاه الشعر العماني إلى زيادة تقييدها قليلا قليلا، غير غريبة كذلك عن طريقة سائر الشعر العربي (37). وقد رأى الدكتور أنيس أن زيادة تقييدها في شعر العباسيين عنه في شعر الجاهليين، ملاءمة حدثت بينه وبين غناء ذلك الزمان، "بل لا يزال الملحن فينا يرى مثل هذه القافية أطوع وأيسر في تلحين أبياتها" (38). وتوقف الطرابلسي فيما رآه من زيادة تقييدها عند شوقي عنه عند من قبله، ثم زيادته عند الشابي كثيرا عنه عند شوقي، ليقول: "إذا كان ذلك دليلا على محاولة للتحلل من قيود الإعراب عند الشابي، فإنه لا يسمح باعتقاد أن شوقي رام هذه المحاولة" (39).
إنه لا ورود لحديث صعوبة الإطلاق وسهولة التقييد، في نقد الشعراء صغارا أو كبارا، كما سيتضح بعدُ في الفقرة الثالثة والثلاثين، وينبغي أن يتخذ الطرابلسي ما رآه، حجة لذلك لا عليه (40)، فأما ملاءمة التسكين لموسيقا العباسيين دون الجاهليين، لتطور حدث، فعجيب ألا تختل مع المحدثين، رغم طول الزمن الفارق بينهم وبين العباسيين، عن الفارق بين هؤلاء وبين الجاهليين، واشتداد التطور الحادث، وعجيب أن يناقض هذا الرأي غيره السابق في الفقرة العاشرة، فيجري عليه ما جرى عليه.
لقد تطورت طريقة حديث الناس ( لغتهم المنطوقة ) ، صوتا وصرفا ونحوا ودلالة، بأثر عوامل التطور القوية المختلفة، عما كانت عليه في عصر الجاهليين، قليلا قليلا، في عصر العباسيين، في المشرق وفي المغرب ولاسيما في الأندلس، حتى بلغتنا وقد لوّحها التطور (41). وكان من ذلك طرح حركات أواخر الكلمات، ولا سيما في الوقف، أي عموم الوقف بالتسكين الذي تسرب إلى الشعر من خلال تقييد القافية قليلا قليلا؛ لأن وعي الشاعر بالحياة في نفسه ومن حوله، يقتضيه أن يراعي طريقة الحديث المتطورة، بشعره الذي لا يقوله لآذان الأوراق الصماء، على أن طريقة الفن القومي التي هي أثبت من طريقة الحديث اليومي، بقيت متعلقة بإطلاق القافية، إرثا ورثته أخرى عن أولى.

{12} أما نسبة تقييد القافية في شعر الصقلاوي (11.90%)، التي يقدمها الجدول الأول كذلك، وتبدو بقلتها عما قبلها غريبة عجيبة ؛ فترجع إلى أن لتعديد القافية في شعره نصيبا أكبر منه في شعر غيره، وفي القافية المعددة يجتمع تسكين التقييد وتحريك الإطلاق- كما سبق في الفقرة التاسعة- وربما اجتمعت للقافية أنواع مختلفة داخل هذا التسكين نفسه.

ثالثا: أنواع القافية المقيدة على العموم

{13} إن تقييد القافية يفقدها قوة من قوى الإسماع الصوتية؛ إذ تذهب حركة الروي (المَجرى) وحرف إشباعها (الوصل)، فيبقى الروي وحيدا صامتا، كما في قول الستالي في مطلع إحدى مقيداته:
"أمط عنك نعت الحمى والطللْ وجل في سبيل الصبا والغزلْ" (42)
فالقافية (والغزلْ) ضعيفة الإسماع بالقياس إليها هي نفسها لو كانت (والغزلِ)، إذ تظهر اللام للسمع بكسرتها (المجرى)، ثم تزداد ظهورا بإشباع الكسرة الذي ينشئ لها بعدها مدا من جنسها (الوصل).

{14} ولقد بينت نسب أنواع القافية التي قدمها الجدول الأول، أن الشعراء العمانيين يحرصون على إبراز قافية شعرهم، بعلاج تقييدها بإردافها- فالمردفة عندهم أعلى نسبة- فيعوضونها عن المجرى بالحَذْو (حركة ما قبل الرِّدْف)، وعن الوصل بالردف، فلا يبقى الروي وحيدا، كما في قول الستالي أيضا في مطلع إحدى مقيداته:
"يا دمن الحي عليك السلامْ وجاد أطلالك صوب الغمامْ" (43)
فالقافية (ب الغمام) قوية الإسماع بالقياس إليها هي نفسها لو كانت (بالغَمَمْ)؛ إذ تظهر الميم للسمع بفتحة ما قبلها (الحذو) (44)، ثم تزداد ظهورا بالألف (الردف) التي هي في جوهرها مد للفتحة.
وهو علاج ناجع معروف من قديم، صنع له ابن عبد ربه بابا قال فيه: "اعلم أن القوافي التي يدخلها حروف المد، وهي حروف اللين، فهي كل قافية حذف منها حرف ساكن وحركة، فتقوم المدة مقام ما حذف" (45)، والمقيدة- كما سبق- حذف منها حرف الوصل المتناهي إلى السكون، وحركة المجرى. وقد زاد العلاج بالإرداف نجوعًا، إيثارهم الألف ردفًا، وهي أقوى إسماعا من الواو والياء جميعا (46).

رابعا: أنواع القافية المقيدة على الخصوص

{15} تبين النسب التي قدمها الجدول الأول، أن الحبسي وحده الذي كان حريصا على إرداف القافية المقيدة، في حين آثر أصحابه تجريدها وتساوى لدى الصقلاوي تأسيسها وتجريدها، وتميز البهلاني بقصرها. وأرى أن ارتياح الشعراء لوقوع صيغة كلمة ما، كلمة للقافية، على رغم خلوها مما يصلح ردفا، سبب إهمال علاج تقييدها بإردافها. والأمر، على أية حال، أمر أصوات في هذا وفي ذاك، لم يخرج عن إطار صنعة الشعراء الموسيقية الوزنية. إنني نظرت مثلا في مقيدة الستالي المجردة السابق ذكرها في الفقرة الثالثة عشرة، فرأيتها سبعة وثلاثين بيتا، ورأيت الاسم الثلاثي (الفعل) المعرف بأل، المفتوح العين، المثلث الفاء، قد استولى على أربع وعشرين كلمة قافية: (الغزل، الثمل، الكحل، المقل، الكفل، الرتل، الأزل، الطفل، الخجل، العلل، البلل، الوجل، الكلل، الغيل، الأول، الجذل، القبل، الأجل، النقل، المثل، الوشل، الجبل، الملل، البطل)، أي حوالي 65% من كلمات قوافي أبيات القصيدة، ونظرت في مقيدة البهلاني التي مطلعها:
"نكسي الأعلام يا خير الملل رزئ الإسلام بالخطب الجلل" (47)
فرأيتها تسعة عشر بيتا ومائة، ورأيت الاسم نفسه معرفا بأل وغير معرف بها، قد استولى على ثمان وستين كلمة قافية، أي حوالي 57%، يجيش بعقله الوزن الصرفي مختلطا بالوزن العروضي، فتخرج القافية على وفقهما معا (48).

{16} ولا يخلو تميز الحبسي دون أصحابه، بإرداف القافية المقيدة، من دلالة على أنه- وهو الضرير المستوفز السمع- كان أشد إحساسا بأصوات قافيته ، ولا سيما أن معتمده الوحيد لبناء بيته، ترديده وترجيعه حتى يستقيم، فأما أصحابه وغيرهم ، فمن قديم إلى حديث يعتمدون على الكتابة .

{17} أما تأسيس القافية المقيدة الظاهر النسبة لدى الصقلاوي، فعلاج ناجع كذلك- وإن بدرجة أقل- لضعف إسماعها، يتضح في قوله في مطلع مقيدته "الشاعر":
"أيها الصدّاح في روض الأماني لا تسافر" (49)
بمقارنة القافية (سافرْ) القوية الإسماع، بها هي نفسها لو كانت (تَسْفُرْ)؛ إذ نسمع لها في الوجه الأول جلبة من مقطعها الأول الطويل المفتوح (ص ح ح)، لا نسمعها في الوجه الآخر، وإن بقي المقطع الآخر على حاله.

