الشعر الجاهلي

قضاياه وظواهره الفنية

الأستاذ الدكتور

كريم الوائلي

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمـــة

                                يظل الشعر الجاهلي ثرياً، لا يمكن أنْ تحيط به دراسة، أو أنْ يلم بمعضلاته كتاب، ولقد تتابعت على دراسته مناهج متعددة، ابتداءً من المنهج التاريخي وانتهاءً بالمنهج البنيوي، ولقد أسهمت هذه المناهج في إضاءة جوانب غامضة منه، ولاتزال جوانب أخرى بها حاجة إلى الدرس والتحليل .

          وينطوي الشعر الجاهلي على معضلات تعترض القاريء ، إذ يلتقي بنصوص أدبية، فيها قدر من الصعوبة والغموض، وتشتمل على قدر من الخصائص الفنية والجمالية التي لها أهميتها وقيمتها، وكان المنهج التاريخي هو المهيمن على  أغلب الدراسات ، وكانت الدراسة تتجه نحو المؤثرات التي أسهمت في إبداع النص الأدبي، وليست دراسة للنص الأدبي ذاته.

إن كتابا يعنى بدراسة الشعر الجاهلي ، بطريقة تجمع الوضوح والعمق ،بعيدا عن الاسقاطات ، مهما كان نوعها ، يقدم لا شك قراءة للقاريء ، ويسهل امورا كثيرة للباحث .

          وهذا الكتاب يحاول السير في هذا الطريق ولا أزعم له الكمال، فإن وفقت فذلك حسبي، وإنْ لم أستطع فإنني قد حاولت .

                              أ. د . كريم عبيد هليل الوائلي

 

التمهيد

الأدب مهمته وماهيته


( 1 )

                 شُغِفَ الإنسان منذ القدم بالكشف عن الغامض والمجهول فقاده هذا إلى لون من المعرفة، وحقق له أنماطاً من الوعي، ويمثل الكشف، ابتداء، إشباع حاجة ما في الإنسان لأنه جُبِلَ على أنْ يكون أفضل مما هو عليه، بمعنى أنه يسعى لدرجة من التكامل من جهتي بناء ذاته وتفاعله مع بني جنسه، فضلا عن محاولته لتكوين تصور عن العالم الذي يعيش فيه، ومن ثم في تحديد موقف منها جميعا .

          وعلى الرغم من الخصوصية الفردية التي يتسم بها الإنسان فإنه لا يركن إلى الوحدة إذ لابدَّ من تحقيق وجوده وذاته في واقع اجتماعي معين، فهو من هذه الناحية يسعى إلى تمزيق كل محاولة تتسلل فيها الغربة أو الاغتراب ليندمج في الواقع الاجتماعي، وهذا بحد ذاته تجاوز لفردية الإنسان إلى حالة تواصل مع الآخر وتوازن معه، أي تجاوز الفردية إلى لون من الاندماج الاجتماعي .

          إن الإنسان بفعل تحركه في الواقع الاجتماعي يكتشف ذاته والعالم الذي يعيش فيه، بمعنى أنه يكتشف » الأنا « و » الآخر « ويبقى الإنسان في حالة تلقٍ مستمر من واقع يتفاعل معه ويؤثر فيه، غير أنَّ تجربة الإنسان مهما كانت متراكبة ومكثفة وغنية فإنها لا تغنيه عن تجارب الآخرين، معاصريه، وسابقيه، ولذا فإنـه يحقق متعة الكشف كشف ذاتـه، وكشف الآخر من خلال مـا يبدعـه الآخرون، وهذا من شأنه أنْ يزوده بنمط من الوعي، ويدفع به إلى لون من التكامل، لأنَّ الإنسان طموح إلى أنْ يصل إلى هذه الدرجة .

          إنَّ الإنسان لا يستطيع أنْ يحقق هذا التكامل، أو أنه لا يستطيع الوصول إلى هذه » الكلية إلا إذا استولى على تجارب الآخرين التي هي بالقوة تجاربه هو « [1] وإذا تحولت هذه القوة إلى الفعل تزود الإنسان بالوعي وتحققت لديه المعرفة، متعة الكشف، لأنه يرى ذاته بمرآة الآخرين، كما أنه يرى بمرآته ذوات الآخرين، وكذا العالم الذي يعيش فيه .ويسعى الإنسان لتحقيق جزء من هذا بالأدب، بمعنى أنَّ الأدب يمثل وسيلة يسهم في تحقيق التوازن بين » الأنا « و » الآخر «، ويسهم في الكشف عن جوانب غامضة من الواقع، وإذا كان ما سلف مدعاة إلى تحقيق التواصل والكشف فإنه في الوقت ذاته مدعاة لاستمرار إبداع الأدب .

           ونلتقي بتصورات متفاوتة في تحديد دور الأدب وطبيعته، فناقد العصر الفيكتوري ماثيو آرنولد تنبأ » بأن الشعر سيسود كل الأنواع الأدبية، وكذا اهتمامات الفكر الإنساني بعامة، وسوف يكون البديل الحقيقي عن » الدين « و » العلم « معا، وبأنه سوف يعبر عن »الحقيقة  «كاملة، ويقدمها للإنسانية التي طال ترددها بين هذين القطبين « [2] غير أنَّ هذه النبوءة لم تتحقق، إذ لا يزال الشعر يحتل موقعاً يتجاور فيه مع الدين والعلم، وليس بقادر على أنْ يحل محلهما، فضلاً عن أنْ يكون بديلاً عنهما، بل قد يتأخر عنهما خطوات بسبب دوافع علمية وروحية .

          أمـا الرسـام » موندريان « فقد تنبأ بسبب التطور الكائن في أنساق المجتمع الحديث بأنَّ » الفن سيختفي بمقدار ما تحقق الحياة مزيداً من التوازن « [3]، فانعدام التوازن بين المتلقي والواقع هو السبب الأثير الذي يجعل الأدب ضرورياً، وبمجرد أنْ يتطور المجتمع ويصل إلى درجة يتوازن فيه الإنسان مع العالم الذي يعيـش فيه تختفي الفنـون، غير أنَّ ناقداً نمساوياً آرنست فيشر يرى أنه » من غير المستطاع الأمل بأنْ يسود توازن دائم بين الإنسان والعالم الذي يحيط به حتى في المجتمع الأكثر تطوراً، فإن هذه الفكرة توحي أيضاً بأنَّ الفن لم يكن ضرورياً في الماضي وحسب، بل سيبقى كذلك في المستقبل أيضاً وعلى الدوام « [4] .

          وليس التقليل من شأن الأدب غريباً على تراثنا العربي، أو الفكر الإنساني، ففي تراثنا النقدي يلفت أنظارنا عبد القاهر الجرجاني إلى أنَّ هناك قوماً يذمون الشعر من أجل ما يجدونه فيه » من هزل وسخف وهجاء وسبّ وذم وباطل على الجملة « [5]، ويماثل هذا تصور ينقله » جيرالد ليروي« عن أناس يرون أنَّ الأدب ليست له قيمة ولا مغزى، وأنَّ الشاعر كاذب، وأنَّ الأدب إما مضيعة للوقت، أو أنه شيء خطيرٌ في حياتنا، ويرى  »ليروي« أن هذه النـزعة قد أيـدها بعض المتشـددين إبان العصر الإليـزابثي في إنجلترا[6].

          وترجع جذور هذا التصور في الأقل لدى الأوربيين إلى أفلاطون الذي كان يهدف إلى إرساء مدينة فاضلة يحكمها الفلاسفة، ويمثل العقل معيـارها في الحكم على الأشياء ويعـود تصــور أفلاطون لتحديد ماهية الفن ووظيفته إلى نظريته في » المثل « ومفادها انَّ »العالم الحقيقي الوحيد هو عالم الأفكار العامة، أو عالم المثل، أما عالم الأشياء فليس سوى ظلال وانعكاسات للعالم الحقيقي « [7] وتأسيساً على هذا فإنَّ الشعر يبتعد عن الحقيقة، لأنَّ الشاعر يحاكي ما حاكاه غيره، ومن أجل توضيح ذلك، يضرب أفلاطون مثلاً بالسرير، فهناك السرير الأول، وهو المثال الذي خلقه الله، والسرير الثاني الذي صنعه النجار، وهو محاكاة للمثال، والسرير الثالث الذي رسمه الفنان، وهو محاكاة للمحاكاة، ويخلص من هذا إلى أنَّ » هذه المحاكاة بعيدة ثلاث مـرات عن الحقيقة « [8]، ويعمد أفلاطون إلى تأكيد وظيفة تربوية تحاول السمو بالإنسان نحو الرقي والسعادة، ولما كان الشعر » يغذي الانفعال بدلاً من أنْ يُضعفه، ويجعل له الغلبة مع انَّ الواجب قهره « فإنه لذلك يرى »وجوب طرد هذا الفن « [9] من جمهوريته .

          إذن فالشعر يفسد عقول الناس، ويثير اللذة والعواطف، ويقلل من العناية بالجوانب الأخلاقية، وأنَّ ما يقدمه لا يعدو أنْ يكون مجـرد أوهـام وأشباح يخدع الناس، بمعنى أنَّ تأثيره بالغ السوء في الطبيعة الإنسانية، ولذلك وضـع أفلاطون رقابـة على النتاجات الأدبية، لأول مرة في التاريخ على ما يبدو بحيث لا يصور الأدباء العالم الآخر إلاّ بأجمل الصور، يقول : » وإذن فلا بد أنْ نفرض رقابة على رواة هذا النوع من القصص، وأنْ نطلب إليهم أن يصوروا العالم الآخر بأجمل الصور بدلاً من تلك الصور الكالـحة الكئيبـة التي تشيـع بيننـا اليوم مـا دامت قصصهـم لا تنطوي على نصيـب مـن الحقيقة، ولا يفيد أناسـاً مهمتهـم ممارسـة الحروب « [10] .

          إنَّ موقف أفلاطون النقدي هذا » ليس إلا ثمرة من ثمار الفلسفة السقراطية التي كانت من أهم سماتها التمسك بالاتجاه العقلي والتشدد الأخـلاقي والقضـاء على كل اندفاع وجدان أو حماسة « [11]، وإذا كان التصور السابق يقلل من أهمية الأدب فإنَّ تصوراً آخر يجعله ذا علاقة وثيقة بالحقيقة، ولكنها ليست الحقيقة المنطقية، ولكنها حقيقة من نوع آخر، ولعل آرسطو أقدم من قرن الشعر بالمعرفة، حين اعتبر الشاعر أكثر تفلسفاً من المؤرخ، لأنَّ الشاعر شأنه شأن الفيلسوف يُعنى بالكليات، في حين لا يُعنى المؤرخ إلا بالجزئيات، ذلك أنَّ المؤرخ والشاعر في تصور آرسطو » لا يختلفان بكون أحدهما يروي الأحداث شعراً والآخر يرويها نثراً ... وإنما يتميزان من حيث كون أحدهما يروي الأحداث التى وقعت فعلاً، بينما الآخر يروي الأحداث التي يمكن أن تقع، ولهذا كان الشعر أوفر حظاً من الفلسفة وأسمى مقاماً من التاريخ، لأن الشـعر بالأحـرى يروي الكلي بينما يروي التاريخ الجزئي « [12]، وقد عرض كولردج لهذا الرأي في أثناء وصفه للخيال على أنه قوة العقل الخلاقة، فالخيال يمكن الشاعر من رؤية حياة من خلال الأشياء، بينما يقوم التخيل بمجرد اختيار الصور وربطها ببعض، ويصر المدافعون عن نظرية كولردج بوجه عام على أن الحقيقة التي يقدمها الشعر لا يمكن أن تكون هي الحقيقة ذاتها التى نصل إليها عن طريق العقل  [13] .

          وإذا كان الأدب في هذا التصور يزود المتلقي بالمعرفة فإنه سيلتقي مـع ألـوان المعرفة الأخرى، كالفلسفة، والتاريخ، كما أشرنا لأنها جميعاً تحقق هدفاً واحداً هو إعطاء دراية ما بالواقع، غير أن الأدب يُمكِّن المتلقي من فهم أشمل للعالم، ويمثل أحد الوسائل التي لا يمكن الاستغناء عنها لفهم أنفسنا والعالم الذي يحيط بنا .

                 ويقودنا هذا إلى الحديث عن الفوارق بين العلم والأدب من حيث الغاية والمنهج فمما لا ريب فيه » أنَّ غاية العلم اكتشاف الحقيقة، وغاية الفن التعبير عن الجمال، وإذا كان منهج البحث العلمي يقتضي أن يجرد الباحث نفسه من أهوائه وأخيلته ... فإنَّ عمل الفنان...لا يكتمل إلا بإدخال خياله وعواطفه في التعبير عن موضوعه ... إنَّ جمال القطعة الفنية لا يقاس بمدى مطابقتها للواقع، فإنَّ هذا معيار الصدق في العلم لا في الفن « [14] .

                وهذا يعني أنَّ الموضوعية هي التي تتحكم في تحديد غاية العلم ومنهجه، في حين تعد الذاتية المحور الجوهري الذي يحكم إبداع النص الأدبي، إذن فالعلم يعتمد وصف الأشياء وتقرير حقيقتها، كما هي عليه في الواقع، أو أنَّ العلم » يعلل الحادثة انطلاقا من سوابقها العلية «[15] في حين يعبر الأديب عن الواقع من خلال انفعاله به، ولذلك جاء التأكيد على الخاصية الفردية في الأديب لأنها تميز أديباً عن آخر » فالشخصية الفردية في الفنون تحتفظ بذاتها على مر الزمان، ومن هنا قيل في التفرقة بين شخصية الفنان وشخصية العالم : الفن أنا، والعلم نحن « [16]، وهذا يعني أنَّ الخصائص الفردية وتباينها بين الناس تمثل المعول الذي يتمايز به الفن عن العلم، ليعتمد الأخير على الأدلة الموضوعية والبراهين التي يختبـر بها صحة الافتراضات في ضــوء الـوسائل العلمية المعروفة [17] .

          وهناك تصور آخر يرى أنَّ الأدب ينطوي على قيمة مقصودة لذاتها، وليس أداة تحقق غاية معينة، سواء أكانت معرفية أم أخلاقية، وعندئذ تتجلى قيمة الأدب في طبيعته الخاصة، أي في تشكيله اللغوي، وفي ضوء هذا يكون للنص الأدبي وجودٌ موضوعيٌ مستقلٌ عن الوعي، وإن قيمته الجمالية الكائنة فيه ليست نسبية، وإنما هي موضوعية محددة، يمكن الكشف عنها والتحدث عن خصائصها ومكوناتها، ويرتكز هذا التصور على مقـولات جمالية معينـة ترى » أنَّ للجمال وجوداً موضوعياً، ولهذا اتفق تذوقه والاستمتاع به لدى جميع الناس في كل زمان ومكان، فالشيء الجميل يقوم بالقياس إلى ما فيه من خصائص تثير الإعجاب بجماله ... فالجمال ... صفةٌ حالّةٌ في الشيء الجميل تلازمه وتقوم فيه ولو لم يوجد عقل يقوم بإدراكها [18] .

           إنَّ الآراء السابقة على تفاوتها تؤكد أمراً مفاده أن هناك شيئاً
ما في الأدب
» يعبر عن حقيقة ثابتة «[19]، وإن جزءاً من هذه الحقيقة ينطوي
على هذا السحر الذي يبهر الإنسان، ويجعل الأدب ضرورياً
، ومما يثيرا لانتباه
أنَّ ثمة دراسات تؤكد أن الفن
ومنـه الأدب كـان في نشأته ضرباً من
السحر، وكان أداة من أجل السيطرة على نـزوعات العالم الفعلي
[20]، ويبدو أن تصورات معاصرة [21] في الوطن العربي تَهَبُ الأدب الخصائص ذاتها التي تميز بها في النشأة، وإنْ كانت على نحـو آخر، فالفن والأدب في نشأتهما إنـما يمثـلان أداتين تعمدان إلى إخضاع الواقع بفعل أداة سحرية كائنة فيهما، ويسهم الأدب اليوم بشكل أو بآخر من أجل إخضاع الواقع والإسهام في تغييره، وقد تمتزج هاتان النظرتان في تصوري على الأقل ليصبح الفن ومنه الأدب ضرورياً من أجل انْ يفهم الإنسان ذاته وعالمه، ويسعى من أجل تغييره، وهو ضروري أيضاً بسبب السحر الذي يلازمه [22] .

 

( 2 )

                   ويضعنا الحديث عن ماهية الأدب أمام الكم الهائل من التعريفات التي أفرزها الفكر الإنساني، وهي بأسرها تمثل محاولة للاقتراب من طبيعة الأدب، ولم يبخل علينا تراثنا النقدي بتعريفات متعددة للشعر والأدب، وقد تفاوتت بحسب العصور أولاً وبحسب المؤثرات كالمؤثرات الفلسفية التي ألقت ظلالها على النقاد ثانياً، ولسنا في سياق حصر التعريفات كلها، كما أننا لسنا في سياق تحليل أبعادها، غاية ما في الأمر تأكيد تفاوتها في تحديد ماهية موضوع واحد، وانَّ كل واحد منهـا ينظر لهذا الموضوع من زاوية معينة، وقد يلتقي مع أخريات، أو لا يلتقي .

 يقول أبو أحمد الرازي « 322 هـ  » : إنَّ الشعر » الفطنة بالغوامض من الأسباب « وسمي الشاعر شاعراً » لأنه كان يفطن لما لم يفطن له غيره من معاني الكلام وأوزانه وتأليف المعاني وأحكامه وتثقيفه«  ويقول ابن طباطبا العلوي « 322هـ  » : «الشعر أسعدك الله كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم بما خص بـه من النظم الـذي إن عـدل عن جهته مجته الأسماع، وفسد على الذوق « [23]، ويقول قدامة ابن جعفر«326  هـ  » : إنَّ الشعر » قول موزون مقفى يدل على معنى « [24] ويقول علي بن عبد العزيز الجرجاني «392 هـ  » : » إنَّ الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربةُ مادةً له وقوة لكل واحد من أسبابه، فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز « [25] ويقول أبو هلال العسكري« 395 هـ » إنَّ » الشعر كلام منسوج، ولفظ منظوم، وأحسنه ما تلاءم نسجه ولم يسخف، وحسن لفظه ولم يهجن، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام، فيكون جلفاً بغيضاً، ولا السوقي من الألفاظ فيكون مهلهلاً دوناً «[26]،يقول الفـارابي« 399 هـ  » : إنَّ الأقاويل الشعرية » تؤلف من أشياء محاكية للأمر الذي فيه القول «[27] .

           ويقول ابن سينا « 428 هـ  » : إنَّ » الشعر من جملة ما يخيل ويحاكى بأشياء ثلاثة : باللحن الذي يتنغم به ... وبالكلام نفسه إذا كان مخيلاً محاكياً، وبالوزن « [28]، ويقول ابن رشيق القيرواني«456 هـ » : »الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء وهي : اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية، فهذا هو حد الشعر، لأنَّ من الكلام موزوناً مقفى وليس بشعر لعدم القصد والنية، كأشيـاء اتـزنت من القرآن ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم « [29] .

          ويقول حازم القرطاجني « 684 هـ »: » الشعر كلام موزون مقفى، مـن شأنـه أن يحبب إلى النفس ما قصد إليها، ويكره مـا قصد تكريهه«[30] .

           ويقول ابن خلدون«808 هـ  »: إنَّ الشعر هو » الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وما بعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة « [31] .

