|
كان الشعر في القرن التاسع عشرامتداداً لشعر العصور المظلمة،
فقد كان مكبلاً بقيود الصناعة والزخرفة الشكلية، وكانت دواوين
الشعراء تطفح بأنماط الصناعات اللفظية المقصودة لذاتها، ولم
تقتصر هذه الدواوين على الجناس والطباق والتورية والمقابلة
فحسب، بل تجاوزتها إلي الألغاز والتاريخ الشعري والمشجرات
.
[1]
إنَّ الشعر في هذه المرحلة التاريخية لم يكن يدل على أكثر من
العناية المقصودة بالصناعة اللفظية والزخرفة الشكلية
. وحاول الشعراء في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن
العشرين أنْ يعيدوا للشعر العربي بهاءه القديم، فأخذوا ينهلون
من روائع الشعر العربي القديم، وبخاصة في عصوره الزاهية،
وعمدوا إلي أشهر قصائد الشعر العباسي فحاكوا أوزانها وقوافيها
وصورها ومعانيها، قاصدين بذلك إحياء القديم، وباثين الروح فيه،
وقد أطلق على هذه المرحلة : الإحيائية أو الكلاسيكية،
والإحيائية مرحلة تاريخية من مراحل
التطور الأدبي والنقدي، ويتجلى فيها دور العقل بوصفه الأداة
المعرفية الأساسية التي يتمكن بها الإنسان من الكشف عن المعارف
والحقائق، وتتميز الحقائق بقدر من الثبات والعموم، وتؤدي
الإحيائية دوراً إصلاحياً في المجتمع، ويؤدي فيه الأديب
والناقد دوراً مماثلاً لدور المصلح والمفكر، وتنعكس آثار ذلك
على الأدب وطبيعته ووظيفته
[2]. أما مصطلح الكلاسيكية فإنه
مقتبس من الحضارة الغربية ويدل على مرحلة معينة من مراحل تطور
الأدب الغربي الذي يقوم على أ ساس تقليد النصوص المتميزة من
الأدبين الاغريقي والروماني، وكانت المحاكاة أداة الكلاسيكيين
لتحقيق هذه الغاية، وقد أسهم النقد في تحقيق هذه الغايات
بطريقين : «الطريق الأول : استخلاص القواعد الفنية للأجناس
الأدبية المختلفة ... والطريق الثاني : تقويمي يقصد إلي الحكم
على النتاج الأدبي الكلاسيكي من خلال تمثيله أو عدم تمثيله
لقواعد الآداب القديمة»
[3]، وافضل استخدام مصطلح
الإحيائية لندل به على المرحلة الأولى من مراحل تطور الأدب
العربي المعاصر، لأنه أكثر دقة ودلالة من مصطلح الكلاسيكية لما
يشتمل عليه الأول ـ الإحيائية ـ من دلالة تُعنى ببعث التراث
القديم ومحاولة إحيائه من جديد، أما الثاني ـ الكلاسيكية
ـ فإنه لا ينفصل عن دلالته الغربية التي تبقى مرافقة له، وإن
استخدام هذا المصطلح وتطبيقه على الأدب العربي في هذه المرحلة
بالذات تسلبه بعض خصائصه ومزاياه، وتخلع عليه خصائص لاتدل على
حقيقته . ونبقى نستخدم المصطلحين بدلالتين مختلفتين نسبيا، اذ
نستخدم مصطلح الإحيائية لندل به على مرحلة بعث الأدب العـربي
فـي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ونستخدم
مصطلح الكلاسيكية ـ كما يستخدمه أصحاب المصطلح انفسهم ـ لندل
به على المرحلة الأدبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر
الميلاديين التي تُعنى بمحاكاة الآداب الاغريقية والرومانية،
والزام الاديب الغربي بقواعد النظرية الأرسطية بخاصة .
وكانت
محاكاة القديم تحكم مجمل التفكير في المرحلة الإحيائية، سواء
أكان من جهة الإبداع الشعري، أم من جهة التأصيل النقدي،
والمحاكاة بطبيعتها تقتضي
مثالاً يحاكى،
وأداةً يتم من خلالها محاكاته، وقد تجلت مظاهر المثال
هذا في الإبداع الشعري القديم، فأخذ شعراء الإحياء يحاكونه
وينسجون على منواله، وليس أدل على ذلك من المعارضات التي كلف
بها شعراء الإحياء، فهذا يعارض بائية أبي تمام، وذاك يعارض
سينية البحتري، وآخر يعارض نونية ابن زيدون
.
والمعارضة تعني الاغتراف من روح التجربة الشعرية التي عاشها
الشاعر القديم مع التـزام الشاعر المعاصر بالوزن والقافية
القديمين، بحيث يتبادر إلي ذهن المتلقي القصيدة القديمة بمجرد
سماع قصيدة الشاعر المعاصر، ولم يخف الأدباء الإحيائيون
إعجابهم المطلق بالتراث،
ولم يخفوا
كذلك
تباهيهم في قدرتهم على محاكاة القديم ومعارضته .
ويعد الشيخ حسين المرصفي
«
ـ
1889 م» أحد ممثلي المدرسة الإحيائية، وهو يرفض التعريف
العروضي للشعر، لأنه يدل على أنَّ الشعر هو
«
الكلام الموزون المقفى »
[4]ويتبنى
حداً آخر للشعر ليس محاكيا للتراث فحسب، وإنما هو نقل حرفي
لتعريف ابن خلدون،
ويتحكم فيه الأسلوب
المنطقي في الحدود القائم على أساس الفصل والجنس،
يقول
«
الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل
بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه
ومقصده عما قبله وبعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة »[5].