{18} أما تميز البهلاني بقصر القافية المقيدة، فمن أن المقاصير نادرة أصلا، بالقياس إلى غيرها من أنواع المقيدة، لا تكاد تجد منها إلا القصيدة بعد القصيدة في الزمان الطويل، فإذا ما وجدت منها شيئا وجدت نفسك تنسب صاحبها إلى تقليد ابن دريد، وإن لم تستوثق من ذلك (50)، وإنما ندرت المقاصير من أنها ضعيفة بناء القافية، يسمعها من لم يتقن هذا العلم، فيظنها معدَّدة القافية لا موحدتها. وتعديدها قديم (51)، وإن لم يسم القدماء العمل منه قصيدة (52)، غير أن بينه وبين قصر القافية فرقا يتضح لمن لم يتقن هذا العلم، بقليل من السماع؛ إذ يجد الشاعر قد التزم قافية واحدة ألفية، بل ربما التزم في أبيات متوالية، حرفا قبل الألف الأصلية، فأعاد الأمور إلى نصابها (53)، كما في قول البهلاني في مقصورته التي مطلعها:
"تلك ربوع الحي في سفح النقا تلوح كالأطلال من جد البلى"
ملتزما الواو:
" أو تركت لي كبدا صحيحة أو جلَد الحر على قرع النوى
لكان لي على الطلول وقفة أبـرئ النفس بها مـن الهـوى
لكن لي قلبا عرته سكرة ما ضـل في غـمارهـا ولا غوى
وعاش في صبابة تعمده مال إليها عامـدا فـما ارعـوى " (54)
وكفى دليلا أخيرا لضعف المقاصير وندرتها، أنني أفتش كثيرا من كتب علم العروض (ومنه علم القافية) قديمة أو حديثة، لأجد بيانا للقافية المقصورة، فلا أجد- إن وجدت شيئا- إلا تجويز وقوع مثل تلك الألف رويا، فأما انتماء القافية عندئذ إلى الإطلاق أو إلى التقييد، فلا ذكر له (55).

خامسا: روي القافية المقيدة على العموم

{19} إن اختيار ما يكون رويا تدور عليه القصيدة، ينبغي أن تحكمه ذخيرة الشاعر اللغوية، فيكون مما يحفظ له مادة من الكلمات التي إذا استعملها كان آخرها الحرف المختار، فلا يفتضح بما حذره المعري قائلا: "إذا جاء الروي فُضح الغوي"؛ ذاهبا إلى أن الشاعر الذي يلقي نفسه في تهلكة روي لا يحفظ له مادته التي تكفي القصيدة، جاهل ضال !

{20} ولا ريب في أن حروف المعجم متفاوتة المواد، فمنها حروف كثيرة الوقوع أواخر الكلمات، وحروف قليلة، وحروف كالمهجورة لا تكاد تستعمل. وهو ما دعا المعري إلى تقسيم القوافي على حسبها إلى: ذُلُل (جمع ذَلول) كثيرة الاستعمال لينة على الألسن، ونُفُر (جمع نَفور) قليلة الاستعمال لا ترتاض للألسن، وحُوش (جمع حُوشيّة أي وحشية) مهجورة الاستعمال تتحاشاها الألسن (56)، فدعا ذلك الدكتور أنيس إلى تفقد الشعر العربي، ليصنع إحصاءه الخاص الذي قسم بعده الحروف التي وقعت رويا- وكانت حروف المعجم كلها دون الألف الحركة الطويلة، وكأنه لم يعتد بها رويا ورأى القافية عندئذ معددة، كما سبق بيانه في الفقرة الثامنة عشرة- أربعة أقسام: كثيرة الوقوع رويا، ومتوسطته، وقليلته، ونادرته، ذاكرا أن اختلافها هذا راجع إلى اختلاف وقوعها أواخر الكلمات كثرة وقلة، لا إلى اختلافها ثقلا وخفة (57). وليس يمتنع أن ترجع كثرة وقوعها أواخر الكلمات وقلته، إلى اختلافها ثقلا وخفة؛ فالاقتصاد في الجهد مبدأ لغوي.

{21} لقد بين الجدول الثاني أن شعراء عُمان استعلموا من حروف المعجم التسعة والعشرين- بضم الألف- عشرين حرفا بنسبة 68.96%، وهي نسبة عالية دالة على سعة ذخيرتهم اللغوية وفضل تصرفهم بها وكأنهم يُدِلّون بركوب تلك المهلكة، وهي خصلة الشعراء من قديم (58).

سادسا: روي القافية المقيدة على الخصوص

{22} إن نسب استعمال حروف المعجم رويا للقافية المقيدة، التي قدمها الجدول الثاني، في شعر الستالي (10.34%) ثم الحبسي (65.51%)، ثم البهلاني (27.58%)، ثم الصقلاوي (10.34%)، تكشف سريعا تميز الحبسي.
إن الحبسي لم يترك حرفا استعمله أصحابه إلا استعمله وزاد عليه ما لم يستعملوه، ما عدا الألف التي اختص بها البهلاني، وهي من الخصوصية على ما تقدم.
وأنا لا أخلي عمل الحبسي من تقليد شبيهه في الشعر والضرارة وأستاذه المعري الذي تحرى النظم من حروف المعجم كلها، ورتب عليها ديوانه لزوم ما لا يلزم، وكان هذا نفسه منه التزام ما لا يلزمه. ودليلي لهذا ملاحظة تلميذه جامع ديوانه في حياته سليمان بن بلعرب، حين قال: "لقد تأملته كله فلم أجد بحرا من أبحر الشعر إلا وهو به، ولا قافية من القوافي، إلا وهي به" (59).

{23} ولئن كنا نعود إلى قصائد الحبسي ذات الروي القليل الاستعمال أو النادره ، فلا نجد كلمة حوشية، إن قصائده هذه لقصيرة تنتمي إلى القِطَع كثيرا؛ فغينيته أربعة أبيات، وخائيته ثمانية، وزائيتاه ستة وخمسة، وهي حروف من القسم النادر الوقوع رويا، عند الدكتور أنيس.
وفضلا عن أن هذا التقصير يقي الحبسي من أن يتجاوز الذلول المرتاض من الكلمات، إلى الشموس الحوشي، يقضي له وطره من تحري استعمال حروف المعجم كلها- وسائرها في قوافيه المطلقة- ثم هو يسهل عليه- وهو الضرير- صنع شعره وحفظه وإنشاده جميعا.

سابعا: أنواع روي القافية المقيدة على العموم

{24} إن تحريك الحرف أعظم أسباب إظهاره للسمع، فإذا سكن افتقد ذلك السبب، واقتصر على ما تمده به طبيعة نوعه. وأنواع الحروف من حيث قوة الإسماع، ستة، ترتب في ست مراتب (60)، أوردها فيما يلي، ممثلا لكل مرتبة بكل ما ورد منها في مادة البحث بترتيب الجدول الثاني:
الأولى: عديمة الإسماع، وهي الانحباسية المهموسة، ومنه لدينا الكاف والطاء والتاء والقاف .
الثانية: أحادية قوة الإسماع، وهي الانحباسية المجهورة، ومنها لدينا الدال والباء .
الثالثة: ثنائية قوى الإسماع، وهي الاحتكاكية المهموسة، ومنها لدينا الفاء والحاء والسين والثاء والصاد والخاء .
الرابعة: ثلاثية قوى الإسماع، وهي الاحتكاكية المجهورة، ومنها لدينا الزاء والعين والغين .
الخامسة: رباعية قوى الإسماع، وهي الأنفية والجانبية والترددية المجهورات، ومنها لدينا الراء والميم واللام والنون .
السادسة: خماسية قوى الإسماع، وهي الفموية المجهورة الحرة الانطلاق أو المعترَضة دون احتكاك، ومنها لدينا الألف.

{25} إن مقتضى العقل أن تستولي حروف المرتبة السادسة الأقوى إسماعا، على روي القافية المقيدة، لتعوضها عما افتقدته بالسكون، من المجرى والوصل كليهما، غير أن تفقد الشعر العربي في تاريخه الطويل، يقفني على أن شعراء العرب- ومنهم العمانيون- استماعوها والتزموا قبلها من حروف المراتب الأخرى ما يكون الروي، لتكون هي له الوصل الذي يصل به إلى الأسماع، فمن ثم لا تكاد تجد الروي من حروف هذه المرتبة السادسة، وإذا وجدته كدت تظن القافية به معددة، كما سبق في الفقرة الثامنة عشرة.
لذلك أنظر في المرتبة الخامسة، فأحد حروفها (الراء والميم واللام والنون)، قد استولت على (50.64%) من مادة البحث، علاجا اتخذه شعراء عُمان، لما أصاب القافية بالتقييد. وهو علاج ناجع معروف من قديم إلى حديث (61). لقد وجد الطرابلسي حروفا تشيع رويا في شعر شوقي، وبدا له تفسير ذلك بكثرة وقوعها أواخر الكلمات، مقنعا للنظرة الأولى، ولا سيما إذا صاحبتها نظرة فيما ورد لها من مادة بلسان العرب بالقياس إلى غيرها، ولكنه لم يره بعدئذ كافيا وبحث عن سره مستعينا بدراسة الدكتور أنيس للأصوات، فوجده كامنا في طبيعتها "فإن هذه الحروف- اللام والميم والنون والراء على الأقل- أكثر الأصوات وضوحا وأقربها إلى طبيعة الحركات. و"لذا يميل بعضهم إلى تسميتها أشباه أصوات اللين (=حركات) ومن الممكن أن تعد حلقة وسطى بين الأصوات الساكنة وأصوات اللين؛ ففيها من صفات الأولى أن مجرى النفس معها تعترضه بعض الحوائل، وفيها أيضا من صفات أصوات اللين أنها لا يكاد يسمع لها أي نوع من الحفيف وأنها أكثر وضوحا في السمع" (62). ولما قارن في هذه المسألة، دراسة الدكتور أنيس للأصوات بدراسته للعروض، عجب من أنه لم يستفد في الثانية بما حصّله في الأولى، وهو ما أضيفُ إليه ما علقت به على تفسيره نفسه في الفقرة العشرين.

