الشعر الجاهلي

قضاياه وظواهره الفنية

الأستاذ الدكتور

كريم الوائلي

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمـــة

                                يظل الشعر الجاهلي ثرياً، لا يمكن أنْ تحيط به دراسة، أو أنْ يلم بمعضلاته كتاب، ولقد تتابعت على دراسته مناهج متعددة، ابتداءً من المنهج التاريخي وانتهاءً بالمنهج البنيوي، ولقد أسهمت هذه المناهج في إضاءة جوانب غامضة منه، ولاتزال جوانب أخرى بها حاجة إلى الدرس والتحليل .

          وينطوي الشعر الجاهلي على معضلات تعترض القاريء ، إذ يلتقي بنصوص أدبية، فيها قدر من الصعوبة والغموض، وتشتمل على قدر من الخصائص الفنية والجمالية التي لها أهميتها وقيمتها، وكان المنهج التاريخي هو المهيمن على  أغلب الدراسات ، وكانت الدراسة تتجه نحو المؤثرات التي أسهمت في إبداع النص الأدبي، وليست دراسة للنص الأدبي ذاته.

إن كتابا يعنى بدراسة الشعر الجاهلي ، بطريقة تجمع الوضوح والعمق ،بعيدا عن الاسقاطات ، مهما كان نوعها ، يقدم لا شك قراءة للقاريء ، ويسهل امورا كثيرة للباحث .

          وهذا الكتاب يحاول السير في هذا الطريق ولا أزعم له الكمال، فإن وفقت فذلك حسبي، وإنْ لم أستطع فإنني قد حاولت .

                              أ. د . كريم عبيد هليل الوائلي

 

التمهيد

الأدب مهمته وماهيته


( 1 )

                 شُغِفَ الإنسان منذ القدم بالكشف عن الغامض والمجهول فقاده هذا إلى لون من المعرفة، وحقق له أنماطاً من الوعي، ويمثل الكشف، ابتداء، إشباع حاجة ما في الإنسان لأنه جُبِلَ على أنْ يكون أفضل مما هو عليه، بمعنى أنه يسعى لدرجة من التكامل من جهتي بناء ذاته وتفاعله مع بني جنسه، فضلا عن محاولته لتكوين تصور عن العالم الذي يعيش فيه، ومن ثم في تحديد موقف منها جميعا .

          وعلى الرغم من الخصوصية الفردية التي يتسم بها الإنسان فإنه لا يركن إلى الوحدة إذ لابدَّ من تحقيق وجوده وذاته في واقع اجتماعي معين، فهو من هذه الناحية يسعى إلى تمزيق كل محاولة تتسلل فيها الغربة أو الاغتراب ليندمج في الواقع الاجتماعي، وهذا بحد ذاته تجاوز لفردية الإنسان إلى حالة تواصل مع الآخر وتوازن معه، أي تجاوز الفردية إلى لون من الاندماج الاجتماعي .

          إن الإنسان بفعل تحركه في الواقع الاجتماعي يكتشف ذاته والعالم الذي يعيش فيه، بمعنى أنه يكتشف » الأنا « و » الآخر « ويبقى الإنسان في حالة تلقٍ مستمر من واقع يتفاعل معه ويؤثر فيه، غير أنَّ تجربة الإنسان مهما كانت متراكبة ومكثفة وغنية فإنها لا تغنيه عن تجارب الآخرين، معاصريه، وسابقيه، ولذا فإنـه يحقق متعة الكشف كشف ذاتـه، وكشف الآخر من خلال مـا يبدعـه الآخرون، وهذا من شأنه أنْ يزوده بنمط من الوعي، ويدفع به إلى لون من التكامل، لأنَّ الإنسان طموح إلى أنْ يصل إلى هذه الدرجة .

          إنَّ الإنسان لا يستطيع أنْ يحقق هذا التكامل، أو أنه لا يستطيع الوصول إلى هذه » الكلية إلا إذا استولى على تجارب الآخرين التي هي بالقوة تجاربه هو « [1] وإذا تحولت هذه القوة إلى الفعل تزود الإنسان بالوعي وتحققت لديه المعرفة، متعة الكشف، لأنه يرى ذاته بمرآة الآخرين، كما أنه يرى بمرآته ذوات الآخرين، وكذا العالم الذي يعيش فيه .ويسعى الإنسان لتحقيق جزء من هذا بالأدب، بمعنى أنَّ الأدب يمثل وسيلة يسهم في تحقيق التوازن بين » الأنا « و » الآخر «، ويسهم في الكشف عن جوانب غامضة من الواقع، وإذا كان ما سلف مدعاة إلى تحقيق التواصل والكشف فإنه في الوقت ذاته مدعاة لاستمرار إبداع الأدب .

           ونلتقي بتصورات متفاوتة في تحديد دور الأدب وطبيعته، فناقد العصر الفيكتوري ماثيو آرنولد تنبأ » بأن الشعر سيسود كل الأنواع الأدبية، وكذا اهتمامات الفكر الإنساني بعامة، وسوف يكون البديل الحقيقي عن » الدين « و » العلم « معا، وبأنه سوف يعبر عن »الحقيقة  «كاملة، ويقدمها للإنسانية التي طال ترددها بين هذين القطبين « [2] غير أنَّ هذه النبوءة لم تتحقق، إذ لا يزال الشعر يحتل موقعاً يتجاور فيه مع الدين والعلم، وليس بقادر على أنْ يحل محلهما، فضلاً عن أنْ يكون بديلاً عنهما، بل قد يتأخر عنهما خطوات بسبب دوافع علمية وروحية .

          أمـا الرسـام » موندريان « فقد تنبأ بسبب التطور الكائن في أنساق المجتمع الحديث بأنَّ » الفن سيختفي بمقدار ما تحقق الحياة مزيداً من التوازن « [3]، فانعدام التوازن بين المتلقي والواقع هو السبب الأثير الذي يجعل الأدب ضرورياً، وبمجرد أنْ يتطور المجتمع ويصل إلى درجة يتوازن فيه الإنسان مع العالم الذي يعيـش فيه تختفي الفنـون، غير أنَّ ناقداً نمساوياً آرنست فيشر يرى أنه » من غير المستطاع الأمل بأنْ يسود توازن دائم بين الإنسان والعالم الذي يحيط به حتى في المجتمع الأكثر تطوراً، فإن هذه الفكرة توحي أيضاً بأنَّ الفن لم يكن ضرورياً في الماضي وحسب، بل سيبقى كذلك في المستقبل أيضاً وعلى الدوام « [4] .

          وليس التقليل من شأن الأدب غريباً على تراثنا العربي، أو الفكر الإنساني، ففي تراثنا النقدي يلفت أنظارنا عبد القاهر الجرجاني إلى أنَّ هناك قوماً يذمون الشعر من أجل ما يجدونه فيه » من هزل وسخف وهجاء وسبّ وذم وباطل على الجملة « [5]، ويماثل هذا تصور ينقله » جيرالد ليروي« عن أناس يرون أنَّ الأدب ليست له قيمة ولا مغزى، وأنَّ الشاعر كاذب، وأنَّ الأدب إما مضيعة للوقت، أو أنه شيء خطيرٌ في حياتنا، ويرى  »ليروي« أن هذه النـزعة قد أيـدها بعض المتشـددين إبان العصر الإليـزابثي في إنجلترا[6].

          وترجع جذور هذا التصور في الأقل لدى الأوربيين إلى أفلاطون الذي كان يهدف إلى إرساء مدينة فاضلة يحكمها الفلاسفة، ويمثل العقل معيـارها في الحكم على الأشياء ويعـود تصــور أفلاطون لتحديد ماهية الفن ووظيفته إلى نظريته في » المثل « ومفادها انَّ »العالم الحقيقي الوحيد هو عالم الأفكار العامة، أو عالم المثل، أما عالم الأشياء فليس سوى ظلال وانعكاسات للعالم الحقيقي « [7] وتأسيساً على هذا فإنَّ الشعر يبتعد عن الحقيقة، لأنَّ الشاعر يحاكي ما حاكاه غيره، ومن أجل توضيح ذلك، يضرب أفلاطون مثلاً بالسرير، فهناك السرير الأول، وهو المثال الذي خلقه الله، والسرير الثاني الذي صنعه النجار، وهو محاكاة للمثال، والسرير الثالث الذي رسمه الفنان، وهو محاكاة للمحاكاة، ويخلص من هذا إلى أنَّ » هذه المحاكاة بعيدة ثلاث مـرات عن الحقيقة « [8]، ويعمد أفلاطون إلى تأكيد وظيفة تربوية تحاول السمو بالإنسان نحو الرقي والسعادة، ولما كان الشعر » يغذي الانفعال بدلاً من أنْ يُضعفه، ويجعل له الغلبة مع انَّ الواجب قهره « فإنه لذلك يرى »وجوب طرد هذا الفن « [9] من جمهوريته .