إن إبداع الشعر يرجع إلي الملكة، وهي مرة
«
جبلة وطبع » عند الشاعر، ومرة تنشأ من كثرة الحفظ والمران،
ولكنها في كلتا الحالتين تعني الاغتراف من المخزون المحفوظ،
ولذلك فإنَّ
عملية الإبداع تقتضي
شروطا أبرزها : أنْ يكثر الشاعر من حفظ الشعر
«
حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها ويتخير المحفوظ من
الحر النقي الكثير الأساليب»
[6]ويشير
حسين المرصفي إلي شعر الرعيل الأول من الجاهليين والإسلاميين
والعباسيين . ليصبح الحفظ علة الإبداع،
وعلة جودته«ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر رديء ولا
يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ، فمن قل حفظه أو عدم
لم يكن له شعر وإنما هو نظم ساقط،
واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ»
[7].
إنّ
تأكيد الحفظ يدل على ضرورة احتذاء المثال في الإيقاع والتشبيه
والمفردات والتراكيب، ويتأتى ذلك
بالدربة والمران في نظم الشعر . إنَّ مقولة الحفظ والمران صورة
من صور التراث النقدي العربي التي تؤكد شروط الإبداع وتنوعه،
ونشير في هذا السياق إلي تعريف علي بن عبد العزيز الجرجاني
للشعر في قوله :
«الشعر
علم من علوم العربية يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم
تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه، فمن اجتمعت له
هذه الخصال فهو المحسن المبرز، وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته
من الإحسان، ولست افضل في هذه القضية بين القديم والمحدث،
والجاهلي والمخضرم، والأعرابي والمولد، إلا أنني أرى حاجة
المحدث إلي الرواية أمس، وأجده إلي كثرة الحفظ أفقر »[8].
ويستدل
حسين المرصفي على صحة تصوره هذا بأحد أدباء الإحياء ـ
محمود سامي البارودي
ـ الذي تمكن من صنعة الشعر
بالحفظ والدربة، فالبارودي
«
لم يقرأ كتاباً في فن من فنون العربية غير أنه لما بلغ سن
التعقل وجد من طبعه ميلا إلي قراءة الشعر وعمله فكان يستمع بعض
من له دراية، وهو يقرأ بعض الدواوين أو يقرأ بحضرته حتى تصور
في برهة يسيرة هيآت التراكيب العربية ومواقع المرفوعات منها
والمنصوبات والمخفوضات بحسب ما تقتضيه المعاني والتعلقات
المختلفة فصار يقرأ ولا يكاد يلحن ...ثم استقل بقراءة دواوين
مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم حتى حفظ الكثير منها دون كلفة
واستثبت جميع معانيها ناقدا شريفها من خسيسها واقفا على صوابها
وخطأها(كذا)، مدركاً ما كان ينبغي وفق مقام الكلام ومالا
ينبغي، ثم جاء من صنعة الشعر اللائق بالأمراء ولشعر الأمراء
كأبي فراس والشريف الرضي»
[9].
2
ويسلم معروف عبد الغني الرصافي« 1875ـ 1945 م »على نحو
العموم بالتعريف العروضي القديم للشعر، الذي يرى أن الشعر«
كلام ذو وزن وقافية »
[10]إلا
أنه يميل إلي تحديد آخر للشعر ينسجم إلي حد كبير مع طبيعة
المرحلة الإحيائية العربية فالشعر
«
مرآة من الشعور تنعكس فيها صور الطبيعة بواسطة الألفاظ انعكاسا
يؤثر في النفوس انقباضا أو انبساطا »
[11]
ويتجلى في هذا التعريف ثلاثة أركان
:أولها
يتصل بـ
«
صور الطبيعة» والمقصود به يشمل
«
صور ما في الطبيعة فيشمل المعاني الخفية والخيالات الوهمية
والموجودات الصناعيةالتي صنعتها يد البشر أيضا»[12]وتمثل
هذه الصورة علىالرغم من غموض بعض جوانبها « المثير» الذي يتحدد
في ضوئه الإبداع الشعري . وثانيها : مرآة الشاعر التي تنعكس
فيها صور الطبيعة هذه، ويتم ذلك من خلال الألفاظ، وعلى الرغم
من أن مرآة الرصافي مرآة من الشعور فإنها لاتقربه من التفكير
الرومانسي الذي يغير من صور الأشياء، فالمرآة ـ هنا
مرآة صقيلة لا تؤدي سوى وظيفة الانعكاس الذي يحافظ على ملامح
الصور الخارجية، وليس بقادر على التعبير عنها، ويضعنا هذا
التصور في إطار مفهوم المحاكاة التي تعني نقلا ووصفا للواقع،
ويعطل فيه العالم الداخلي للشاعر، لأن المرآة التي هي صورة
المحاكاة إنما هي أداة يوجهها الشاعر نحو صور الطبيعة فتنعكس
عليها هذه الصور، وهذا يعني أن دور الشاعر دور المراقب الكسول
لمعطيات الواقع الخارجي، وهو دور لا يتدخل فيه عالمه الداخلي،
ولا يوظف فيه خياله.
إن
استخدام المرآة بوصفها عاكسا يؤكد « ثبات الأدب إزاء موضوعه،
ومن ثم ثبات صورة المرآة إزاء ما تعكسه
(([13]
الذات المدركة وموضوعات إدراكها، أ ي يتصل بالكيفية التي يحاكي
بها الأدب العالم، لتماثل أعماله صور المرآة» ويتصل الثاني
«بمغزى المحاكاة نفسها من حيث التأثيـر الذي تخلقه، عنـدما
تلفت الانـتباه إلي ما ينطـوي عليـه مـوضـوعها مـن ثبـات
وانتظـام »[14].