ثامنا: أنواع روي القافية المقيدة على الخصوص

{26} إن تحري الحبسي استعمال حروف المعجم كلها رويا، الذي نسبته فيه في الفقرة الثانية والعشرين، إلى تقليد المعري، يتجلى صدقه ببيان أنواع الحروف الواقعة رويا في شعره بالقياس إلى أصحابه، الذي قدمه الجدول الثاني.
إن الحبسي وحده دونهم، الذي استعمل حروف المرتبة الأولى العديمة الإسماع، الكاف والطاء والتاء والقاف، ثم لم يكتف بذلك الجور على القافية المقيدة، بل جعل 75% من استعماله للكاف، واستعماله كله للطاء، في القافية المقيدة المجردة، قال من الأول:
"إن الطـوى قومه قاموا على قدم فأهلك الصبر مني قومُـه فهلكْ
واستنزل الفقـر قدري من معاقله وحاول العسر بغيا قـوتي فملك
وبارز الذل شجعان الحياة بأفراس النحوس وأسياف القضـا ففتك
يا لهف نفسي ويا ويلاه من زمن فيه دمي بسيوف الحادثات سفك" (63)
وقال من الآخر:
"قل لمن حسناه بالسوء خَلَطْ كيـف تعصي وعلى الرأس الشــمطْ
لا يغرنك زمان ماكر ما عــلا العبـــد ذرى إلا هبـــط" (64)
لقد خطا في قصيدة الأول، خمسة أبيات ملتزما اللام قبل الكاف، ثم لم يعبأ بذلك في ثلاثة، ثم عاد إليه في ثلاثة، ثم أهمله في واحد، ثم اعتمده في واحد، ثم طرحه في واحد، لتتم له قصيدة من أربعة عشر بيتا رويها الكاف.
ولم يعبأ في قصيدة الآخر، بالتزام حرف قبلهن لتتم له قصيدة من سبعة عشر بيتا رويها الطاء .
والحقيقة أنهما مختلفان من أن الكاف تكون ضميرا فتبدو عارضة طارئة على الكلمات فيستحسن التزام حرف متأصل في كلمته قبلها. وهو نهج معروف من قديم إلى حديث (65).

تاسعا: صورة بيت القافية المقيدة على العموم

{27} في "باب ما يجوز في القافية من حروف اللين"، تتبع ابن عبدربه صور أبيات بحور الشعر، وذكر صور ضروبها التي يدخل منها إلى القافية اللين، غير أنه خلط ما يكون لتعويض المحذوف من الوزن، بما يكون لتعويض المحذوف من القافية ، وكان ينبغي أن يميز هذا عن ذاك؛ إذ كانت نتيجة ذلك اختلاط القوافي المقيدة بالقوافي المطلقة (66).
تحتاج القافية المقيدة المردفة إلى بيت مختوم بمقطع زائد الطول مغلق بصامت واحد (ص ح ح ص) كالذي في كلمة (لامْ) بسكون الوقف، وتحتاج المقيدة المجردة إلى بيت مختوم بمقطع طويل مغلق (ص ح ص) كالذي في كلمة (لمْ)، ولا يمتنع أن تكون ببيت مختوم بمقطع زائد الطول مغلق بصامتين (ص ح ص ص) كالذي في كلمة (لَكْمْ) بسكون الوقف، غير أنه قبيح فيها جدا؛ لأنه يكتم إسماعها، وتحتاج المقيدة المؤسسة إلى بيت مختوم بمقطعين: طويل مفتوح (ص ح ح) فطويل مغلق (ص ح ص) كالذي في كلمتي(لا لم)، وتحتاج المقيدة المقصورة إلى بيت مختوم بمقطع طويل مفتوح (ص ح ح) كالذي في كلمة (لا).

{28} بين الجدول الثالث أن أكثر وقوع القافية المقيدة المردفة في الشعر العماني، كان في بيت السريع الوافي المطوي العروض المكشوفها المطوي الضرب الموقوفه .
وهذه الصورة الماثلة في قول الستالي في مقطع ميميته:
"أبدعها الفكر وذو خاطـر متــقد مثـل لهيـب الضرام" (67)
مسـتعلن مستـعلن مفعلا مستعلن مستعـلن مـفعـلاتْ
مطـوية مطوية مطوية مكشوفة مطوية مطوية مطوية موقوفة
تتيح بمقطعها الأخير الزائد الطول المغلق بصامت واحد (لات = ص ح ح ص)، وقوع الألف أو الواو أو الياء الساكنة، قبل حرف الروي (رام) أي الأرداف، وتستثقل التجريد، وتمنع التأسيس والقصر.
وبين الجدول الثالث كذلك أن أكثر وقوع القافية المقيدة المجردة في الشعر العماني، كان في بيت الرمل الوافي المحذوف العروض والضرب.
وهذه الصورة الماثلة في قول البهلاني في مطلع لاميته:
"نكسي الأعلام يا خير الملل رزئ الإسلام بالخطب الجلل (68)
فاعلاتن - فاعلاتن - فاعلا ... فعلاتن - فاعلاتن - فاعلا
سالمة - سالمة - محذوفة ...... مخبونة - سالمة - محذوفة
تمنع بمقطعها الأخير الطويل المغلق (لا= ص ح ص) (69)، إرداف القافية وقصرها وبمقطعها القصير قبله معه (ص ح)، تأسيسها، فتخلص للتجريد.
وبين الجدول كذلك أن أكثر وقوع المؤسسة، كان في بيت المجتث المجزوء الصحيح العروض والضرب.
وهذه الصورة الماثلة في قول الحبسي في مطلع رائيته:
" يا صاح لا تنكحن عاهـرا ولا بنـت عاهر" (70)
مستـفع لن فاعلاتن متفـع لـن فاعـلاتن
سالــمة سـالـمة مخبــونة سـالـمة
تتيح بمقطعيها الأخيرين: الطويل المفتوح فالطويل المغلق (لاتن= ص ح ح ص ح ص)، وقوع الألف قبل الحرف الذي قبل حرف الروي (عاهر)، أي التأسيس، وعدم وقوعها، أي التجريد الذي بين الجدول حدوثه بهذه الصورة نفسها، كما في قول الحبسي في مطلع رائية أخرى أقصر:
"أبـدي المعاصي وشيبي لدي بالـموت منذر" (71)
مستـفع لـن فاعـلاتن متفع لن فاعلاتـن
سالمة سـالــمة مخبــونة ســالـمـة
وتمنع الإرداف والقصر.
وبين الجدول كذلك أن المقصورة لم تقع إلا في بيت الرجز التام الصحيح العروض والضرب.
وهذه الصورة الماثلة في قول البهلاني في مطلع إحدى مقصورتيه:
"فاتحة الحمد أيادي من عفا والحلم أصــل للمقامات العلا" (72)
مستعلن مستعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلـن
مطـوية مطـوية سالـمة سالمـة سالـمة سـالمـة
تتيح بمقطعها الأخير الطويل المفتوح (لن= ص ح ح) (73)، وقوع الألف المتأصلة في كلمتها، رويا (لا)، أي القصر، وتمنع الإرداف والتأسيس متى بقيت الألف هي الروي، فأما إذا التزم الحرف الذي قبلها رويا، فأطلقت القافية بعد تقييد، فلن تمنع التأسيس ولا التجريد.
وليس القصر البادي لنا في الفقرة الثامنة عشرة، كالإهمال لتوحيد القافية، بغريب الارتباط بالرجز المُسْتَحْمَر المبتذل من قديم إلى حديث.

عاشرا: صورة بيت القافية المقيدة على الخصوص

{29} ثبت لدي تولد عروض الشعر من الموسيقا التي كانت غناء تؤديه أصوات البشر الحية، ثم صارت أصواتا تؤديها الآلات الجامدة، وثبت لدي كذلك تطور الموسيقا العربية من عصر الجاهليين قليلا قليلا إلى عصر المحدثين، وأن من وعي الشاعر بالحياة في نفسه ومن حول، أن يراعي بعروض شعره مقتضى موسيقى عصره الجديدة، فلا تنقطع صلته الوثيقة بها (74).