          ونقتطف مجموعة من التعريفات الأجنبية والعربية المعاصرة : يقول ادجار آلان بو إنَّ الشعر هو » الخلق الموقّع للجمال « [32]، ويطلق كارليل على الشعر عبارة » الفكر الموسيقي « [33]، ويعرفه هيجل بأنه »فن الكلمة، وهو بمثابة حد أوسط، كلية جديدة تجمع بين القطبين المتمثلين بالفنون التشكيلية وبالموسيقى « [34]، ويعــرّفه ونترز بأنــه
» تركيب من الألفاظ حول تجربة إنسانية « [35]، ويعـرّفه رينية ويليك بأنـه » شكل من أشكال المعرفة « [36]، ويعرّف ارشيبالد مكليش الشعر بأنه »لا يصنع من الأفكار، انه مصـنوع مـن الأشياء، أو من كلمات تدل على أشياء«[37].

           ويعرّفه عباس محمود العقاد من خلال حديثه عن الشاعر بقوله : » إنَّ الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصى أشكالها وألوانها، وأنْ ليست مـزية الشاعـر أنْ يقـول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزيـته أن يقـول ما هو وكشف عن لبابه وصلة الحياة به«[38]، ويعرّفه علي أحمد سعيد ) أدونيس ( بأنه » رؤيا، والرؤيا بطبيعتها قفزة خارج المفهومات السائدة، وهي تغيير في نظام الأشياء، وفي نظام النظر اليها«[39] .

          إنَّ كل تعريف من التعريفات السابقة إنما يسلط الأضواء على جانب أو أكثر من جوانب الأدب في مرحلة تاريخية معينة، وفي سياق اجتماعي وفكري معينين، ويمكن القول إنَّ الأدب بوصفه نتاجاً إنسانياً يتأبى على التعريف والتحديد، بفعل أبعاد معقدة تتدخل في تكوينه، منها الواعية وغير الواعية، وبفعل طبيعته الخاصة، وبسبب تجدده وتغيره على مر العصور، لدرجة تصدق مقولة هيجل إنّ َ » لكل عصر شعره[40] « ، ولذا ألفينا كل جيل يتحدث عنه بطريقته الخاصة، ولسنا في سياق وضع تعريف جامع مانع للأدب، لأنَّ هذا مما يستعصي فعله، ولكن من الضرورة بمكان أن نتحدث عن مكونات الأدب وخصائصه، لأنَّ الحديث عن مكونات الشيء تُقرّب المتلقي من إدراك ماهيته .

          ومن أجل أن نتوقف عند الأدب ذاته، وليس عند المؤثرات الفاعلة فيه، فإنَّ الأدب يتميز بأن له وجوداً موضوعياً مادياً مستقلاً عن الوعي الإنساني، فالقصيدة والملحمة والمسرحية والرواية والقصـة القصيرة تتسم كل واحدة منها بـأن لهـا وجوداً موضوعياً قبل أن يبدأ المتلقي بقراءتها . كما أنَّ لها وجوداً مادياً وهو الذي يوصلها إلى المتلقي، وسنطلق على هذين الوجودين الموضوعي المادي » التشكيل اللغوي « مؤثرين هذا المصطلح ومستعيرين دلالته من الفنون التشكيلية، لأننا نرى أنَّ العمل الأدبي عملٌ واعٍ يعمد فيه الأديب إلى تشكيله بكيفية لإحداث أثر ما، إذن فالعمل الفني بعامة والأدبي بخاصة، لا بد أن تكون له » بنية مكانية « تعد بمثابة المظهر الحسي الذي يتجلى على نحـوه الموضـوع الجمـالي، كما أنه لابد له أيضا من » بنية زمانية تعبر عن حركته الباطنية ومدلوله الروحي بوصفه عملاً إنسانيا حياً « [41] .

                إن الوجود الموضوعي للأدب المتمثل بالتشكيل اللغوي ودراسته تقربنا كثيراً من التصنيف الذي أرساه الناقد الألماني« لسنج  »، والذي اعتمد فيه على تصنيف الفنون من خلال الوسائط التي تستخدمهـا هذه الفنـون، فتوزعت الفنـون لـديه إلى مجموعتيـن : » مجموعة الفنون التشكيلية... المعتمدة أساسا على المكان، وأشهر هذه الفنون : العمارة والنحت والتصوير، ومجموعة الفنون الإيقاعية ... المعتمدة أساسا على الزمان « [42] .

          فالفنون المكانية تحتل حيزاً مكانياً في الوجود، ويتمثل الوجود الموضوعي للنحت مثلا بمادة خام هي كتلة الحجر التي مر عليها إزميل النحات فحولها من كتلة صماء إلى موضوع فني له أبعاده الجمالية، ولسنا بصدد التعرض إلى الفوارق الجوهرية بين كتلة الحجر قبل أنْ يمر عليها إزميل النحات وبعده، أي بعد أن تتحول إلى موضوع فني جمالي لأنَّ التحدث عن هذا الموضوع سيدفعنا إلى معالجة عملية » تشكيل « كتلة الحجر وتحويلها إلى تمثال فني، وسنتناول هذا الموضوع في الأدب لأنه مجال بحثنا، غير أنَّ ما أريد تأكيده أنَّ الفنون المكانية، وإنْ كان لها وجود موضوعي مكاني فإنَّ إدراكنا إياها وتذوقنا لخصائصها الفنية يتم من خلال حاسة البصر، فإننا لا نستطيع تذوق هذه الفنون سماعاً، ومن ثم يمكن إدراك الفنون المكانية مرة واحدة، إذ ترى التمثال إجمالا مرة واحدة أو ترى اللوحة الفنية دفعة واحدة، ولذلك فهناك خاصية مشتركة بين الفنون المكانية في كونها تحتل وجوداً موضوعياً مادياً يأخذ حيزاً مكانياً في الوجود، وكان هذا الوجـود الموضوعي مادة خاماً تدخّل فيه الإنسان فحولها إلى موضوع فني، وإنها جميعا النحت والرسم والعمارة يمكن تذوقها بحاسة البصر، بحيث تتجلى كاملة أمام البصر دفعة واحدة.

          ولا يعني هذا أنَّ الطبيعة لا تنطوي على جمال بذاتها، وبخاصة أننا نلتقي بتشكيلات في الحجر والصخور نحتتها الطبيعة تشتمل على أشكال لها جمالها، غير أنَّ هناك فرقاً جوهرياً بين الجمال في الطبيعة والجمال في الفنون التي يبدعها الإنسان، لأنَّ الجمال في الطبيعة لم يحدث بقصد التأثير الفني والجمالي، في حين تمت في الحالة الثانية بقصد التأثير الذي عمد إليه الفنان، ولذا فإنَّ التعبير الفني المقصود هو الذي يميز العمل الفني عن الجمال الذي نلمحه في الطبيعة، وهذا يعني أنَّ إرادة الإنسان وذوقه وأفكاره وخبرته هي التي تنعكس في الفن، وتنطوي على جمال له خصائصه وميزاته .

           أما الفنون الإيقاعية فإنها تعتمد على أساسين هما : الصوت والزمن، فالأصوات هي المادة الخام التي تعتمدها الفنون الإيقاعية، وإن تدخل الإنسان في توزيعها بطريقة معينة يخلع عليها قيمتها الجمالية، ولذلك قيل إنَّ الإيقاع » هو النظام الوزني للأنغام في حركتها المتتالية ... وهو تكرار ضربة أو مجموعة من الضربات بشكل منتظم على نحـو تتوقعه الأذن كلما آن أوانها « [43]، وفي ضوء هذا يجمع الإيقاع بين عنصري الحركة والتنظيم معا بحيث تكون الحركة تعبيراً عن العنصر المادي أو الحيوي في الإيقاع والتنظيم تعبيراً عن عنصره الذهني والروحي «[44]، فالموسيقى أصوات متعاقبة بكيفية معينة وتحدث في زمان محدد، ولذا فهى فن زماني بخلاف الرسم وتقتضي وقتاً كي يتم تذوقها،لأنَّ الضربات الإيقاعية المتتالية إنما تحدث في زمان محدد، وتكون الأذن الحاسة التي يستخدمها الإنسان في تذوق الموسيقى .

          فالفنون الإيقاعية إنما تتسم بخاصية مشتركة في كونها تعتمد الضربات الإيقاعية المنتظمة بطريقة وبكيفية معينة، ويحدثها الإنسان قاصداً التأثير الجمالي بالمتلقي، وهي لا يتم حدوثها إلا في إطار زماني، وتكون الأذن الحاسة التي توصل تأثير هذه الفنون، ويتم من خلالها تذوقها، وحين نصنف الأدب بحسب أداته، وهي الوسيط المادي، فإننا سنضعه مع الفنون ذات الطابع الإيقاعي الزماني، لأن مادة الأدب الخام هي اللغة، واللغة تتسم بخاصيتها الزمانية، وهي، في تراثنا اللغوي، لدى ابن جني مثلا » أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم « [45]، إذ يحدد للغة طبيعتها الرمزية المعتمدة على الأصـوات اللغـوية ويمثـل هذا البعد المـادي للغة، وينطوي في الوقت نفسه على الدلالات والمعاني وتكون وظيفة اللغة توصيل الأفكار بين الإنسان والآخرين، وبهذا يلمح ابن جني إلى الطبيعة الاجتماعية للغة . ويعرفها فردينان دي سوسير بأنها » نظام إشارات
تعبر عن الأفكار
« [46]، فهي جزء من نظام أشمل يطلق عليه السيمولوجيا، وتنطوي على نظـام يتحكم في تحديد الإشارات، أو يتحكم في الوحدات الصوتية لتدل على
 دلالة معينة
.

                 وسواء أخذنا بتعريف ابن جني، أو بتعريف دي سوسير فإن اللغة ذات طابع زماني، فلو توقفنا عند بيتي المتنبي :

وَقَفتَ ومَا في المَوْتِ شَكٌّ لِوَاقفٍ

كأنك في جـَفْـنِ الـرَّدى وهو نَائِمُ
 

تَمرُّ بِكَ الأبطالُ كَـلْـمَـى هَزيمـةً

وَوَجْـهُك وضَّاحٌ وَثَغـرُك بَاسِـــمُ

نلتقي بأصوات متعاقبة منتظمة بكيفية معينة، وتنطوي في الوقت نفسه على دلالات اتفق الناس عليها، وهذه الأصوات تتألف في زمان، وتدركها الأذن، أو على وجه أدق يتم إدراكها عبر حاسة الأذن، ومن هنا يصح القول » إنَّ اللغة حقاً أداة زمانية لأنها لا تعدو أنْ تكون مجموعة من الأصوات المقطعة إلى مقاطع تمثل تتابعاً زمنياً لحركات وسكنات في نظام اصطلح الناس على أن يجعلوا له دلالات بذاتها . وبهذا المعنى تكون اللغة الدالة تشكيلاً معيناً لمجموعة من المقاطع أو الحركات أو السكنات خلال الزمن أو هي في الحقيقة تشكيل للزمن نفسه تشكيلاً يجعل له دلالة معينة، تماماً، كما أنً الرسم تشكيل للألوان في المكان له دلالة « [47] .

                 وعلى الرغم من أنَّ هذه الأصوات والمقاطع التي تابعناها في بيتي المتنبي إنما يتم تأليفها في زمان معين فإنها في الوقت ذاته تنطوي على خصائص مكانية، يتم تمثلهـا عبـر التخيـل، فالمخيلة تتخيل من خلال تتابع هذه المقاطع الصورة التي رسمها المتنبي لسيف الدولة، ومن هنا يتداخل بعدا الزمان والمكان في اللغة، فاللغة من هذه الناحية
» تشكيل صوتي له دلالة مكانية، والشاعر حينما يستخدم اللغة أداة للتعبير إنما يقوم بعملية تشكيل مزدوجة في وقت واحد، إنه يشكل من الزمان والمكان معاً بنية ذات دلالة فإذا كانت الموسيقى تتمثل فـي التأليف بين الأصـوات في « الزمان » والتصوير يتمثل في التأليف في« المكان » فإنَّ الشاعر يجمع الخاصتين مندمجتين غير منفصلتين، فهو يشكل المكان في تشكيله الزمان، أو انْ شئت العكس، فهذه هي طبيعة اللغة التي يستخدمها أداة للتعبير « [48] .

                 وإذا كانت اللغة مادة الأديب، وإذا كانت كتلة الحجر مادة النحات، فإنَّ هناك فرقاً بين اللغة والحجر يشير اليه رينيه ويليك في أن » اللغة ليست مجرد مادة هامدة كالحجر، وإنما هي ذاتها من إبداع الإنسان، ولذلك فهي مشحونة بالتراث الثقافي لكل مجموعة لغوية « [49]، هي من هذه الناحية لا تتسم بمرونة الحجر لأنَّ كل كلمة تحمل معناها لقرون طويلة، حتى لم يعد بالإمكان استعماله في قصيدة دون أن يوحي بذلك المعنى المعين[50] وبالإضافة إلى ما سبق لابد من الإشارة إلى أنَّ الكلمات إنما هي أدوات يشير بها الإنسان إلى الأشياء، وانه ليست هناك علاقة مباشرة بين الدال بوصفه رمزاً، والشيء الكائن في الخارج الذي عبر عنه، وهذا ما أشار إليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني في أثناء حديثه عن نظم الحروف، وهي تعني لديه » تواليها في النطق « ، ثم أكد اعتباطية العلاقة بين الدلالة من ناحية، وتوالي الحروف في النطق من ناحية ثانية » فلو أن واضـع اللغة كان قد قال » ربض « مكان ضرب لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد « [51] .

                 إنَّ الكلمة لا تحمل دلالة ثابتة على نحو مطلق إجمالا وحتى في الدلالة المعجمية التي يبدو ظاهرها الثبات والاستقرار فإنها تنبئ عن معانٍ عديدة منتزعة من سياقات مختلفة كما أنَّ قيمة الكلمة وتأثيرها ودلالتها الدقيقة لا يتحدد إلا في ضوء وضع الكلمة في سياق ما، وفي ضوء تجاورها مع كلمات أخرى، لدرجة أنَّ » تعبيرين في لغـة واحدة ينقلان خبـراً واحداً فانهما دون شك يختلفان في تركيبهما اللغوي، ومن ثم يختلفان من حيث الأسلوب[52]«، ولذلك ألفينا من يؤكد » أنَّ تأثير الكلمة الواحدة يتفاوت حسب الكلمات التي تـرد هذه الكلمة بينهـا، فالكلمة التي يلتبس معناها وهي بمفـردها يتحدد معناها حينما تـرد في سياق ملائم، وهـذه هي الحال دائما، فتأثير أي عنصـر واحـد يعتمد على العناصـر الأخـرى التي تـوجد معه « [53] .

                 إذن فالقيمة الدلالية والجمالية قرينة تأليف الوحدات الصوتية بعضها بجوار بعض ولذلك فإنَّ الوحدات الصوتية للكلمة تفتقر للدلالة في حالة استقلالها وانفرادها، ويلتقي الدرس الأدبي مع الدرس اللغوي في العناية بالجانب الرمزي من تأليف الوحـدات الصـوتية، ومـن الجلي أن العلاقة بين الدال والمدلول بوصفهما وجهي العلاقة الرمزية بين تأليف الوحدات الصوتية وما تنطوي عليه من معان علاقة تلاحم عضوي، لأنه إذا أزيل أحدهما انتفى وجود الآخر، ولذا شبه دي سوسير العلاقة بينهما » بورقة يكون الفكر وجهها الأول والصوت وجهها الآخر، ولا نستطيع فصل أحد الوجهين من دون الآخر في آن « [54] .

                 إنَّ هذه الإمكانات التي تحتويها الألفاظ لا تتجلى تأثيراتها في الكلام العادي الذي يستخدمه الناس في مخاطباتهم، كما لا تتجلى آثـارها ومـلامحها في الكـلام ذي الطـابع العلمي، بشكل واضـح، وإنما تتجلى هذه الملامح بدرجات متفاوتة في ميدان الإبداع الأدبي بعامة والشعري بخاصة .

                ونحن لا نعلم في الحقيقة تفاصيل العمليات التي تسبق ولادة القصيدة، بوصفهـا تشكيـلاً لغـوياً، وإن كنا نـدرك إجمالا أنها خليط من مكونات واعية وغير واعية وتلتقي فيها خبرة الإنسان، وثقافته، وانفعاله، وخواطره، وأحلامه، ويضعنا هذا من ثم في مجال خصوصية الأديب وفرديته، وهي خصوصية تتعامل بكيفية معينة مع الألفاظ اللغوية، وعندها لا تحدد قيمة الشاعر فيما يرى ريتشاردز كمية الألفاظ التي في متناوله
» وإنما الذي يحدد مكانته الطريقة التي يستخدم بها هذه الألفاظ على تعديل بعضها البعض وتجميع تأثيراتها المنفصلة في العقل واتخاذها موضعها المناسب في الاستجابة ككل « [55] .

                 ونخلص من هذا كله إلى أنَّ طبيعة الأدب لا تحددها المكونات الخارجية، وإنما هي منحصرة في الوجود المـوضـوعي المـادي للأدب، أي في التشكيل اللغوي للنص الأدبي، ويخضع هذا التشكيل لخصوصية الأديب وفرديته، ويتلّون في ضوء تجربته الانفعالية، ومدى تأثره بالواقع الذي يعيش فيه .

 

 

الفصل الأول

قضايا الشعر الجاهلي

 

الجاهليـــة

                 تُثير كلمة » الجاهلية « قضايا عديدة، فهي في الحقيقة مصطلح مستحدث أطلقه الإسلام على المرحلة السابقة للبعثة النبوية، فهو من هذه الناحية تكتنفه الدلالة الدينية، مما دفع بعض الباحثين إلى القول : إنَّ مصطلح الجاهلية » مصطلح ديني له غاية محددة حين ظهر الإسلام ، هي حث العرب على التخلص من كل نقيصة كانت لهم في عهد ما قبل الإسلام، بل تنفيرهم من ذلك وترغيبهم فيما جاء به الإسلام من خلق سوي أراده الله تعالى لهم « [56]، ويعمد باحث آخر إلى النأي عن استخدام مصطلح »الجاهلية « لأنه في تصوره مصطلح مضلل، ويؤثر استبداله بمصطلح آخر هو » مرحلة ما قبل الإسلام « لأنه يرى أنَّ مصطلح الجاهلية » قد ارتبط بفكرة سائدة وغير حقيقية ترى في هذه الفترة من حياة العرب إظلاماً تاماً في كل نواحي الحياة، فهي من الجهل والجهالة العمياء، وكثيراً ما يؤكد هذا المعنى في قولهم » جاهلية جهلاء وضلالة عمياء « على حين انه كان للعرب حضارتهم المتطورة قبل الإسلام بزمن طويل، فالتسمية بالجاهلية تسمية دينية قصد منها التنفير من هذا العهد وآثاره، وليست تسمية علمية« [57] .

                 وتشتمل كلمة » الجاهلية « على دلالات متعددة، فهي مرة تدل على » الجهل الذي هو ضد العلم، ومن الجهل بالقراءة والكتابة، ولهذا ترجمت اللفظة في الإنكليزية The Time Of Ignorance وفهمها آخرون أنها من الجهل بالله وبرسوله وبشرائع الدين وباتباع الوثنية والتعبد لغير الله، وذهب آخرون إلى أنها من المفاخرة بالأنساب والتباهي بالأحساب والكبر والتجبر « [58] .

                 والجهل كما يرد في لسان العرب » نقيض العلم ...الجهالة أنَّ تفعل فعلاً بغير العلم... والمعروف في كلام العرب جهلت الشيء إذا لم تعرفه، غير أنَّ هذه الكلمة تتضمن دلالات أخرى، فهي قد تدل على » نقيض العلم « أو قد تدل على» الجهل الذي هو ضد الخبرة، يقال هو يجهل ذلك أي لا يعرفه « [59]، وقد أكـد ابن منظور أنَّ الجاهلية » زمن الفترة ولا إسلام ... وهي الحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله سبحانه ورسـوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك« [60] .