ولا يغفل الرصافي الألفاظ بوصفها الوسيط الذي تتحقق من خلاله
محاكاة الطبيعة وكيفية وصفها، وهو يؤكد في هذا السياق، ليميز
بين الشعر وبقية الفنون باختلاف وسائط محاكاتها، فالرسم والنحت
والموسيقى
«
تشارك الشعر في كونها منعكسا لصور الطبيعة، ولكن لا بواسطة
الألفاظ بل بواسطة الخطوط والألوان في الرسم، والأشكال البارزة
في النحت والألحان والأنغام في الموسيقى»
[15]،
أما ثالث الأركان فهو التأثير بالمتلقي انقباضا وانبساطا،
ويذكرنا هذا بمقولة التطهيرالأرسطية في أثناء تعرضه لتعريف
التراجيديا، لأن التراجيديا تنقي النفوس من خلال خوف المتلقي
مما يحدث لبطل المسرحية وشفقته عليه، يقول آرسطو
:
فالمأساة ـ التراجيديا ـ
))
هي محاكاة فعل نبيل تام، لها طول معلوم، بلغة مزوّدة بألوان من
التزيين تختلف وفقا لاختلاف الأجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة
أشخاص يفعلون، لا بواسطة الحكاية، وتثير الرحمة والخوف فتؤدي
إلي التطهير من هذه الانفعالات »[16]
وإذا كان هذا يشير إلي مقولة التطهير الآرسطية فإنه يلمح إلي
فكرة التحسين والتقبيح في تراثنا النقدي، حين يتحول النص
الأدبي إلي وسيلة يراد منها ترغيب المتلقي أو تنفيره من أمر ما
من الأمور« وتتحقق هذه الغاية عندما يربط البليغ المعاني
الأصلية التي يعالجها بمعان أخر مماثلة لها، لكنها أشد قبحا أو
حسنا، فتسري صفات الحسن أو القبح من المعاني الثانوية إلي
المعاني الأصلية، فيميل المتلقي اليها أو ينفر منها تبعاً
للمبدأ القديم الذي يرى أن ما يجوز على أحد المتماثلين يجوز
على الآخر»[17].
ومن الجدير بالذكر أن معروف الرصافي لم يتخلص تماما من شكلية
الحد التراثي للأشياء والموضوعات، إذ لا يزال يتكئ على الجنس
والفصل ليقدم حدا جامعا مانعا، فهو يقول :
«
فقولنا بواسطة الألفاظ قيد احترازي يخرج به قسماء الشعر من
الفنون الجميلة المسماة عند القوم بالآداب الرفيعة
كالرسم والنحت والموسيقى»
[18].
ويتعرض معروف الرصافي لنشأة الشعر العربي في ضوء قانون يشمل
الكون وكلام الإنسان، فهو يرى أن كل شيء إنما يتم تطوره
بارتقاء طبيعي، وهو خاضع لمشيئة الله، أي أنه يتدرج
«
من الصغر إلي الكبر ومن البساطة إلي التركيب، فكل شيء منحط في
بدأته ثم يرتقي وناقص في أول نشأته ثم يتكامل وبسيط في مبتدأ
وجوده ثم يتراكب»[19].
وكذا الأمر في كلام البشر فانه هو الآخر يخضع للناموس الطبيعي
الذي يتدرج من البسيط إلي المركب، فلقد كان
«
الكلام بسيطا ساذجا خاليا من كل
تفنن في أسلوبه وتصنع في ألفاظه بحيث لا يكاد يعرب عما في ضمير
المتكلم تمام الإعراب »[20].
إن نشأة الشعر عند الرصافي قد مرت بثلاثة أدوار : الدور
الأول : مرحلة التعبير البسيط الساذج الخالي من أشكال الصياغة
المقصودة، والدور الثاني : مرحلة التعبير بالسجع، وهو الكلام
المقفى أو موالاة الكلام على روي واحد
[21]والدور
الثالث : مرحلة التعبير بالوزن، إذ يرى الرصافي أن مرحلة
التعبير بالسجع استمرت قرونا عديدة، وأن التعبير بالوزن قد
تولد من السجع، وقد
أسهم السجع في تحديد القافية في الشعر، أما الغناء فهو الذي «
يزيد احتمال وقوع الوزن فيه بطريقة الاتفاق والمصادفة زيادة
أكثر إذا كان غير مقترن به»[22].
ويختلف
احتمال وقوع الوزن بطريقة المصادفة باختلاف الأوزان الشعرية،
لأن الرصافي يرى أن بعض الأوزان الشعرية تتميز بالبساطة
والتركيب
«
فما كان من الأوزان أبسط كان ذلك الاحتمال فيه أكثر وأقوى
والعكس بالعكس، ونعني ببساطة الوزن هنا سهولته على القريحة
وخفته على الطبع وقرب مأخذه من الكلام المنثور بحيث يكون
انطلاق اللسان به سهلا وجرى الطبع عليه هينا»
[23]
ويضرب لذلك مثـلا بالـرجز الذي يعتبـره أسهلها على القـريحة
وأقـربها من النثـر، بل يعده أول مولود من الشعر[24].