{30} ومن قديم نشط الشعراء العرب لتجديد شعرهم بتجديد عروضه منطلقين من العمودي ومعتمدين عليه واعين لشرط إدراك متلقي شعرهم، ما فيه من عروض، وإلا استحال نثرا، فاستحدثوا (المُشَطَّر) الذي طوّل البيت وقسمه ونسّق أقسامه وقفاها بقواف غير قافيته التي تظل في آخره مثلها في آخر غيره من أبيات القصيدة، ثم استحدثوا (الموشَّح) الذي زاد تطويل البيت وقسمه قسمين لا يكادان يتساويان، وقسم كلا منهما ونسق أقسامه وقفاها على نحو أكثر تركيبا، وأبقى قوافي القسم الثاني من أبيات القصيدة كلها، متشابهة، وقد كان (المشطر) طريقا صغيرا إلى الطريق الكبير (الموشح)، ثم استحدثوا (الحرّ) الذي لم يلتزم للبيت طولا ولا قافية، ولم يقسمه، وقد كان (المشطر) و(الموشح) الطريق إلى الساحة الفسيحة (الحر) (75).

{31} لقد وجدت شعراء البحث يخوضون يم التجديد ولا يخافون، إلا الحبسي الذي عهدته أرهف سمعا وأجرأ تجريبا، فلم يخض مع الخائضين، إلا ما كان من استعماله لتعديد القافية. والحق أنه كان استفرغ طاقته بشعر اللهجة، الذي سماه تلميذه جامع ديوانه (الطرائق)، وكأنها طرق التجديد عنده، فاستعمل فيه (المشطر)، فأما شعر اللغة، فأبقاه عموديا محضا.
أما الستالي فاستعمل (المشطر)، وأما البهلاني فاستعمل معه (الموشح)، وأما الصقلاوي فاستعمل (الحر). ولئن كان (الموشح) قريبا من (المشطر) بحيث كان الشاعر يستعملهما جميعا معا، إن (الحر) لبعيد منهما بحيث صار الشاعر يكتفي به للتجديد، فأما العموي فالطراز الراسخ الذي يطوِّف الشاعر في كل زمان ما يطوف، ثم يأوي إليه.

حادي عشر: كلمة القافية المقيدة على العموم

{32} ربما بدا لكثير من الناظرين في القافية، أن يكون تقييدها سدا لباب شر عظيم يفتحه على الشاعر إطلاقها، فجرى لديهم هنا أيضا المثل المولد "سكّنْ تسْلمْ" ، وكأن الشاعر المطلق القافية وحده يعاني اصطياد الكلمة الملائمة، لأنه وحده يراعي أن تكون مفتوحة كالمفتوحة آخر البيت السابق، أو مضمومة كالمضمومة، أو مكسورة كالمكسورة، فأما الشاعر المقيّدها ففي راحة ودعة وسعة، يجمع المفتوحة إلى المضمومة إلى المكسورة، والمنونة إلى الغير المنونة، والمعربة إلى المبنية، ما دام آخر كل منها الحرف المختار رويا. وهو ما سبقت الإشارة إليه في الفقرة الحادية عشرة.

{33} لقد بيّن الجدول الرابع إلحاح شعراء عُمان على أبواب نحوية بعينها، فإذا ما تفقدت قصيدة من شعرهم، كميمية الستالي التي يقول في أولها:
"يا دمن الحي عليك السلام وجاد أطلالك صوب الغمام
ما فعــل الحي عهدناهـم جيرتنا بين ربــوع المقام
عجنا على الأطلال أنضاءنا حيث توهمنا رسـوم الخيام
عجنا نحييها ونقضي بهــا حفيظة العهد وحق الذمـام
فاستعجم الربـع ولما يجب وكيف للعـافي برجع الكلام
وزودتنا بين آياتها وساوس الشـوق وبــرح الغـرام
وطال ما هاجت رسوم الحمى صبابـة للعاشق المستهـام
وربما هيــج أشواقـــه تألق البرق ونـوح الحمام " (76)
وجدت هذه الأبيات مثلا تتتابع دون أن تدخل إليها كلمات قوافيها إلا من باب نحوي واحد "اسم مجرور بالمضاف"، وحين تغير الباب تدخل من باب "اسم تابع اسم" نعت مجرور، حتى إنه لو أطلق القافية لسلمت له كلماتها مجرورة، وإن خرجت له صورة بيت شاذة. وهو أمر معروف من قديم (77)، ربما رجع إلى تمكن نمط من تركيب الكلام من عقل الشاعر، فهو يذهب إليه ويلح عليه . وكذلك وضح لي بطول النظر في أغاني الأصفهاني، أن عيوب كلمة القافية، النحوية العلاميّة- ولا سيما الإقواء- غير نادرة في الشعر العربي الذي استوعبه الكتاب وهو مقدار ضخم، وكأن الشاعر كان يعالجها بإخضاعها ضرورة لحركة القافية، ولكن سيطرة النظر العلمي، باعدت بينها وبين الشعراء ومتلقي شعرهم جميعا فندرت.
ليس الإشكال في كلمة القافية الموحدة إذن من جهة حركة آخرها فقط، ليكون في التقييد درؤه، كما أنه ليس النحو علامات الإعراب والبناء فقط، ليكون في التسكين فناؤه.

{34} إن الشاعر يدخل إلى أية قصيدة، من البيت الأول (بابها العروضي)، وجملته (بابها اللغوي)، وادعا آمنا، حتى إذا ما مضى يقيم بنيانها باللبنة بعد اللبنة منهما، ذهبت دعته، واستحال أمنه خوفا؛ إذ يتصارع بين يديه العروض واللغة معا، ويتنازعانه، فيلين لهذه مرة ولذاك أخرى، وتظل القافية وكلمتها، أشد مواضع البيت وجملته اصطراعا مهما تغير العروض من عمودي إلى موشح أو حر، ما بقي الشاعر حريصا على اختيارهما من أبرز عناصر عروض قصيدته ولغتها تأثيرا في توصيل رسالتها، وما بقي الناقد حريصا على مراعاة ذلك في ذوق القصيدة.

{35} في هذا الموضع من البيت وجملته (القافية وكلمتها)، تتجلى مجاهدات الشاعر الناجحة أو الفاشلة جميعا، فنراه قد اختار صيغة كلمة دون أخرى، وقدم كلمة على أخرى، وزاد كلمة دون أخرى، ونقص كلمة دون أخرى، وكل ذلك لا يخرج عن أن يكون في منزلة من هذه المنازل الأربعة المرتبة ترتيبا منطقيا :
الأولى: إكمال نقص السابق.
الثانية: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه.
الثالثة: إضافة بعض اللاحق.
الرابعة: إضافة كل اللاحق.
إن القصيدة نص أي جمل متتابعة مترابطة المبنى والمعنى، وإن الجملة مركب لغوي من عنصرين أساسين، بينهما علاقة إسناد، وربما انضافت إليهما عناصر أخرى غير أسس، وإن كلمة القافية جزء من هذه الجملة، ربما كانت أساسا، فعلا أو فاعلا في الفعلية، أو مبتدأ أو خبرا في الاسمية، وربما كانت فرعا غير أساس، متعلقا بأساس أو بفرع آخر. وليس يمتنع أن تشتد حاجة الجملة إلى جزئها الفرع، غير أنها حاجة مؤقتة، وحاجتها إلى أساسيها دائمة.