                 وقد توقف المستشرقون عند كلمة الجاهلية، فالمستشرق جولد تسيهر يرى أنَّ الشواهد التي وردت في القرآن الكريم لكلمتي » جاهل « و» جاهلية « » قلما تسمح للمرء بأنْ يحدد معنى الكلمتين تحديداً دقيقاً، على أنَّ الجاهل في شعور المسلمين والمفسرين هو ضد العالم، والجاهلية هي ضد الإسلام، وإذ لم يؤخذ بمعنى التسليم لله بل بمعنى معرفة الله « [61]، وهو يرى أنَّ كلمة » الجاهلية « تعني » عصر الجهل خلافاً للعصر اللاحق وهو عصر العلم « [62]، ويميل رجيس بلاشير إلى أنَّ »كلمة الجاهلية تضم جميع مظاهر العنف والوحشية والتعسف والزهو والتبجح التي حدَّ الإسلام منها، أو قضى عليها بغية إيجاد فضائل أكثر اتزانا وإنسانية «[63]، ويرى المستشرق هيوارث » أن ليس الغرض من الجاهلية النسبة إلى الجهالة المناقضة للعلم والمعرفة، وإنما الغرض منها السفاهة التي كانت مؤدية إلى الهمجية وانتشار الضلالة، وعبادة الأوثان والإسراف في القتل واستباحة الزنا والخمر وانتهاء هذا كله بتأريث العداوة وقيام الحروب وتفرق القبائل « [64].

                 وقد آثر عدد من الدارسين العرب معنى مماثلاً لهذا، إذ يرى جواد علي أنَّ
» الجاهلية من السفه والحمق والأنفة والخفة والغضب وعـدم الانقياد لحكم وشـريعة وإرادة إلهية وما إلى ذلك من حالات انتقصها الإسلام «[65]، ويرى شوقي ضيف أنَّ
» كلمة الجاهلية التي أطلقت على هذا العصر ليست مشتقة من الجهل الذي هو ضد العلم ونقيضه، وإنما هي مشتقة من الجهل بمعنى السفه والغضب والنـزق، فهي تقابل كلمة الإسلام التي تدل على الخضوع والطاعة لله جل وعز، وما ينطوي فيها من سلوك خلقي كريم «[66] .

                 ويؤكد هذا المعنى عدد من المفسرين من قدامى ومحدثين، فالطبري في أثناء تفسيره لكلمة الجاهلية يرى أنها تدل على أهل الشرك يقول : » وأمـا قـوله » ظن الجاهلية« فإنه يعني أهل الشرك « [67]، ويـؤكـد هذا محمد الطاهر بن عاشـور، فالجاهلية هي » المدة التي كان عليها العرب قبل الإسلام ... والجاهلية نسبة إلى الجاهل، لأنَّ الناس الـذين عاشـوا فيها كانوا جاهلين بالله وبالشرائع « ويؤكد في موطن آخر المعنى ذاته يقول : إنَّ الجاهلية » نسبة إلى الجاهل الذي لا يعلم الدين والتوحيد، فإنَّ العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحلم، قال ابن الرومي  :

بِجَهلٍ كَجهلِ السَّيفِ والسَّيفُ مُنْتضٍ

وحلم كَحلمِ السَّيفِ والسَّيفُ مُغمدُ

وأطلقت لفظة الجهل على عدم العلم، قال السموأل :

      فَليسَ سَواء عَالِمٌ وَجَهولُ
وقال النابغة
:

      وَلَيسَ جَاهل شيءٍ مثل مَنْ عَلِما

وأحسب أنَّ لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن وصف به أهل الشرك تنفيراً من الجهل وترغيـبا في العلم، ولـذلك يذكره القرآن في مقامات الذم « [68].

                 إنَّ هذه الدلالات المتعددة لكلمة » الجاهلية « قد أربكت بعض الدارسين ودفعتهم إلى المقـارنة بين هـذه الدلالات وحال العرب قبل الإسلام، وأخذوا يترددون بين استخدام هذا المصطلح الذي يبدو عندهم مضللاً، أو استخدام مصطلح آخر أقل لمعاناً وبريقاً وهو مصطلح » مرحلة ما قبل الإسلام « .

                 إنَّ مصطلح » مرحلة ما قبل الإسلام « الذي آثره بعض الباحثين، على الرغم من دعاوى التبرير التي يعرضـونها فإنه لا يُعنـى إلا بتحديد البعد الزماني لمرحلتين إحداهما سـابقة للإسلام وأخرى لاحقة للبعثة النبوية، ويعضد أصحاب هذا الرأي موقفهم في أنَّ مصطلح الجاهلية مصطلح مضلل، ويصل وصفه إلى درجة المبالغة في أنه يرى في » هـذه الفترة من حـياة العرب إظلاماً تـاماً في كل نواحي الحياة « [69]، ويتساءل باحث آخر في قوله : » إذا صح أن نطلق على هذا العصر لفظ الجاهلية من وجهة نظر دينية فهل يصح أن نعممه من وجهة نظر علمية«[70]، ويـؤكد أنه لا يستطيع أن ينفي عن هذا العصر» صفات السفه والحمق والأنفة والاستجابـة السـريعة للغضب وعـدم الانقياد والتعصب القبلي والتسلط والتجبر والكبر عن مجتمع هذا العصر، لأنَّ أدبه قد جاء معبراً عنها ومؤكداً لها « [71]، ولكنه يرى » أنَّ مصطلح الجاهلية قد لا يصلح من وجهة نظر علمية أنْ نطلقه على ما صدر عن هذا العصر من معارف وآداب « [72]، ومع هذا فإنَّ الباحث استخدم مصطلح الجاهلية في ثنايا كتابه على الرغم من عدم توافقه من وجهة علمية ،وذلك لإيمانه بعدم » جدوى تغييره بعـد أنْ أصبـح شائعاً على ألسنة المشتغلين بالأدب وفي بطون كتب السلف والخلف « [73] .

                 إنَّ استخدام مصطلح مرحلة ما قبل الإسلام إنما يؤكد الفاصل الزماني بين مرحلتين، ولا يتضمن دلالة أخرى، في حين يتميز عليه مصطلح الجاهلية، فضلاً عن شيوعه واستقراره وثباته وبريقه في أنه يشتمل على التحـديد الـزماني الذي يتضمنه مصطلح » مرحلة ما قبل الإسلام « من ناحية، ويؤكد أنَّ المرحلة السابقة للإسلام
 »الجاهلية « تمثل طوراً حضارياً متغايراً عن الطور الحضاري الإسلامي من ناحية أخرى .

                 ولا يعني هذا أنَّ الطور الحضاري السابق للإسلام لا علم فيه ولا حضارة، وهو ليس إظلاماً تاماً، وإنما هو طور حضاري له خصائصه وسماته وميزاته، وهو يختلف عن طور حضاري آخر أكثر منه رقياً وتقدماً، ولهذا أؤثر استخدام مصطلح » الجاهلية « على مصطلح »مرحلة ما قبل الإسلام « للأسباب التي ذكرتها .

 

 

الكتابة عند العرب

 

          عرف العرب الكتابة في الجاهلية على نحـو نـادر في البـادية وموجود في الحاضرة، ومما يدل على معرفة العرب لها ورودها في بعض قصائد الشعراء الجاهليين، فلقد وردت الكتابة ونقوشها في سياق تشبيه الأطلال ورسوم الديار، ومن ذلك قول المرقش الأكبر : [74] 

 

 هَلْ بالديارِ أنْ تُجيبَ صَمَـمْ
 

لو كانَ رَسْـمٌ ناطقاً كَلَّـمْ

الدارُ قَفْرٌ والرسُـومُ كَمَا

رَقَّشَ في ظَهرِ الأديمِ قَلمْ[75]

ويقول امرؤ القيس :

 

قِفَا نَبكِ مِنْ ذِكرى حَبَيبٍ وَعِرفانِ

وَرَسْمٍ عَفَتْ آياتُهُ مُنذُ أَزمانِ [76]

 أَتَتْ حِجَجٌ بَعدِى عليها فأصبَحتْ
 

كَخَطِ زَبُورٍ في مَصاحفِ رُهبَانِ[77]
 

ويقول سلامة بن جندل :[78] 

 

لِمَنْ طَلَلٌ مثلُ الكِتابِ المُنَمَّقِ
 

خَلا عَهدُهُ بَينَ الصُليبِ فِمُطرِقِ [79]

ويقول لبيد بن ربيعة العامري :

 

عَفَتِ الدِّيارُ مَحَلّهَا فَمُقامُهَا

بِمِنىً تَأَبـَّـــدَ غَــوْلُها فَـِرجَـامُها [80]
 

فَمَدافِعُ الرّيَّانِ عُرِّيَ رَسمُهَا
 

خَلَقـاً كَمَـا ضَمِـنَ الــوحِيُ سِلامُـهَا[81]

 وَجَلا السّيُولُ عَنِ الطّلولِ كأَنّها

زُبُـــرٌ تُجِــدُّ مُتـُـونَها أَقــلامُها [82]
 

          إنَّ هذه الأبيات الشعرية تدل على أنَّ الكتابة كانت معروفة في الجاهلية، وأنَّ الشعراء كانوا يشبهون بها الأطلال بخاصة، ولا يعني هذا أنَّ الشعراء كلهم كانوا
» يتقنون الكتابة، كما أنها لا تدل على أنهم »كانوا يعتمدون على الكتابة في نظم الشعر وروايته، وإنما تدل فقط على أنَّ رسوم الكتابة وصورها والزخارف التي تصنع منها كانت معروفة لبعضهم على نحو من الأنحاء، وأنهم لم يكونوا يرون فيها سوى زخارف أو نقوش مزينة ورموز غامضة لا يتبينها المرء إلا بصعوبة وبعد جهد جهيد« [83]، كما أنَّ اقترانها بتشبيه الطلل يدفع إلى القول بأنها كانت شكلاً من التعبير المألوف الذي تحول إلى تقليـد يعمد الشعـراء إلى تكراره وإعادته .

           ولم تكن الكتابة قد وردت في شعر الشعراء فحسب، بل انَّ هناك أخباراً تؤكد استخدام العرب لها في كتابة العهود والمواثيق، وليس أدل على ذلك من صحيفة قريش التي قاطعت فيها بنى هاشم وعلقوها في جوف الكعبة، يقول ابن هشام » فلما رأت قريش أنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نـزلوا بلداً أصابوا منه أمناً وقراراً... وجعل الأسلوب يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم أنْ يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى المطلب على أن لا ينكحـوا إليهم ولا ينكحـوهم ولا يبييعـوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ثم تعاهدوا وتوافقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم « [84] .

                 ويبدو أنَّ الكتابة قد استخدمت في تدوين بعض آثار الشعراء الأدبية، ولكنه استخدام لم يرقَ إلى درجة الشيوع والكثرة، بحيث يصدق أنْ نقول إنه الطريقة المثلى في انتقال الشعر الجاهلي إلى الأجيال اللاحقة، على الرغم من أنَّ هناك من يميل إلى هذا الرأي[85]، إذ يذهب الدكتور ناصر الدين الأسد إلى ترجيح استخدام الكتابة في تقييد بعض الشعر في المرحلة الجاهلية، ويعضد وجهة نظره مرةً بأنَّ الشعـر الجاهلي حافـل «بذكر الكتابة وصورها، والإشارة إلى أدواتها، وتشبيه الأطلال والرسوم ببقايا الخطوط على الرق أو المهارق أوسائر أنواع الصحف، مما يدل على أنَّ هؤلاء الشعراء الجاهليين كانوا على علم دقيق بأنواع الكتابة والحروف «[86] ويستدل مرة أخرى بأن القبائل العربية كانت تقيد عهودها ومواثيقها » أفليس من الطبيعي إذن أنْ يقيد شعر شعرائها الذين يدافعون عن حياضها، ويذودون به عن أمجادها، ويسجلون به وقائعها وأيامها، ويعددون فيه انتصاراتها ومآثرها « [87] .

                 إنَّ أحكام الدكتور ناصر الدين الأسد بعد عرضه لأدلته العقلية والنصية تدل على التقليل من شأن تقييد الشعر الجاهلي وتدوينه، فهو يقول: » وبعد أن استوفينا هذه الأدلة العقلية التي استنتجنا أنَّ بعض شعراء الجاهلية ربما استخدموا الكتابة في تقييد بعض شعرهم، انتقلنا إلى ذكر الأدلة الصريحة المباشرة، فأوردنا مـا يـزيد على عشـرين نصاً وروايةً، لممنا نثارها، وجمعنا متفرقها، ونظمناها في سلك واحد لنرى أنها واضحة صريحة في أنَّ بعض الشعر الجاهلي كان يقيد، سواء أكان الشعراء الجاهليون أنفسهم يقيدونه بخط أيديهم، أم كانوا يستكتبون غيرهم لتقييد شعرهم «[88] .

          وترد روايات تفيد أنَّ الجاهليين كانوا يدونون أشعارهم، إذ ينقل السيوطى في المزهر » عن حمّاد الراوية قال إنَّ النعمان بن المنذر أمر فنسخت له أشعار العرب في الطنوج أي الكراريس، ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد الثقفي، قيل له إنَّ تحت القصر كنـزاً، فاحتفره، فأخرج الأشعار، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة «[89] .

                 إنَّ هذه الرواية لا يؤكدها دليل، ولعل واضعها كان يريد تأكيد أهمية مدرسة الكوفة في نشر الشعر الجاهلي وإشاعته، وقد فطن إلى هذا رجيس بلاشير بقوله » ولعل هذا الخبر موضوع لتفضيل الكوفيين على البصريين في الخلافات التي نشبت بين البلدين فقسمت الناس إلى معسكرين متناظرين «[90] ويذهب الدكتـور جـواد علي إلى نفي هذا الخبر لأنه » لا يعقل ... تصور انفراد حمّاد وحده بمعرفة أمر ديوان النعمان بن المنذر دون سائر الرواة وعشاق الشعر وفيهم من كان لا يقل حرصاً ولا تتبعاً له عن حمّاد... ولـو كـان عنـد آل مـروان ذلك الديـوان حقاً، لافتخروا بوجوده لديهم، ولعرضوه على الناس، ولأخذوا منه شعر القديم، ولما استعانوا بالرواة من حمّاد وأمثاله ليرووا لهم الشعر الجاهلي وليجمعوا لهم ذلك الشعر «[91] .

                 وقد ورد أنَّ العرب قد علقوا بعض قصائدهم بين أستار الكعبة، وقد أذاع هذا الخبر ابن عبد ربه، حيث يقول » كان الشعر ديوان العرب خاصة، والمنظوم من كلامها، والمقيد لأيامها، والشاهد على أحكامها، حتى لقد بلغ من كلف العرب به وتفضيله له أنْ عمدت إلى سبع قصائد تخيرت من الشعر القديم . فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها بين أستار الكعبة، فمنه يقال مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير«[92] وهى سبع قصائد، اضافة إلى معلقتي امرئ القيس وزهير بن أبى سلمى . يذكر ابن عبد ربه : معلقة طرفة بن العبد، وعنترة بن شداد، وعمرو بن كلثوم، ولبيد بن ربيعة والحارث بن حلزة اليشكرى .

           وقد أكد ابن خلدون خبر تعليق المعلقات بأركان البيت الحرام مشيراً إلى أنه
» كان يتوصل إلى تعليق الشعر من كان له قدرة على ذلك بقومه وعصبيته ومكانه من مضر «[93]، وذكر أصحاب المعلقات :امرأ القيس، والنابغة الذبيانى، وعنترة بن شداد وطرفة بن العبـد، وعلقمة بـن عبدة، والأعشى، وقال ابن رشيق القيـروانى» وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك لأنها اختيرت من سائـر الشعـر فكتبت في القباطـي بماء الذهب وعلقت علـى الكعبة «[94] .

                 ويقول البغدادى » إنَّ العرب كانت فى الجاهلية يقول الرجل منهم الشعر في أقصى الأرض فلا يعبأ به، ولا ينشده أحد حتى يأتي مكة في موسم الحج، فيعرضه على أندية قريش، فإنْ استحسنوه روي وكان فخرا لقائله، وعُلق على ركن من أركان الكعبة حتى ينظر إليه، وإن لم يستحسنوه طـرح ولم يعبأ بـه، وأول من علق شعره في الكعبة : امرؤ القيس، وبعده علقت الشعراء وعدد من علق شعره سبعة :ثانيهم طرفة بن العبد، ثالثهم زهير، رابعهم لبيد بن ربيعة، خامسهم عنترة، سادسهم الحارث بن حلزة، سابعهم عمرو بن كلثوم، هذا هو المشهور [95] «.

          وإذا كان القدامى قد ورد عنهم خبر تعليق بعض القصائد على أستار الكعبة
فإنَّ هناك من القدامى وهو ابن النحاس، وهو عالم معاصر لابن عبد ربه، ينفى أنْ تكون المعلقات قد علقت على أستار الكعبة، بل يؤكد أنَّ حمّاداً هو الذي جمعها، ويقول ابن النحـاس
»وأما قـول من قـال إنها علقت في الكعبة فلا يعـرفه أحد من الرواة وأصح ما قيل في هذا : إنَّ حماداً الراوية لما رأى زهد الناس في حفظ الشعر جمع هذه السبع وحضهم عليها، وقال لهم هذه المشهورات فسميت القصائد المشهورة لهذا «[96] .

                 وقد توقف المستشرقون عند تعليق المعلقات على أستار الكعبة، إذ يرى
» نولدكه « أنَّ المؤرخين العرب قد استعملوا كلمة علق بمعنى عقد أي سمط عنوانا لكتبهم، وهذا ما جرى للمعلقات التي سميت بالسموط [97]، ويرجح ليال » أنَّ المعلقات مشتقة من العلق، وهو ما يضن به من الأشياء والحلي والثياب «[98]، ويعتقد فون كريمر «أنها مشتقة من علق، أي كتب، لأنَّ هذه القصائد ظلت تنتقل عن طريق الرواية الشفوية ثم انتهى بها الأمر إلى التدوين، وهو تعليل يرد عليه أنَّ استعمال الفعل علق بمعنى »دوّن« متأخـر وكان مقصوراً في استعمال العصور الوسطى على أوساط النساخ«[99].

                 ويذهب من العرب المعاصرين الدكتور شوقي ضيف إلى تأكيد نفي أسطورة تعليق المعلقات في الكعبة، وهو بهذا يتابع آراء المستشرق ليال في تصوره هذا، ويؤكد لو أنَّ الباحثين تنبهوا إلى المعنى المراد بكلمة المعلقات ما لجأوا إلى هذا الخيال البعيد، ومعناها المقلدات والمسمطات، وكانوا يسمون قصائدهم الطويلة الجيدة بهذين الاسمين وما يشبههما«[100] ويؤكد في مكان آخر أنَّ هذه القصائد » لم تعلق بالكعبة كما زعم بعض المتأخرين، وإنما سميت بذلك لنفاستها أخذاً من كلمة العلق بمعنى النفيس « [101] .

          ويظن الزبيدي»  أنَّ فكرة التعليق هذه نشأت عن تفسير كلمة » السموط « التي عرفت لها عند بعض الرواة الأوائل، وتعني » القلائد المعلقة « أو » المعلقات « إطلاقا وقد نسي بمرور الزمن معنى الكلمة الأصلي، وأصبحت كلمة » المعلقات « هي اللفظ الشائع، فدعا ذلك القصاص إلى ابتداع فكرة تعليقها على الكعبة في محاولة لتفسير اللفظ الجديد، فصادف ذلك قبولاً بين عامة الناس أو أوساطهم[102]، أما ناصر الدين الأسد فقد بقي متردداً بين النفي والإثبات ولذلك فهو يقول إننا » لا نملك وسيلة قاطعة للإثبات
أو النفي، ولا نحب أن نعتسف الطريق ونقتحم كما يقتحم غيرنا وكل ما نستطيع أنْ نقوله إنَّ الاعتراض
الذي قدمه القدماء كاعتراض ابن النحاس، والذي قدمه المحدثون لا يثبت ـ في رأينا ـ للتحقيق والتمحيص، فإذا ما استطعنا أن ننفي هذا الاعتراض بقي القول الأول بكتابة المعلقات وتعليقها ـ سواء في الكعبة أو خزانة الملك أو السيد ـ قولاً قائماً ترجيحاً لا يقيناً. إلى أنْ يتاح له اعتراض جديد ينفيه، أو سند جديد يؤيده ويثبته«[103] .