3
وتتكرر في النقد الاحيائي بعض المفردات التي يوحي ظاهرها
التأثر بتصورات رؤى نقدية أخرى، فتكرار مفردات كالخيال والشعور
ـ وهما مصطلحان يكثر ترددهما في النقد الرومانسي ـ لا يوهم
الدارس بتحول رؤية الناقد الإحيائي، فالشعر عند محمود سامي
البارودي « لمعة خيالية يتألق وميضها في سماوة الفكر، فتنبعث
اشعتها إلي صحيفة القلب، فيفيض بلألائها نورا يتصل خيطه بأسلة
اللسان فينفث بألوان من الحكمة ينبلج بها الحالك، ويهتدي
بدليلها السالك، وخير الكلام ما ائتلفت ألفاظه وائتلقت معانيه،
وكان قريب المأخذ، بعيد المرمى
،سليما من وصمة التكلف، بريئا من عشوة التعسف، غنيا عن مراجعة
الفكرة، فهذه صفة الشعر الجيد »
[25]ويشتمل
هذا التعريف على موضوعات عديدة، فهو من ناحية لم يشر إلي
الخصائص الشكلية للشعر متمثلة بالوزن والقافية، غير أن التعريف
لم ينف هذه الخصائص، ويمكن تأكيد ذلك بما نظمه البارودي من
شعره وحرصه على الالتزام بالوزن والقافية، ويتصل تعريفه من
ناحية أخرى بالخيال، أو اللمعة الخيالية التي توهم الدارسين في
أنها تحدد جانبا من الخصائص النوعية للشعر، ولعل الخيال أو
لمعته إنما هي خاصية كثيرا ما يؤكدها النقد الرومانسي، ولكنهاـ
في الحقيقة
ليست تجاوزا للرؤية التقليدية أو كسرا لها
،لأن الخيال هنا مقيد بأبعاد عقلية، لأن اللمعة الخيالية هذه «
يتألق وميضها في سماوة الفكر » ولم يكن البارودي الأديب الوحيد
الذي أكد أهمية الخيال على الرغم من تأكيده دور العقل والفكر
في إحكام الخيال وإلجامه، فالناقد نجيب أفندي
الحداد « 1867
ـ1899 م » قد أكد ذلك في مقال له نشر سنة 1897 م حيث قال
«الشعر هو الفن الذي ينقل الفكر من عالم الحس إلى عالم الخيال
»
[26] وهذا يعني أن عناية الأديب
الإحيائي متجهة نحو الفكر والأداة التي تصنعه أي العقل، ولذلك
تكررت مفردات مثل :
الفكر والحقيقة، وهذا يعني أن الخيال لدى نجيب أفندي ولدى
البارودي
ليس وليد انفعال متوقد في الذات، قدر ما هو صور لمعطى ذهني
عقلي، وبهذا يكون خاضعا للمكونات العقلية، ويكون الشاعر في هذه
الحالة مفسرا أكثر منه خالقا ومبدعا، أي أنه يهتم بوصف الأشياء
وتفسيرها وعقد المقارنة بين الأشياء المتماثلة والمتناظرة، أو
كما يقول عباس محمود العقاد في أثناء نقده لشعر أحمد شوقي
«إنَّ الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصي
أشكالها وألوانها . وان ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء
ماذا يشبه إنما مزيته أن يقول ما هو ويكشف لك عن لبابه وصلة
الحياة به»[27].
ان
تعريف البارودي يحدد مراحل إبداع النص الشعري، فهو يمر بمراحل
متتابعة، الأولى ومضة الإبداع في العقل، والثانية : انتقال أثر
الومضة إلى القلب، والثالثة تحريك الأداء اللفظي متمثلا
باللسان، وهذا يعني أن عملية الإبداع الشعري تمر ضمن مراحل
متتابعة: العقل، والقلب، واللسان
،ان هذا التتابع المرحلي الذي تتولد عنه عملية الإبداع الشعري
تعبر عن رؤية تحافظ على الحدود والمسافات بين الأشياء إذ لا بد
من مرحلة تتبعها مرحلة ولا بد أن تكون الأولى سابقة والثانية
لاحقة، شكل من أشكال النظام يتحكم في التفكير التقليدي، ويتجلى
هذا في استخدام حرف العطف « الفاء» الذي يفيد الترتيب
والتعقيب، بحيث يكون الأول سابقا والثاني لاحقا
بلا مهلة بينهما
.
إن مرحلية الأداء والفعل تمثل قانونا يحكم الظاهرة التقليدية
بأسرها ليس في تحديد مفهوم الشعر فحسب، وإنما في مظاهر الفكر
والحياة ونحوها، ففي الحب مثلا تتمثل هذه المرحلية عند أحمد
شوقي في قصيدته التي يقول فيها:
[28]
خدعـوها
بقـولهم حســــناء
والغـواني
يغرهن الثناء
أتراها
تناسـت اسمـي لــمـا
كثرت في غرامها الاسماء
ان
رأتني تميل عني كان لـم
تك بيني وبينـها أشـياء
نظـرة
فابتسـامة فســـــلام
فكـــلام فمــوعد فلقاء
فالحب شأنه شأن أي قضية أخرى في التفكير الاجتماعي تمر بمراحل
متلاحقة تماما كما أن الحب لابد أن يمر بمراحل متلاحقة تبدأ
بالنظرة والابتسامة والسلام وتنتهي باللقاء .
وإذا كانت الرؤية الإحيائية تؤكد هذه المرحلية فإنَّ
رؤية لاحقة تجاوزتها تكسر هذه المرحلية، ولذلك يختلف صلاح عبد
الصبور عن أحمد شوقي في الرؤية والإبداع، ويتجلى ذلك بتعارضه
في القضية نفسها، وفي طبيعة الشكل الشعري، إذ يعتمد صلاح عبد
الصبور شعر التفعيلة، في حين قد اعتمد احمد شوقي قصيدة الشطرين،
اختلاف في الرؤية واختلاف في الشكل والأداء، يقول صلاح عبد
الصبور:
[29]
الحب
يارفيقتي قد كان
في
أول الزمان
يخضع
للترتيب والحسبان
نظرة
فابتسامة فسلام
فكلام
فموعد فلقاء
اليوم
يا عجائب الزمان
قد
يلتقي في الحب عاشقان
من
قبل أن يبتسما
ونلتقي في هذا السياق بالناقد جبر ضومط « 1858ـ1930م » الذي
يرجع الشعر إلي الشعور، بمعنى أنه يرجعه إلي جذره اللغوي الذي
يدل على الفطنة بالأشياء، والحق ان هذه الدلالة ترجع إلي
تراثنا النقدي، وبخاصة إلي أبي أحمد الرازي في القرن الرابع
الهجري الذي يؤكد أن الشاعر سمي كذلك « لأنه يفطن لما لا يفطن
له غيره من معاني الكلام وأوزانه وتأليف المعاني وأحكامه
وتثقيفه»[30]ويبدو
أن الشعور
عند جبر ضومط
كلمة لها مفهوم عام يتصل من ناحية بالعلم، إذ تدل على النظر
والاستدلال، ويتصل من ناحية أخرى بالشعر، حين تدل على الحس
الظاهر والباطن، وفي ضوء هذين البعدين يتحدد مفهوم الشعر
ويتحدد تغايره أيضا عن العلم، فالشاعر غير العالم
لأنه يقدم للمتلقي
«
شائق ما يشعر به هو، أو شائق ما شعروا به هم بدون توسط نظر
واستدلال يقتضيان مزيد التفكر والتأمل»
[31].