{36} في المنزلة الأولى تكون كلمة القافية العنصر الأساس الآخر الذي يكمل العنصر الأساس الأول من الجملة، أو العكس متى قدم الشاعر وأخّر. إنها المنزلة التي جعلها المرزوقي من عمود الشعر ووصفها بشدة اقتضاء اللفظ والمعنى للقافية ثم جعل معيارها "أن تكون كالموعود به المنتظر يتشوفها المعنى بحقه واللفظ بقسطه " (78)، ونصح للشعراء غيره من النقاد، ألا يدخلوا بيتا لا يعرفون قافيته (79)، فصار الشعراء يصعدون بالبيت وجملته من أولهما إلى تاج رأسيهما وقنة جبليهما (القافية وكلمتها)، ليعلقوا الإعجاز بالصدور (80)، حتى فخر منهم الفاخر بحيازة قصيدته تلك المنزلة الأولى قائلا:
"خذها إذ أنشدت للقوم من طرب صدورها علمت منها قوافيها" (81)
لقد بين الجدول الثالث حصول هذه المنزلة، للنوع الخامس من كلمة القافية (فاعل أو اسم نائبه) بنسبة (4.51%)، وللنوع السادس (اسم خبر مبتدأ أو ناسخ) بنسبة (3.72%)، وللنوع السابع (مبتدأ أو اسم ناسخ مؤخر) بنسبة (1.70%).
مثال ذلك قول الستالي:
" شـرف الأزد اليمانون به وتمنت أنها منه مضر…
أنت بالألسن محمود وفي كل قطر من أياديك أثر" (82)
لقد شغل العجز في كل منهما بما عطفه على الصدر، ثم شد آخر العجز إلى أوله بجعل كلمة القافية أحد أساسي جملتها، (فمضر) فاعل (تمنى)، الذي قدَّم عليه المفعول به، و(أثر) مبتدأ الخبر شبه الجملة (في كل) الذي أخره عنه.
إنها منزلة عزيزة، تظهر بها مُنّة الشاعر وقدرته واستطالته وشجاعته؛ فأما منته وقدرته فبكبحه جماح بيته وجملته المتصارعين بين يديه، بحيث وافق تمام هذه تمام ذاك، وأما استطالته وشجاعته فباستعماله التقديم والتأخير مطمئنا إلى فهم المعني (83).
وينبغي هنا ذكر قول ابن رشيق: "من الشعراء من يضع كل لفظة موضعها لا يعدوه، فيكون كلامه ظاهرا غير مشكل، سهلا غير متكلف، ومنهم من يقدم ويؤخر: إما لضرورة وزن، أو قافية وهو أعذر، وإما ليدل على أنه يعلم تصريف الكلام، ويقدر على تعقيده، وهذا هو العي بعينه، وكذلك استعمال الغرائب والشذوذ التي يقل مثلها في الكلام... ورأيت من علماء بلدنا من لا يحكم للشاعر بالتقدم، ولا يقضي له بالعلم، إلا أن يكون في شعره التقديم والتأخير، وأنا أستثقل ذلك من جهة ما قدمت، وأكثر ما تجده في أشعار النحويين" (84).
لقد أثبت ابن رشيق دلالة استعمال الشاعر التقديم والتأخير على استطالته وشجاعته، من حيث أراد أن ينفيها، ثم ذهب يخوض في الشاذ ظانا أنه يعينه على النفي، وليس يمتنع أن يكون ذو التقديم والتأخير، سهلا غير متكلف ولا شاذ، ومثال الستالي مثاله.

{37} في المنزلة الثانية تكون كلمة القافية العنصر الفرع الذي يتعلق بأساس أو بفرع آخر من جملته. إن الجملة تنتهي قبل أن تأتي القافية كمالة البيت، فيضطر الشاعر إلى أن يحتال ليزيد الكلمة التي تؤدي القافية وتزيد معنى الجملة نوعا من الزيادة، كأن تخصصه أو تعممه أو تغمضه أو توضحه أو تبالغ فيه نوعا من المبالغة، فإذا نجح كان عمله هذا من "الإيغال" الذي وصفه التبريزي بأنه يزيد تجويد البيت (85)، وجعله ابن رشيق ضربا من المبالغة "إلا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها، والحاتمي وأصحابه يسمونه التبليغ، وهو تفعيل من بلوغ الغاية، وذلك يشهد بصحة ما قلته" (86)، ثم روى عن الأصمعي قبل ذلك بزمان، قوله في نعوت أشعر الناس: إنه الذي "ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى… نحو ذي الرمة بقوله :
قف العيس في أطلال مية واسأل رسوما كأخلاق الرداء المسلسل
فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية (المسلسل) فزاد شيئا، وقوله:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها دموعا كتبديد الجمـان المفـصل
فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال (المفصل) فزاد شيئا أيضا " (87).
أراد (باحتاج إليها) رغبته في أن يشتمل عليها الكلام المنقضي، ومحاولته ذلك. والمُسَلْسَل الرديء النسج، والمُفَصَّل المفرق، وفي الزيادة الأولى مبالغة في وصف ديار الحبيبة بالبلى، وفي الزيادة الثانية تدقيق في تشبيه الدموع بالجمان.
والإيغال قديم ليس من اختلاف في أن امرأ القيس أول من نهجه (88).
وإذا فشل الشاعر كان عمله ذلك من "الاستدعاء" الذي جعل له ابن رشيق بابا قال في أوله: "هو ألا يكون للقافية فائدة إلا كونها قافية فقط فتخلو حينئذ من المعنى … وما أعجب السيد الحميري في قوله:
أقسم بالفجر وبالعشر والشفع والوتر ورب لقمان…
محمد وابن أبي طالب والـوتر رب العـزة البـاني…
فانظر إلى قوله (رب لقمان) ما أكثر قلقه وأشد ركاكته!!! وأما قوله (الباني) فقد خرج فيه من حد اللين والبرد، وتجاوز فيه الغاية في ثقل الروح، والله حسبه " (89). فرب لقمان رب كل شيء ومليكه، الباني والهادم، وليس في إضافة هذا أو ذاك من فائدة، بل نقص يفسد ما ربما استقام له قبله، فتستحق كلمة القافية أن تكون كما وصفها المرزوقي "قلقة في مقرها، مجتلبة لمستغن عنها" (90).
في الإيغال إذن زيادة كمال السابق، وفي الاستدعاء زيادة نقصه، في الأول نجاح الشاعر، وفي الآخر فشله، وهما وجها منزلة واحدة بين الجدول الثالث حصولها للنوع الأول (اسم مجرور بالمضاف أو بالحرف) بنسبة (35.12%)، وللنوع الثالث (اسم تابع اسم) بنسبة (23.94%)، وللنوع الرابع (اسم مفعولٌ أو نائبه) بنسبة (4.94%)، وللنوع الثامن (اسم حال أو تمييز نسبة) بنسبة (0.59%).
مثال ذلك قول الحبسي:
"خليفة الهادي النبي الذي هدى ذوي الإسلام طرق الرشـاد
ملك زرى عدلا بكسرى وفي الملك زرى ملكا بملك ابن عاد
من مثل سلطان إمامٌ فتى مجاهــد في الله حـق الــجهاد
مهذب الطبـع حليـف الـذكا مغني البرايا خيره المستفاد
عــدل كريم مستقيم له مـكارم لم يحصـها ذو فـؤاد
حفت به أسد بني يعرب كالأسد فوق الصـافنات الجيـاد...
وليـدم الحـاسـد في ذلـة قريـنه الغـم وداء الكُـباد…
يا بلدة الحزم اشكري ذا العلا شكرا على نيل المنى والمراد" (91).
لقد دخل بكلمة القافية في الأبيات الأول والثاني والثالث والخامس والسابع، من باب (اسم مجرور بالمضاف)، فنجح في الأولى والثانية والثالثة والخامسة وأوغل، حتى إننا لنتوقعها ، وفشل في السابعة واستدعى، حتى إننا لنرى الحاسد محظوظاً (بالكباد) وجع المعدة الهين لكثرة شرب الماء!
ودخل بكلمة القافية في الأبيات الرابع والسادس والثامن، من باب (اسم تابع اسم)، فنجح في الرابعة والسادسة وأوغل، حتى إننا لنتوقعهما، وفشل في الثامنة واستدعى، حتى إنه ليخيِّل أن المنى غير مرادة!
إنها المنزلة المسيطرة الطاغية التي ترفع وتخفض، فتدهش بهذا وذاك جميعا متلقي الشعر.

{38} في المنزلة الثالثة تكون كلمة القافية العنصر الأساس الأول في جملة جديدة، على أن يكون العنصر الأساس الآخر منها، في البيت التالي، وهذا هو "التضمين".
لقد كان القدماء يستحسنون أن تخرج أبيات القصيدة الواحدة، مخرج الأمثال السائرة، تامة المبنى والمعنى، غير مفتقر بيت منها إلى غيره، وكأنه قصيدة وحده (92)، ويستحسنون مع ذلك أن تكون القصيدة كلها كالكلمة الواحدة "تقتضي كل كلمة ما بعدها، ويكون ما بعدها متعلقا بها مفتقرا إليها " (93)، دون أن يكون بين الاستحسانين من تناقض- على رغم ما يجوز من اختلاف الأذواق - إذ المقصود أن يكون البيت كاللبنة في الجدار، لها شأنها الذي نستطيع أن نتحدث عنه ونعامله، وللجدار في الوقت نفسه شأنه الحاصل من اجتماع اللبنات بعضها إلى بعض وارتباطها (94). لهذا كان عيبهم أن يشتد افتقار بناء البيت النحوي إلى ما في البيت التالي له، بحيث ينقض استقلاله، ويصير كأنه كائن ضمنه (95).
ولم تحصل هذه المنزلة- فيما بين الجدول الثالث- إلا للنوع الحادي عشر ( مبتدأ مضمن الخبر) بنسبة (0.04%).
مثال ذلك قول الصقلاوي:
"واصل طريقك فالشرف
أن تبق حلما لا يـجف" (96)
لقد شد البيت الأول إلى البيت الثاني، بجعله كلمة قافية الأول (الشرف)، مبتدأ خبره المصدر المؤول الذي في الثاني، فمنع كلا من البيتين من أن ينفرد بشأنه عن الآخر. وهي منزلة عارضة نادرة.