                 ويرى الطاهر مكي » أنَّ هذه القصائد المختارة قد أخذت أكثر من اسم حسب العصور أو الشراح، فهي » المعلقات « أو »القصائد السبع « أو » السبع الطوال الجاهليات « أو » القصائد العشر« ومن بين كل هذه المسميات فإنَّ اسم » المعلقات « هو الذي أثار كثيراً من الجدل والخلاف وصيغت حوله قصة لا تزال موضع الشك بين العلماء والباحثين« [104] .

          ونخلص من هذا كله أنَّ هناك جدلاً حول تسمية المعلقات وخبر تعليقها، وأميل إلى أنَّ هذه القصائد لم تعلق على أستار الكعبة، لأن خبر تعليقها قد ورد أول مرة عند ابن عبد ربه الأندلسي، ومن ثم تردد أكثر لدى باحثين مغاربة مثل ابن رشيق وابن خلدون ولذلك ألفينا من يعد كتابة القصائد بماء الذهب إنما هي تفاويه أندلسية «اخترعوها لتفسير تسمية غامضة لا يعرفونها » بدل أن يقولوا » الله أعلم« وكان الأندلسيون بحكم موقع بلادهم، في بعدها عن الشرق، وطبيعتها، وتعدد مناخها، وتنوع جوائحها من سيول وأمطار، ورعود وفيضان، يميلون إلى الغرائب والعجائب، ويؤخذون بها، ويبالغون في روايتها، حتى لو تجاوزت الممكن وتجافت الواقع «[105] .

          ومن الجدير بالذكر أنَّ عالماً معاصراً لابن عبد ربه وهو ابن النحاس قد نفى أمر تعليقها على أستار الكعبة » ولعل أهم ما يقدح في خبر تعليق هذه القصائد على جدران الكعبة خلو مصادر القرون الأربعة الأولى بعد الإسلام منه وظهوره متأخرا في المصادر التالية، هذا فضلا عن خلو أخبار فتح مكة من أخبار هذه القصائد، إذ لـو كانت معلقة على جدران الكعبة ابان الفتح لورد ذكرها « [106] ويضــاف لهذا أنّ َ» اختلاف رواة الشعر في ضبط أبيات تلك المعلقات، دليل في حد ذاته على عدم صحة التعليق، إذ لو كانت تلك القصائد معلقة ومشهورة، وكانت مكتوبة لما وقع علماء الشعر في هذا الاختلاف «[107] يضاف إلى ذلك أنَّ بعض هذه القصائد ـ وبخاصة قصيدة امرئ القيس ـ كانت تشتمل على فاحش الكلام، مما لا يليق بالعرب أن يعلقوا هذه القصيدة في مكان يقدسونه ويحجون إليه . كما أنه من المؤكد أنَّ حماداً الراوية هو أول من جمعها، فكيف يصح أن تكون معلقة على أستار الكعبة، وقد عمد حماد إلى جمعها وإذاعتها بين الناس .

                 إنَّ ما سبق ذكره لا يعني أنَّ العرب لم يدونوا إطلاقا بعض أبيات شعرائهم، لكن هذه الطريقة لم تكن المثلى في انتقال الشعر الجاهلي، وذلك لعدة أسباب :[108] 

    صعوبة استخدام أدوات الكتابة، إذ كان العرب يستخدمون الجلود والعظام وجريد النخل .

    إنَّ القرآن الكريم، وهـو كتـاب المسلمين المقـدس، لم يجمـع في مصحف واحـد إلا بعـد وفاة الرسـول، كمـا أنَّ الحـديث النبوي بقي معتمداً فـي أغلبه على الرواية إلى مرحلة لاحقة.

    ليس هناك أي دليل مادي قاطع يؤكد أنَّ العرب قد كتبوا قصائدهم، وانتقلت إلى الأجيال اللاحقة، وأنَّ » ما يذكر من أخبار عن كتابة بعض شعـرائهم لمقطوعات لهم ان صح، فانـه لا يدل على أنهم فكـروا فعـلاً في تدوين أشعارهم إنما هي قطع تكتب على رحل أو حجر أو جلد لأبناء القبيلة أو بعض أفرادها بحادث «[109].

          ومثل هذا ما يذهب إليه بلاشير على الرغم من أنه يؤكد » أنَّ بعض الرواة في بعض المراكز الحضرية قد دونوا كتابة بعض القصائد الجاهلية، ولكن ذلك يعوزه الدليل حتى لو سلمنا بصحة وقوع ذلك فإن التدوين لم يشمل إلا جزءاً من آثار الشعراء الحضريين أمـا البقية فقد سارت في الصحراء عن طريق الـرواية الشفوية . وخلاصة القول فإنَّ الرواية الشفوية وحدها تـؤلف الطـريقة الأساسية لنشر » الآثار الشعرية« منذ اللحظة التي قـذف فيها الشـاعر وراويـته تلك الآثار في خـضـم الجماهير«[110].

                 ويذهب عبد المنعم الزبيدي إلى أنَّ » ما يؤكد أنَّ نظم الشعر وروايته قبل الإسلام كانا قد قاما على المشافهة دون الكتابة هو أنَّ الخطوط التي عرفها العرب آنذاك لم تكن تصلح لتدوين الشعر، وبخاصة تدوين القصائد الطوال منه . فالخط النبطي الشمالي المشتق من الآرامي ... يخلـو من الإعجام أو النقط ..ومن رسم الأحرف الصائتة القصيرة المعروفة بالحركات... ومن علامة التنوين ... إنَّ هذه النواقص الخطيرة في الخط العربي أو النبطي المتأخر... كان لابد لها أنْ تحول بين هذا الخط واستعماله في تدوين القصائد الجاهلية ... ومن العسيـر جداً قراءة قصيدة طويلة قد دونت بهذا الخط وفهمها على النحو الذي أراده صاحبها أو على نحو قريب له « [111] .

 

توثيـق الشعر الجاهلي

 

 (1)

                 لا ريب أنَّ الشعر الجاهلي يثير معضلة تتجلى واضحة في تفاوت أساليب المقطوعات الشعرية والقصائد الجاهلية، وتظهر أيضاً في ترتيب الأبيات الشعرية واختلاف الروايات في مفرداتها وتراكيبها وصياغاتها . وهذا من شأنه أن يثير الشك حول صحة الشعر، من حيث نسبته إلى صاحبه، أو إلى زمانه، أو إلى مكانه .

                 ولم يكن الأدب العربي بدعة في هذا السياق، إنما هي ظاهرة عانت منها آداب الأمم الأخرى في مراحلها التي سبقت التدوين، ولذلك فإنَّ الأدب الإغريقي، وبخاصة في ملحمتيه الإلياذة والأوديسا قد تسـرب الشك إليه في تـوثيق النصوص ونسبتها إلى مؤلفيها [112] .

                 وقد شاع استخدام مصطلح الانتحال ليدل على قضية الشك في الشعر الجاهلي ويؤثر بعضهم استخدام مصطلح النحل ويحدده بأنه » وضع قصيدة ما أو بيت أو أبيات وإسناد ذلك لغير قائله « [113]، ويذهب آخر إلى أنَّ » معنى انتحله وتنحله ادعاه لنفسه وهو لغيره ...ويقال نحل الشاعر قصيدة، إذا نسبت إليه، وهي لغيره « [114]، وقد ميز باحث آخر بين ثلاثة مصطلحات، وهي : النحل، والانتحال، والوضع، فالوضع لديه » هو أن ينظم الرجل الشعر ثم ينسبه إلى غيره لأسباب ودواع، والانتحال هو ادعـاء شـعر الغير... والنحل أن ينسب الرجل شـعر شـاعر إلى شاعر آخر«[115] .

          ويمكننا إيجاز مفهوم الانتحال بأنه نسبة الشعر لغير قائله، سواء أكان ذلك بنسبة شعـر رجل إلى آخـر، أم أن يدعي الرجل شعر غيره لنفسه، أم أن ينظم شعراً وينسبه لشخص شاعر أو غير شاعر، سواء أكان له وجود تاريخي أم ليس له وجود تاريخي .

                 وقد التفت علماء العربية إلى هذه الظاهرة وأولوها عناية وبحثا، إذ يؤكد ابن سلام الجمحي ذلك حين يقول : » وفي الشعر مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته، ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج«[116]، وإذا كان ابن سلام قد أجمل الحديث ـ هنا ـ عن الظاهرة بأسرها فإنَّ من علماء العربية من تحدث عن مفرداتها وجزئياتها، إذ يرد عن الأصمعي أنه قال : » إنَّ كثيراً من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه « [117].

                 ولم يكن الأمر مقتصراً على علماء العربية القدامى فلقد أسهم المستشرقون بذلك وأدلى بعضهم بآراء خطيرة، وخالفهم أو تابعهم بعض الباحثين العرب المعاصرين . وسنتوقف في الصفحات التالية عند ابن سلام الجمحي بوصفه أبرز من تناول ظاهرة الانتحال عند القدامى، ثم نتناول الحديث عند المستشرقين، ونتوقف عند صموئيل مرجليوث بخاصة، لتبنيه تصورات خطيرة في قضية الانتحال، ونتوقف أخيراً عند طه حسين الذي أثار ضجة كبيرة في كتابيه الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي، في تناوله لفضية الانتحال في الشعر الجاهلي .

                 يؤكد ابن سلام الجمحي وفرة الشعر الجاهلي ولكن ما وصل إلينا منه قليل، إذ يروي عن أبي عمرو بن العلاء قوله: » ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير «[118].

           ويرجع بعض ذلك ـ فيما يرى ابن سلام ـ إلى انشغال العرب بعد مجيء الإسلام بالجهاد، وقد هلك كثير من الناس مما أدى إلى ضياع كثير من الشعر يقول ابن سلام : » فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد، وغـزو فارس والـروم ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم كثير «[119].

                 إنَّ الشعر الذي وصلنا من الجاهلية قليل وقد ضاع أكثره، ويؤكد ابن سلام أنَّ في هذا القليل مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، مما يدفع إلى ضرورة تنقيتة وعزل صحيحه عن زائفه، فهو يقول : » وفي الشعر مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد، ولامعنى يستخرج، ولامثل يضرب ولامديح رائع، ولاهجاء مقذع ولا فخر معجب، ولانسيب مستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء «[120] .

                 وقد اختلف العلماء في الشعر صحيحه وزائفه، ويرى ابن سلام أن ما اتفق عليه العلماء لاجدال حوله ولانقاش فيه، أو على حد تعبيره » ليس لأحد أن يخرج منه « [121] .

                 ويعي ابن سلام الجمحي أنَّ هناك أسباباً دفعت إلى نحل الشعر ووضعه، ويمثل العامل القبلي واحداً من الأسباب التي أدت إلى تزيد القبائل في نسبة الشعر إلى شعرائها في الجاهلية والإسلام، لأن العرب حين راجعت » رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والشعراء، فقالوا على ألسنة شعرائهم « [122] .

                 ويختلط بالعامل القبلي أحياناً بعد سياسي، فقريش قد وضعت على حسان بن ثابت قصائد عديدة لم يقلها، لدرجة يصف ذلك ابن سلام بأنه » قد حمل عليه ما لم يحمل على أحد، لما تعاضهت واستتب، وضعوا عليه أشعاراً كثيرة لا تنقى « [123] .

                 وإذا كان العامل القبلي ـ هنا ـ يختلط ببعد سياسي فانه يختلط أحياناً ببعد ديني، ففي حديث ابن سلام عن أبي طالب يصفه بأنه كان » شاعراً جيد الكلام، أبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي صلى الله عليه :

وَأَبيَضَ يُستَسقى الغَمَامُ بِوَجهِهِ

 رَبيعُ اليَتَامى عِصمَةٌ للأَرامِلِ

وقد زيد فيها وطولت ... وقد علمت أنْ قد زاد الناس بها، ولا أدري أين منتهاها، وقد سألني الأصمعي عنها فقلت :صحيحة جيدة فقال : أتدري أين منتهاها، قلت : لا « [124] .

          وقد أسهمت الرواية في وضع الشعر الجاهلي ونحله، فلقد عبث الرواة كثيرا في الشعر الجاهلي، ونسبوا إلى الشعراء ما ليس لهم، ويمكن تصنيف الرواة إلى فئتين :

 

الفئة الأولى : رواة الأخبار والسير والقصص وأيام العرب :

                 وهؤلاء يفتقرون إلى العلم بالشعر وخصائصه ومذاهبه، ففي حـديث ابن سلام عـن الشاعـر أبـي سفيان بن الحارث يثبت له شعــراً » كان يقوله في الجاهلية فسقط ولم يصل إلينا منه الا القليل، ولسنا نعد ما يروي ابن اسحق له ولا لغيره شعراً، ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذاك لهم « [125]، ومحمد بن اسحق هذا أحد رواة السيرة النبوية، وقد شنَّ عليه ابن سلام هجوماً عنيفاً لإفساده ما حمله من غث الشعر ومنحولة، وقد قال عنه ابن سلام » وكان ممن أفسد الشعر وهجَّنه وحمل كل غثاء منه محمد بن اسحق بن يسار ... وكان من علماء الناس بالسير.. فنقل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول : لا علم لي بالشعر، اتينا به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذراً فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعـراً قط وأشعـار النساء فضلاً عن الـرجال، ثم جاوز ذلك عاد وثمود« [126] .

          ويستدل ابن سلام الجمحي في الرد على محمد بن اسحق في شأن القصائد الشعرية الكثيرة التي وردت عن عاد وثمود، بالدليل النقلي، مستشهداً بآيات قرآنية كريمة تقرر وجهة نظره ويعجب عمن » حمل هذا الشعر ومن أداه منذ آلاف السنين، والله تبارك وتعـالى يقول »فَقُطِعَ دَابرُ القَومِ الذينَ ظَلَموا « [127]، أي لا بقية لهم، وقـال أيضاً »وَأَنَّـهُ أَهلَكَ عـاداً الأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبقَى « [128]، وقال في عاد: » فَهَل تَـرَى لَهُم مِـن بَاقِيَة « [129]، وقال » وَقُرونَا بَينَ ذلكَ كَثيرَا « [130]، ويتوهم ابن سلام دليلاً تاريخياً ليؤكد أنَّ لغة عاد وثمود لم تكن اللغة العربية، وهذا حق، غير أنَّ الدليل الذي يستدل به أمر يجافي طبيعة نشأة اللغة وتطورها إذ يؤكد أنَّ » أول من تكلم بالعربية ونسي لسان أبيه إسماعيل ابن إبراهيم صلوات الله عليهما « [131]، ويتكئ ابن سلام من ناحية أخرى على مقولة لأبي عمرو بن العلاء تؤكد أنَّ عربية حمير ليست بعربيتنا، فكيف بقصائد عاد وثمود التي تماثل قصائد شعراء العرب الجاهليين من حيث التراكيب والصيغ والأساليب، يقول ابن سلام : » وقال أبو عمرو ابن العلاء في ذلك : ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا، فكيف بما على عهد عاد وثمود مع تداعيه ووهيه « [132] .

                 ويعتمد ابن سلام من ناحية ثالثة على تصورات كانت شائعة في البيئة البصرية تؤكد قصر عمر الشعر الجاهلي، بحيث لا يمتد إلى أكثر من ثلاثمائة عام قبل الإسلام وكون الشعر في نشأته القصيرة هذه لا يعدو أنْ يكون سوى مقطوعات قصيرة، ثم طولت بعد هذا التاريخ، يقول ابن سلام: » ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنما قُصّدتْ القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب، وهاشم بن عبد مناف، وذلك يدل على اسقاط شعر عاد وثمود وحمير وتبع« [133]، ويقول أيضاً إنَّ أول من قصد القصائد وذكر الوقائع المهلهل بن ربيعة التغلبي، في قـتل أخيـه كليب بن وائل« [134].

 

الفئة الثانية : رواة متخصصون عابثون :

          وقد عمد مجموعة من الرواة إلى نحل الشعر قاصدين، ومن هؤلاء حماد الراوية وخلف الأحمر، أما حماد الراوية فهناك تأكيد على علمه بالشعر وبكلام العرب، إذ يقول الهيثم بن عَدي » ما رأيت رجلاً أعلم بكلام العرب من حماد « [135]، ويؤكد ذلك الأصمعي، ولكنه يتحرز من وضعه ونحله الشعر على الشعراء يقول » كان حمّاد أعلم الناس إذا نصح يعني إذا لم يزد وينقص في الأشعار والأخبار فإنه كان متهما لأنه يقول الشعر وينحله شعراء العرب « [136] ويؤكد ابن سلام الجمحي أنَّ حماداً الراوية » غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار « [137]، وكان يونس يقول : » العجب لمن يأخذ عن حماد، وكان يكذب، ويلحن، ويكسر «[138].

                 إنَّ خطورة حماد الراوية أنه كان شاعراً، وكان عالماً بالشعر ومذاهبه، فينحل الشعراء قصائد ينظمها على طرائقهم في النظم ومذاهبهم في الإبداع، ولذلك حمل المفضل الضبي عليه حملة شعواء، قال » قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبداً، فقيل له : وكيف ذلك ؟ أيخطئ في رواية أم يلحن ؟ قال ليته كان كذلك، فإنَّ أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيها، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل ذلك عنه في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد وأين ذلك « [139] .

                 وإذا كان المفضل الضبي متشائماً في شأن حماد الراوية وأضرابه لأنهم أفسدوا الشعر فلا يصلح أبداً، فإنَّ ابن سلام الجمحي يرجع ذلك إلى أهل العلم، ويرى أنهم قادرون على تمييز الصحيح من الزائف، وللعلماء رأيهم في ذلك، فإذا أجمعوا على إبطال شيء من الشعر فليس أمام أحد إلا أن يقبل هذا، ولا يخرج عنه [140] ويؤكد أنه » ليس يشـكل عـلى أهل العلم زيادة الرواة ولاما وضع المولدون « [141] .

                 ويدخل في هذا السياق ما يزيده أبناء الشعراء في أشعار آبائهم، وكيف يكشف العالم صحيحه مـن زائفه، إذ يروي ابن سلام عن أبي عبيدة أنَّ » داود بن متمم قدم البصرة ... فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته، وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه، جعل يزيد في الأشعار، ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والـوقائع التي شهـدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله « [142] .

          وقد تعرض المستشرقون لقضية الانتحال، ويبدو أنَّ المستشرق الألماني تيودور نولدكه أول من لفت الأنظار إلى هذه القضية سنة 1864 م، فقد تحدث عن » تضارب الروايات واختلافها في نصوصها، وعن رواة الشعر الجاهلي، وعن تداخل الشعر بعضه في بعض الأحيان، بحيث يدخل شعر شاعر في شعر غيره، أو ينسب شعر شاعر لغيره
ثم عن تغيير وتحوير الأشعار المقالة بلهجات القبائل لجعلها موافقة للعربية الفصحى
« [143].