وفي ضوء هذا لا يكون للخصوصية الشكلية، متمثلة بالوزن
والقافية، قيمة تذكر، لأن من يستخدم الشعر« للبحث في العلوم
الطبيعية واللغوية والفلسفية فقد خرج به عن خصوصيته وابتذله في
غير وظيفته »
[32].
إن
مفهوم الشعر يتصل اتصالا وثيقا بقوى كائنة في النفس، ولكن هذا
التفكير لا يخرج بعيدا عن دلالات التفكير الإحيائي، لأن قوى
النفس هذه، تتصل اتصالا مباشرا بالعقل ومدى سيطرته عليه، لأن
«العواطف والانفعالات إذا اشتدت في النفس نبهت كل قوى العقل
وأشعلت الذهن »[33].
ويتميز
الشاعر بخاصية عن الآخرين من حيث قدرته على الإحساس عما في
ذاته، وفي الواقع أيضا، ويقترن هذا بقدرته على التخيل، لأن
الشاعر
«
يشعر بالمشابهة حيث لايرى غيره إلا المنافرة والمضادة »[34]وهذا
من شأنه أن يدفع إلي تقاطع ما في الداخل مع ما في الخارج، إذ
يرى الشاعر«
ما في الخارج صورا لما في نفسه، وما في نفسه من الداخل أرواحا
أو معاني لما في الخارج»[35].
ولم
يقتصر جبر ضومط على هذا
في تحديد مفهوم الشعر بل أخذ يعقد المقارنة بين الشعر والنثر
في أمور، منها : أن الشعر يميل إلي الإيجاز والإشارة إلي
المعاني من بعيد، ومنها أنه يقدم القيود على المقيدات، وأن
يكثر فيه التشبيه والاستعارة، وعلى الرغم من أن النثر قد يلتقي
مع الشعر في هذه الخصائص غير أن
للشعر مزية تتفوق على النثر، وتكمن هذه المزية في الجوانب
الإيقاعية، إذ تتناغم الذات مع الإيقاع فيحقق لها الإيقاع
متعة، لأن النفس«
إذا بلغت إلي حد معلوم من الانفعال والتهيج لم يعد يسعها من
العبارة إلا هذه العبارة المنظومة فتصبح ترتاح اليها»[36]وهذا
يعني أن جبر ضومط يؤكد على الجوانب الإيقاعية في الشعر، وهي
تتضمن الخصائص الشكلية متمثلة في الوزن والقافية.
أما
جميل صدقي الزهاوي
«1863
ـ 1936 م» فيحلو له أن يتباهى بنـزعته التجديدية في الإبداع
والتأصيل، ويبدو
متمردا على القديم وقيمه
،آخذا بالروح العصرية وداعيا إلي التجديد، وكأن الزهاوي ينـزع
جلده التراثي بتمرده على التعريف العروضي الذي يتحدد بالخصائص
الشكلية متمثلة بالوزن والقافية، ويرى أن هذا التعريف لا يمكن
أن يدل على شعر، ولا يمكن أن يتبناه شاعر، ولذلك فإنَّ
الزهاوي ينعى على أولئك المتمسكين بأهداب القديم المحافظين على
قيمه ومبادئه، ولذلك فإنهم لا يروق لهم الشعر إلا إذا كان«
سائلا للربوع وباكيا على الطلول وذاكرا للإظعان »
[37].
وفي
الوقت الذي ينفى فيه الزهاوي عن الشعر الخصائص الشكلية
العروضية، ويحاول أن يردها إلي خصائص نوعية، يتكئ على مجموعة
من المعطيات الرومانسية، إذ يرجع الشعر إلي «القلب» وهو منطقة
كثيرا ما
تبناها الرومانسيون، واعتبروها حكرا عليهم دون سواهم،
وان ما
يتدفق منه من احساس وشعور وانفعال إنما يمثل أوليات الإبداع
الشعري، إذ إن الانفعال يسبق التشكيل اللغوي، وإن التشكيل
اللغوي يمثل صورة متناغمة مع طبيعة الانفعال المتخلق في أعماق
الأديب.
وينحصر
الانفعال لدى الزهاوي بالشعور القار في القلب ـ فرحاً أو حزناً
ـ وان تدفق الشعور يواكبه بناء لغوي إيقاعي، وبذا ينتقل الشعور
من مرحلة التوقد والخلق إلي مرحلة التشكيل بوجود مادي، ويتمثل
هذا بوسيط لغوي قوامه المفردات اللغوية التي تم صياغتها وفقاً
لإيقاع معين، ويتحدد الشعر بأنه
«شعور
الشاعر قد خرج من مخدعه وهو قلبه متحدا اتحادا أثيريا بشعور
آخر هو النغمة التي نسميها وزنا وقد ركبا أجنحة الألفاظ
الخفيفة ليطيرا معا مرفرفين
رفرفة الفراش الجميل على زهر الرياض فيصلا إلي الأسماع بعد أن
يحدثا في طريقهما أمواجاً خفيفة في الهواء ومنها إلي مخادع أخر
هن قلوب أصحاب تلك الأسماع ويثرا ما هنالك من الاحساسات
الراقدة »[38].
إن تعريف الزهاوي للشعر
يميل هو الآخر إلي الإغراق في لغة أدبية
كما فعل البارودي،
مما دفع باحثا إلي القول بأن تعريف الزهاوي للشعر
وكذا أضرابه من أدباء العراق ونقاده في هذه المرحلة
يتلفع بدوامة «
)من
العبارات الغامضة والخلط الغريب ما بين « فن الشعر » وتحديد
الماهية والوظيفة والقالب»[39].
ويمس الزهاوي بتعريفه هذا ثلاثة موضوعات في النظرية النقدية،
منها ما يتصل بعملية خلق الانفعال وتوقده، ومنها ما يتصل
بالتشكيل اللغوي للنص، ومنها ما يتصل بالتأثير بالمتلقي، ويمثل
القلب والشعور المتدفق منه لحمة الشعر وسداه.