          إذن فالشعر يفسد عقول الناس، ويثير اللذة والعواطف، ويقلل من العناية بالجوانب الأخلاقية، وأنَّ ما يقدمه لا يعدو أنْ يكون مجـرد أوهـام وأشباح يخدع الناس، بمعنى أنَّ تأثيره بالغ السوء في الطبيعة الإنسانية، ولذلك وضـع أفلاطون رقابـة على النتاجات الأدبية، لأول مرة في التاريخ على ما يبدو بحيث لا يصور الأدباء العالم الآخر إلاّ بأجمل الصور، يقول : » وإذن فلا بد أنْ نفرض رقابة على رواة هذا النوع من القصص، وأنْ نطلب إليهم أن يصوروا العالم الآخر بأجمل الصور بدلاً من تلك الصور الكالـحة الكئيبـة التي تشيـع بيننـا اليوم مـا دامت قصصهـم لا تنطوي على نصيـب مـن الحقيقة، ولا يفيد أناسـاً مهمتهـم ممارسـة الحروب « [10] .

          إنَّ موقف أفلاطون النقدي هذا » ليس إلا ثمرة من ثمار الفلسفة السقراطية التي كانت من أهم سماتها التمسك بالاتجاه العقلي والتشدد الأخـلاقي والقضـاء على كل اندفاع وجدان أو حماسة « [11]، وإذا كان التصور السابق يقلل من أهمية الأدب فإنَّ تصوراً آخر يجعله ذا علاقة وثيقة بالحقيقة، ولكنها ليست الحقيقة المنطقية، ولكنها حقيقة من نوع آخر، ولعل آرسطو أقدم من قرن الشعر بالمعرفة، حين اعتبر الشاعر أكثر تفلسفاً من المؤرخ، لأنَّ الشاعر شأنه شأن الفيلسوف يُعنى بالكليات، في حين لا يُعنى المؤرخ إلا بالجزئيات، ذلك أنَّ المؤرخ والشاعر في تصور آرسطو » لا يختلفان بكون أحدهما يروي الأحداث شعراً والآخر يرويها نثراً ... وإنما يتميزان من حيث كون أحدهما يروي الأحداث التى وقعت فعلاً، بينما الآخر يروي الأحداث التي يمكن أن تقع، ولهذا كان الشعر أوفر حظاً من الفلسفة وأسمى مقاماً من التاريخ، لأن الشـعر بالأحـرى يروي الكلي بينما يروي التاريخ الجزئي « [12]، وقد عرض كولردج لهذا الرأي في أثناء وصفه للخيال على أنه قوة العقل الخلاقة، فالخيال يمكن الشاعر من رؤية حياة من خلال الأشياء، بينما يقوم التخيل بمجرد اختيار الصور وربطها ببعض، ويصر المدافعون عن نظرية كولردج بوجه عام على أن الحقيقة التي يقدمها الشعر لا يمكن أن تكون هي الحقيقة ذاتها التى نصل إليها عن طريق العقل  [13] .

          وإذا كان الأدب في هذا التصور يزود المتلقي بالمعرفة فإنه سيلتقي مـع ألـوان المعرفة الأخرى، كالفلسفة، والتاريخ، كما أشرنا لأنها جميعاً تحقق هدفاً واحداً هو إعطاء دراية ما بالواقع، غير أن الأدب يُمكِّن المتلقي من فهم أشمل للعالم، ويمثل أحد الوسائل التي لا يمكن الاستغناء عنها لفهم أنفسنا والعالم الذي يحيط بنا .

                 ويقودنا هذا إلى الحديث عن الفوارق بين العلم والأدب من حيث الغاية والمنهج فمما لا ريب فيه » أنَّ غاية العلم اكتشاف الحقيقة، وغاية الفن التعبير عن الجمال، وإذا كان منهج البحث العلمي يقتضي أن يجرد الباحث نفسه من أهوائه وأخيلته ... فإنَّ عمل الفنان...لا يكتمل إلا بإدخال خياله وعواطفه في التعبير عن موضوعه ... إنَّ جمال القطعة الفنية لا يقاس بمدى مطابقتها للواقع، فإنَّ هذا معيار الصدق في العلم لا في الفن « [14] .

                وهذا يعني أنَّ الموضوعية هي التي تتحكم في تحديد غاية العلم ومنهجه، في حين تعد الذاتية المحور الجوهري الذي يحكم إبداع النص الأدبي، إذن فالعلم يعتمد وصف الأشياء وتقرير حقيقتها، كما هي عليه في الواقع، أو أنَّ العلم » يعلل الحادثة انطلاقا من سوابقها العلية «[15] في حين يعبر الأديب عن الواقع من خلال انفعاله به، ولذلك جاء التأكيد على الخاصية الفردية في الأديب لأنها تميز أديباً عن آخر » فالشخصية الفردية في الفنون تحتفظ بذاتها على مر الزمان، ومن هنا قيل في التفرقة بين شخصية الفنان وشخصية العالم : الفن أنا، والعلم نحن « [16]، وهذا يعني أنَّ الخصائص الفردية وتباينها بين الناس تمثل المعول الذي يتمايز به الفن عن العلم، ليعتمد الأخير على الأدلة الموضوعية والبراهين التي يختبـر بها صحة الافتراضات في ضــوء الـوسائل العلمية المعروفة [17] .

          وهناك تصور آخر يرى أنَّ الأدب ينطوي على قيمة مقصودة لذاتها، وليس أداة تحقق غاية معينة، سواء أكانت معرفية أم أخلاقية، وعندئذ تتجلى قيمة الأدب في طبيعته الخاصة، أي في تشكيله اللغوي، وفي ضوء هذا يكون للنص الأدبي وجودٌ موضوعيٌ مستقلٌ عن الوعي، وإن قيمته الجمالية الكائنة فيه ليست نسبية، وإنما هي موضوعية محددة، يمكن الكشف عنها والتحدث عن خصائصها ومكوناتها، ويرتكز هذا التصور على مقـولات جمالية معينـة ترى » أنَّ للجمال وجوداً موضوعياً، ولهذا اتفق تذوقه والاستمتاع به لدى جميع الناس في كل زمان ومكان، فالشيء الجميل يقوم بالقياس إلى ما فيه من خصائص تثير الإعجاب بجماله ... فالجمال ... صفةٌ حالّةٌ في الشيء الجميل تلازمه وتقوم فيه ولو لم يوجد عقل يقوم بإدراكها [18] .

           إنَّ الآراء السابقة على تفاوتها تؤكد أمراً مفاده أن هناك شيئاً
ما في الأدب
» يعبر عن حقيقة ثابتة «[19]، وإن جزءاً من هذه الحقيقة ينطوي
على هذا السحر الذي يبهر الإنسان، ويجعل الأدب ضرورياً
، ومما يثيرا لانتباه
أنَّ ثمة دراسات تؤكد أن الفن
ومنـه الأدب كـان في نشأته ضرباً من
السحر، وكان أداة من أجل السيطرة على نـزوعات العالم الفعلي
[20]، ويبدو أن تصورات معاصرة [21] في الوطن العربي تَهَبُ الأدب الخصائص ذاتها التي تميز بها في النشأة، وإنْ كانت على نحـو آخر، فالفن والأدب في نشأتهما إنـما يمثـلان أداتين تعمدان إلى إخضاع الواقع بفعل أداة سحرية كائنة فيهما، ويسهم الأدب اليوم بشكل أو بآخر من أجل إخضاع الواقع والإسهام في تغييره، وقد تمتزج هاتان النظرتان في تصوري على الأقل ليصبح الفن ومنه الأدب ضرورياً من أجل انْ يفهم الإنسان ذاته وعالمه، ويسعى من أجل تغييره، وهو ضروري أيضاً بسبب السحر الذي يلازمه [22] .

 

( 2 )

                   ويضعنا الحديث عن ماهية الأدب أمام الكم الهائل من التعريفات التي أفرزها الفكر الإنساني، وهي بأسرها تمثل محاولة للاقتراب من طبيعة الأدب، ولم يبخل علينا تراثنا النقدي بتعريفات متعددة للشعر والأدب، وقد تفاوتت بحسب العصور أولاً وبحسب المؤثرات كالمؤثرات الفلسفية التي ألقت ظلالها على النقاد ثانياً، ولسنا في سياق حصر التعريفات كلها، كما أننا لسنا في سياق تحليل أبعادها، غاية ما في الأمر تأكيد تفاوتها في تحديد ماهية موضوع واحد، وانَّ كل واحد منهـا ينظر لهذا الموضوع من زاوية معينة، وقد يلتقي مع أخريات، أو لا يلتقي .