{39} في المنزلة الرابعة تكون كلمة القافية، العنصر الأساس الأول من الجملة، على أن يكون مستغنيا عن ذكر العنصر الأساس الآخر، باستتاره فيه أو حذفه بعده، أو تكون كلمة القافية فرعا متعلقا بالأساسين المحذوفين بعده.
إنها لمنزلة قريبة الشبه بالمنزلة الأولى، تكاد تظهر مُنَّة الشاعر وقدرته مثلما أظهرتهما، غير أنها أشد منها إظهارا لاستطالته وشجاعته. فأما منته وقدرته فبإنشائه جملة جديدة كاملة المبنى والمعنى في المأزق الضنك، حين تكون كلمة القافية أساسا أول استتر فيه الآخر، وأما شدة استطالته وشجاعته، فبإنشائه جملة جديدة كاملة المعنى دون المبنى، في المأزق الضنك نفسه، حين تكون كلمة القافية أساسا أول انحذف بعده الآخر، أو فرعا انحذف بعده الأساسان جميعا" (97).
لقد بين الجدول الثالث حصول هذه المنزلة للنوع الثاني (فعل مستتر الفاعل) بنسبة (24.74%)، وللنوع التاسع (مبتدأ أو اسم ناسخ محذوف الخبر) بنسبة (0.50%)، وللنوع العاشر (حرف معنى محذوف المدخول الجملة) بنسبة (0.13%).
مثال ذلك قول البهلاني في إحدى مقصورتيه:
"وفي الصبا معتبة وزاجر فكيف بالشيـب إذا العود انحنى…
ما سرني من الثراء وفره إن كـان بين اللـؤم والحرص نما
إذا نفته هكـذا وهـكذا صنـائع في أهـلها فقد زكـا…
إلى متى ُنهْرَع في أذنابهم لا ملتـجى لا منتـهى لا منتـحى…
يسومنا الخسف خسيس ناقص لادين لا حكمة لا فضل ولا " (98).
لقد أنشأ بكلمة القافية وحدها جملة كاملة المبنى والمعنى في الأبيات الأول والثاني والثالث، من فعل ماض استتر فيه فاعله الذي يعود إلى العود في الأول، والى الثراء في الثاني والثالث، فيربط هذه الجملة الصغيرة بالجملة الكبيرة المستولية على البيت، وأنشأ جملة كاملة المعنى دون المبنى في البيتين الرابع والخامس ؛ إذ حذف منها آخر أساسيها في الرابع، وأساسيها جميعا في الخامس، اعتمادا على دلالة السياق، وربَطها بما قبلها بالعاطف المذكور في الخامس، والمحذوف في الرابع. لقد بلغ من شجاعته أن يقول: "ولا"، تاركا لنا أن نقدر المحذوف بالمذكور، مطمئنا إلى فهمنا ما لم يقله ، وهو السحر الذي رآه في الحذف شيخنا الجرجاني، ولم يبالغ (99)، إذ يُخَيِّل الحاذف بكون كلامه مفهوما رغم حذف بعضه أو أكثره، أنه قد أكمله ولم يحذف منه شيئا، كما خيل الساحر للناس أن الحبل الجماد (المحذوف الروح)، حية تسعى !

{40} إن المنزلة الأولى (إكمال نقص السابق)، مقياس عادل لإحكام الشعراء شعرهم، وإن المنزلة الثانية (زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه)، مقياس عادل لمجاهدة الشعراء في شعرهم، وإن المنزلة الثالثة (إضافة بعض اللاحق)، مقياس عادل لإغراب الشعراء بشعرهم، وإن المنزلة الرابعة الأخيرة (إضافة كل اللاحق)، مقياس عادل لشجاعة الشعراء في شعرهم، فإذا كنت قد خضعت في الحديث عن تلك المنازل في الشعر العماني، لذلك الترتيب المنطقي، فالآن أستطيع أن أرتبها ترتيبا استعماليا، على النحو التالي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (64.64%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (25.36%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (9.94%).
الرابعة: إضافة بعض اللاحق، بنسبة (0.04%).
وبيِّن جليّ غلبة المجاهدة على شعراء عُمان، والحق أنها حال الشاعر أبدا، أن يجاهد ثم أن يخفي المجاهدة، منذ قال سُوَيد بن كُراعَ العُكْليّ:
"أبيت بأبواب القوافي كأنما أُصادي بها سربا من الوحش نُزَّعا
أكالئها حتى أعرِّس بعدما يكون سُحَيرا أو بعيـد فاهجـعا" (100).
ثم تأتي الشجاعة بعد المجاهدة عندهم، ثم الإحكام، ثم الإغراب، ولا أستطيع أن أفتي في هذا حتى أصنع بالشعر في سائر بلاد العرب مثلما صنعت بالشعر العماني، غير أنني أستطيع أن أقارن الشعر العماني بعضه ببعض فيما يلي .

خاتمة :

ثاني عشر: كلمة القافية المقيدة على الخصوص

{41} بين الجدول الثالث نسبة كل نوع من أنواع كلمة القافية في شعر كل شاعر من شعراء البحث، حتى إنه لييسر ترتيب منازلها في شعر كل منهم ترتيبا استعماليا على النحو التالي:
- أولا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر الستالي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (80.87%).
الثانية: إكمال نقص السابق، بنسبة (10.92%).
الثالثة: إضافة كل اللاحق، بنسبة (8.19%).
- ثانيا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر الحبسي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (67.59%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (22.58%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (9.81%).
- ثالثا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر البهلاني:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (60.62%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (29.37%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (10%).
- رابعا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر الصقلاوي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (68.36%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (22.44%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (8.16%).
الرابعة: إضافة بعض اللاحق، بنسبة (1.02%).
لقد صحت غلبة المجاهدة على شعراء عمان جميعا، غير أن أوجها كان قديما في زمان الستالي، ثم قلت بعده كثيرا، وصحت ندرة الإغراب في الشعر العماني جميعه، وانحصر في شعر الصقلاوي المعاصر، ثم اختلف الأمر فيما سواهما؛ فظهر أن عناية شعراء عُمان بإحكام شعرهم بلغت أوجها قديما في زمان الستالي حتى تقدمت الشجاعةَ، ثم صارت تقل بعد ذلك، ولا ذكر للفارق (0.19%) بين الحبسي والبهلاني، وظهر أن شجاعة شعراء عُمان في شعرهم بلغت أوجها حديثا، إذ كانت قديما في زمان الستالي، أقل ما كانت، ثم صارت تكثر بعد ذلك حتى بلغت ذروتها عند البهلاني لتقل قليلا عند الصقلاوي غير أنها بقيت أكثر منها عند الستالي الذي شغلته المجاهدة عن الشجاعة .