ويذكرنا
تعريف الزهاوي ببعض المقولات الأفلاطونية التي تؤكد أنَّ
«
الشاعر كائن أثيري مقدس ذو جناحين لا يمكن أن يبتكر قبل أن
يلهم فيفقد صوابه ووعيه »[40]كما
أنَّ تعريف الزهاوي لا يعنى بمفهوم الشعر بقدر ما يعنى بمراحل
تخليق النص وتأثيره بالمتلقي.
وعلى الرغم من الدعوات الجريئة التي يصدح بها الزهاوي فإنه في
الحقيقة يلجم ذلك كله بثوابت لا يجوز الخروج عليها، ومن ثم
توضع مقولاته تلك في إطار الرؤية الإحيائية .
ويتحدد الشعور عنده من حيث أنواعه : إلي شعور فردي، وشعور
جماعي يعبر عن الأمة ووجدانها، وشعور انساني تشترك فيه الأجناس
كلها، ويؤكد الزهاوي أمرين في هذا السياق، أولهما : ثبات
الشعور لدى كل أمة من الأمم، وثانيهما :
تغايره لدى الأمم المختلفة . أما ثبات الشعور فإنه يمثل صفة
قارة في الأمم تسري في عروقها ويتناقلها الأبناء
عن الآباء والأجداد
«
فإنَّ
شعور الغربيين تراث آبائهم وأجدادهم من عصور أوغلت في القدم
وامتدت عروقها في أعماق الماضي كما أن شعور العرب اليوم هو إرث
منتقل اليهم من آبائهم الأولين، ولم يتولد هذا الشعور إلا من
العادات المتأصلة في الأقوام بتعاقب الدهور»[41]وهذا
الثبات للشعور يحول مفهومه من كونه خاصا ومتغيرا إلي عام
وثابت، ومن ثم يكون فهمه على أن له دلالة رومانسية، موهما أن
الشاعر سيلجأ إلي معين واحد يغترف منه في ضوء تصورات عقلية
.
إنَّ هذه الأنماط المختلفة من الشعور لا تخرج عن أطر
الثبات عند الزهاوي، فالشعور العام يمثل فكرة عامة مشتركة تؤكد
التماثل بين الأفراد، وليس الأمر مقتصرا على ثبات الشعور بل
يتعداه إلي ثبات اللغة ذاتها، وهو الوجه الآخر للشعور الثابت،
وان كل لغة من اللغات إنما وجدت لتعبر عن هذا الشعور، وليست
بقادرة على التعبير عن شعور آخر مختلف« وقد خلقت كل لغة
للتعبير عن شعور أهلها، فلا تستطيع
أن تعبر تعبيراً صادقاً عن شعور غير أهلها إلا إذا كان ذلك
الشعور مشتركا بين الأمتين »
[42].
ونخلص
من هذا كله إلي أن الشعور لدى الزهاوي لا يدل على خاصية ذاتية
متغيرة تقربه من المفاهيم الرومانسية ،وإنما هو مفهوم عام
ينطوي على الثبات والعموم أكثر مما يشتمل على
التغير والتفاوت، ومن الجدير بالذكر أن جميل صدقي الزهاوي قد
أكد في مواطن عديدة أن الفكر والعقل هما اللذان يتحكمان في
القصيدة وإبداعها، فهو يؤكد أن
«
الشعر في القصيدة اندفاعات في الفكر كالأمواج يعقب بعضـها
بعـضا»
[43].
ويـؤكد مـرة أخـرى أن حـد الشعـر عنـده
«
ما استند الـى الحقائق أكثر
من العواطف والخيال البعيدين عنها فكانت حصة العقل فيه أكثـر
من حصتـهما »
[44]
وأخطـر مـا في
هذا قـوله« أرفـع مافي الإنسـان هو العقـل، وأرفـع ما في
العقــل هـو الفكـر وأرفـع مـا في الفكـر هــو الشعـر »[45].
وفي
ضوء هذا فالشعر يخرج من كونه تعبيراً عن عاطفة فردية إلي شعور
عام يشتمل على شعور شعب أو أمة، كما أنه يتجاوز الخاص إلي
العام، ويبتعد ٍٍٍعن التعبير عن المتغير إلي التعبير عن
الحقيقة، لأن
«
الشعر الخالد هو ما انطبق على الحقائق »[46]
.
فالشاعر فرد في بناء اجتماعي، وتعبيره
بالنتيجة
ليس تعبيرا عن خصائص فردية، وإنما هو تعبير عن شعور الأمة،
وأخيرا فإنَّ
خلود الشعر لا يرجع إلي الانفعال الخاص، وإنما لأنه يعبر عن
الحقائق، والحقائق ثابتة وعامة
.
اذن فالثابت يحكم الخاص والمتغير، وإذا كان الأمر كذلك فلسنا
في إطار نظرية التعبير الرومانسية، وإنما نحن في إطار نظرية
المحاكاة الإحيائية))الكلاسيكية((،
ومن ثم يصدق القول بأن هذا الموقف « يقنع العقل بتناول جوهريات
الحياة وكلياتها الدائمة الثابتة في كل بيئة وفي كل زمان، لأن
هذه الكليات والجوهريات يدركها كل عقل، وتشارك فيها كل نفس،
وهو ينفر من الشاذ والفريد كما ينفر من العادي والجزئي»
[47].
وإذا
كان ما سلف حديث عن كيفية تخليق القصيدة ابتداء من توقدها
تجربة وانفعالا في أعماق الشاعر ومن ثم تحولها إلي تشكيل لغوي
في نص أدبي، ومن
ثم تأثيرها في المتلقي فإنَّ
الزهاوي من ناحية أخرى يؤكد العلاقة بين شعور المبدع والواقع
الذي يعيش فيه، لتأكيد
ما كان يصطلح عليه « الشعر العصري» الذي يمثل« شعور الشاعر
المتولد من فعل للمحيط كبير التأثير في روحه فيبرزه في صورة
ألفاظ موزونة تعرب عنه، فلا يكون الا صادقا لا تشينه مبالغة،
وسهلا ليس عليه من التكلف ما يذهب بصفائه وروعته، وهذا هو
الشعر الحقيقي في كل عصر »[48].