                 وبعده بثماني سنوات نشر المستشرق وليم إلوارد دواوين الشعراء الستة الجاهليين : امرئ القيس، والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، وطرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، وعنترة بن شداد، وتوصل إلى نتيجة مفادها » أنَّ القصائد المروية غير موثوق بصحتها سواء من ناحية المؤلف، أو ظروف النظم، أوترتيب الأبيات « [144]، ويتقرر بالنتيجة » أنَّ عدداً قليلاً من القصائد صحيح، ولكن الشك يخيم على ترتيب الأبيات وشكل كل واحد منها، أما بقية الآثار فإنَّ الشك فيها محتوم لا مناص منه « [145] .

                 أما كارل بروكلمان فإنه يؤكد ابتداء أنَّ العرب قد عرفوا الكتابة، سواء في شمال الجزيرة العربية أو في جنوبها، ولكنه يؤكد أنَّ » أهل اليمن يعرفون الكتابة ويستعملونها في نقش الآثار الدينية والقانونية على الحجارة منذ ألف عام على الأقل قبل الميلاد، ولا ندري هل استعملـوها أيضاً في أغـراض الحياة الخاصة‏ أو في تسجيل الفن الكلامي بوجه خاص، على مواد أكثر تعرضا للتلاشي والضياع من الحجارة « [146].

                 وتعرض بروكلمان إلى أثر الرواية الشفوية في السقط والتغيير والتحريف، على الرغم من » أنَّ ذاكرة العرب الغضة في الزمن القديم كانت أقدر قدرة لا تحد على الحفظ والاستيعاب من ذاكرة العالم الحديث « [147]، وإذا كان ما سلف يحصل سهواً أو نسياناً، فإنَّ بعض الـرواة غيـَّر » بعض أشعار الجاهلية عمداً، ونسبوا بعض الأشعار القديمة إلى شعراء من الجاهلية الأولى، كما يمكن أنْ يكون وضع أشعار قديمة منحولة على مشاهير الأبطال في الزمن الأول لتمجيد بعض القبائل، أكثر مما نستطيع اثباته [148] « .

                 إنَّ هذه الأفكار تكاد تقترب من أفكار ابن سلام الجمحي ليصل بروكلمان إلى نتيجة تكاد تماثل النتائج التي توصل إليها ابن سلام، يقول بروكلمان » إنه بالرغم من كل العيوب التي لم يكن منها بد في المصادر القديمة، يبدو أنَّ القصد إلى التشويه والتحريف لم يلعب إلا دوراً ثانوياً« [149].

                 أما وليام مارسيه فإنه يذهب إلى القول في » إنَّ كل شيء في الأدب الجاهلي غير موثوق به، فالتاريخ نـزوي، ونسبة الآثار إلى أصحابها مترجرجة واعتباطية إلى حد بعيد، كما أنَّ صحة أبيات عديدة، أو قصائد برمتها لا يعول عليها « [150] .

                 ويؤثر بلاشير تكرار وتطوير بعض مقولات المفضل الضبي ويجد نفسه عاجزاً عن التفريق بين ما قاله حماد الراوية وخلف الأحمر، ويخلص من ذلك إلى النتيجة التي توصل إليها المفضل الضبي، في عجزه عن التمييز بين الصحيح والموضوع من الشعر[151]، إنَّ حقيقة الشعر الجاهلي تكمن في أنَّ بلاشير يرى أنَّ ثمة عدداً كبيراً من النصوص الشعرية الصحيحة قد أفسدتها الرواية الشفوية والتدوين، فامتزجت بآثار شعرية منحولة تحاكى في طبيعتها وخصائصها النصوص الشعرية الجاهلية، وليس هناك مجال لتمييزها بخلاف قطع منحولة صنعت بسذاجة وقلة دراية، بحيث يمكن لتجـربة قليلة تكشف عن حقيقتها [152].

                 ويتوقف بلاشير عند المقلدات، وهي القصائد المطولة التي تحاكي الشعر الجاهلي ومن الغريب أنه يعدها » أكثر أصالة من الأصيـل « [153] لأنَّ المشكلة تكمـن في الحقيقة في كيفية التمييز بين الأصيل والمنحول، ولأنه من أجل تحقيق هذه الغاية » وجب أنْ يكون في حوزتنا آثار غير مشكوك في صحتها يمكن أن تتخذ معيارا إذا صح التعبير« [154] .

                 إنَّ المبالغة في اختلاط الصحيح بالمنحول دفعت بلاشير إلى حكم مبالغ فيه أيضاً ولعل مقولة المفضل الضبي التي يتحدث فيها عن إفساد حماد الراوية للشعر بحيث لا يصلح أبدا قد أثرت في تفكير بلاشير وتصوره، مما دفعه إلى تأكيد اختلاط الصحيح بالمنحول لدرجة يتعذر التمييز بينهما، والحق ان لدينا قصائد صحيحة وصلت إلينا من رواة ثقاة يمكننا الاطمئنان إلى صحتها إجمالا، مما يعني أنَّ حكم بلاشير يشتمل على مبالغة كبيرة .

                 ويخلص بلاشير من هذا كله إلى أنَّ » قسماً ضئيلاً من الشعر الجاهلي وصل إلينا وأنَّ كل ما أوجدته الظروف الخاصة فهو من انتخاب الرواة وجامعي المختارات الشعرية أو العلماء . إنَّ هذه النصوص تستحضر صورة جزئية جامدة عما كانت عليه الحياة الأدبية في ذلك العصر « [155] .

                 ولعل أخطر ما تعرض إليه بلاشير في قضية الانتحال تأكيده على الاختلاف اللهجي، فهـو يرى » أنَّ لغة الشـعر الجاهلي قـد أصابتها تحريفات متعددة قبيل تدخل الكتابة، ففي النصوص المذكورة استعمل الشعراء، أياً كان عصرهم أو قبائلهم لغة موحدة، منـزهة بصورة عامة على كل أثر لهجي، خاضعة لقواعد تركيبية هي إجمالا قواعد نحاة البصرة، ولاشك في أنَّ القصائد الجاهلية قد جردت بتأثير الرواة الكبار من كثير من الظواهر اللهجية « [156] .

                 ولعل أخطر من تعرض لقضية انتحال الشعر الجاهلي هو المستشرق صموئيل مرجليوث [157]الذي نفى أنْ يكون الشعر الجاهلي الذي بين أيدينا معبراً عن العصر الجاهلي وإنما هو ـ في رأيه ـ نتاج مرحلة تالية لظهور الإسلام .

                 وعلى الرغم من تأكيد مرجليوث أنَّ الشعر موجود في العصر الجاهلي، بدليل ذكره في القرآن الكريم، فانه يثير شكاً في كيفية انتقاله إلينا من هذه المرحلة، وهو يفترض أنَّ هناك طريقتين لا ثالث لهما : الكتابة أو الرواية الشفوية، أما الكتابة فلم تكن وسيلة ممكنة في نقل الشعر، وهذا ما يؤكده علماء العربية القدامى والمعاصرون، وأما الرواية الشفوية التي يؤكدها العديد من القدامى والمعاصرين فإن مرجليوث يثير حولها شكوكاً، ويبني شكه على أساس عدة أسباب منها إنَّ نقل القصائد بالرواية الشفوية يقتضي وجود حفظة ينقلونها، »وليس لدينا ما يدعونا إلى الظن بأن حرفة مثل هذه قد وجدت أو انها بقيت خلال العقود الأولى من الإسلام « [158]، كما أنَّ الإسلام كان يحث على نسيان القصائد التي كانت تعبر عن انتصارات القبائل بعضها على بعض، لأنها تثير النفوس وتهيج الدماء « [159] .

                 ويؤسس مرجليوث شكه من ناحية أخرى على أساس المماثلة بين لغتي القـرآن الكـريم والشعـر الجاهلي، متخذاً من هذا التماثل دليلاً على أنَّ ما وصلنا من الشعر الجاهلي إنما هو وليد مرحلة لاحقة لظهور الإسلام، يضاف إلى هذا أنَّ مرجليوث يلمح ملاحظات تتجلى في طبيعة القصص الديني والألفاظ الإسلامية التي تشيع في الشعر الجاهلي فضلاً عن خلوه من الآثار الدينية الوثنية .

                 أما عن الشك في الرواية الشفوية فقد سبق لنا تناولها، وأكدنا أنَّ الشعر الجاهلي والصحيح منه بخاصة، قد وصلنا بها وقد أحاط بهذه الطريقة رواة ثقاة وعلماء محققون ومما لاشك فيه أنَّ هناك نصوصاً شعرية وفيرة من الشعـر الجاهلي تعبـر عن المرحلة الجاهلية، وتدل على أصحابها، ومعبرة عن الواقع الاجتماعي في إطار سياقه التاريخي .

           أما عن تماثل لغتي القرآن الكريم والشعر الجاهلي أمر يدحضه أنَّ اللغة العربية الموحدة أخذت بالاستقرار والتوحد بوقت غير قصير من ظهور الإسلام، وان الشعراء أخذوا ينظمون قصائدهم بها، كما أنَّ الشعر الجاهلي لا يخلو من مفردات وتراكيب تعبر عن خصائص لهجية معينة، وهذا يعني أنَّ هناك توحداً ليس على مستوى اللغة وحدها، ولكن هناك »مزاجاً حضارياً عاماً قد أخذ منذ أواخر العصر الجاهلي ينتظم هذه البيئة الجاهلية، يقودها إلى التطلع إلى حياة جديدة، وهو مزاج أو قل نقلة حضارية قد قادت إليها ظروف عديدة : سياسية واقتصادية واجتماعية كانت في الحقيقة إرهـاصاً بهذا التغـير الضخم الذي أحـدثه ظهور الإسلام وتمهيداً لـــه « [160] .

                 وكان الشعر الجاهلي معبراً عن حياة وثنية وعابثة في العديد من نصوصه، فضلا عن تسرب الكثير من الآثار الأسطورية التي هي امتداد لتصورات موغلة في تاريخ
الجزيرة العربية
.

 

 


 ( 4 )

                 أما طه حسين فقد أثار ضجة كبيرة بعد صدور كتابه » في الشعر الجاهلي « الذي ألب عليه العديد مـن الـدارسين، فضلا عن المحافظين، لأنهم رأوا فيه طعناً في الدين والعقيدة، وتتجلى بعض ملامح هذا الطعن في تعرضه لشخصيتي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وتأكيده أنهما لا يعدوان أن يكونا مجرد شخصيتين أسطوريتين، على الرغم من أنَّ القرآن الكريم قد أشار إليهما وتحدث عنهما يقول طه حسين : » للتوراة أنْ تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أنْ يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن، لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها، ونحن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى«[161].

                 ومن ملامح الطعن التي أخذوها عليه أيضاً، ما كان يراه طه حسين في شأن القراءات السبع، لأنه يرى أنَّ هذه القراءات ليست »من الوحي في قليل ولا كثير وليـس منكـرها كافـراً ولا فاسقاً ولا مغتمزاً في دينه، وإنما هي قراءات مصدرها اللهجات واختلافها « [162] .

                 وقد أعاد طه حسين النظر في كتابه هذا، وفصّل فيه القول في كتابه » في الأدب الجاهلي « وأكد أنَّ » الكثرة المطلقة مما نسميه أدباً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم اكثر مما تمثل حياة الجاهليين، ولا أكاد أشك في أنَّ ما بقي من الأدب الجاهلي الصحيح قليل جداً لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي « [163] .

                 وقد تفاوتت آراء الدارسين بين من يرى أنَّ طه حسين قد تأثر بالمستشرق صموئيل مرجليوث وبين من يرى أنَّ عدة أشهر بين صدور بحث مرجليوث » أصول الشعر العربي « وصدور كتاب » في الشعر الجاهلي« لا تؤكد هذا التأثر لأنَّ » تأليف طه حسين لهذا الكتاب قد مر بمراحل معينة لها أهميتها في الكشف عن طبيعة الصلة بين كتابه وبحث مرجليوث، فقد كان مشغولاً بتدريسه للطلاب في شكل محاضرات ظل يرددها على مسامعهم عاماً بعد عام، حتى إذا ما ثبت له صحة ما انتهى إليه من الآراء في هذا الشعر وروايته أذاعها بين الناس « [164] .

                 ومما لا ريب فيه إنَّ طه حسين كان يطلع بنهم على آراء المستشرقين إلى حد يعرب فيه عن ثنائه وإعجابه الشديد بهم، وفي معرض حديثه عن أحدهم يقول » إني شديد الإعجاب بالأستاذ » هوار« وبطائفة المستشرقين، وبما ينتهون إليه في كثير من الأحيان من النتائج العلمية القيمة في تاريح الأدب العربي « [165].

                 وهذا يعني أنه يتأثر خطاهم ويستفيد من مناهجهم بعامة ومن مرجليوث بخاصة على الرغم من قصر الفترة بين نشر بحث مرجليـوث وصدور كتاب » في الشعر الجاهلي « لأنَّ هناك تطابقاً وتشابهاً بين تصوريهما، بل نستطيع القول إنَّ طه حسين فصَّل القول في النقطتين الجوهريتين اللتين تعرض لهما مرجليوث وهما :

    إن الأدب الجاهلي لا يصور حياة العرب الجاهلية الدينية والسياسية والاقتصادية ولذلك فإنه من أجل دراسة حياة العرب الجاهلية فإنه لا يرجع إلى الشعر لأنه لا يعبر عن هذه الحياة، ولذلك فهو ينكر أنْ يمثل هذا الأدب الحياة الجاهلية، ولذلك فإنه لا يسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير وإنما يسلك إليها طـريقا آخـر » في نص لا سبيـل إلى الشك في صحته ...(هو) القرآن « [166] .

    إن الأدب الجاهلي لا يعبر عن لغة العرب الجاهلية واختلاف لهجاتها، ويستدل على ذلك بقراءة المعلقات ـ مثلا ـ التي هي في حقيقتها لشعـراء من قبائـل متعددة، ويرى أنها صورة للغة واحدة وليست ذات خصائص لهجية مختلفة، أذ يرى » أنَّ كل شيء في هذه المطولات يدل على أنَّ اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تأثيراً ما فنحن بين أثنين : إما أنْ نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان لا في اللغة ولا في اللهجة ولا في المذهب الكلامي، وإما أنْ نعترف بأنَّ هذا الشعر لم يصدر عن هذه القبائل، وإنما حمل عليها بعد الإسلام حملا، ونحن إلى الثانية أميل منا إلى الأولى « [167] .

          ولا نريد أنْ نكرر القول في الرد على هاتين النقطتين، فقد سبق أنْ تناولناهما في أثناء حديثنا عن المستشرقين بعامة، ومرجليوث بخاصة، ولكن من المفيد أن نؤكد أنَّ منهج طه حسين كان يفتقر إلى مقومين أساسيين وهما :

    فساد المقدمات التي أرسى في ضوئها تصوراته مما أثر في صحة النتائج . ومما يدخل في هذا السياق تغيير طه حسين للنصوص التي يقتبسها من كتب القدامى لتعضيد وجهة نظره، فهو ينقل عن ابن سلام الجمحي رواية عن أبي عمرو بن العلاء مفادها » ما لسان حمير بلساننا ولالغتهم بلغتنا « [168] وصوابه » ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا [169] « .

    افتقار منهجه إلى استقراء كامل للنصوص الشعرية مما جعل أحكامه أقرب إلى الظن منها إلى اليقين[170] .

                 ويكرر طه حسين بعض آراء ابن سلام الجمحي ويضيف إليها أخريات، مما لا مبرر لإعادة الحديث عنه أو التفصيل فيه، و كأن طه حسين يتحدث عن أسباب النحل فيرجعها إلى أسباب سياسية ودينية أو يرجعها إلى الرواة أو إلى أثر القصص أو
إلى
الشعوبية .

 

أولية الشعر العربي

                 حاول الإنسان، في أول نشأته، السيطرة على موارد الطبيعة واستغلالها لصالح احتياجاته، وقد تمكن من اكتشاف الأداة التي أخذت تنمو وتتطور باستخدامها في العمل ثم استدعى التطور » وسائل جديدة للتعبير والاتصال تتجاوز بكثير الإشارات البدائية القليلة التي يعرفها الحيوان، وهو لم يتطلب تلك الوسائل، بل ساعد على نموها أيضا... لقد ظهرت اللغة إلى الوجود مع ظهور الأدوات، وليست اللغة أداة للتعبير بقدر ما هي وسيلة للاتصال « [171] .

                 وكانت اللغة تؤدي وظيفة توصيلية يراد منها إفهام المتلقي، وإيصال الدلالات المراد التعبير عنها، وكان التأكيد على القضايا النفعية يعني أنّ    اللغة تشير إلى الدلالات الحسية، مطلقة الأسماء على الأشياء، ولم تكن اللغة في مراحل تطورها الأولى قادرة على تجاوز هذه المسميات إلى تكوين المفاهيم والرموز، ويتأتى هذا لأنَّ الإنسان قد ألفى الأشياء بالتدريج » وأطلق عيها أسماء مأخوذة من الطبيعة، يحاكي فيها أصواتها بقدر ما يستطيع ... وكان ذلك ضرباً من الإيماء يتآزر فيه الجسم والحركات« [172]وحتى في الحالة التي تشتمل فيها اللغة على بعض الدلالات الجمالية في هذا الطور الحضاري، فإنها لا يراد منها أساسا، الغاية الجمالية، وإنما المراد منها المنفعة وضرورة توصيل الدلالة، لأنه لم يكن » التمييز بين الحقيقة الشعرية والحقيقة الموضوعية قائماً، بل كانت الفوارق بينهما مطموسة في أكثر الأحوال. إذ كانت جميع ضروب القول تجري على صورة من الرمز التلقائي وكان التعبير في أكثره مجازياً، والخيـال دومـا حاضر ليصف عالم الحقيقة ويفسره « [173] 

          وإذا كانت عناية الإنسان بزخرفة الوعاء الذي يأكل فيه، أو السهم الذي يستخدمه في القتال، قد جاءت متأخرة فلقد استخدم اللغة أول الأمر لمجرد التوصيل والمنفعة، ولم يكن يهدف منها تأدية دلالات جمالية معينة . ومن الجدير بالإشارة أنْ نؤكد فرقاً جوهرياً بين الأدوات التي يستخدمها الإنسان سواء أكانت لغاية نفعية أم جمالية وبين اللغة، في أنَّ اللغة »تختزن سياقاً تاريخياً واجتماعياً أكثر من أية أداة فنية أخرى، فهي الأداة الوحيدة التي تلتحم بصورة مباشرة متينة بالتطور التاريخي لتكوين الإنسان عضوياً، وذهنياً، كما أنها الأداة الوحيدة التي يواكب نضجها تكوين المجتمعات البشرية ويحدد شروط بقائها « [174] .

          إنَّ هناك نظاماً يحكم قوانين اللغة ويحدد مكوناتها، مهما كانت اللغة بسيطة أو بدائية، ويتحدد بهذه القوانين طبيعة اللغة وأنظمتها الصوتية والصرفية والنحوية، غير أنَّ هناك تشكيلاً لغوياً ـ فنياً ـ خاصاً، له قوانينه الخاصة التي لا تخرج عن قوانين اللغة تلك، ذلك أنَّ التشكيل اللغوي الفني يمثل نظاماً خاصاً في بنية اللغة، من حيث استخدام الإيقاع، أو توظيف التصوير، وهذا يعني أنَّ هناك تطوراً في وظيفة اللغة وثراء في طبيعتها وتغيراً في مكوناتها الإشارية، أي أنَّ »التطور من العلامة والإشارة إلى المفهوم المجرد والرمز معناه تطور اللغة من الوفاء فحسب بوظيفتي الأعلام والأخبار إلى الوفاء بوظيفتي التصوير والصياغة « [175] .