____________________________

بيان الحواشي والمراجع

1- دومة (دكتور علي عبدالخالق علي) "الشعر العماني: مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية"، طبعة دار المعارف بمصر، سنة 1984م، ص26، 34، 39- 83؛ فقد عرض لما رآه مراحل ركود ثم بعث ثم تجديد وابتكار، عُرُوضا أوليا فضفاضا، ثم أقبل يضبط وينظم الأحكام والصفات، ناظرا في هذا كله إلى ما تناول به النقاد الشعر في سائر بلاد العرب.
2- الخصيبي (محمد بن راشد بن عزيز) " شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان"، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان، الثانية سنة 1989م، فقد درج عفوا على التقديم للشاعر بمن اتصل به ومدحه، من الحكام، وهو نهج عربي قديم، ودرويش (دكتور أحمد) "مدخل إلى دراسة الأدب في عُمان"، طبعة دار المعارف بمصر سنة 1992م، نشرة دار الأسرة للطباعة والنشر والتوزيع ص123- 124.
3- دومة "الشعر العماني"، ص34.
4- التنوخي (عز الدين) "مقدمة تحقيقه لديوان الستالي أبي بكر أحمد بن سعيد الخروصي"، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان، سنة 1412هـ- 1992م، ص ح .
5- عيسى (عبدالعليم) "مقدمة تحقيقه لديوان الحبسي راشد بن خميس بن جمعة بن أحمد" ، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان، الثانية سنة 1412هـ- 1992م، ص ز-ح .
6- الكندي (محسن بن حمود) "عبدالله الطائي: حياته وأدبه"، ماجستير مخطوطة سنة 1994م، محفوظة بمكتبة كلية الآداب بجامعة السلطان قابوس بمسقط، ص306، والمحروقي (محمد بن ناصر) "أبو مسلم البهلاني شاعرا"، ماجستير مخطوطة سنة 1995م، محفوظة بمكتبة كلية الآداب بجامعة السلطان قابوس بمسقط، ص314، وحسن (دكتور عبدالحفيظ محمد) "هلال البوسعيدي أصداء ثقافة عصره"، الطبعة الأولى سنة 1418هـ- 1997م، نشرة دار الثقافة العربية بالقاهرة، ص13- 15.
7- درويش ص132.
8- الآمدي (أبوالقاسم الحسن بن بشر) "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري"، بتحقيق السيد أحمد صقر، طبعة دار المعارف بمصر، الرابعة، ج1 ص6، 57، 429.
9- القرطاجني (أبوالحسن حازم) "منهاج البلغاء، وسراج الأدباء"، بتحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، طبعة دار الكتب الشرقية بتونس، سنة 1966م، ص376.
10- مصلوح (دكتور سعد) "الأسلوب: دراسة لغوية إحصائية"، الطبعة الثالثة سنة 1412هـ- 1992م، نشرة عالم الكتب بالقاهرة، ص49، 105، وويليك (رينيه) ووارين (أوستن) "نظرية لأدب"، بترجمة محي الدين صبحي ومراجعة الدكتور حسام الدين الخطيب، الطبعة الثالثة سنة 1985م، نشرة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، ص185- 186؛ فقد أشار إلى أنه أحد منهجين ممكنين لمعالجة مثل هذا التحليل الأسلوبي، أما الآخر فالتحليل المنهجي للنسق اللغوي للعمل الأدبي، وهو الذي نعتُّ جدواه على مسألتنا، بالصراخ في الخلاء.
11- الخصيبي ج1 ص34 وما بعدها، ودومة "الستالي: حياته وشعره"، طبعة سنة 1404هـ- 1984م، توزيع دار المعارف بمصر، ص22 وما بعدها، و"الشعر العماني"، ص26، 31، ودرويش ص129، ومعتمدي في شعره ديوانه السابق ذكره.
12- الخصيبي ج1 ص100 وما بعدها، ودرويش ص144، ومقدمة المحقق لديوانه السابق ذكره، وهو معتمدي في شعره.
13- المحروقي ص ب وما بعدها، ودرويش ص152 وما بعدها، ومعتمدي في شعره ديوانه بتحقيق عبدالرحمن الخزندار، طبعة دار المختار سنة 1406هـ – 1986م.
14- أبوهمام (دكتور عبداللطيف عبدالحليم) "في الشعر العماني المعاصر"، الطبعة الأولى، توزيع مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة، ص91، 93، ودعبيس (دكتور سعد) "دراسات في الشعر العماني"، طبعة دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية سنة 1992م، ص86 بالحاشية، ومعتمدي في شعره مجموعتاه "أنت لي قدر"، الطبعة الأولى سنة 1405هـ- 1985م، و"أجنحة النهار"، طبعة النهضة بمسقط، الأولى سنة 1419هـ- 1999م.
15- مصلوح " دراسات نقدية في اللسانيات العربية المعاصرة"، الطبعة الأولى سنة 1989م، نشرة عالم الكتب بالقاهرة ص65- 66.
16- الدمنهوري (السيد محمد) "حاشيته على متن الكافي في علمي العروض والقوافي للقنائي واسمها الإرشاد الشافي"، طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة، الثانية سنة 1377هـ- 1957م، ص129.
17- السابق نفسه.
18- المعري (أبوالعلاء أحمد بن سليمان) "رسالة الصاهل والشاحج"، بتحقيق الدكتورة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ)، طبعة دار المعارف بمصر، الثانية سنة 1984م، ث156.
19- لوتمان (يوري) "تحليل النص الشعري: بنية القصيدة"، بترجمة الدكتور محمد فتوح أحمد، طبعة دار المعارف بالقاهرة سنة 1995م، ص70- 71، وراجع ويليك ووارين ص166- 168.
20- صقر (محمد جمال) "علاقة عروض الشعر ببنائه النحوي"، دكتوراة مخطوطة سنة 1996م، محفوظة بمكتبة كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ص196 وما بعدها.
21- الطرابلسي (محمد الهادي) "خصائص الأسلوب في (الشوقيات)"، طبعة سنة 1981م، من منشورات الجامعة التونسية، ص248، 455، 456- 457، 518- 519.
22- صقر "التوافق: أحد مظاهر علاقة علم العروض بعلم الصرف"، بحث بالعدد العشرين من مجلة (دراسات عربية وإسلامية) المشرف عليها الأستاذ الدكتور حامد طاهر نائب رئيس جامعة القاهرة، سنة 1420هـ- 1999م، ص153.
23- مصلوح "في النص الأدبي؛ دراسة أسلوبية إحصائية"، الطبعة الأولى سنة 1414هـ- 1993م، نشرة عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بالقاهرة، ص48.
24- محمود (دكتور زكي نجيب) "قشور ولباب"، طبعة دار الشروق بالقاهرة سنة 1408هـ- 1988م، ص172- 173، وناصف (دكتور مصطفى) "نظرية المعنى في النقد العربي"، طبعة دار الأندلس ببيروت، ص38؛ فقد ذكر أن كلمة (اللفظ) التي تشبه كلمة (الشكل) هنا، قد استعملت في الكتابات العربية القديمة في دلالتين اثنتين "1 – ما نسميه التكوين الموسيقي وإيقاع العبارات 2 – الصورة الدقيقة للمعنى".
25- الطرابلسي 519- 520.
26- أدونيس (علي أحمد سعيد) "الصوفية والسوريالية"، الطبعة الأولى سنة 1992م، نشرة دار الساقي ببيروت، ص213- 215، 216، 229- 230.
27- كشك (دكتور أحمد محمد) "القافية تاج الإيقاع الشعري"، طبعة سنة 1983م، ص125- 126.
28- عبدالله (الحساني حسن) "مقدمة تحقيقه للكافي في العروض والقوافي للخطيب التبريزي"، طبعة المدني سنة 1969م، نشرة مكتبة الخانجي بمصر، ص6-7.
29- الحبسي 531.
30- السابق نفسه.
31- الصقلاوي "أنت لي قدر" ص13.
32- السابق ص14.
33- أنيس (دكتور إبراهيم) "موسيقى الشعر"، الطبعة السادسة سنة 1988م، نشرة مكتبة الانجلو المصرية، ص260، وفيه إحصاء ظني للشعر العربي على العموم، والنطافي (دكتور محمد ذيب) "حركة الروي في الشعر العربي"، بحث بالعدد التاسع من مجلة كلية الآداب بجامعة الملك سعود سنة 1982م، 312- 338، وفيه إحصاء لشعر من مختلف العصور، وابن الشيخ (جمال الدين) "الشعرية العربية"، بترجمة مبارك حنون وآخرين، الطبعة الأولى سنة 1996م، نشرة دار توبقال بالدار البيضاء، ص212، وفيه إحصاء خاص لشعر أبي تمام والبحتري وشعر كتاب الأغاني، وعبداللطيف (دكتور محمد حماسة) "في بناء الجملة العربية"، الطبعة الأولى سنة 1402هـ- 1982م، نشرة دار القلم بالكويت، ص448، وفيه إحصاء لشعر ثمانية جاهليين، و"الجملة في الشعر العربي"، طبعة المدني الأولى سنة 1410هـ- 1990م، نشرة مكتبة الخانجي بالقاهرة، ص106، وفيه إحصاء لشعر المتنبي، والطرابلسي ص39- 40، وفيه إحصاء لشعر شوقي والشابي، وصقر "علاقة…"، ص203، وفيه إحصاء خاص لشعر خمسة أندلسيين وسبعة محدثين.
34- حسان (دكتور تمام) "اللغة العربية: معناها ومبناها"، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، الثانية سنة 1979م، ص271.
35- عبداللطيف "في بناء…"، ص488.
36- صقر "علاقة…"، ص207- 210.
37- أنيس 260، والطرابلسي 40، وصقر "علاقة…"، 203.
38- أنيس 260.
39- الطرابلسي 40.
