تُعد ظاهرة التنشئة الاجتماعية من الظواهر القديمة والمستمرة في المجتمع البشري بوجه عام؛ فلا يخلو منها مجتمع مهما بلغت درجة بساطته أو تعقده ومهما كانت رتبته في السلم الحضاري؛ حيث تحرص الجماعات الإنسانية عامة على ترسيخ قيمها ونقل معاييرها وأطرها الثقافية من جيل الآباء إلى جيل الأبناء وتسلك في ذلك مسالك عدة تتشابه وتختلف في بعض جوانبها وفقالتباين النسق الثقافي والقيمي بين مجتمع وآخر.
وقد تصادف المجتمعات والجماعات الإنسانية بعض المشكلات في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي من أهدافها في عملية التطبيع والتنشئة الاجتماعية لأجيالها في كل زمان ومكان، ولاسيما في هذا
العصر المحفوف بالتحديات، حيث أضحت مسألة التنشئة الاجتماعية للأبناء أكثر صعوبة وأشد تعقيدا؛في عصر سقطت فيه الحدود ،وزالت فيه عوائق الاتصال بين أطراف الكرة الأرضية،وأصبحت عملية مواجهة الغزو الثقافي الوافد أكثر صعوبة في عصر تتسلل فيه المفاهيم
والمعلومات من كل المنافذ صانعة منظومة من القيم يراد لها أن تكتسي طابعا كونيا. ولعل ذلك ما حدا بال ساسة والمربين والمصلحين على كافة المستويات أن يجدوا في البحث عن مخرج لتلك
الأزمة التربوية الاجتماعية المتعلقة بضعف القدرة على صناعة المناعة الذاتية في مواجهة شظايا المعلومات التي باتت تطال مختلف جنبات المعمورة،وهذه المعضلة التي تُميز الراهن الثقافي
العالمي. ألقت بضلالها على الكثير من جوانب الحياة الدينية والأمنية والاقتصادية وغيرها.
وانطلاقا من الحكمة القائلة بأنه إذا أردنا مساعدة الأطفال حتى يكونوا مواطنين اجتماعيين فإنه لامناص من وضع هذه المرحلة الحساسة والحرجة من عمر الإنسان تحت مجهر البحث وتناولها
بالتشريح والدراسة المستفيضة،مما يجعل موضوع التنشئة الاجتماعية مسألة في غايةالضرورة،لأنه يتغيا فهم الأطفال واحتياجاتهم ومتطلباتهم. فالمولود يأتي إلى هذا العالم عبارة عن قطعة بيولوجية،وتتولى الأسرة وباقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية المحلية والعالمية مهمة،تحويله من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي عن طريق تمكينه من تعلم مختلف العلاقات والأدوار والقيم الاجتماعية،حتى يصبح بمقدوره الانسجام مع متواضعات ثقافة المجتمع الذي نشأ فيه،والتكيف مع تحديات عصر المعلومة وثقافة الصورة.وستحاول هذه الداخلة العلمية التي تشير إلى أهمية التنشئة الاجتماعية في الظروف الراهنة مع إبراز أهم الجوانب السلبية التي تميز تنشئة الأبناء في عالمنا
العربي المسلم،مع تقديم بعض اللمحات الفكرية التي قد تساهم إن تم الأخذ بها في تجويد عملية التنشئة الاجتماعية وتوفير شروط صناعة جيل قوي يحسن التعامل مع متغيران عصره وتحديات
زمانه.