 يقول أبو أحمد الرازي « 322 هـ  » : إنَّ الشعر » الفطنة بالغوامض من الأسباب « وسمي الشاعر شاعراً » لأنه كان يفطن لما لم يفطن له غيره من معاني الكلام وأوزانه وتأليف المعاني وأحكامه وتثقيفه«  ويقول ابن طباطبا العلوي « 322هـ  » : «الشعر أسعدك الله كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم بما خص بـه من النظم الـذي إن عـدل عن جهته مجته الأسماع، وفسد على الذوق « [23]، ويقول قدامة ابن جعفر«326  هـ  » : إنَّ الشعر » قول موزون مقفى يدل على معنى « [24] ويقول علي بن عبد العزيز الجرجاني «392 هـ  » : » إنَّ الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربةُ مادةً له وقوة لكل واحد من أسبابه، فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز « [25] ويقول أبو هلال العسكري« 395 هـ » إنَّ » الشعر كلام منسوج، ولفظ منظوم، وأحسنه ما تلاءم نسجه ولم يسخف، وحسن لفظه ولم يهجن، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام، فيكون جلفاً بغيضاً، ولا السوقي من الألفاظ فيكون مهلهلاً دوناً «[26]،يقول الفـارابي« 399 هـ  » : إنَّ الأقاويل الشعرية » تؤلف من أشياء محاكية للأمر الذي فيه القول «[27] .

           ويقول ابن سينا « 428 هـ  » : إنَّ » الشعر من جملة ما يخيل ويحاكى بأشياء ثلاثة : باللحن الذي يتنغم به ... وبالكلام نفسه إذا كان مخيلاً محاكياً، وبالوزن « [28]، ويقول ابن رشيق القيرواني«456 هـ » : »الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء وهي : اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية، فهذا هو حد الشعر، لأنَّ من الكلام موزوناً مقفى وليس بشعر لعدم القصد والنية، كأشيـاء اتـزنت من القرآن ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم « [29] .

          ويقول حازم القرطاجني « 684 هـ »: » الشعر كلام موزون مقفى، مـن شأنـه أن يحبب إلى النفس ما قصد إليها، ويكره مـا قصد تكريهه«[30] .

           ويقول ابن خلدون«808 هـ  »: إنَّ الشعر هو » الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وما بعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة « [31] .

          ونقتطف مجموعة من التعريفات الأجنبية والعربية المعاصرة : يقول ادجار آلان بو إنَّ الشعر هو » الخلق الموقّع للجمال « [32]، ويطلق كارليل على الشعر عبارة » الفكر الموسيقي « [33]، ويعرفه هيجل بأنه »فن الكلمة، وهو بمثابة حد أوسط، كلية جديدة تجمع بين القطبين المتمثلين بالفنون التشكيلية وبالموسيقى « [34]، ويعــرّفه ونترز بأنــه
» تركيب من الألفاظ حول تجربة إنسانية « [35]، ويعـرّفه رينية ويليك بأنـه » شكل من أشكال المعرفة « [36]، ويعرّف ارشيبالد مكليش الشعر بأنه »لا يصنع من الأفكار، انه مصـنوع مـن الأشياء، أو من كلمات تدل على أشياء«[37].

           ويعرّفه عباس محمود العقاد من خلال حديثه عن الشاعر بقوله : » إنَّ الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصى أشكالها وألوانها، وأنْ ليست مـزية الشاعـر أنْ يقـول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزيـته أن يقـول ما هو وكشف عن لبابه وصلة الحياة به«[38]، ويعرّفه علي أحمد سعيد ) أدونيس ( بأنه » رؤيا، والرؤيا بطبيعتها قفزة خارج المفهومات السائدة، وهي تغيير في نظام الأشياء، وفي نظام النظر اليها«[39] .

          إنَّ كل تعريف من التعريفات السابقة إنما يسلط الأضواء على جانب أو أكثر من جوانب الأدب في مرحلة تاريخية معينة، وفي سياق اجتماعي وفكري معينين، ويمكن القول إنَّ الأدب بوصفه نتاجاً إنسانياً يتأبى على التعريف والتحديد، بفعل أبعاد معقدة تتدخل في تكوينه، منها الواعية وغير الواعية، وبفعل طبيعته الخاصة، وبسبب تجدده وتغيره على مر العصور، لدرجة تصدق مقولة هيجل إنّ َ » لكل عصر شعره[40] « ، ولذا ألفينا كل جيل يتحدث عنه بطريقته الخاصة، ولسنا في سياق وضع تعريف جامع مانع للأدب، لأنَّ هذا مما يستعصي فعله، ولكن من الضرورة بمكان أن نتحدث عن مكونات الأدب وخصائصه، لأنَّ الحديث عن مكونات الشيء تُقرّب المتلقي من إدراك ماهيته .

          ومن أجل أن نتوقف عند الأدب ذاته، وليس عند المؤثرات الفاعلة فيه، فإنَّ الأدب يتميز بأن له وجوداً موضوعياً مادياً مستقلاً عن الوعي الإنساني، فالقصيدة والملحمة والمسرحية والرواية والقصـة القصيرة تتسم كل واحدة منها بـأن لهـا وجوداً موضوعياً قبل أن يبدأ المتلقي بقراءتها . كما أنَّ لها وجوداً مادياً وهو الذي يوصلها إلى المتلقي، وسنطلق على هذين الوجودين الموضوعي المادي » التشكيل اللغوي « مؤثرين هذا المصطلح ومستعيرين دلالته من الفنون التشكيلية، لأننا نرى أنَّ العمل الأدبي عملٌ واعٍ يعمد فيه الأديب إلى تشكيله بكيفية لإحداث أثر ما، إذن فالعمل الفني بعامة والأدبي بخاصة، لا بد أن تكون له » بنية مكانية « تعد بمثابة المظهر الحسي الذي يتجلى على نحـوه الموضـوع الجمـالي، كما أنه لابد له أيضا من » بنية زمانية تعبر عن حركته الباطنية ومدلوله الروحي بوصفه عملاً إنسانيا حياً « [41] .

                إن الوجود الموضوعي للأدب المتمثل بالتشكيل اللغوي ودراسته تقربنا كثيراً من التصنيف الذي أرساه الناقد الألماني« لسنج  »، والذي اعتمد فيه على تصنيف الفنون من خلال الوسائط التي تستخدمهـا هذه الفنـون، فتوزعت الفنـون لـديه إلى مجموعتيـن : » مجموعة الفنون التشكيلية... المعتمدة أساسا على المكان، وأشهر هذه الفنون : العمارة والنحت والتصوير، ومجموعة الفنون الإيقاعية ... المعتمدة أساسا على الزمان « [42] .

          فالفنون المكانية تحتل حيزاً مكانياً في الوجود، ويتمثل الوجود الموضوعي للنحت مثلا بمادة خام هي كتلة الحجر التي مر عليها إزميل النحات فحولها من كتلة صماء إلى موضوع فني له أبعاده الجمالية، ولسنا بصدد التعرض إلى الفوارق الجوهرية بين كتلة الحجر قبل أنْ يمر عليها إزميل النحات وبعده، أي بعد أن تتحول إلى موضوع فني جمالي لأنَّ التحدث عن هذا الموضوع سيدفعنا إلى معالجة عملية » تشكيل « كتلة الحجر وتحويلها إلى تمثال فني، وسنتناول هذا الموضوع في الأدب لأنه مجال بحثنا، غير أنَّ ما أريد تأكيده أنَّ الفنون المكانية، وإنْ كان لها وجود موضوعي مكاني فإنَّ إدراكنا إياها وتذوقنا لخصائصها الفنية يتم من خلال حاسة البصر، فإننا لا نستطيع تذوق هذه الفنون سماعاً، ومن ثم يمكن إدراك الفنون المكانية مرة واحدة، إذ ترى التمثال إجمالا مرة واحدة أو ترى اللوحة الفنية دفعة واحدة، ولذلك فهناك خاصية مشتركة بين الفنون المكانية في كونها تحتل وجوداً موضوعياً مادياً يأخذ حيزاً مكانياً في الوجود، وكان هذا الوجـود الموضوعي مادة خاماً تدخّل فيه الإنسان فحولها إلى موضوع فني، وإنها جميعا النحت والرسم والعمارة يمكن تذوقها بحاسة البصر، بحيث تتجلى كاملة أمام البصر دفعة واحدة.

          ولا يعني هذا أنَّ الطبيعة لا تنطوي على جمال بذاتها، وبخاصة أننا نلتقي بتشكيلات في الحجر والصخور نحتتها الطبيعة تشتمل على أشكال لها جمالها، غير أنَّ هناك فرقاً جوهرياً بين الجمال في الطبيعة والجمال في الفنون التي يبدعها الإنسان، لأنَّ الجمال في الطبيعة لم يحدث بقصد التأثير الفني والجمالي، في حين تمت في الحالة الثانية بقصد التأثير الذي عمد إليه الفنان، ولذا فإنَّ التعبير الفني المقصود هو الذي يميز العمل الفني عن الجمال الذي نلمحه في الطبيعة، وهذا يعني أنَّ إرادة الإنسان وذوقه وأفكاره وخبرته هي التي تنعكس في الفن، وتنطوي على جمال له خصائصه وميزاته .