40- عبداللطيف "في بناء…"، ص484، فقد رد زعم صعوبة الإطلاق وسهولة التقييد وأرجع الأمر كله إلى المقتضى الفني والتآلف الدلالي.
41- ابن خلدون (عبدالرحمن بن محمد) "المقدمة"، بتحقيق الدكتور علي عبدالواحد وافي، طبعة نهضة مصر الثالثة، ج3، ص1280، 1284، والبهبيتي ( دكتور نجيب محمد) "تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري"، طبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء سنة 1982م، نشرة دار الثقافة بالدار البيضاء، ص484، ووافي (دكتور علي عبدالواحد) "فقه اللغة"، طبعة دار نهضة مصر سنة 1988م، ص133 وما بعدها.
42- الستالي ص341.
43- السابق ص397.
44- فتحة الميم الأولى في قافية (ب الغمام) حذو، وهي ثابتة لا تتغير، إذ هي بعض الألف، في حين أن فتحة الميم الأولى في قافية (بالغمم) توجيه، وثباتها مرجو غير ملتزم.
45- ابن عبد ربه (أحمد بن محمد الأندلسي) "العقد الفريد"، بتحقيق الدكتور عبدالمجيد الترحيبي، طبعة مؤسسة جواد ببيروت، الأولى سنة 1404هـ- 1983م، نشرة دار الكتب العلمية ببيروت، ج6 ص355، وراجع عبداللطيف "الجملة…"، ص109، وصقر "علاقة…"، ص279 وما بعدها.
46- عياد (دكتور شكري محمد) "موسيقى الشعر العربي: مشروع دراسة علمية"، طبعة دار الأمل بالقاهرة، الثانية سنة 1978م، نشرة دار المعرفة بالقاهرة، ص127 بالحاشية؛ فقد ذكر عن نتائج بعض الأبحاث التجريبية، أن عدد الذبذبات المميزة لصوت الألف في الإنجليزية قريب من ضعف عدد ذبذبات صوتي الواو والياء معا.
47- البهلاني ص406.
48- صقر "التوافق…" فهو في هذه المسألة.
49- الصقلاوي "أنت لي قدر"، ص106.
50- درويش ص162، فهو يذكر ولوع شعراء عُمان بذلك، ويشير الى ما اتصفت به مقصورة ابن دريد من سلك معنوي خاص يربط حباتها الكثيرة، ثم يسأل الباحثين أن يبحثوا عن مثل ذلك السلك في مقصورة أبي مسلم! وللشاعر مقصورتان على أية حال لا واحدة.
51- البهبيتي ص311.
52- الهاشمي (السيد أحمد) "ميزان الذهب في صناعة شعر العرب"، طبعة سنة 1393هـ- 1973م، نشرة دار الكتب العلمية ببيروت، ص136.
53- أنيس ص259، فقد لاحظ ذلك في بعض المقاصير.
54- البهلاني ص337.
55- ابن عبدربه ، والتبريزي "الكافي في العروض والقوافي" السابق ذكره، والدماميني (أبوعبدالله محمد بدر الدين بن ابي بكر) "العيون الغامزة على خبايا الرامزة"، بتحقيق الحساني حسن عبدالله، الطبعة الثانية سنة 1415هـ- 1994م، نشرة مكتبة الخانجي بالقاهرة، والإسنوي (جمال الدين عبدالرحيم) "نهاية الراغب في شرح عروض ابن الحاجب"، بتحقيق الدكتور شعبان صلاح، الطبعة الأولى سنة 1408هـ- 1988م، نشرة دار الثقافة العربية بالقاهرة، وصلاح (دكتور شعبان) "موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع"، الطبقة الثانية سنة 1409هـ- 1989م، نشرة دار الثقافة العربية بالقاهرة، وصمود (نورالدين) "تبسيط العروض"، طبعة سنة 1986م، نشرة الدار العربية للكتاب بطرابلس ليبيا.
56- المعري "ديوان لزوم ما لا يلزم"، بتحقيق إبراهيم الابياري، الطبعة الثانية سنة 1412هـ- 1982م، نشرة دار الكتب الإسلامية" دار الكتاب المصري بالقاهرة، ودار الكتاب اللبناني ببيروت، ج1 ص45.
57- أنيس ص248.
58- الأصفهاني (علي بن الحسين بن محمد القرشي ) "الأغاني"، بتحقيق إبراهيم الابياري، طبعة دار الشعب بالقاهرة سنة 1969م، ج14 ص4999- 5000، فقد روي عن ابن أبي الزوائد إمام الحرم النبوي، قوله آخر أبيات ذالية الروي:
هذه (الذال) فاسمعوها وهاتوا شاعرا قال في الروي على (ذا)
قالها شاعر لو ان القوافي كـن صخـرا أطارهـن جـذاذا
إنه يتحدى بحفظه خصومه من الشعراء أو رواته من العلماء، فيستعمل للروي حرفا مهجورا لا يكادون يعرفون له من الكلمات مادة تكفي القصيدة، ولا سيما إذا طالت.
59- الحبسي ص ذ من مقدمة جامعه.
60- أيوب (دكتور عبدالرحمن) "أصوات اللغة"، طبعة الكيلاني بالقاهرة، الثانية سنة 1968م، ص135- 136.
61- عبداللطيف "الجملة…"، ص109.
62- الطرابلسي ص46.
63- الحبسي ص482- 483.
64- السابق ص424.
65- القرطاجني ص274، وأنيس ص251، 252.
66- ابن عبد ربه ج6 ص355- 357.
67- الستالي 402.
68- البهلاني 406.
69- (لا) في (فاعلا)، رمز عروضي لا يستلزم المقطع الطويل المفتوح (ص ح ح) ، بل يستلزم المقطع الطويل مفتوحا أو مغلقا (ص ح ص).
70- الحبسي ص415.
71- السابق ص396.
72- البهلاني ص463.
73- (لن) في (مستفعلن)، رمز عروضي لا يستلزم المقطع الطويل المغلق (ص ح ص)، بل يستلزم المقطع الطويل مغلقا أو مفتوحا (ص ح ح).
74- صقر "علاقة…"، ص461
75- السابق ص35، 71- 74.
76- الستالي ص397- 398.
77- ابن جني (أبوالفتح عثمان) "الخصائص"، بتحقيق محمد علي النجار، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، الثالثة.
78- المرزوقي (أبوعلي أحمد بن محمد بن الحسين) "شرح ديوان الحماسة"، بتحقيق أحمد أمين وعبدالسلام هارون، طبعة دار الجيل ببيروت، الأولى سنة 1411هـ- 1991م، ج1 ص11.
79- الخفاجي (أبومحمد بن سنان الحلبي) "سر الفصاحة"، بتحقيق علي فودة، الطبعة الثانية سنة 1414هـ- 1994م، نشرة مكتبة الخانجي بالقاهرة، ص149، والقيرواني (أبو علي الحسن بن رشيق الأزدي) "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده"، بتحقيق محمد محي الدين عبدالحميد، طبعة دار الجيل ببيروت، الخامسة سنة 1401هـ- 1981م ج1 ص210، وابن خلدون ج3 ص1307.
80- ابن رشيق ج1 ص210 عن أبي تمام، وحجازي (أحمد عبدالمعطي) "الشعر رفيقي:تأملات واعترافات"، طبعة سنة 1408هـ- 1988م، نشرة دار المريخ بالرياض، ص53، عن نفسه.
81- الخفاجي ص171.
82- الستالي ص258.
83- ابن جني، فقد جعل التقديم والتأخير من شجاعة العربية.
84- القيرواني ج1 ص259- 261.
85- التبريزي ص179.
86- القيرواني ج2 ص57.
87- السابق نفسه.
88- السابق نفسه.
89- السابق ج2 ص73.
90- المرزوقي ج1 ص11.
91- الحبسي ص67- 68.
92- ثعلب (أبوالعباس أحمد بن يحيى) "قواعد الشعر"، بتحقيق الدكتور رمضان عبدالتواب، الطبعة الثانية سنة 1955م، نشرة مكتبة الخانجي بمصر، ص66- 69، والخفاجي ص228، وابن جني ج1 ص241.
93- ابن طباطبا (أبوالحسن محمد بن أحمد العلوي) "عيار الشعر"، بتحقيق الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع، طبعة دار العلوم بالرياض سنة 1405- 1985م، ص314، وراجع القيرواني ج2 ص117.
94- صقر "علاقة…"، ص113 وما قبلها.
95- التبريزي ص167، وابن الدهان (أبوسعيد بن المبارك بن علي البغدادي) "الفصول في القوافي"، بتحقيق الدكتور محمد عبدالمجيد الطويل، الطبعة الأولى سنة 1412هـ_ 1991م، نشرة دار الثقافة العربية بالقاهرة ، ص76.
96- الصقلاوي "أجنحة النهار"، ص109، وهكذا ارتكب ضرورة الجزم بأداة النصب وراعاها في الكتابة "أن تبق"، والقصيدة من منهوك الكامل.
97- ابن جني فقد جعل الحذف من شجاعة العربية.
98- البهلاني ص338، 340، 345.
99- الجرجاني (ابوبكر عبدالقاهر بن عبدالرحمن بن محمد النحوي) "دلائل الإعجاز"، بتحقيق أبي فهر محمود محمد شاكر، طبعة المدني بالقاهرة سنة 1984م، نشرة مكتبة الخانجي بالقاهرة، ص146، فقد قال في الحذف "هو باب دقيق المسلك لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر، أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن. وهي جملة قد تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر".
100- الأصفهاني ج12 ص4510.

الدكتور محمد جمال صقر ...المدرس بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة .

minshawi
09-14-06, 12:25 AM
شكرا على نشر البحث في المنتدى
واذا رغبت في نشره في الموقع فارجوا بعثه كملف مرفق الى بريدي الخاص
mohammed@minshawi.com

الماوردي
09-14-06, 01:22 AM
بارك الله فيك أخي الصادق

minshawi
06-21-12, 02:34 PM
تم نشرهما في الموقع
الأعضاء فقط هم الذين يستطيعون مشاهدة الروابط
و
الأعضاء فقط هم الذين يستطيعون مشاهدة الروابط

ناهد سليم
03-23-22, 02:08 PM
جزاااااااك الله كل الخير والهنا علي هذاا الموضووع الرااائع :o:o