العَلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة

بيانات الملخص الأولية
الملخص

(جزآن، دار الشروق، القاهرة 2002 - طبعة ثانية 2005).

أهمية هذه الدراسة موازيةٌ تماماً لأهمية دراسة المسيري للصهيونية واليهودية. وتشكل هذه الدراسة، المكوَّنة من مجلدين، جزءاً من دراسة أوسع عن العلمانية. ويتناول هذان المجلدان قضية العلمانية (في جانبيها النظري والتطبيقي) من منظور مختلف بعض الشيء عما هو سائد وشائع. فهي لا تتبنى التعريفاتِ الشائعة، بل تفرِّق بين «العلمانية الجزئية» و«العلمانية الشاملة» كما يطلق عليها المسيري. والفرق بينهما أن العلمانية الجزئية تطالب بفصل الدين عن الدولة وحسب، بينما تلزم الصمت بخصوص القيم النهائية والمطلقة والحياة الخاصة والمرجعية النهائية للقرارات السياسية والاقتصادية والتربوية. أما العلمانية الشاملة فهي ليست فصلَ الدين عن الدولة وحسب، وإنما فصل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية، لا عن الدولة وحسب وإنما عن مجمل حياة الإنسان في جانيها العام والخاص وعن المرجعية النهائية للدولة ولكل قرارات الإنسان، بحيث تنزع القداسة عن العالم، فتصبح كل الأمور نسبية، ويتحول الإنسان والطبيعة إلى مادة استعمالية يوظفهما الأقوى لصالحه. ونتيجةً لهذا يظهر العلم المنفصل عن القيمة، والجسدُ المنفصل عن القيمة، والحياةُ المنفصلة عن القيمة، وتظهر المنظومة الداروينية باعتبارها منظومة القيم الوحيدة الممكنة في مثل هذا العالم. وإذا كان من الممكن تقبل العلمانية الجزئية، أي فصل الدين عن السياسة وربما الاقتصاد (بمعنى الإجراءات السياسة والاقتصادية)، فالعلمانية الشاملة أمر من العسير تقبُّله، لأنها أيديولوجية كاسحة لا يوجد فيها مجال للإنسان أو للقيم، ومن ثَمَّ فهي لا تتصالح مع الدين ولا مع الإنسان، مسلماً كان أم مسيحياً أم يهودياً، وتحاول أن تختزل حياة الإنسان للبُعد المادي وحسب! وتتكون الدراسة من مجلدين منفصلين رغم ارتباطهما الواحد بالآخر: كُرِّس المجلد الأول منهما لإشكالية تعريف العلمانية والمراجعات المختلفة (الغربية والعربية) بخصوص مصطلح العلمانية والمفهوم أو المفاهيم المتناقضة الكامنة وراءها. ويحاول المسيري في أثناء ذلك تفكيكَ بعض المصطلحات والمفاهيم المستخدمة في وصف الحداثة الغربية، والتي يذهب إلى أنها في واقع الأمر مصطلحات ومفاهيم تصف العلمانية الشاملة. وبعد تفكيك هذه المصطلحات يجرِّد نموذجاً تحليلياً منها. وحتى لا تصبح العلمانية ظاهرةً خارجَ الزمان والمكان، يتناول المسيري أسباب ظهور العلمانية في العالم الغربي، والأسباب الأخرى الكامنة في المجتمعات الإنسانية عامة والتي يمكن أن تؤدي إلى ظهورها، والتجليات المختلفة للنموذج العلماني مثل حركة الاستنارة وحركة التمركز حول الأنثى. ويذهب المسيري إلى أن العلمانية هي شكل من أشكال وحدة الوجود المادية. وتبدأ المتتالية النماذجية العلمانية بأن الخالق يتحد مع مخلوقاته ويحل فيها، ويمكن التعبير عن نفس الشئ بالقول إن مركز العالم يصبح كامنا فيه ويصبح العالم مرجعية ذاته. وتدريجيا يصبح كل مجال من مجالات الحياة الإنسانية موضع حلول ومرجعية ذاته ومنفصل عن القيمة. فالمجال الاقتصادي يصبح موضع الحلول ويحكم عليه بمعايير مستمدة منه، أي معايير اقتصادية. ثم تتصاعد هذه العملية فالمجال السياسي يصبح مرجعية ذاته ويحكم عليه بمعايير سياسية وهكذا، إلى أن يحكم على النشاطات الجسمانية بمعايير جسمانية. وحينما تصبح كل النشاطات الإنسانية منفصلة عن بعضها البعض وعن القيمة، ويصبح كل مجال مرجعية ذاته فإنها تفلت من قبضة الإنسان الذي يغترب عن العالم. ويؤدي تصاعد معدلات الحلول إلى تعدد مراكز الحلول التي تلغي بعضها البعض فيصبح العالم بلا مركز وهذه هي حالة ما بعد الحداثة. وينتقل المسيري في المجلد الثاني من النظرية إلى التطبيق ـ أي إلى عمليات العلمنة الشاملة ـ؛ فيتناول عمليات الترشيد في الإطار المادي وأثرها في المجتمع الإنساني في مجالات النشاط الإنساني المختلفة، ابتداءً من علمنة الرؤية والدين والنظريات السياسية والتربوية والأخلاقية والجمالية، وانتهاءً بعلمنة الملابس والطعام والجريمة! كما يقدِّم بعض مؤشرات العلمانية الشاملة، وبعض المشكلات الناجمة عن العلمنة الشاملة. ثم يتناول إشكالية محدَّدة هي علاقة العلمانية الشاملة باليهود واليهودية والصهيونية، وهي إشكالية خِلافية تشغل العقل العربي، لأسباب غنية عن التعريف.

الناشر: دار الشروق، القاهرة