           أما الفنون الإيقاعية فإنها تعتمد على أساسين هما : الصوت والزمن، فالأصوات هي المادة الخام التي تعتمدها الفنون الإيقاعية، وإن تدخل الإنسان في توزيعها بطريقة معينة يخلع عليها قيمتها الجمالية، ولذلك قيل إنَّ الإيقاع » هو النظام الوزني للأنغام في حركتها المتتالية ... وهو تكرار ضربة أو مجموعة من الضربات بشكل منتظم على نحـو تتوقعه الأذن كلما آن أوانها « [43]، وفي ضوء هذا يجمع الإيقاع بين عنصري الحركة والتنظيم معا بحيث تكون الحركة تعبيراً عن العنصر المادي أو الحيوي في الإيقاع والتنظيم تعبيراً عن عنصره الذهني والروحي «[44]، فالموسيقى أصوات متعاقبة بكيفية معينة وتحدث في زمان محدد، ولذا فهى فن زماني بخلاف الرسم وتقتضي وقتاً كي يتم تذوقها،لأنَّ الضربات الإيقاعية المتتالية إنما تحدث في زمان محدد، وتكون الأذن الحاسة التي يستخدمها الإنسان في تذوق الموسيقى .

          فالفنون الإيقاعية إنما تتسم بخاصية مشتركة في كونها تعتمد الضربات الإيقاعية المنتظمة بطريقة وبكيفية معينة، ويحدثها الإنسان قاصداً التأثير الجمالي بالمتلقي، وهي لا يتم حدوثها إلا في إطار زماني، وتكون الأذن الحاسة التي توصل تأثير هذه الفنون، ويتم من خلالها تذوقها، وحين نصنف الأدب بحسب أداته، وهي الوسيط المادي، فإننا سنضعه مع الفنون ذات الطابع الإيقاعي الزماني، لأن مادة الأدب الخام هي اللغة، واللغة تتسم بخاصيتها الزمانية، وهي، في تراثنا اللغوي، لدى ابن جني مثلا » أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم « [45]، إذ يحدد للغة طبيعتها الرمزية المعتمدة على الأصـوات اللغـوية ويمثـل هذا البعد المـادي للغة، وينطوي في الوقت نفسه على الدلالات والمعاني وتكون وظيفة اللغة توصيل الأفكار بين الإنسان والآخرين، وبهذا يلمح ابن جني إلى الطبيعة الاجتماعية للغة . ويعرفها فردينان دي سوسير بأنها » نظام إشارات
تعبر عن الأفكار
« [46]، فهي جزء من نظام أشمل يطلق عليه السيمولوجيا، وتنطوي على نظـام يتحكم في تحديد الإشارات، أو يتحكم في الوحدات الصوتية لتدل على
 دلالة معينة
.

                 وسواء أخذنا بتعريف ابن جني، أو بتعريف دي سوسير فإن اللغة ذات طابع زماني، فلو توقفنا عند بيتي المتنبي :

وَقَفتَ ومَا في المَوْتِ شَكٌّ لِوَاقفٍ

كأنك في جـَفْـنِ الـرَّدى وهو نَائِمُ
 

تَمرُّ بِكَ الأبطالُ كَـلْـمَـى هَزيمـةً

وَوَجْـهُك وضَّاحٌ وَثَغـرُك بَاسِـــمُ

نلتقي بأصوات متعاقبة منتظمة بكيفية معينة، وتنطوي في الوقت نفسه على دلالات اتفق الناس عليها، وهذه الأصوات تتألف في زمان، وتدركها الأذن، أو على وجه أدق يتم إدراكها عبر حاسة الأذن، ومن هنا يصح القول » إنَّ اللغة حقاً أداة زمانية لأنها لا تعدو أنْ تكون مجموعة من الأصوات المقطعة إلى مقاطع تمثل تتابعاً زمنياً لحركات وسكنات في نظام اصطلح الناس على أن يجعلوا له دلالات بذاتها . وبهذا المعنى تكون اللغة الدالة تشكيلاً معيناً لمجموعة من المقاطع أو الحركات أو السكنات خلال الزمن أو هي في الحقيقة تشكيل للزمن نفسه تشكيلاً يجعل له دلالة معينة، تماماً، كما أنً الرسم تشكيل للألوان في المكان له دلالة « [47] .

                 وعلى الرغم من أنَّ هذه الأصوات والمقاطع التي تابعناها في بيتي المتنبي إنما يتم تأليفها في زمان معين فإنها في الوقت ذاته تنطوي على خصائص مكانية، يتم تمثلهـا عبـر التخيـل، فالمخيلة تتخيل من خلال تتابع هذه المقاطع الصورة التي رسمها المتنبي لسيف الدولة، ومن هنا يتداخل بعدا الزمان والمكان في اللغة، فاللغة من هذه الناحية
» تشكيل صوتي له دلالة مكانية، والشاعر حينما يستخدم اللغة أداة للتعبير إنما يقوم بعملية تشكيل مزدوجة في وقت واحد، إنه يشكل من الزمان والمكان معاً بنية ذات دلالة فإذا كانت الموسيقى تتمثل فـي التأليف بين الأصـوات في « الزمان » والتصوير يتمثل في التأليف في« المكان » فإنَّ الشاعر يجمع الخاصتين مندمجتين غير منفصلتين، فهو يشكل المكان في تشكيله الزمان، أو انْ شئت العكس، فهذه هي طبيعة اللغة التي يستخدمها أداة للتعبير « [48] .

                 وإذا كانت اللغة مادة الأديب، وإذا كانت كتلة الحجر مادة النحات، فإنَّ هناك فرقاً بين اللغة والحجر يشير اليه رينيه ويليك في أن » اللغة ليست مجرد مادة هامدة كالحجر، وإنما هي ذاتها من إبداع الإنسان، ولذلك فهي مشحونة بالتراث الثقافي لكل مجموعة لغوية « [49]، هي من هذه الناحية لا تتسم بمرونة الحجر لأنَّ كل كلمة تحمل معناها لقرون طويلة، حتى لم يعد بالإمكان استعماله في قصيدة دون أن يوحي بذلك المعنى المعين[50] وبالإضافة إلى ما سبق لابد من الإشارة إلى أنَّ الكلمات إنما هي أدوات يشير بها الإنسان إلى الأشياء، وانه ليست هناك علاقة مباشرة بين الدال بوصفه رمزاً، والشيء الكائن في الخارج الذي عبر عنه، وهذا ما أشار إليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني في أثناء حديثه عن نظم الحروف، وهي تعني لديه » تواليها في النطق « ، ثم أكد اعتباطية العلاقة بين الدلالة من ناحية، وتوالي الحروف في النطق من ناحية ثانية » فلو أن واضـع اللغة كان قد قال » ربض « مكان ضرب لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد « [51] .

                 إنَّ الكلمة لا تحمل دلالة ثابتة على نحو مطلق إجمالا وحتى في الدلالة المعجمية التي يبدو ظاهرها الثبات والاستقرار فإنها تنبئ عن معانٍ عديدة منتزعة من سياقات مختلفة كما أنَّ قيمة الكلمة وتأثيرها ودلالتها الدقيقة لا يتحدد إلا في ضوء وضع الكلمة في سياق ما، وفي ضوء تجاورها مع كلمات أخرى، لدرجة أنَّ » تعبيرين في لغـة واحدة ينقلان خبـراً واحداً فانهما دون شك يختلفان في تركيبهما اللغوي، ومن ثم يختلفان من حيث الأسلوب[52]«، ولذلك ألفينا من يؤكد » أنَّ تأثير الكلمة الواحدة يتفاوت حسب الكلمات التي تـرد هذه الكلمة بينهـا، فالكلمة التي يلتبس معناها وهي بمفـردها يتحدد معناها حينما تـرد في سياق ملائم، وهـذه هي الحال دائما، فتأثير أي عنصـر واحـد يعتمد على العناصـر الأخـرى التي تـوجد معه « [53] .

                 إذن فالقيمة الدلالية والجمالية قرينة تأليف الوحدات الصوتية بعضها بجوار بعض ولذلك فإنَّ الوحدات الصوتية للكلمة تفتقر للدلالة في حالة استقلالها وانفرادها، ويلتقي الدرس الأدبي مع الدرس اللغوي في العناية بالجانب الرمزي من تأليف الوحـدات الصـوتية، ومـن الجلي أن العلاقة بين الدال والمدلول بوصفهما وجهي العلاقة الرمزية بين تأليف الوحدات الصوتية وما تنطوي عليه من معان علاقة تلاحم عضوي، لأنه إذا أزيل أحدهما انتفى وجود الآخر، ولذا شبه دي سوسير العلاقة بينهما » بورقة يكون الفكر وجهها الأول والصوت وجهها الآخر، ولا نستطيع فصل أحد الوجهين من دون الآخر في آن « [54] .

                 إنَّ هذه الإمكانات التي تحتويها الألفاظ لا تتجلى تأثيراتها في الكلام العادي الذي يستخدمه الناس في مخاطباتهم، كما لا تتجلى آثـارها ومـلامحها في الكـلام ذي الطـابع العلمي، بشكل واضـح، وإنما تتجلى هذه الملامح بدرجات متفاوتة في ميدان الإبداع الأدبي بعامة والشعري بخاصة .