                 واقترنت نشأة الشعر منذ أقدم العصور برحلة العمل الجماعي، سواء أكان في رحلة للصيد، أم لجني الثمار، أو بتأدية عمل لا يمكن أن يؤديه فرد واحد . ان العمل الجماعي يوحد الأفراد ويقلل من تعبها ويقرب من تحقيق هدفها[176]، وقد قاد هذا
إلى
« التحام حركة الفرد بحركة زميله فكانت قوة إنجاز عملي، لذلك كانت أغنيات البدائيين نداءات، وكان إيقاعهم » تنظيماً « لحركات الأداء العملي »[177] .

          و تولد من العمل الجماعي محاولات إيقاعية تنتظم بها الكلمات بطريقة معينة لأنَّ هذه الحركات الإيقاعية »تساعد العمل، وتنسق الجهد، وتربط الفرد بفئة اجتماعية . وكل انقطاع في الإيقاع إنما هو ممجوج، لأنه يحدث خللا في عمليات الحياة والعمل وهكذا نجد الإيقاع متمثلاً في الفنون، بوصفه تكراراً لعنصر ثابت، وبوصفه تناسباً وتناظراً « [178] .

                 إذن كان الإنسان بحكم طبيعته الفردية، وبحكم طبيعته الجماعية، يميل إلى التغني مع أداء أفعاله الجماعية بخاصة، سواء أكان نقل حجر كبير، أم جذع شجرة، أم حفر بئر، أم بناء سور، أم في شروعه في الحروب والغارات، فالفعل الجماعي يقتضي إيقاعا معيناً وأصواتاً وكلاماً ينظم وحدة العمل، ويدفع إلى تساوق الفعل وانتظامه . ومن هنا يمكننا القول » إنَّ عملية العمل الجماعي تتطلب إيقاع عمل ينسقها ويساعد هذا الإيقاع ترتيل جماعي ملفوظ إلى حد ما « [179]وبمثل هذه الإيقاعات التي ترافق العمل » يساند الفرد الروح الجماعي حتى وإنْ كان خارج الجماعة « .

                 ان الإنسان في مراحل تطور المجتمع الأولى كان جزءاً من كيان جماعي، وليس بقادر على الخروج عن الجماعة، أو التعبير عما يضادها، لأن الخروج عليها وعلى روابطها يعني نفياً للإنسان عن الجماعة، ومن ثم فناء لوجوده وكيانه، ولابد له أخيراً من التكيف مع الجماعة، والتحرك في ضوء أساطيرها وعقائدها وأفكارها فلقد » كان الساحر في المجتمع القبلي البدائي، ممثلا للجماعة وخادما لها بكل ما في الكلمة من معنى وكانت قدرته السحرية تدفعه إلى مجازفة التعرض للمــوت، إذا لـم يستجب مراراً عديدة لتحقيق ما تتوق إليه الجماعة « [180]وقد نشأت الفنون في هذه المرحلة تعبيراً عن حاجات الجماعة، وتلبية لرغباتها وأساطيرها وعقائدها، وكان التعبير الفني يؤدى جماعياً، ولم تعرف الفنون الاستقلال الذي تميز بالعصور اللاحقة، فالمسرحية الإغريقية مثلا نشأت أول أمرها نشأة غنائية جماعية، وتقترن بأبعاد دينية، فهي من ناحية تعبر عن الروح الجماعية التي يؤديها أفرادها جميعا، وتعبر من ناحية أخـرى عن طقـوس دينـية فلقد اقترنت بعيدين دينيين يمجـدان اله الخـمر والكـروم » ديونيزوس« ، وهي طقوس عبادية أسطورية تعنى بحياة ديونيزوس وموته، وقد تمثل موته في جفاف الكرم وذبوله، وتمثلت حياته في عودته إلى النماء من جديد، وكانت الاحتفالات يرافقها ضجيج وفوضى، وتتسم بوحشية وتحلل أخلاق، وكانت تؤدى بوصفها طقوساً جماعية وقد تحولت بمرور الزمن إلى جماعات تـؤدي أفعالا يقوم بقيادتها بعض الأفراد وانَّ
» هؤلاء القادة هم الذين تحددت شخصياتهم الفنية فيما بعد، وأصبحوا بمرور الزمن بحكم وظيفتهم في الاحتفالات الجماعية، الممثلين الذين انفصلوا عن هذه الوظيفة التمثيلية الجماعية، ليقوموا هم بتمثيل هذه الأناشيد، بدلا من مجرد إلقائها في مسرحيات أخرى لها أصولها وقواعدها الفنية المعتبرة لدى كتاب المسرح ورواده من الشعب اليوناني « [181] .

                 وجاءت مرحلة حاول فيها الإنسان التعبير عن فرديته، ولكنها حركة في إطار حركة الجماعة، وتتمثـل هـذه المحاولة في شخصية الساحر الذي يزعم أنه يمتلك خصائص لا يمتلكها سواه، وتتجلى أبرز ملامح السحر في استخدام اللغة بكيفية معينة لتجلب القوى الغامضة التي تحقق الأفعال التي يروم الساحر تحقيقها . ويؤدي الساحر وظيفة العراف والفنان والشاعر، فهو يعمد إلى خلق النبوءة والكشف عنها، ويستخدم اللغة بكيفية معينة تتجاوز التوصيل المقصود لذاته .

                 وبقيت آثار الوظيفة السحرية مرافقة للشعر في مراحل لاحقة، ويتجلى ذلك في أثر المدح والهجاء في الإنسان، ولقد كان المدح والهجاء يلعبان دوراً خطيراً في حياة العرب منذ مراحل سحيقة والى يومنا هذا، وهذا يدل على أنَّ ثمة صلة وثيقة بين الشعر والسحر، سواء أكانت هذه الصلة في مراحل نشأة الشعر، أم في الكيفية التي يتضمنها الشعر من التأثير في الناس لدرجة تشبه أثر السحر . ولذلك فليس غريباً أنْ نجد من يؤكد » أنَّ الشعر هو فن من الفنون التي كان يمارسها السحرة في التأثير في مشاعر الناس وكانوا يتخذونه وسيلة من وسائل التأثير في النفوس، لما يستعملونه فيه من كلام مؤثر ساحر يترك أثراً خطيراً في نفس سامعه«[182] .

                 ويؤكد بروكلمان أنَّ الهجاء قبل أنْ يتحول إلى شعر السخرية والاستهزاء » كان في يد الشاعر سحراً يقصد به تعطيل قوى الخصم بتأثير شعري. ومن ثم كان الشاعر إذا تهيأ لإطلاق مثل ذلك اللعن، يلبس زياً خاصاً شبيهاً بزي الكاهن «[183] .

                 ويؤكد هذا ما يذكره الشريف المرتضى في أنَّ الشاعر إذا أراد الهجاء » دهن أحد شقي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلاً واحدة « [184] ويعلق أحد الباحثين بأن » حلق الرأس كان من سننهم في الحج، وكأن شاعر الهجاء يتخذ نفس الشعائر التي يصنعها في حجه، وأثناء دعائه لربه أو لأربابه، حتى تصيب لعنات هجائـه بكل ما يمكن من ألوان الأذى وضروب النحس المستمر » [185] ، وهذه الطقوس تدل على أنَّ فعل الهجاء لا بد أن ترافقه حركات وأفعال تؤدي إلى تأثير الفعل . إنَّ الهجاء في هذه الحالة يشبه تماماً الرقية التي يصنعها الساحر، ولابد للساحر من أداء طقوس ترافق الرقية، وبذا يتداخل الأداء الصوتي والحركة الجسمية، تماماً كما لو كان الشاعر الجاهلي يدهن أحد شقي رأسه ويرخي إزاره وينتعل نعلاً واحدة، فالساحر من أجل ان تحدث الرقية مفعولها» يقلد سلفاً الاحتضار من المرض الذي ابتلي به الشخص المعني، فيتمرغ على الأرض، ويصيح متشنجا بشدة، وبذلك وحده، وعقب تقليد دقيق لنتائجه تستطيع الرقية أنْ تفعل فعلها « [186] .

                 ولم يكن الرثاء بعيداً عن أجواء السحر، بل لعله يتنفس في أجواء السحر أكثر من الهجاء، لأنَّ الغاية من المرثية » انْ تطفئ غضب المقتول، وتنهاه أن يرجع إلى الحياة فيلحق الأضرار بالأحياء الباقين«[187]وقد أسهمت المرأة في النواح والبكاء مع طقوس ترافق ذلك، ويقال » إنهن كن يحلقن شعورهن ويلطمن خدودهن بأيديهن والنعال والجلود وكن يصنعن ذلك على القبر وفي مجالس القبيلة والمواسم العظام، ولعل في حلق رءوسهن ما يجمع بينهن وبين الهجائين ... وما يشهد بأن هذا الرثاء إنما تطور عن تعويذات كانت تقال للميت وعلى قبره حتى يطمئن في لحده«[188]ومثل هذا ما ينقله ابن طباطبا العلوي من«أمثلة لسنن العرب المستعملة بينها، التي لا تفهم معانيها إلا سماعاً، كإمساك العرب عن بكاء قتلاها حتى تطلب بثأرها، فإذا أدركته بكت حينئذ قتلاها « [189] .

                 إنَّ هذه التقاليد التي رافقت أداء الهجاء أو المرثية إنما تدل على تداخل السحر بالأسطورة بالشعر، ولذلك ليس غريباً أن تجد من يؤكد » أنَّ الشعراء إنما أخذوا تقليدهم هذا من السحرة : الشعراء الأوائل، ومن الكهنة، لأن السحرة والكهنة كانوا ينظمون الشعر وينشدونه على هيأة خاصة، يلبسون فيه أردية خاصة ويقفون في وضع خاص حين إنشاد الشعر « [190] .

                 ولقد تطور الشعر العربي من أشكال إيقاعية قديمة، لا نمتلك دليلاً يحدد كيفيتها غير أنَّ حكماً ظنياً يعتمد قاعدة التطور من البسيط إلى المركب يمكنه أن يرجح الإشارة إلى الأشكال الإيقاعية التي تطور عنها الشعر. ويبدو أنَّ الإنسان العربي القديم قد لجأ إلى بعض عبارات موقعة ـ قد تكـون ذات طبيعة سجعيـة أو لا تكـون ـ استجابة للحظات انفعالية، ربما تكون مرتبطة بطقوس دينية أو سحرية، أو بكليهما معا، حين كان السحر والفن والدين تلتقي في الخصائص والوظائف، وقد تكون هذه الأشكال الإيقاعية مرتبطة بحالة هياج انفعالي لحادثة، أو موقف قتالي، أو انفعال بفجيعة ميت، أو أداء طقوس هجائية، أو جنائزية، او نحو ذلك .

                 ويذهب عدد من الباحثين إلى تأكيد أنَّ السجع هو الشكل التعبيري الذي تطور عنه الشعر، فالسجع فيما يرى ـ بروكلمان ـ قد ترقى » إلى بحر الرجز المتألف من تكرار سببين ووتد يسهل على السمع ويبلغ أثره في النفس، وبعض علماء العروض ينكرون عد الرجز من الشعر، وفي الواقع يبدو أنَّ الرجز في الجاهلية كان يلبي حاجة الارتجال فحسب، ولم يستخدمه بعض الشعراء في منافسة الأوزان العروضية الكاملة الا في زمن الأمويين، ومن الرجز نشأ بناء أبحر العروض على مصراعين وقافية في الثاني، أما الأوزان العروضية فلا ريب أنَّ بناءها تم بتأثير فن غنائي وإنْ كان بدائيا ً«[191] .

                 ويظهر أنَّ بروكلمان لا يؤكد اقتران السجع هنا بطقوس دينية أو سحرية، في حين أكد ذلك بلاشير و غرونباوم، إذ يرى بلاشير أنه » كان للعرب منذ زمن قديم جداً نثر مسجوع، موقع، ذو صلات وثيقة بالسحر، وقد تكون هذه الطريقة التعبيرية ـ كما يرى بعضهم ـ نقطـة انطلاق الشعر العروضي والنظمي « [192]ويرى غرونباوم أنَّ هناك قوة سحرية في الكلمة أدت إلى شـيوع » العزائم « و » الرقى « و» اللعنات « التي وردت أولاً في كلام مسجع، ثم في سجع موزون وهو شعر الرجز « [193]، إنَّ الشعر من هذا المنظور قد تطور من السجع، وهو » النثر المقفى المجرد من الوزن« [194]، كما يصفه بروكلمان في حين يتصف السجع عند بلاشير » باستعمال وحدات إيقاعية، قصيرة اجمالاً تتراوح بين أربعة وثمانية « [195] .

                 ومن الجدير بالذكر أنَّ » أدونيس « يقسم السجع إلى أنماط متعددة :الأول يكون فيه الجزآن متوازنين متعادلين لا يزيد أحدهما عن الآخر، مع اتفاق الفواصل على حرف بعينه، والثاني : تكون فيه ألفاظ الأجزاء المزدوجة مسجوعة، فيكون الكلام كله سجعاً، والثالث تكون فيه الأجزاء متعادلة، وتكون الفواصل على أحرف متقاربة المخارج، إذا لم تكن من جنس واحد[196] .

          ولم يكن المستشرقون هم الذين انفردوا بالاعتقاد بأنَّ أوزان الشعر العربي قد تطورت من السجع إلى الرجز، بل ذهب بعض الباحثين العرب إلى متابعة هذه التصورات وتأكيدها مع مزيد من التفصيل، إذ يتابع محمـد عثمان علي آراء الطاهر أحمد مكي في أنَّ القصيدة الجاهلية بدأت بشيوع العرافة واتخاذ العرافين والمحكمين الكلام المسجوع، ثم السجع الموزون وسيلة للتعبير عن تنبؤاتهم وأحكامهم، ومن السجع الموزون إلى الرجز ومن الرجز إلى الشعر، وإذا كان السجع أداة الكهان فإنَّ الرجز قد أصبح غناء الحداة حراس القوافل، ثم تطـور هذا الـرجز فاستعمل في أغراض من الشعر مختلفة « [197] .

                 والحق انَّ هذه التصورات للمستشرقين والعرب إنما هي فروض ظنية، لأننا لا نملك دليلا يؤكد أنَّ العربي قد بدأ بالسجع أولاً، ثم بالسجع الموزون ثانياً، أو أنَّ الرجز قد تطور عن السجع الموزون، ومن ثم تفرعت عنه البحور الشعرية، فقد يكون ما حصل خلاف ذلك، اذ يذهب أحد الباحثين إلى القول بأن بعض القدماء والمحدثين قد زعموا «أنَّ الرجز أقدم أوزان الشعر العربي، وأنه تولد من السجع، مرتبطا بالحداء ووقع أخفاف الإبل في أثناء سيرها وسراها في الصحراء، وقد تولدت منه الأوزان الأخرى غير أنَّ هذا مجرد فرض . وكل ما يمكن أنْ يقال هو أنَّ الرجز كان أكثر أوزان الشعر شيوعاً في الجاهلية، إذ كانوا يرتجلونه في كل حركة من حركاتهم وكل عمل من أعمالهم في السلم والحرب، ولكن شيوعه لا يعني قدمه ولا سبقه للأوزان الأخرى « [198] .

           إنَّ ما أميل له وتطمئن إليه نفسي أنَّ هناك أشكالاً تعبيرية ذات طابع إيقاعي هي التي تطورت بمرور الزمن، فتولدت عنها الأوزان العربية . ولعل هذه الأشكال التعبيرية كانت تختلط بأشكال أولية إيقاعية للأوزان العربية، ولعل أوزاناً شعرية عديدة قد ضاعت لم تصل إلينا، لكننا لا نستطيع الجزم، وحتى إمكان الفرض المؤكد بأن الشعر قد تطور وفق سلسلة معينة على أساس تطور منطقي : من السجع، فالسجع الموزون فالرجز، فالأوزان الشعرية الأخرى . ولا نستطيع التأكيد أنَّ الشعر الجاهلي القديم كان محافظاً على الـوزن والقافية » إذ من الجائز أن يكون على شاكلة الشعر القديم الذي نظمه الشعراء الساميون، من عدم تقيد بالقافية وبوزن الأبيات، كما نجد ذلك في العبرانية وفي اللغات السامية الأخرى، وإنما كانوا يراعون فيه النغم بحيث يتغنى به، أو بتأثير العـواطف، بمـراعاة نسق الكلام المبني على البلاغة، ولهذا عد السجع نوعاً من أنواع الشعر، لأنَّ في السجع من الوصف والعاطفة والحس ومعالجة الموضوع ما يجعله شعراً، وفي بعضه نغم يجعله صالحاً لأن يتغنى « [199] . ولعل الاستشهاد بخطبة قس بن ساعدة يدل على اختلاط الأشكال الإيقاعية المختلفة، سواء أكانت سجعا، أم سجعا موزونا، أم وزنا شعريا، في خطبة واحدة، يقول :

 أيها الناس

اسمعوا وعوا

انظروا واذكروا

من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت

ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج

الا ان أبلغ العظات، السير في الفلوات، والنظر إلى محل الأموات

إن في السماء لخبرا، وأن في الأرض لعبرا

مالي أرى الناس يذهبون، فلا يرجعون

أرضوا هناك بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا

يا معشر إياد !

أين الآباء والأجداد، وأين المريض والعواد، وأين الفراعنة الشداد ؟

اين من طغى وبغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى

الم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأطول منكم آجالا
في الذاهبــين في القـــرون لنا بصـائـــر

لما رأيت مـواردا للمـوت ليس لها مصــــادر

ورأيت قومي نحوها تمضي الأصاغر والأكابر

لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غــابــــر

أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صــائـر

أقـول لعل هـذا يدفع إلى ترجيح التصور الذي أميل إليه، وقد فطن إلى هذا التصور مصطفى عبد الشافي الشورى حيث يقول إنَّ هذه الخطبة تبدأ » بالسجع المتوازن، ثم تتسع الفواصل في بعضها وتتقارب شيئا فشيئا في ترتيب وقع النغمات حتى تصبح الجمل مقاطع متعادلة الطول، متوافقة في موقع النبرات، فتتحول إلى أشطر عروضية
تامة وتتحول مواقع السجع إلى قواف سوية، فينتهي الإنشاد بالشعر الموزون كما
نفهمه الآن
« [200] .

                 إذن يمكننا القول أخيرا إنَّ الشعر قد بدأ » بداية متحررة فلم يكن الإنسان في بادئ أمره بالشعر يتقيد بالوزن والقافية، وإنما كان يميز بينه وبين النثر بالنغم الذي يجعله فيه وبالنبـرات التي يخـرجها مخارج الغناء، ولهـذا تجد المقطوعات الشعرية القديمة التي وصلت إلينا مدونة في كتابات مختلف الشعوب لا تشبه الشعر المعروف، إذ فيه تحرر، وفيه اعتماد على الترنم والإنشاد وعلى فن الإلقاء، أما الاعتبارات الفنية المعروفة، فهي من عمل الشعراء المتأخرين الذين أحلوا الوزن محل الإلقاء، ووضعوا قواعد معينة في نظم الشعر . فلم تكن الأبيات الشعرية في الشعر القديم متساوية، ولم تكن هناك قواف بالضرورة، حتى انك لا تستطيع تمييز القطعة الشعرية عن غيرها إلا بالإنشاد «[201] .