ويتصل الشعر العصري بهذه هذه الدلالة من ناحية بمعطى
خارجي متمثل بالواقع، وتأثيره في الشاعر الذي يقود إلي الشعور،
ويتصل من زاوية أخرى ويتحدد بما بعثه الشاعر العربي من نصوص
شعرية قديمة، ومحاكاته لها، وتكرار لخصائصها، وتتجلى في الشعر
العصري ثلاثة أركان : أحدها : يتصل بالشعور الذي يمثل جوهر
الإبداع الشعري في كل زمان ومكان، وثانيها :
يتصل ببعث الشعر العربي
القديم، وضرورة أن يكون الشعر العصري محاكيا له في ألفاظه
وإيقاعه وصوره، ومتأثرا بالبيئة والعصر، وثالثها : أن يصور
طبيعة الحياة المعاصرة، وأن يكون اجتماعيا، وتتجلى اجتماعيتة
من خلال التحسين والتقبيح، أي أن يشاهد الشاعر الجوانب السلبية
«
فيصورها في شعره داعيا بذلك الأمة إلي إزالتها وعدم تكرر
أمثالها كما يفعل الغربيون في رواياتهم، أو يرى عادة شائنة
للمجتمع فيقبحها بتصوير ما يلحقه من الأضرار بسببها، وهذا أيضا
مما وفاه حقه الروائيون الاخلاقيون في الغرب»[49]ويتصل
الشعور من ناحية أخرى بالطبيعتين المادية والاجتماعية اللتين
يعيشهما الشاعر، فيعجب بجوانب منها، أويتألم بسببها،
ولا يبعد هذا عما يستمده الشاعر من حياة الآباء والأجداد
[50]
.
ولايتسم الشعور هنا بخاصية فردية ولا يوحي بخصائص
رومانسية، فالشعور الذي هو جوهر الشعر عند الزهاوي تابع لشعور
أشمل وأعم هو شعور الشعب، وهذا يعني أن الشاعر يتجاوز الفردي
ويعبر عن هذه العام يقول « وما الشعر إلا شعور الشاعر التابع
لشعور الشعب الذي هو فرد منه، وأكبر الشعراء هو القادر بشعره
على تحـويل شـعور الشعب وهـو في كل أمة نادر . والشعر الخالد
هو ما انطبق على الحقائق فهو وحده الذي يلاقي في كل عصر اقبالا
من أهله»
[51].
وفي ضوء هذا يكون لكل أمة شعورها الذي تتميز به، وذوقها
الذي تنفرد به، وان الشاعر يعبر عنهما بوصفهما عنصرين ثابتين
في الأمة، لأنهما ينتقلان من الآباء إلى الأبناء
[52]
ويتأسس على هذا
في تصور الزهاوي
تفاوت الإبداعات الأدبية، عربية وأجنبية، رافضا، من ثم، أن
يعبر الشعراء عن شعور أجنبي لأنهم يأتون بشعر
«
لا يعيش في أرض لا تلائم نبتته »[53].
ويمثل
الشعور العنصر الجوهري الذي يتحكم
في تحديد مفهومي التجديد والتقليد، فالشعور العربي هو قوام
شخصية الشاعر العربي، والمحافظة عليه تعني محافظة على الملامح
التي تميز الأمة وتفردها، ولذلك فالزهاوي لا يعد من الجديد
محاولات الشعراء الذين يقلدون فيها
شعراء الغرب، لأن تقليد شعور أمة أخرى يعني تقليدا لأن « لكل
أمة شعورا خاصا بها لا تحس به أمة أخرى كالموسيقى ألم تر أن
كلا من الشعر الغربي والشعر العربي إذا
ترجم إلي الآخر فقد كثيرا من روعته، اللهم الا إذا
تصرف فيه المترجم فقربه من شعور قومه أوكان الشعور الذي يترجمه
مشتركا بين الأمتين »[54].
ولم تكن محاكاة الشعر الغربي سوى تقليد عند الزهاوي يناظره
محاكاة الشعر العربي القديم، واذاكان تباين الشعور العربي عن
الشعور الغربي مدعاة للقول بتقليدية الشعر الذي ينسج على غرار
ما يفعله الغربيون، فإنَّ
الشعور القديم والشعور العصري يمثلان الفارق الأساسي الذي يميز
بين التجديد والتقليد في الشعر العربي
فالتجديد « أن ينظم الشاعر عن شعور عصري صادق يختلج في نفسه لا
عن تقليد »[55]
ويقترن بالشعور أمران آخران يحددان طبيعة التجديد في الشعر
العربي، أولهما : أن يكون الشعر العربي
ـ
إضافة إلي كونه مشبعا بالعصرية
ـ
له تأثير في شعور الآخرين
[56]وثانيهما
: أن يكون الشعور العصري متميزا باتساع معارف أهله، وهو بخلاف
الشعور العربي القديم الذي يتسم بضيق معارف أصحابه
[57].
ويضفي
جميل صدقي الزهاوي على نـزعته التجديدية أبعادا شكلية فهو يفسح
المجال رحبا للتجديد في الجانب الشكلي للقصيدة، من حيث الوزن
والقافية، إذ يجيز للشاعر أن ينظم على أي وزن شاء، سواء أكان
من أوزان الخليل أم غيرها
[58]كما
لا يمانع الزهاوي في« تغيير القافية بعد كل بضعة أبيات من
القصيدة عند الانتقال من فصل إلي آخر لا دفعا لملل السامع من
سماع القافية في كل بيت كما يدعـي بعضهم... بل إراحة للشاعر من
كد الذهن لوجدانها، فإنَّ
الإتيان بها متمكنة ليس في قدرة كل شاعر »
[59].