                ونحن لا نعلم في الحقيقة تفاصيل العمليات التي تسبق ولادة القصيدة، بوصفهـا تشكيـلاً لغـوياً، وإن كنا نـدرك إجمالا أنها خليط من مكونات واعية وغير واعية وتلتقي فيها خبرة الإنسان، وثقافته، وانفعاله، وخواطره، وأحلامه، ويضعنا هذا من ثم في مجال خصوصية الأديب وفرديته، وهي خصوصية تتعامل بكيفية معينة مع الألفاظ اللغوية، وعندها لا تحدد قيمة الشاعر فيما يرى ريتشاردز كمية الألفاظ التي في متناوله
» وإنما الذي يحدد مكانته الطريقة التي يستخدم بها هذه الألفاظ على تعديل بعضها البعض وتجميع تأثيراتها المنفصلة في العقل واتخاذها موضعها المناسب في الاستجابة ككل « [55] .

                 ونخلص من هذا كله إلى أنَّ طبيعة الأدب لا تحددها المكونات الخارجية، وإنما هي منحصرة في الوجود المـوضـوعي المـادي للأدب، أي في التشكيل اللغوي للنص الأدبي، ويخضع هذا التشكيل لخصوصية الأديب وفرديته، ويتلّون في ضوء تجربته الانفعالية، ومدى تأثره بالواقع الذي يعيش فيه .

 

 

الفصل الأول

قضايا الشعر الجاهلي

 

الجاهليـــة

                 تُثير كلمة » الجاهلية « قضايا عديدة، فهي في الحقيقة مصطلح مستحدث أطلقه الإسلام على المرحلة السابقة للبعثة النبوية، فهو من هذه الناحية تكتنفه الدلالة الدينية، مما دفع بعض الباحثين إلى القول : إنَّ مصطلح الجاهلية » مصطلح ديني له غاية محددة حين ظهر الإسلام ، هي حث العرب على التخلص من كل نقيصة كانت لهم في عهد ما قبل الإسلام، بل تنفيرهم من ذلك وترغيبهم فيما جاء به الإسلام من خلق سوي أراده الله تعالى لهم « [56]، ويعمد باحث آخر إلى النأي عن استخدام مصطلح »الجاهلية « لأنه في تصوره مصطلح مضلل، ويؤثر استبداله بمصطلح آخر هو » مرحلة ما قبل الإسلام « لأنه يرى أنَّ مصطلح الجاهلية » قد ارتبط بفكرة سائدة وغير حقيقية ترى في هذه الفترة من حياة العرب إظلاماً تاماً في كل نواحي الحياة، فهي من الجهل والجهالة العمياء، وكثيراً ما يؤكد هذا المعنى في قولهم » جاهلية جهلاء وضلالة عمياء « على حين انه كان للعرب حضارتهم المتطورة قبل الإسلام بزمن طويل، فالتسمية بالجاهلية تسمية دينية قصد منها التنفير من هذا العهد وآثاره، وليست تسمية علمية« [57] .

                 وتشتمل كلمة » الجاهلية « على دلالات متعددة، فهي مرة تدل على » الجهل الذي هو ضد العلم، ومن الجهل بالقراءة والكتابة، ولهذا ترجمت اللفظة في الإنكليزية The Time Of Ignorance وفهمها آخرون أنها من الجهل بالله وبرسوله وبشرائع الدين وباتباع الوثنية والتعبد لغير الله، وذهب آخرون إلى أنها من المفاخرة بالأنساب والتباهي بالأحساب والكبر والتجبر « [58] .

                 والجهل كما يرد في لسان العرب » نقيض العلم ...الجهالة أنَّ تفعل فعلاً بغير العلم... والمعروف في كلام العرب جهلت الشيء إذا لم تعرفه، غير أنَّ هذه الكلمة تتضمن دلالات أخرى، فهي قد تدل على » نقيض العلم « أو قد تدل على» الجهل الذي هو ضد الخبرة، يقال هو يجهل ذلك أي لا يعرفه « [59]، وقد أكـد ابن منظور أنَّ الجاهلية » زمن الفترة ولا إسلام ... وهي الحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله سبحانه ورسـوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك« [60] .

                 وقد توقف المستشرقون عند كلمة الجاهلية، فالمستشرق جولد تسيهر يرى أنَّ الشواهد التي وردت في القرآن الكريم لكلمتي » جاهل « و» جاهلية « » قلما تسمح للمرء بأنْ يحدد معنى الكلمتين تحديداً دقيقاً، على أنَّ الجاهل في شعور المسلمين والمفسرين هو ضد العالم، والجاهلية هي ضد الإسلام، وإذ لم يؤخذ بمعنى التسليم لله بل بمعنى معرفة الله « [61]، وهو يرى أنَّ كلمة » الجاهلية « تعني » عصر الجهل خلافاً للعصر اللاحق وهو عصر العلم « [62]، ويميل رجيس بلاشير إلى أنَّ »كلمة الجاهلية تضم جميع مظاهر العنف والوحشية والتعسف والزهو والتبجح التي حدَّ الإسلام منها، أو قضى عليها بغية إيجاد فضائل أكثر اتزانا وإنسانية «[63]، ويرى المستشرق هيوارث » أن ليس الغرض من الجاهلية النسبة إلى الجهالة المناقضة للعلم والمعرفة، وإنما الغرض منها السفاهة التي كانت مؤدية إلى الهمجية وانتشار الضلالة، وعبادة الأوثان والإسراف في القتل واستباحة الزنا والخمر وانتهاء هذا كله بتأريث العداوة وقيام الحروب وتفرق القبائل « [64].

                 وقد آثر عدد من الدارسين العرب معنى مماثلاً لهذا، إذ يرى جواد علي أنَّ
» الجاهلية من السفه والحمق والأنفة والخفة والغضب وعـدم الانقياد لحكم وشـريعة وإرادة إلهية وما إلى ذلك من حالات انتقصها الإسلام «[65]، ويرى شوقي ضيف أنَّ
» كلمة الجاهلية التي أطلقت على هذا العصر ليست مشتقة من الجهل الذي هو ضد العلم ونقيضه، وإنما هي مشتقة من الجهل بمعنى السفه والغضب والنـزق، فهي تقابل كلمة الإسلام التي تدل على الخضوع والطاعة لله جل وعز، وما ينطوي فيها من سلوك خلقي كريم «[66] .

                 ويؤكد هذا المعنى عدد من المفسرين من قدامى ومحدثين، فالطبري في أثناء تفسيره لكلمة الجاهلية يرى أنها تدل على أهل الشرك يقول : » وأمـا قـوله » ظن الجاهلية« فإنه يعني أهل الشرك « [67]، ويـؤكـد هذا محمد الطاهر بن عاشـور، فالجاهلية هي » المدة التي كان عليها العرب قبل الإسلام ... والجاهلية نسبة إلى الجاهل، لأنَّ الناس الـذين عاشـوا فيها كانوا جاهلين بالله وبالشرائع « ويؤكد في موطن آخر المعنى ذاته يقول : إنَّ الجاهلية » نسبة إلى الجاهل الذي لا يعلم الدين والتوحيد، فإنَّ العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحلم، قال ابن الرومي  :

بِجَهلٍ كَجهلِ السَّيفِ والسَّيفُ مُنْتضٍ

وحلم كَحلمِ السَّيفِ والسَّيفُ مُغمدُ

وأطلقت لفظة الجهل على عدم العلم، قال السموأل :

      فَليسَ سَواء عَالِمٌ وَجَهولُ
وقال النابغة
:

      وَلَيسَ جَاهل شيءٍ مثل مَنْ عَلِما

وأحسب أنَّ لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن وصف به أهل الشرك تنفيراً من الجهل وترغيـبا في العلم، ولـذلك يذكره القرآن في مقامات الذم « [68].

                 إنَّ هذه الدلالات المتعددة لكلمة » الجاهلية « قد أربكت بعض الدارسين ودفعتهم إلى المقـارنة بين هـذه الدلالات وحال العرب قبل الإسلام، وأخذوا يترددون بين استخدام هذا المصطلح الذي يبدو عندهم مضللاً، أو استخدام مصطلح آخر أقل لمعاناً وبريقاً وهو مصطلح » مرحلة ما قبل الإسلام « .