 

الفصل الثاني

العــــبث

 

           تؤكد الروايات التاريخية التي رصدت حياة امرئ القيس أنه كان يعيش بعيداً عن البناء الاجتماعي القبلي الذي تحكمه مقومات طبقية، تعلوها طبقة الأحرار، وتقع في قاعها طبقة العبيد، وأنه كان يعيش مع مجموعة من الصعاليك يماثلونه في الحياة والسلوك أي أنَّ امرأ القيس أصبح يعيش خارج إطار الجماعة القبلية، فلقد طرده أبوه لأسبابٍ تتفاوت المصادر التاريخية في تحديدها، إذ يؤكد بعضها أنَّ الطرد كان بسبب احتراف الشاعر إبداع الشعر، بحجة أنَّ «الملوك تأنف عن ذلك» [202]، أو لأنَّ الشاعر كان لا يُعنى بما يُعنى به فتيان القبيلة «إذ كان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم، وخرج إلى الصيد، فتصيد، ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه، ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره»[203] ويؤكد ابن رشيق القيرواني أنَّ سبب طرد امرئ القيس، ليس لقوله الشعر، وإنما يرجع ذلك لأنَّ الشاعر كان« خليعا متهتكا، شبب بنساء أبيه، وبدأ بهذا الشر العظيم، واشتغل بالخمر والزنا عن الملك والرياسة، فكان إليه من أبيه ما كان ليس من جهة الشعر، لكن من جهة الغي والبطالة، فهذه العلة، وقد جازت كثيراً من الناس، ومرت عليهم صفحا»[204].

          وتشير روايات أخرى ـ إن صحت ـ إلى هذا المعنى، فالشاعر«كان عاشقاً لابنة عم له يقال لها عنيزة، وأنه طلبها فلم يصل إليها، وأراد أنْ يتزوجها فلم يقض له حتى إذا كان يوم الغدير ـ وهو يوم دارة جلجل ـ احتمل الحي متقدمين، وخلفوا النساء والخدم والعسفاء، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف عن رجال قومه، فكمن في غيابة من الأرض، حتى مرت به فتيات فيهن عنيزة، فلما وردن الغدير نحين العبيد عنهن وتجردن، ودخلن الغدير، فخاتلهن امرؤ القيس فأخذ ثيابهن فحملها، وأقسم ألا يعطي جارية فيهن ثوبها حتى تخرج كما هي فتأخذ ثوبها، فأبين ذلك حتى تعالى النهار، وخشين أنْ يقصرن عن المنـزل الذي يردنه، فخرجت إحداهن، فوضع لها ثوبها فأخذته، وتتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة، فناشدته أنْ يطرح لها ثوبها فأبى عليها، فخرجت، فنظر إليها مقبلة ومدبرة، فأخذت ثوبها فلبسته »[205] وتابعه الرواة بالاختلاق حتى في تفسير مماته إذ يحكون أنه عشق ابنة قيصر، مما تسبب في وفاته بالحكاية المعروفة .

          ولم يقتصر أمر الشاعر على طرده من البناء الاجتماعي بل تجاوز ذلك إلى أمر قتله إذ أمر أبوه أن يُقتل بسبب فجوره وتعهره، ومن الطريف في هذا السياق أنْ نشير إلى بعض ملامح يتماثل فيها امرؤ القيس بأوديب الملك، فكلاهما كان خارجا عن المألوف في تعهره بأمه، ‏أو بنساء أبيه « وكان امرؤ القيس طرده أبوه لما صنع في الشعر بفاطمة ما صنع، وكان لها عاشقا، فطلبها زماناً فلم يصل إليها، وكان يطلب منها موعداً حتى كان منها يوم الغدير بدراة جلجل ما كان، فقال :              

                    قِفَا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنـزلِ
فلما بلغ ذلك حجراُ دعا مولى له يقال له ربيعة، فقال له :اقتل امرأ القيس وائتني بعينيه فذبح جؤذراً فأتاه بعينيه، وندم حجر على ذلك »[206]، وكذا أوديب الذي دفع به أبوه الملك لايوس إلى راع« عجوز وأمره أنْ يقتله ليتاح له بذلك التغلب على ما دبرته الآلهة من عقاب وكانت الآلهة بالطبع على علم بما يدبر« لايوس » فتدخلت للمحافظة على حياة الطفل وتمَّ لها ما أرادت، إذ تركه الراعي على قمة الجبل بعد أنْ قيده من رجليه وعلقه على شـجرة، ويحدث لسبب أو آخر أن ينقذ الطفل من الموت راعٍ آخر من مدينة أخرى »[207] .

          وقد قادت خصوصية الشاعر في حياته وإبداعه، لتجاوزه ما ألِفه الناس في الحياة وما اعتادوا عليه في الإبداع، إلى القول بخروجه على معطيات متعددة، إذ يشير أدونيس إلى خروج امرئ القيس عن النموذج الأخلاقي، ونموذج المعاني، فأما من جهة خروجه عن النموذج الأخلاقي فيؤخذ عليه « فجوره وعهره، وقيل عن المعنى في شعره حول المرأة بأنه« معنى فاحش »، وبأنه « قصد للحبلى والمرضع دون البكر.... ما فعل هذا إلا لنقص همته » فالزواج من البكر دليل على« علو الهمة » وقد خالف امرؤ القيس هذه القيمة فاتهم بنقص الهمة » [208]. وأما من جهة خروجه عن نموذج المعاني فيشير إلى قصة تحكيم أم جندب زوج امرئ القيس، فلقد « حكمت بينه وبين علقمة، وفضلت علقمة عليه، ‏وقد استندت في حكمها إلى قصيدتين بموضوع واحد وقافية واحدة وروي واحد والى مقياس هو المثال ـ النموذج للأفراس العربية ـ كما يترسخ في ذهنها : الفرس الذي يسرع دون أنْ يزجر ودون أنْ يتعب، وقد خالف امرؤ القيس في وصفه هذه الصورة النموذجية، بينما جاء وصف علقمة مطابقاً لها، وهكذا فضلت علقمة، فالمطابقة مع النموذج هي الأفضل، ولذلك فإنَّ الشاعر الذي يستعيد النموذج أفضل من الشاعر الذي ينحرف عنه أو يشوهه » [209]، وأما من جهة الخروج عن نموذج التعبير فيشير إلى أنَّ امرأ القيس يحيد باللفظة عما وضعت له أصلاً .فكما انه لا يطابق بين المعنى ونموذجه فإنه كذلك لا يطابق بين اللفظة ومدلولها الأصلي. ثم انه لا يتقيد بنسق التعبير ... عاب عليه الأصمعي قوله :

وَأركبُ في الرّوعِ خَيفَانةً

كَسَا وجهَها سَعَفٌ منتشرْ[210]

 

وذلك أنَّ الشَعَر في ناصية الفرس إذا غطى وجهه «لم يكن كريماً » وهذا نقد يفسر اللفظة بمعناها الظاهر الحرفي، وهو قائم على القـول بالمطابقة بين اللفظ كـدال والمعنى كمدلول » [211] .

          إنَّ هذا كله يدفعنا إلى الحديث عن مفهوم خاص للعبث الذي يتحدد معناه في المعجمات اللغوية في دلالات محددة، إذ يورد ابن منظور أنَّ « العبث مصدر للفعل
عبِث ... عبثا : لعب
» [212]، ويورد الزَبيدي أنَّ « عبث به كفرح عبثا فهو عابث: لاعب بما لا يعنيه وليس من باله، ... وقيل العبث ما لا فائدة فيه يعتد بها أو ما لا يقصد به فائدة  » [213]، وقد يأتي العبث بمعنى الخلط، أو الاستخفاف، عبث بالدين وغيره استخف به، والعبث ارتكاب أمر غير معلوم الفائدة أو ليس غرضاً صحيحاً لفاعله [214] .

          وفي ضوء هذا تتحدد دلالة العبث في المعجمات اللغوية في : اللعب، والخلط والاستخفاف، وكأَنَّ اللعب يمثل فعلا يؤديه الإنسان لإثبات ذاته ومحاولاته أداءه لتحقيق قدر من التخطي والتجاوز، سواء أكان للعب غاية أم كان خاليا من المعنى، كما أنَّ الخلط يعني الغاء لجوانب الثبات والمعقول، أي الجمع والمجاورة بين أشياء لا يمكن الجمع بينها منطقيا وعقليا، أما الاستخفاف فهو التقليل من قيم الاشياء المتعارف عليها، ومن ثم فإنه يمثل شكلا من أشكال المواجهة العاجزة، ومن الواضح أنَّ « اللعب، والخلط والاستخفاف » كلها تعبر عن تجربة ذاتية خاصة .

          أما دلالة العبث الفلسفية فإنها لا تكاد تبتعد كثيرا عن الدلالة اللغوية، إذ يصدر عبث الإنسان حين يحس بعجز فعله الإنساني، وتتأتى فلسفة العبث من خلال صراع الإنسان مع أنماط القسر التي تحيط الإنسان وتكتنفه، إذ يعيش الإنسان قدْراً من التمزق إزاء واقعه [215].

          إن مفهوم العبث أخذ بالتطور والتبلور مع الوجوديين قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، وكان الفيلسوف الدنماركي كيركغارد يؤكد « أنَّ المسيحية هي عبث لأنه ليس من إنسان يستطيع أنْ يدَّعي تبرير مبادئها عقلانياً  » [216]، فالإنسان عند الوجوديين ثائر ضد كل ما يعارض حريته، ويتبدى العبث بوصفه نتيجة لهذا التعارض، أو عن« عدم مقدرة العقل على تفسير الوجود  » [217]، كما أنَّ الحياة هي الأخرى تخلو من أي معنى، وليس بالإمكان تفسيرها أو إخضاعها للمبادئ العقلية والقوانين المنطقية، إنَّ الإنسان يحاول تجاوز ذاته وتجاوز الآخرين في آن، ويشتمل ذلك على تمرد ورفض لكل مألوف، لأنَّ المألوف لا تحكمه أسس وقوانين مبررة عقليا، ومن ثم فإنَّ « الإنسان الذي يعيش في مجتمع قمعي يشعر أنه ميت قبل موته الطبيعي، فإذا تمرد أو ثار لا يشعر أنه يفقد شيئا، بل على العكس يشعر أن يتحرك ويحيا - ولذلك يشعر أنه يربح الحياة نفسها حتى حين يموت.

          طبيعي أن يتجاوز الإنسان الذي يعيش هذه التجربة، أحكام المنطق العادي ويدخل في عالم يرفض الأحكام التي تكبحه، سواء كانت اجتماعية أو دينية . ويكون جموحه قويا بقدر ما يكون الكبح قويا . ففي عالم يغلق الأبواب كلها في وجه الحرية يكون الجموح بالضرورة فوضى، فالفوضى في مثل هذا العالم هي وحدها التي تفتح أبـواب الحياة . وهكذا يكون المجون تعـويضا عن غياب الحياة. بل يصبح هو نفسه الحياة » [218].

                ويمكننا القول بمفهوم عام « للعبث »، لأنَّ دلالته وبعض مكوناته قديمة، ترجع إلى أعماق التاريخ لدى الفلاسفة والأدباء « ففي الفكر القديم تكلم الأبيقوريون عن الآلهة التي تدير ظهرها للناس، إذ إنَّ أمامها أعمالاً أهم من الاهتمام بالبشر والعناية بمصيرهم أما الشعراء فلقد عبر العديد منهم عن تجربة العبث، تجربة اللامعنى الكامل للحياة، فشكسبير مثلا يقول في مسرحية « مكبث » الحياة قصة يرويها معتوه، مليئة بالضجيج والغضب وتخلو من كل معنى » [219] .

          إن هناك تصوراً عاماً يكتنف مفهوم العبث ويحدد أبعاده ويتجلى بخلو« الحياة من أي معنى، وعدم خضوع الوجود لقوانين عقلية ولقوانين ثابتة بين طموحات الإنسان وواقع الحياة ليس هناك أي انسجام  »[220]، إنَّ هذا التصور يتجلى ـ كما أشرنا ـ عند الأبيقوريين، والوجودييين مثل كيركيغارد وسارتر، وكما تبلور عند البير كامو الذي وصل مفهوم العبث لديه إلى درجة من النضج، بحيث أخذ يدل على البطلان المنطقي لأي فكرة كانت [221].إن العبث ليس فكرة ذهنية مستقلة عن الوجود الإنساني وأفعاله، ولكنه جزء من ممارسته في الحياة، لأنها تهدف فيما تهدف إليه تجاوز الذات إلى حد إنكارها بالانتحار كما يؤكد ذلك البيركامو في قوله « فإذا كنا لا نؤمن بشيء، وإذا لم يكن هناك معنى لأي شيء، وإذا كنا لا نستطيع تأكيد أية قيمة أصبح كل شيء ممكناً ولا أهمية لأي شيء » [222].

          ومن يتتبع حياة امرئ القيس وشعره يجد أنه يصدر عن « أنا » متضخمة تكتنفها الحرية من ناحية، والتمرد من ناحية ثانية، وتحقيق اللـذة من نـاحية ثالثة، وكأَنَّ
« الأنا » تقـع فـي قلـب « مثلث » تمثل أضلاعه هذه المكونات الثلاثة، إنَّ هذه المكونات ـ الحرية، والتمرد، وتحقيق اللذة ـ تعبر عن تجربة فردية خاصة ومن ثم فإنها تعضد هذه « الأنا » التي يصدر عنها الشاعر، فالحرية وممارستها والتعبير عنها لا يعدو في جوهره أن يكون عملاً فردياً، كما أنَّ التمرد، هو الآخر، يعبر عن هذه الخصوصية في إحداث الفعل وإيقاعه في الواقع، وعلى الرغم من أنَّ للحرية وللتمرد أبعاداً قد يدلان بها على تجاوز فردية الشاعر وخصوصيته، ولكنهما ـ في الحقيقة ـ لا ينفكان في جوهرهما عن إحداث الفعل الفردي وتحقيق اللذة، وبخاصة في مجالها الحسي الجنسي، فإنها أكثر تعبيراً عن خصوصية الشاعر وفرديته .

          وقد دفعت هذه المكونات الشاعر ليعبر عن نـزعة إباحية تحاول تحقيق اللذة من أي وعاء أتت، وكأَنَّ الشاعر يهدف إلى تحقيق وجوده وذاته من خلالها جميعا، ويؤكد في الوقت نفسه أنَّ الحياة تخلو من أي معنى، وأنها لا تخضع لأية قواعد أو قوانين عقلية بمقدار ما تخضع لهذه الرغائب الفردية بأبعادها المتعددة .

          ومن المظاهر التي تتبدى في شعر امرئ القيس في هذا الإطار العام للعبث تكرار مفردات لها دلالتها العميقة في الكشف عن هذه النـزعة، وتظهر فرديته وخصوصيته بجلاء، وهذه المفردات هي : اللهو، والتمتع، واللذة، يقول امرؤ القيس [223] :

 

وبيضةِ خِدرٍ لا يُرامُ خباؤها

تَمتّـعتُ مـن لهـوٍ بـهـا غــيرَ معجـــلِ [224] 

ويقول :

ألاَ زَعَمَتْ بَسبَاسَةُ اليومَ أَنني

 كَبِـرتُ وألاَّ يُحسنُ اللهوَ أمثالي
 

كَذِبتِ، لقد أُصْبِي على المرءِ عِرسَهُ

 وأَمنعُ عِرسِي أن يُزَنَّ بها الخَالي [225]
 

وَيَا رُبَّ يَومٍ قَدْ لَهوتُ وَلَيلةٍ

 بآنــسةٍ كأَنَّـها خَــطُ تـِمثــالِ[226]

ويقول :

كَأَني لَمْ أركبْ جَواداً للذّةٍ

 ولم أَتبطَّــنْ كاعبـاً ذاتَ خَلخَالِ[227]

ويقول :

 

 تَمَتَّعْ من الدُّنيا فإنك فانِ

 من النَّشَــوَاتِ والنساءِ الحِسـانِ[228]

          إنَّ هذه المفردات الدالة قد اقترنت بتعبير الشاعر عن فرديته وخصوصيته، سواء أكان ذلك من خلال الضمائر المتصلة بالفعل مثل: « تمتعت » و « لهوت » أم من خلال السياق الذي يحيط هذه الدلالات، وهو سياق يعبر عن هذه الفردية، ويقيم الشاعر علاقة بين الشيخوخة والعجز من ناحية والصبا والفعل من ناحية ثانية، وتتجسد ملامح القوة والفتوة والفعل في الجانب الحسي الجنسي بخاصة، كما أنَّ هذا يتحقق في بعدين: لذة الفروسية ، ولذة العلاقة الجسدية بالمرأة، وهي شأنها شأن كل متعة لا بد أن يغتنمها الشاعر مادامت النتيجة الفناء، إنَّ الشاعر يدفعه ـ هنا ـ الإحساس بالفناء والتلاشي وما دام الأمر كذلك فإن الشاعر يهدف إلى الانتشاء في هذه الدنيا .

          ولم يقتصر الأمر على المفردات الدالة، بل تجاوزه إلى قصائد تشتمل ضمناً عليها من خلال أفعال يؤديها، وتتجلى فيها الفردية والخصوصية بجلاء، يقول امرؤ القيس :

سَمَوتُ إليها بَعدما نامَ أهلُها
 

 سُمُوَ حَباب الماءِ حَالاً على حَالِ [229]
 

فَقَالتْ : سَباكَ اللّهُ إنكَ فاضِحِي
 

أّلستَ تَرَى السُّمارَ والناسَ أحوالِ [230]
 

فَقلتُ : يَمينَ اللّهِ أَبرحُ قاعداً

 ولو قَطَّعُوا رأسِي لَديكِ وأَوصالِي[231]
 

حَلَفتُ لها باللّهِ حَلفةَ فاجِرٍ
 

لنامُوا فما إنْ من حَديثٍ ولا صَالِ [232]
 

وَصِرنا إلى الحُسنى ورقَّ كَلامنُا

 وَرُضْـتُ فَـذلَّتْ صَعبــةً أَيَّ إذلالِ[233]
 

فأصبحتُ مَعشوقاً وأَصبـحَ بَعلُها

 عليه القَتَامُ سيءَ الظنِ والبالِ[234] 

ويقول :

نـزيفٌ إذا قَامتْ لوَجهٍ تَمايَلَتْ
 

تُراشِي الفؤادَ الرخصَ أَلاَّ تَخَتَّرا [235]

أَأَسماء أَمسى وُدُّها قد تَغَيرا
 

سَنُبـدلُ إنْ أبدلَتْ بالــودِ آخرا [236]

          وعلى الرغم من أنَّ امرأ القيس يؤكد أهمية الخمر بوصفها إحدى المتع، فإنه انصرف باتجاه المرأة كثيراً، و كأَنَّ نـزعته العابثة تتحقق أبعادها :حرية، وتمرداً، وتلذذاً من خلال المرأة، وفي ضوء هذا تمثل المرأة عنده غاية يتحقق وجوده وذاته عبرها، غير أنَّ هذا لا يشبع إلا رغائب جسمية، وتضخيم ذات تتجلى من خلالها أبعاد نرجسية فقصائده يتجلى فيها الشاعر « وقد أغرى المرأة وأدرك منها غاية، فهي متيمة به، مقبلة عليه، يلقاها حيناً بالشوق والمودة، وحيناً آخر، يتواقع معها تواقع فحش وفجور يصرّح به وبعلته عبر إطار من الواقعية السافرة »[237]، ومما يؤكد هذا تلك القصص الفاحشة التي يتباهى الشاعر بها، إضافة إلى تغزله بالعديدات، فهو لا يستقر على واحدة، إذ يطفح ديوانه بالعديد ممن تغزل بهن، وهو لا يقتصر على الباكر، بل يتجاوزها إلى ذات البعل والمطفل، مما دفع باحثاً إلى القول :‏إنه كان « إباحياً، تبع نساء، يتنقل فيهن، وأنه كان ينظر إلى المرأة نظرة مادية تغلب عليها المتعة العابرة،كأنها أداة من أدوات اللهو، يستكمل بها عدة المجون والتهتك » [238]، وإذا كان الحب عند الشاعر العذري غاية تتجسد فيها: العفة والتوحد، والديمومة [239]، أي العلاقة العفيفة بين العاشق والمعشوق، وكونها الحبيبة الوحيدة التي لا يتجاوزها إلى غيرها، ومن ثم ديمومة هذا الحب حتى موت العاشق، فإنَّ الحب عند امرئ القيس الوجه الآخر المضاد لرؤية العذري، إذ تتجسد فيه المادية والحسية، وتعدد الحبيبات، وكون الحب عارضاً وطارئاً، ولذلك فإنَّ امرأ القيس لا يحب المرأة لذاتها، أو لشوق يدفعه إليها، وإنما يحبها لأنها تحقق له رغبة عارضة هي إرواء لذته فالحب لديه «نشوة عابرة يتبعها شعور بالمرارة يدفع إلى اقتناص نشوة أخرى، إنه لذة تَعِدُ بإرواء ظمأ لكنها لا تروي أبداً...والجنس كلذة خالصة يتضمن إنكار الآخر كشخص، ولا تعود المرأة في هذا المنظور إلا واحة وراحة للعاشق، فالعاشق هنا يبقى في حدود أناه، وفي حدود إرواء نهمه الجنسي، ولذلك لا يصل إلى المرأة، ولا يصل إلى الكون من خلال المرأة وهكذا حين يصور لنا شعر امرئ القيس كيف تفلت منه المرأة يصور لنا في الوقت ذاته كيف يفلت منه الوجود، فحين يحول الرجل المرأة إلى وسيلة للذته، ولا ينفصل عنها كآخر وحسب، وإنما ينفصل كذلك عن الكون » [240] .