ان الزهاوي بدعوته هذه يرى
«
أنَّ الالتزام بالقافية الموحدة، وضرورة الالتزام بحركة الروي
من ضمة أو كسرة أو فتحة، أمر ضار بالشعر العربي، لأنه يؤدي إلي
أن يصرف الأدباء أذهانهم إلي القافية وينشغلوا بها عن مشاعرهم
»[60]
.
ويؤكد
الزهاوي في مواطن عديدة عدم إصراره على التزام القافية وهو
يتباهى بأنه أول من نبذها، وأشار إلي أنه أكد هذا في مقالة له
نشرت قبل إعداد الدستور العثماني بسنوات، ويؤكد فيها عدم تحجره
وجموده على الأوزان الشعرية المعروفة، وعدم إصراره على
الالتزام بالقافية، ولكنه يصر على الالتزام«
بالمحافظة على الجزالة العربية والأسلوب والشعور العربيين
لنبقى عربا، وأن لا نـزخرف الشعر بما لا طائل تحته فنـزعم أنا
جددناه وبعد ذلك سواء علينا أبقينا على ولائنا للقافية أم
وأدناها »[61]
ويؤمن الزهاوي بالتغيير المرحلي، فهو لا يرى ترك القافية مرة
واحدة، ويرجع ذلك إلي الذوق الأوربي الذي اعتاد القافية لمئآت
السنين إن
«
الذوق العربي يستقبح اليوم تعطيل أرجل غانية الشعر من خلاخيل
القافية مرة واحدة، وقد ألفها منذ أكثر من ألف وخمس مائة سنة،
وعندي أن خير طريق للخلاص من عبئها هو أن يحافظ الشاعر في
قصيدته على البحر سواء أكان من بحور الشعر القديمة أم الجديدة،
وأن ينتقل بعد كل بضعة أبيات إلي روي جديد فإنَّ
القصيدة لا تخلو من مطالب مختلفة مع مناسبة بعضها لبعض فيجعل
لكل مطلب رويا »
[62] .
وقد قاد هذا إلي الدعوة إلي الشعر المرسل الذي يتخلص من قيد
القافية مع التزامه بقيد الوزن، وهي دعوة ليست جديدة فقد تأثر
فيها الزهاوي بالتصورات الشائعة التي كان يبثها السوريون
واللبنانيون إضافة إلي الحركة التجديدية[63].
وعلى
الرغم من دعاوى التجديد التي يصدح بها الزهاوي فانه لايزال
ينهل من التراث النقدي، ويكرر أفكار النقاد العرب القدامى،
وبخاصة في صنعة الشعر، ويؤدي الزهاوي دورا تعليميا فهو يرى أن
«أحسن طريقة لتعليم النظم هو أن يلقي المعلم البيت الجيد من
الشعر على المبتدئين منثورا، ويطلب منهم أن ينظموه بعد أن يعين
لهم الوزن والقافية، ثم ينظر فيما نظموه ويظهر لهم خطيئاتهم
وضعف تراكيبهم، ثم يريهم البيت منظوما كما هو في الأصل، فإنهم
يتعلمون مع الوقت صوغ الألفاظ والأداء الصحيح عن المعنى المراد
نظما بعد أن يكونوا قد عرفوا قواعد العربية »
[64].
وهذا
النص على طوله تكرار
على نحو من الأنحاء
لمقولات ابن طباطبا العلوي الذي يؤكد الفصل بين للفظ والمعنى
من ناحية ويفصل من ناحية أخرى بين التخطيط والتنفيذ
يقول ابن طباطبا « فاذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى
الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا واعد له ما يلبسه اياه
من الالفاظ التي تطابقه والقوافي التي توافقه والوزن الذي يسلس
له القول عليه »[65].
ولم
يقتصر الأمر على بناء القصيدة فحسب بل تجاوزها إلي تكرار أفكار
ابن طباطبا في أثناء تحدثه عن القافية ،إذ يرى أنه من الأفضل
«
أن يلاحظ الشاعر المعنى أولا وينتقي له كلمة الروي فإن لم
يجدها انتقل إلي غيـر ذلك مـن المعنـى مما يناسـب الغـرض
،ويتحـرى لـه كلـمة الـروي»
[66]
وهو تفكير لا يتجاوز مفاهيم التراث النقدي
.
4
والشيخ محمد الخضر حسين
«
1875ـ1958م »واحد من أبرز النقاد الاحيائيين، وهوشأنه شأن
أضرابه يقع تحت تأثير المقولات التراثية التي ترى الأشياء
مكونة غالبا من ثنائيات : روح وجسد، ولفظ ومعنى، وأصل وفرع،
ولذلك فإنَّ
تعريفه للشعر ينحو المنحى ذاته، إذ يعقد مقارنة بين الإنسان
والشعر، ولذا فهو يؤكد بعدين لكل منهما، فكما أنَّ للإنسان
بعداً حسياً شكلياً خارجياً يتبدى في أنه « حيوان بادي البشرة
منتصب القامة » كذلك الشعر يتحدد في مظاهره الخارجية بوصفه
كلاماً موزوناً مقفى، غير أنَّ جوهر الإنسان يكمن في ناطقيته،
تماماً كما أنَّ جوهر الشعر يتمثل في تخييله، «فالروح التي يعد
بها الكلام المنظوم في قبيل الشعر إنما هي التشابيه
والاستعارات والأمثال وغيرها من التصرفات التي يدخل لها الشاعر
من باب التخييل، وليس الوزن سوى خاصية من خواص اللفظ المنظور
اليها في مفهوم الشعر بحيث لايسميه العرب شعراً الا عند تحققه،
وإطلاق الشعر على الكلام الموزون إذا خلا من معنى تستطرفه
النفس، لا يصح إلا كما يصح أنْ تسمى جثة الميت إنساناً أو
تمثال الحيوان المفترس أسداً »[67].
|