                 إنَّ مصطلح » مرحلة ما قبل الإسلام « الذي آثره بعض الباحثين، على الرغم من دعاوى التبرير التي يعرضـونها فإنه لا يُعنـى إلا بتحديد البعد الزماني لمرحلتين إحداهما سـابقة للإسلام وأخرى لاحقة للبعثة النبوية، ويعضد أصحاب هذا الرأي موقفهم في أنَّ مصطلح الجاهلية مصطلح مضلل، ويصل وصفه إلى درجة المبالغة في أنه يرى في » هـذه الفترة من حـياة العرب إظلاماً تـاماً في كل نواحي الحياة « [69]، ويتساءل باحث آخر في قوله : » إذا صح أن نطلق على هذا العصر لفظ الجاهلية من وجهة نظر دينية فهل يصح أن نعممه من وجهة نظر علمية«[70]، ويـؤكد أنه لا يستطيع أن ينفي عن هذا العصر» صفات السفه والحمق والأنفة والاستجابـة السـريعة للغضب وعـدم الانقياد والتعصب القبلي والتسلط والتجبر والكبر عن مجتمع هذا العصر، لأنَّ أدبه قد جاء معبراً عنها ومؤكداً لها « [71]، ولكنه يرى » أنَّ مصطلح الجاهلية قد لا يصلح من وجهة نظر علمية أنْ نطلقه على ما صدر عن هذا العصر من معارف وآداب « [72]، ومع هذا فإنَّ الباحث استخدم مصطلح الجاهلية في ثنايا كتابه على الرغم من عدم توافقه من وجهة علمية ،وذلك لإيمانه بعدم » جدوى تغييره بعـد أنْ أصبـح شائعاً على ألسنة المشتغلين بالأدب وفي بطون كتب السلف والخلف « [73] .

                 إنَّ استخدام مصطلح مرحلة ما قبل الإسلام إنما يؤكد الفاصل الزماني بين مرحلتين، ولا يتضمن دلالة أخرى، في حين يتميز عليه مصطلح الجاهلية، فضلاً عن شيوعه واستقراره وثباته وبريقه في أنه يشتمل على التحـديد الـزماني الذي يتضمنه مصطلح » مرحلة ما قبل الإسلام « من ناحية، ويؤكد أنَّ المرحلة السابقة للإسلام
 »الجاهلية « تمثل طوراً حضارياً متغايراً عن الطور الحضاري الإسلامي من ناحية أخرى .

                 ولا يعني هذا أنَّ الطور الحضاري السابق للإسلام لا علم فيه ولا حضارة، وهو ليس إظلاماً تاماً، وإنما هو طور حضاري له خصائصه وسماته وميزاته، وهو يختلف عن طور حضاري آخر أكثر منه رقياً وتقدماً، ولهذا أؤثر استخدام مصطلح » الجاهلية « على مصطلح »مرحلة ما قبل الإسلام « للأسباب التي ذكرتها .

 

 

الكتابة عند العرب

 

          عرف العرب الكتابة في الجاهلية على نحـو نـادر في البـادية وموجود في الحاضرة، ومما يدل على معرفة العرب لها ورودها في بعض قصائد الشعراء الجاهليين، فلقد وردت الكتابة ونقوشها في سياق تشبيه الأطلال ورسوم الديار، ومن ذلك قول المرقش الأكبر : [74] 

 

 هَلْ بالديارِ أنْ تُجيبَ صَمَـمْ
 

لو كانَ رَسْـمٌ ناطقاً كَلَّـمْ

الدارُ قَفْرٌ والرسُـومُ كَمَا

رَقَّشَ في ظَهرِ الأديمِ قَلمْ[75]

ويقول امرؤ القيس :

 

قِفَا نَبكِ مِنْ ذِكرى حَبَيبٍ وَعِرفانِ

وَرَسْمٍ عَفَتْ آياتُهُ مُنذُ أَزمانِ [76]

 أَتَتْ حِجَجٌ بَعدِى عليها فأصبَحتْ
 

كَخَطِ زَبُورٍ في مَصاحفِ رُهبَانِ[77]
 

ويقول سلامة بن جندل :[78] 

 

لِمَنْ طَلَلٌ مثلُ الكِتابِ المُنَمَّقِ
 

خَلا عَهدُهُ بَينَ الصُليبِ فِمُطرِقِ [79]

ويقول لبيد بن ربيعة العامري :

 

عَفَتِ الدِّيارُ مَحَلّهَا فَمُقامُهَا

بِمِنىً تَأَبـَّـــدَ غَــوْلُها فَـِرجَـامُها [80]
 

فَمَدافِعُ الرّيَّانِ عُرِّيَ رَسمُهَا
 

خَلَقـاً كَمَـا ضَمِـنَ الــوحِيُ سِلامُـهَا[81]

 وَجَلا السّيُولُ عَنِ الطّلولِ كأَنّها

زُبُـــرٌ تُجِــدُّ مُتـُـونَها أَقــلامُها [82]
 

          إنَّ هذه الأبيات الشعرية تدل على أنَّ الكتابة كانت معروفة في الجاهلية، وأنَّ الشعراء كانوا يشبهون بها الأطلال بخاصة، ولا يعني هذا أنَّ الشعراء كلهم كانوا
» يتقنون الكتابة، كما أنها لا تدل على أنهم »كانوا يعتمدون على الكتابة في نظم الشعر وروايته، وإنما تدل فقط على أنَّ رسوم الكتابة وصورها والزخارف التي تصنع منها كانت معروفة لبعضهم على نحو من الأنحاء، وأنهم لم يكونوا يرون فيها سوى زخارف أو نقوش مزينة ورموز غامضة لا يتبينها المرء إلا بصعوبة وبعد جهد جهيد« [83]، كما أنَّ اقترانها بتشبيه الطلل يدفع إلى القول بأنها كانت شكلاً من التعبير المألوف الذي تحول إلى تقليـد يعمد الشعـراء إلى تكراره وإعادته .

           ولم تكن الكتابة قد وردت في شعر الشعراء فحسب، بل انَّ هناك أخباراً تؤكد استخدام العرب لها في كتابة العهود والمواثيق، وليس أدل على ذلك من صحيفة قريش التي قاطعت فيها بنى هاشم وعلقوها في جوف الكعبة، يقول ابن هشام » فلما رأت قريش أنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نـزلوا بلداً أصابوا منه أمناً وقراراً... وجعل الأسلوب يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم أنْ يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى المطلب على أن لا ينكحـوا إليهم ولا ينكحـوهم ولا يبييعـوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتوافقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم « [84] .

                 ويبدو أنَّ الكتابة قد استخدمت في تدوين بعض آثار الشعراء الأدبية، ولكنه استخدام لم يرقَ إلى درجة الشيوع والكثرة، بحيث يصدق أنْ نقول إنه الطريقة المثلى في انتقال الشعر الجاهلي إلى الأجيال اللاحقة، على الرغم من أنَّ هناك من يميل إلى هذا الرأي[85]، إذ يذهب الدكتور ناصر الدين الأسد إلى ترجيح استخدام الكتابة في تقييد بعض الشعر في المرحلة الجاهلية، ويعضد وجهة نظره مرةً بأنَّ الشعـر الجاهلي حافـل «بذكر الكتابة وصورها، والإشارة إلى أدواتها، وتشبيه الأطلال والرسوم ببقايا الخطوط على الرق أو المهارق أوسائر أنواع الصحف، مما يدل على أنَّ هؤلاء الشعراء الجاهليين كانوا على علم دقيق بأنواع الكتابة والحروف «[86] ويستدل مرة أخرى بأن القبائل العربية كانت تقيد عهودها ومواثيقها » أفليس من الطبيعي إذن أنْ يقيد شعر شعرائها الذين يدافعون عن حياضها، ويذودون به عن أمجادها، ويسجلون به وقائعها وأيامها، ويعددون فيه انتصاراتها ومآثرها « [87] .

                 إنَّ أحكام الدكتور ناصر الدين الأسد بعد عرضه لأدلته العقلية والنصية تدل على التقليل من شأن تقييد الشعر الجاهلي وتدوينه، فهو يقول: » وبعد أن استوفينا هذه الأدلة العقلية التي استنتجنا أنَّ بعض شعراء الجاهلية ربما استخدموا الكتابة في تقييد بعض شعرهم، انتقلنا إلى ذكر الأدلة الصريحة المباشرة، فأوردنا مـا يـزيد على عشـرين نصاً وروايةً، لممنا نثارها، وجمعنا متفرقها، ونظمناها في سلك واحد لنرى أنها واضحة صريحة في أنَّ بعض الشعر الجاهلي كان يقيد، سواء أكان الشعراء الجاهليون أنفسهم يقيدونه بخط أيديهم، أم كانوا يستكتبون غيرهم لتقييد شعرهم «[88] .

          وترد روايات تفيد أنَّ الجاهليين كانوا يدونون أشعارهم، إذ ينقل السيوطى في المزهر » عن حمّاد الراوية قال إنَّ النعمان بن المنذر أمر فنسخت له أشعار العرب في الطنوج أي الكراريس، ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد الثقفي، قيل له إنَّ تحت القصر كنـزاً، فاحتفره، فأخرج الأشعار، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة «[89] .

