علي المكاوي : علم الاجتماع الطبي مدخل نظري
تأليف: علي المكاوي
إن فهم الصحة والخدمة الصحية لا يكتمل إلا بإدراجهما في سياق اجتماعي أكبر بما يضمه من عناصر تؤثر على إدراك الفرد لمدى حاجته للمساعدة الطبية
وقراره بالبحث عنها واستجابته لها. وبالتالي تؤثر الأبعاد الاجتماعية على الخدمات الصحية، لعل أبسط ما فيها أن البحث عن هذه المساعدة يعد جزءًا من عملية اجتماعية لا يرقى إليها أي فهم طبي مجرد. كذلك لا يخفى علينا دور المتغيرات الاجتماعية في اللجوء إلى الخدمة العلاجية أو الوقائية، وتحديد الخلفيات الاجتماعية في تنميط المرض والسلوك المرتبط به، ومغزى الأوضاع الطبقية في مواجهته، ومدى الاستفادة من الخدمات القائمة، علاوة على دور البيئة الاجتماعية والأسرة في اتخاذ القرار الطبي بالتماس الخدمة عند الحاجة إليها. أضف إلى ذلك أن المؤسسة الصحية التي تقدم الخدمة هي نفسها عبارة عن نسق اجتماعي يحوي مجموعة من الأدوار وتسوده أنماط معينة من العلاقات وتحكمه ضوابط ومعايير وبناءات سلطة وبه جماعات ضاغطة، علاوة على علاقات بالمجتمع المحلي، والمجتمع الأكبر. وفي ضوء هذه الأبعاد الاجتماعية المعقدة يتحدد مدى كفاءة المؤسسة في أداء الخدمة للجمهور. والواقع أن الطب الحديث قد تعرض لانتقادات واسعة من جانب الصحافة والمحللين الاجتماعيين والجمهور وحتى الأطباء أنفسهم. وتمثلت هذه الانتقادات فيما يتصل بالتنشئة الطبية لدارسي الطب والسيادة المهنية لهذه الجماعة والتكنولوجيات المستخدمة في الممارسة الطبية وأثرها على الأداء المهني، بالإضافة إلى تأثير البناء الاجتماعي والثقافي على الطب ذاته. وعلى ذلك ظهر الإجماع العام من الأطباء وأصحاب القرار على أن التأهيل الاجتماعي للطبيب ضرورة لا بد منها لتحسين التعامل مع المجتمع والتعرف على حاجاته الصحية ومواجهتها بكفاءة، وبالتالي فإذا أدرك الطبيب صورة الواقع الاجتماعي والخريطة الاجتماعية للمؤسسة الصحية، والقيم والتصورات الاجتماعية لدى الجمهور طالب الخدمة، وجماعات الضغط والمصلحة في المجتمع المحلي... إلخ، وصلنا إلى مستوى كفء في الأداء المهني، ومن زاوية أخرى إذا وقفنا على الوضع الاجتماعي للطبيب ومدى تلاؤم المثال مع الواقع بالنسبة لهذا الوضع؛ أمكن اكتشاف مواطن الخلل في النسق الطبي الرسمي، وعلاجها.