                 إنَّ هذه الرواية لا يؤكدها دليل، ولعل واضعها كان يريد تأكيد أهمية مدرسة الكوفة في نشر الشعر الجاهلي وإشاعته، وقد فطن إلى هذا رجيس بلاشير بقوله » ولعل هذا الخبر موضوع لتفضيل الكوفيين على البصريين في الخلافات التي نشبت بين البلدين فقسمت الناس إلى معسكرين متناظرين «[90] ويذهب الدكتـور جـواد علي إلى نفي هذا الخبر لأنه » لا يعقل ... تصور انفراد حمّاد وحده بمعرفة أمر ديوان النعمان بن المنذر دون سائر الرواة وعشاق الشعر وفيهم من كان لا يقل حرصاً ولا تتبعاً له عن حمّاد... ولـو كـان عنـد آل مـروان ذلك الديـوان حقاً، لافتخروا بوجوده لديهم، ولعرضوه على الناس، ولأخذوا منه شعر القديم، ولما استعانوا بالرواة من حمّاد وأمثاله ليرووا لهم الشعر الجاهلي وليجمعوا لهم ذلك الشعر «[91] .

                 وقد ورد أنَّ العرب قد علقوا بعض قصائدهم بين أستار الكعبة، وقد أذاع هذا الخبر ابن عبد ربه، حيث يقول » كان الشعر ديوان العرب خاصة، والمنظوم من كلامها، والمقيد لأيامها، والشاهد على أحكامها، حتى لقد بلغ من كلف العرب به وتفضيله له أنْ عمدت إلى سبع قصائد تخيرت من الشعر القديم . فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها بين أستار الكعبة، فمنه يقال مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير«[92] وهى سبع قصائد، اضافة إلى معلقتي امرئ القيس وزهير بن أبى سلمى . يذكر ابن عبد ربه : معلقة طرفة بن العبد، وعنترة بن شداد، وعمرو بن كلثوم، ولبيد بن ربيعة والحارث بن حلزة اليشكرى .

           وقد أكد ابن خلدون خبر تعليق المعلقات بأركان البيت الحرام مشيراً إلى أنه
» كان يتوصل إلى تعليق الشعر من كان له قدرة على ذلك بقومه وعصبيته ومكانه من مضر «[93]، وذكر أصحاب المعلقات :امرأ القيس، والنابغة الذبيانى، وعنترة بن شداد وطرفة بن العبـد، وعلقمة بـن عبدة، والأعشى، وقال ابن رشيق القيـروانى» وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك لأنها اختيرت من سائـر الشعـر فكتبت في القباطـي بماء الذهب وعلقت علـى الكعبة «[94] .

                 ويقول البغدادى » إنَّ العرب كانت فى الجاهلية يقول الرجل منهم الشعر في أقصى الأرض فلا يعبأ به، ولا ينشده أحد حتى يأتي مكة في موسم الحج، فيعرضه على أندية قريش، فإنْ استحسنوه روي وكان فخرا لقائله، وعُلق على ركن من أركان الكعبة حتى ينظر إليه، وإن لم يستحسنوه طـرح ولم يعبأ بـه، وأول من علق شعره في الكعبة : امرؤ القيس، وبعده علقت الشعراء وعدد من علق شعره سبعة :ثانيهم طرفة بن العبد، ثالثهم زهير، رابعهم لبيد بن ربيعة، خامسهم عنترة، سادسهم الحارث بن حلزة، سابعهم عمرو بن كلثوم، هذا هو المشهور [95] «.

          وإذا كان القدامى قد ورد عنهم خبر تعليق بعض القصائد على أستار الكعبة
فإنَّ هناك من القدامى وهو ابن النحاس، وهو عالم معاصر لابن عبد ربه، ينفى أنْ تكون المعلقات قد علقت على أستار الكعبة، بل يؤكد أنَّ حمّاداً هو الذي جمعها، ويقول ابن النحـاس
»وأما قـول من قـال إنها علقت في الكعبة فلا يعـرفه أحد من الرواة وأصح ما قيل في هذا : إنَّ حماداً الراوية لما رأى زهد الناس في حفظ الشعر جمع هذه السبع وحضهم عليها، وقال لهم هذه المشهورات فسميت القصائد المشهورة لهذا «[96] .

                 وقد توقف المستشرقون عند تعليق المعلقات على أستار الكعبة، إذ يرى
» نولدكه « أنَّ المؤرخين العرب قد استعملوا كلمة علق بمعنى عقد أي سمط عنوانا لكتبهم، وهذا ما جرى للمعلقات التي سميت بالسموط [97]، ويرجح ليال » أنَّ المعلقات مشتقة من العلق، وهو ما يضن به من الأشياء والحلي والثياب «[98]، ويعتقد فون كريمر «أنها مشتقة من علق، أي كتب، لأنَّ هذه القصائد ظلت تنتقل عن طريق الرواية الشفوية ثم انتهى بها الأمر إلى التدوين، وهو تعليل يرد عليه أنَّ استعمال الفعل علق بمعنى »دوّن« متأخـر وكان مقصوراً في استعمال العصور الوسطى على أوساط النساخ«[99].

                 ويذهب من العرب المعاصرين الدكتور شوقي ضيف إلى تأكيد نفي أسطورة تعليق المعلقات في الكعبة، وهو بهذا يتابع آراء المستشرق ليال في تصوره هذا، ويؤكد لو أنَّ الباحثين تنبهوا إلى المعنى المراد بكلمة المعلقات ما لجأوا إلى هذا الخيال البعيد، ومعناها المقلدات والمسمطات، وكانوا يسمون قصائدهم الطويلة الجيدة بهذين الاسمين وما يشبههما«[100] ويؤكد في مكان آخر أنَّ هذه القصائد » لم تعلق بالكعبة كما زعم بعض المتأخرين، وإنما سميت بذلك لنفاستها أخذاً من كلمة العلق بمعنى النفيس « [101] .

          ويظن الزبيدي»  أنَّ فكرة التعليق هذه نشأت عن تفسير كلمة » السموط « التي عرفت لها عند بعض الرواة الأوائل، وتعني » القلائد المعلقة « أو » المعلقات « إطلاقا وقد نسي بمرور الزمن معنى الكلمة الأصلي، وأصبحت كلمة » المعلقات « هي اللفظ الشائع، فدعا ذلك القصاص إلى ابتداع فكرة تعليقها على الكعبة في محاولة لتفسير اللفظ الجديد، فصادف ذلك قبولاً بين عامة الناس أو أوساطهم[102]، أما ناصر الدين الأسد فقد بقي متردداً بين النفي والإثبات ولذلك فهو يقول إننا » لا نملك وسيلة قاطعة للإثبات
أو النفي، ولا نحب أن نعتسف الطريق ونقتحم كما يقتحم غيرنا وكل ما نستطيع أنْ نقوله إنَّ الاعتراض
الذي قدمه القدماء كاعتراض ابن النحاس، والذي قدمه المحدثون لا يثبت ـ في رأينا ـ للتحقيق والتمحيص، فإذا ما استطعنا أن ننفي هذا الاعتراض بقي القول الأول بكتابة المعلقات وتعليقها ـ سواء في الكعبة أو خزانة الملك أو السيد ـ قولاً قائماً ترجيحاً لا يقيناً. إلى أنْ يتاح له اعتراض جديد ينفيه، أو سند جديد يؤيده ويثبته«[103] .

                 ويرى الطاهر مكي » أنَّ هذه القصائد المختارة قد أخذت أكثر من اسم حسب العصور أو الشراح، فهي » المعلقات « أو »القصائد السبع « أو » السبع الطوال الجاهليات « أو » القصائد العشر« ومن بين كل هذه المسميات فإنَّ اسم » المعلقات « هو الذي أثار كثيراً من الجدل والخلاف وصيغت حوله قصة لا تزال موضع الشك بين العلماء والباحثين« [104] .

          ونخلص من هذا كله أنَّ هناك جدلاً حول تسمية المعلقات وخبر تعليقها، وأميل إلى أنَّ هذه القصائد لم تعلق على أستار الكعبة، لأن خبر تعليقها قد ورد أول مرة عند ابن عبد ربه الأندلسي، ومن ثم تردد أكثر لدى باحثين مغاربة مثل ابن رشيق وابن خلدون ولذلك ألفينا من يعد كتابة القصائد بماء الذهب إنما هي تفاويه أندلسية «اخترعوها لتفسير تسمية غامضة لا يعرفونها » بدل أن يقولوا » الله أعلم« وكان الأندلسيون بحكم موقع بلادهم، في بعدها عن الشرق، وطبيعتها، وتعدد مناخها، وتنوع جوائحها من سيول وأمطار، ورعود وفيضان، يميلون إلى الغرائب والعجائب، ويؤخذون بها، ويبالغون في روايتها، حتى لو تجاوزت الممكن وتجافت الواقع «[105] .

          ومن الجدير بالذكر أنَّ عالماً معاصراً لابن عبد ربه وهو ابن النحاس قد نفى أمر تعليقها على أستار الكعبة » ولعل أهم ما يقدح في خبر تعليق هذه القصائد على جدران الكعبة خلو مصادر القرون الأربعة الأولى بعد الإسلام منه وظهوره متأخرا في المصادر التالية، هذا فضلا عن خلو أخبار فتح مكة من أخبار هذه القصائد، إذ لـو كانت معلقة على جدران الكعبة ابان الفتح لورد ذكرها « [106] ويضــاف لهذا أنّ َ» اختلاف رواة الشعر في ضبط أبيات تلك المعلقات، دليل في حد ذاته على عدم صحة التعليق، إذ لو كانت تلك القصائد معلقة ومشهورة، وكانت مكتوبة لما وقع علماء الشعر في هذا الاختلاف «[107] يضاف إلى ذلك أنَّ بعض هذه القصائد ـ وبخاصة قصيدة امرئ القيس ـ كانت تشتمل على فاحش الكلام، مما لا يليق بالعرب أن يعلقوا هذه القصيدة في مكان يقدسونه ويحجون إليه . كما أنه من المؤكد أنَّ حماداً الراوية هو أول من جمعها، فكيف يصح أن تكون معلقة على أستار الكعبة، وقد عمد حماد إلى جمعها وإذاعتها بين الناس .

                 إنَّ ما سبق ذكره لا يعني أنَّ العرب لم يدونوا إطلاقا بعض أبيات شعرائهم، لكن هذه الطريقة لم تكن المثلى في انتقال الشعر الجاهلي، وذلك لعدة أسباب :[108] 

    صعوبة استخدام أدوات الكتابة، إذ كان العرب يستخدمون الجلود والعظام وجريد النخل .

    إنَّ القرآن الكريم، وهـو كتـاب المسلمين المقـدس، لم يجمـع في مصحف واحـد إلا بعـد وفاة الرسـول، كمـا أنَّ الحـديث النبوي بقي معتمداً فـي أغلبه على الرواية إلى مرحلة لاحقة.

    ليس هناك أي دليل مادي قاطع يؤكد أنَّ العرب قد كتبوا قصائدهم، وانتقلت إلى الأجيال اللاحقة، وأنَّ » ما يذكر من أخبار عن كتابة بعض شعـرائهم لمقطوعات لهم ان صح، فانـه لا يدل على أنهم فكـروا فعـلاً في تدوين أشعارهم إنما هي قطع تكتب على رحل أو حجر أو جلد لأبناء القبيلة أو بعض أفرادها بحادث «[109].

          ومثل هذا ما يذهب إليه بلاشير على الرغم من أنه يؤكد » أنَّ بعض الرواة في بعض المراكز الحضرية قد دونوا كتابة بعض القصائد الجاهلية، ولكن ذلك يعوزه الدليل حتى لو سلمنا بصحة وقوع ذلك فإن التدوين لم يشمل إلا جزءاً من آثار الشعراء الحضريين أمـا البقية فقد سارت في الصحراء عن طريق الـرواية الشفوية . وخلاصة القول فإنَّ الرواية الشفوية وحدها تـؤلف الطـريقة الأساسية لنشر » الآثار الشعرية« منذ اللحظة التي قـذف فيها الشـاعر وراويـته تلك الآثار في خـضـم الجماهير«[110].

                 ويذهب عبد المنعم الزبيدي إلى أنَّ » ما يؤكد أنَّ نظم الشعر وروايته قبل الإسلام كانا قد قاما على المشافهة دون الكتابة هو أنَّ الخطوط التي عرفها العرب آنذاك لم تكن تصلح لتدوين الشعر، وبخاصة تدوين القصائد الطوال منه . فالخط النبطي الشمالي المشتق من الآرامي ... يخلـو من الإعجام أو النقط ..ومن رسم الأحرف الصائتة القصيرة المعروفة بالحركات... ومن علامة التنوين ... إنَّ هذه النواقص الخطيرة في الخط العربي أو النبطي المتأخر... كان لابد لها أنْ تحول بين هذا الخط واستعماله في تدوين القصائد الجاهلية ... ومن العسيـر جداً قراءة قصيدة طويلة قد دونت بهذا الخط وفهمها على النحو الذي أراده صاحبها أو على نحو قريب له « [111] .

 

توثيـق الشعر الجاهلي

 

 (1)

                 لا ريب أنَّ الشعر الجاهلي يثير معضلة تتجلى واضحة في تفاوت أساليب المقطوعات الشعرية والقصائد الجاهلية، وتظهر أيضاً في ترتيب الأبيات الشعرية واختلاف الروايات في مفرداتها وتراكيبها وصياغاتها . وهذا من شأنه أن يثير الشك حول صحة الشعر، من حيث نسبته إلى صاحبه، أو إلى زمانه، أو إلى مكانه .

                 ولم يكن الأدب العربي بدعة في هذا السياق، إنما هي ظاهرة عانت منها آداب الأمم الأخرى في مراحلها التي سبقت التدوين، ولذلك فإنَّ الأدب الإغريقي، وبخاصة في ملحمتيه الإلياذة والأوديسا قد تسـرب الشك إليه في تـوثيق النصوص ونسبتها إلى مؤلفيها [112] .

                 وقد شاع استخدام مصطلح الانتحال ليدل على قضية الشك في الشعر الجاهلي ويؤثر بعضهم استخدام مصطلح النحل ويحدده بأنه » وضع قصيدة ما أو بيت أو أبيات وإسناد ذلك لغير قائله « [113]، ويذهب آخر إلى أنَّ » معنى انتحله وتنحله ادعاه لنفسه وهو لغيره ...ويقال نحل الشاعر قصيدة، إذا نسبت إليه، وهي لغيره « [114]، وقد ميز باحث آخر بين ثلاثة مصطلحات، وهي : النحل، والانتحال، والوضع، فالوضع لديه » هو أن ينظم الرجل الشعر ثم ينسبه إلى غيره لأسباب ودواع، والانتحال هو ادعـاء شـعر الغير... والنحل أن ينسب الرجل شـعر شـاعر إلى شاعر آخر«[115] .

          ويمكننا إيجاز مفهوم الانتحال بأنه نسبة الشعر لغير قائله، سواء أكان ذلك بنسبة شعـر رجل إلى آخـر، أم أن يدعي الرجل شعر غيره لنفسه، أم أن ينظم شعراً وينسبه لشخص شاعر أو غير شاعر، سواء أكان له وجود تاريخي أم ليس له وجود تاريخي .

                 وقد التفت علماء العربية إلى هذه الظاهرة وأولوها عناية وبحثا، إذ يؤكد ابن سلام الجمحي ذلك حين يقول : » وفي الشعر مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته، ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج«[116]، وإذا كان ابن سلام قد أجمل الحديث ـ هنا ـ عن الظاهرة بأسرها فإنَّ من علماء العربية من تحدث عن مفرداتها وجزئياتها، إذ يرد عن الأصمعي أنه قال : » إنَّ كثيراً من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه « [117].

                 ولم يكن الأمر مقتصراً على علماء العربية القدامى فلقد أسهم المستشرقون بذلك وأدلى بعضهم بآراء خطيرة، وخالفهم أو تابعهم بعض الباحثين العرب المعاصرين . وسنتوقف في الصفحات التالية عند ابن سلام الجمحي بوصفه أبرز من تناول ظاهرة الانتحال عند القدامى، ثم نتناول الحديث عند المستشرقين، ونتوقف عند صموئيل مرجليوث بخاصة، لتبنيه تصورات خطيرة في قضية الانتحال، ونتوقف أخيراً عند طه حسين الذي أثار ضجة كبيرة في كتابيه الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي، في تناوله لفضية الانتحال في الشعر الجاهلي .

                 يؤكد ابن سلام الجمحي وفرة الشعر الجاهلي ولكن ما وصل إلينا منه قليل، إذ يروي عن أبي عمرو بن العلاء قوله: » ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير «[118].

           ويرجع بعض ذلك ـ فيما يرى ابن سلام ـ إلى انشغال العرب بعد مجيء الإسلام بالجهاد، وقد هلك كثير من الناس مما أدى إلى ضياع كثير من الشعر يقول ابن سلام : » فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد، وغـزو فارس والـروم ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم كثير «[119].

                 إنَّ الشعر الذي وصلنا من الجاهلية قليل وقد ضاع أكثره، ويؤكد ابن سلام أنَّ في هذا القليل مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، مما يدفع إلى ضرورة تنقيتة وعزل صحيحه عن زائفه، فهو يقول : » وفي الشعر مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد، ولامعنى يستخرج، ولامثل يضرب ولامديح رائع، ولاهجاء مقذع ولا فخر معجب، ولانسيب مستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء «[120] .

                 وقد اختلف العلماء في الشعر صحيحه وزائفه، ويرى ابن سلام أن ما اتفق عليه العلماء لاجدال حوله ولانقاش فيه، أو على حد تعبيره » ليس لأحد أن يخرج منه « [121] .

                 ويعي ابن سلام الجمحي أنَّ هناك أسباباً دفعت إلى نحل الشعر ووضعه، ويمثل العامل القبلي واحداً من الأسباب التي أدت إلى تزيد القبائل في نسبة الشعر إلى شعرائها في الجاهلية والإسلام، لأن العرب حين راجعت » رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والشعراء، فقالوا على ألسنة شعرائهم «