          ويدعم هذا حالات المجون التي كان يتباهى بها امرؤ القيس في معلقته ولاميته بخاصة، فهو لا يأسر قلب الفتاة البكر، بل يأسر قلب المتزوجة والمرضع، وكان يقتحم العقبات من أجل تحقيق بغيته، فهو يتجاوز حراساً لو ظفروا به لقتلوه :

وبيضةِ خِدرٍ لا يُرامُ خباؤها

تَمتّـعتُ من لهـوٍ بها غيرَ معجلِ [241]
 

تجاوزتُ أحراساً وأهوالَ مَعشرٍ
 

عليَّ حــراصٍ لـو يُشِرّون مَقتلي [242]

          وفي ضوء هذا فإن اللذائذ بغية امرئ القيس، فأخذ يعبُّ منها متتبعاً مظانها ومتقلباً في جنباتها، فنراه لاهياً ماجناً تتعدد حبيباته، ويلهث وراء المتعة سواء أجاءت من قريبة له أم من بعيدة، ولا يردعه رادع، إنَّ امرأ القيس منح نفسه « حرية » تجاوزت المألوف، وكسرت المعتاد .إنَّ عبث امرئ القيس لا يصدر عن موقف تأملي عميق للحياة والوجود، أي أنه ليست هناك قضية وجودية أو فكرية ملحة أملت عليه هذه النـزعة العابثة، غاية ما في الأمر أنه أعطي ذاته المتضخمة زمام الأمر فتحركت به نحو ما هي راغبة فيه، إنَّ امرأ القيس في علاقته بالمرأة لا يشغله الحب وإنما هي « مسألة لذة وامتلاك لما يحقق هذه اللذة . المرأة هنا وسيلة وهي إذن شيء يمتلك، أي أنها شيء يستهلك ...إن امرأ القيس لا يبحث عن امرأة يحبها وإنما يبحث عن السيطرة والامتلاك  »[243]، وإذا صحَّ ما نقله عنه الرواة بشأن وصية أبيه الذي أوصى أن يعطى حامل وصيته دروعه وأسلحته لمن لا يجزع من أبنائه، فجزع أبناؤه جميعا « حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه النرد، فقال له :قُتل حجر، فلم يلتفت إليه، وأمسك نديمه، فقال له امرؤ القيس :اضرب فضرب حتى إذا فرغ قال : ما كنت لأفسد عليك دستك، ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله فأخبره، فقال الخمر والنساء حرام حتى أقتل مائة من بني أسد وأجز نواصي مائة »، مما يدل على أنه كف عن حالة العبث التي عاشها بعد أنْ علم بمقتل أبيه، ‏وأنَّ حالة العبث على الرغم من أصالتها فيه لم تكن مؤسسة على تصـور تأملي عميق.

          أما الأعشى فلم يكن العبث عنده قائماً على رؤيةٍ مسبقة أو معضلة وجودية يعاني منها، ولكنه أرسل نفسه على سجيتها نحو متع الحياة، وهي تنحصر لديه في إطاري الخمرة والمرأة، وهما يمثلان لديه وجوده وحياته .

          ويتكئ الأعشى على مغامرات غرامية لا تختلف في مضمونها عن غراميات امرئ القيس، ويعمد في تصوير ذلك على القصة الشعرية، إذ يكون الشاعر مفتوناً بفتاة صغيرة، ويرسل من أجلها رسولاً خاصاً، ثم يتجه بعد ذلك إلى زيارتها، ويسهب في وصف مغامرته تلك، يقول :

 

وَلَقَدْ غَبَنتُ الكَاعِبــــا
 

 تِ أَحظُّ من تَخْبابـِـــها[244]
 

وأَخُونُ غَفلَةَ قَـــومِـها
 

 يَمشُـونَ حَولَ قِبابـِــها
 

حَـذَراً عَليها أنْ تُـرى
 

 أَو أنْ يُطـــافَ بِبابـِـها
 

 

 

فَبَـعَـثـتُ جِنِّـيّـاً لنــا

يَأَتـي بِـرجعِ خِطابـِــها[245]
 

فَمَشَى ولَمْ يخشَ الأَنِيــ
 

ــسَ فَزَارَها وَخَلا بِها
 

فَتَنازَعا سِرَّ الحَــدِيــــ
 

 ــــــثِ فأَنكَرَتْ فَنـزا بِها[246]
 

عَـضِـبُ اللِّسَـانِ مُتَقِّنٌ
 

 فَـطِنٌ لِـمَا يَعْنَــى بِـهـا[247]
 

 صَنَعٌ بِليـــــنِ حَدِيثِـها

فَدَنَتْ عُرَى أَسبَابِــــها
 

قَالتْ : قَضَـيتَ قَضِيـةً
 

 عَــدْلاً لَنَا يُرضَى بِــها
 

 

فأَرادَهَا كَيفَ الدُّخُــــو
 

 لُ، وَكَيفَ مَا يُؤتَى بِــها
 

في قُبَّةٍ حَمــرَاءَ زيـَّـــــ
 

ـــــــنَهَا إئتلاقُ طِبابـِـها[248]
 

وَدَنــــا تَســمُّعُـهُ الى

ما قَالَ، إذ أَوصَى بِــها
 

إنَّ الفَتَـــاةَ صَغيــرةٌ
 

 غِـرٌ فلا يُسْـــدى بـِــها[249]

          ويستكمل الأعشى مغامرته هذه باقتحامه خيمتها، ويتمم ذلك بحديثه عن الخمرة، و كأَنَّ الخمرة والمرأة وجهان لمتعة واحدة عند الأعشى، يقول :

وَإذا لَنَا نـَـامُــــورَةٌ

 مَرفُــوعَةٌ لِشَرَابِــها[250]
 

وَتَظَلُّ تَجْــرِي بَيْنَنَا

 وَمُفـــدَّمٌ يسقي بِــها[251]
 

هَزِجٌ عَليهِ التَّوْمَتَــا

 نِ، إذا نَشَاءُ عَدَا بِها[252]

          إن متعة الأعشى تتحقق من خلال التلذذ بهذين البعدين، في إطراب موسيقي يتجلى من خلال بعدين، مجزوء الكامل بإيقاعه الراقص، وحرف اللين « الألف » الذي كثر في قافية القصيدة، فالقصيدة ذات وصل بالألف، ومردفة بالألف، وقد أسهم هذا كله في تحقيق توازن بين تجاريب الغزل والخمرة والإيقاع .

 ويصل عبث الأعشى حداً يجاهر فيه بلهوه وعبثه، يقول :

 

فَقَد أُخرِجُ الكَاعِبَ المُستَرا
 

ةَ، مِنْ خِدْرِها وأُشـيعُ القِمَارا[253]
 

وَذَاتِ نَــوافٍ كَلـونِ الفُصُو

صِ، بَاكَرْتُها فادّمَجتُ ابتكارا[254]

          وتمثل الخمرة متعة الشاعر يعاقرها، لأنها لذته، ويشرب الكأس، ويتداوي من الأولى بأختها، يقول :

وَكـأَسٍ شَـرِبـتُ عَلـى لَـــذَّةٍ

 وأَخرَى تَداويتُ مِنها بِـــها
 

 

لِكَي يَعلمَ النَّاسُ أَنِّي امـــرُؤٌ

 أَتيتُ المَعِيشةَ من بَابِـــــها

كُمَيِتٍ يُرَى دُونَ قَعْـــرِ الإنا

 كَمِثلِ قَذَى العَيْنِ يُقْذَى بِهـا[255]

وَشَاهِدُنا الـــــوَرْدُ واليَاسَمِيـ

 ـنُ، والمُسْمِعاتُ بِقُصَّابِــــا[256]

وَمِـزْهَـرُنَـا مُـعْـمَلٌ دَائِــــــمٌ
 

فَأَيُّ الثَـلاثَـةِ أَزْرَى بِـــــها[257]
 

تَرَى الصَنْجَ يَبكَي لَهُ شَـجْـوَهُ
 

مَخَافَة أَنْ سَوفَ يُـدْعَى بِها[258]
 

مَضَى لِي ثَمَانُونَ مِنْ مَوْلِـدي
 

 كَـذلكَ تَـفْـصِـيلُ حُسَّـابـِــها
 

 

فَأَصْبَحتُ وَدَّعتُ لَهْـوَ الشَّبَــا
 

بِ، والخَنْـدَرِيـسَ لأَصْحابِها[259]

 

          إنَّ الأعشى كان يبدأ بالغزل أولاً، ثم يعرج إلى الخمرة ثانياً، ومن ثم ينتقل إلى الغرض الشعري الذي يرومه .

 ومن مظاهر فتنة الأعشى بالخمرة أنه كان يصف لونها ورائحتها، يقول :

 

وَكأَسٍ كَعَينِ الدِّيكِ بَاكَرتُ حَدَّهَا
 

بِفِتْيَانِ صِدقٍ والنَوَاقِيسُ تُضْرَبُ[260]
 

سُلافٍ كأَنَّ الزَّعْفَرَانَ، وَعِندَمَا
 

يُصَفَّقُ في نَاجُـودِهَا ثُمَّ تُقْطَــبُ[261]

لَهَا أَرَجٌ في البَيْتِ عَــالٍ كَأَنَّــما
 

 أَلَمَّ بِهِ من تَجْرِ دَارِيــنَ أَرْكَــبُ [262]

ويقول :

 

وَكَأَسٍ كَمَاءِ النَّيِّ بَاكَرْتُ حَدَّها

بِغِرَّتِهًا إذْ غَابَ عَنِّي بُغَاتـُــها[263]
 

كُمَيْتٍ عَليهَا حُمْرَةٌ فَوقَ كُمتـةٍ
 

 يَكَادُ يُفَرِّي المسكَ مِنهَا حَمَاتُها[264]

          ومن الجدير بالذكر استكمالاً للتصور أن نعقد مقارنة مع شاعرجاهلي آخر ـ طرفة بن العبد ـ لم يكن العبث لديه مجرد نـزعة دفعته إليها « أنا » متضخمة فحسب وإنما دفعه لذلك تأمل لطبيعة الوجود والحياة، ويظهر أنَّ قلق الشاعر إزاء الموت وتأمله إياه قد دفعه إلى موقفه العابث، والفرق بين امرئ القيس وطرفة بن العبد أنَّ كليهما يلتقيان في ضرورة التمتع بلذائذ الحياة، غير أنَّ طرفة بن العبد يفوق امرأ القيس في قلقه وتأمله، ومن ثم يتجاوزه في عرض المعضلات التي تعترض حياته، وليس غريباً على طرفة بن العبد أنْ يتأمل الموت، وهو في حساسية شاعر، فلقد وُلِدَ طرفة يتيماً « أي أنه فجع بفاجعة الموت، وهو حدث فساء ظنه بحكمه الحياة والموت، وأن فكرة الموت ولجت إلى ضميره بعقدة العدم والعبث واللاجدوى » [265]، فقد لاحظ طرفة بن العبد أن قبور الناس تتماثل بعد الموت، فلا فرق بين قبر الكريم وقبر البخيل، مادام الموت نهاية الرحلة، ولما كان الأمر كذلك فلماذا يبخل الإنسان ؟ ولماذا لا يستمتع بلذائذ الحياة ؟ يقول :

أَرَى قَبْرَ نَحَّامٍ بَخِيلٍ بِمالِهِ
 

كَقَبْـرِ غَــوِىٍّ في البَطالةِ مُفسِـدِ[266]
 

تَرَى جُثْوَتَينِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيهِمَا

صَفَائحُ صُـمٍّ من صَفيحٍ مُنـضَّدِ[267]

أَرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرَامَ وَيَصطَفى
 

عَقِيـلَةَ مَالِ الفَاحِـشِ المُتَشَـــدِّدِ[268]
 

أَرى العَيْشَ كَنـزاً نَاقِصَاً كُلَّ لَيلَةٍ

وَمَا تَنقُصُ الأَيَـامُ والدّهـرُ يَنْفَدِ
 

لَعَمْرُكَ ! إنَّ المَوْتَ مَا أَخطَأَ الفَتَي
 

لَكَالطّوَلِ المُرخَى وثِنْيَاهُ باليَـدِ[269]

          إنَّ هناك علاقة بين الحياة والزمن والموت، فالحياة لدى طرفة تمثل كنـزاً، ويمثل الكنـز قيمة كبرى تعتريها حوادث الزمان بالنقصان، وكلما مر يوم فقد الكنـز قسماً منه حتى يفنى، ولذا فإن حركة الزمن تعبث بالحياة، وتحيلها إلى فناء، وهذا الإحساس بالضياع والفقدان الذي يفعله الزمن يدفع إلى استغلال الكنـز قبل أن يفنى من أيدي الناس إذ ليس الزمن إلا طريقاً تقود إلى الموت، فالقلق إزاء الموت وخوفه من نهايته المحتومة دفعته إلى اللهو والعبث، مما دفع ناقداً إلى القول: بأن أسى الشاعر « ميتافيزيقي فلسفي ... فليس ثمة شيء ذا قيمة ما دام الموت يحيله، ولقد ترددت فكرة الموت في معلقته جميعا حتى يخيل إلينا أنه كان يتراءى له أبداً في قعر الكأس، وأنه لم يكن يدمن على شرب الخمرة إلا للتهرب من مواجهة جمجمة العدم » [270]، ويبدو أنَّ دافع الموت كان يفيض من ثنايا ثالوثه المقدس : الخمرة، والجنس، والفروسية، يقول :

وَلَولا ثَلاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الفَتَى
 

وَجـدِّكَ لَمْ أَحْفِـلْ مَتَى قَامَ عُوَّدي [271]
 

فَمِنهُنَّ سَبْقي العَاذِلاتِ بِشَرْبَةٍ
 

كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بالمَاءِ تُزْبِدِ [272]
 

وَكَرِّي إذا نَادَى المُضَافُ مُحنَّباً

 كَسِيدِ الغَضَا نَبّهتهُ المتــَوَرِّدِ[273] 
 

وَتَقْصيرُ يَوم الدَّجنِ والدَّجنُ معجِبٌ
 

بِبَهْكَنَةٍٍٍ تَحتَ الخِبـاءِ المُعَمَّــدِ[274]
 

 كَرَيمٌ يُروّي نفسَهُ في حَياتِهِ

                                   سَتَعلمُ إنْ مُتنَا غَدَاً أيّنا الصَدِي [275]

          وقد يبدو مألوفاً أن يعاقر الجاهلي الخمرة، ولكنها عند طرفة ابن العبد تمثل إحدى اللذائذ التي تحقق وجوده، وتثبت « أناه » المتضخمة، إذ تتحول الخمرة من كونها شرابا يسكر إلى غاية تمتع الإنسان وتحقق أمانيه وأحلامه .

          أما التواصل مع المرأة فإن الشاعرين ـ امرأ القيس وطرفة ـ يلتقيان فيه على نحو من الأنحاء، لأن التواصل مع المرأة يشبع لذة فيهما، ويحقق وجودهما الذاتي، غير أنَّ فرقاً جوهرياً بين الشاعرين، لأن طرفة بن العبد يصدر عن نظرة تأملية كان الموت دافعاً إليها ولم يكن هذا جليا عند امرئ القيس، « إنَّ طرفة ذو اتجاه فلسفي واضح يقترب إلى النـزعة الإلحادية المعاصرة . لقد كان طرفة يفخر بشربه للخمر والتفاخر بهذه العادة كان وجها من وجوه الفروسية الجاهلية » [276].

          إن العبث تجربة شخصية فردية، وقد عبر امرؤ القيس وطرفة ابن العبد عن هذه التجربة الشخصية الفردية، فهما لا يعبران عن القبيلة ولا عن الانتماء القبلي، كما هو الحال عند عمرو بن كلثوم الذي يفخر بالقبيلة والتعبير عن طموحاتها بضمير الجماعة بحيث أصبحت معلقته نشيداً ترويه القبيلة وتتباهى بحفظه، في حين كان التعبير بضمير المفرد طاغياً على تجربتي امرئ القيس وطرفة بن العبد، كما أنهما كانا متمردين على القبيلة وقيمها، وإذا كان امرؤ القيس قد طرده أبوه أو أمر بقتله، لتشبيبه بنساء أبيه أو لسيرته الأخلاقية السيئة فإن طرفة بن العبد يماثله بطرد آخر تزداد فيه معاناته بغربة جلية واضحة، يقول :

وَمَا زَالَ تَشرَابي الخُمُورَ وَلَذَّتي
 

وَبَيعي وإنفاقـي طَــريفي وَمُتْلَـدِي[277]

إلى أَنْ تَحَامَتني القَبيلةُ كُلُّهَا
 

وَأُفْرِدْتُ إفْـرَادَ البَعِيـرِ المُعَبـَّــــدِ[278]
 

فَمَا لِي أَرَاني وابنَ عَمّيَ مَالِكاً
 

مَتَى أَدْنُ مِنْــهُ يَنْأَ عَني ويَبـعُـدِ
 

يَلُومُ وَمَا أَدري عَلامَ يَلُومُني

 كَمَا لامَني في الحيِّ قُرْطُ بنُ مَعْبدِ[279]

          ولم تكن نهاية الشاعرين بأقل من حياتيهما في الغموض والاضطراب، فلقد مات امرؤ القيس عند جبل في أقصى أراضي العرب ونسجت حوله قصة عشقه لابنة قيصر وكيف مات بارتدائه حلة وشي مسمومة منسوجة بالذهب بعثها إليه قيصر، أما طرفة فلقد قتل لأن عمرو بن هند حمَّله كتاباً يوحي بجائزة سيتلقاها من عامله في البحرين
 فقتله عامل البحرين، لأنَّ الرسالة تتضمن مقتله .

 

الزمن وجدلية التواصل والانفصام

في مـعـلـقـة امرئ القيس

          ويتأمل الشاعر الزمن بوصفه حركة في الأفق المكاني وما يعتري الإنسان من تطور وتغير وصيرورة، ينتقل فيها من الضعف إلى القوة فالضعف، ضعف في طفولته وقوة في رجولته، وضعف في شيخوخته، غير أنَّ تطوراً تصاعدياً يرافق هذا التغير، إذ يمر الإنسان بمراحل من النضج كلما تقدمت به السن، تطوراً نحو الأعمق والأفضل، هذا إذا استثنينا أرذل العمر، فالزمن يترك آثاره على الإنسان من ناحيتين : جسدية وذهنية، أما الجسدية : فتتجلى في تحول جسم الإنسان من الضعف إلى القوة فالضعف، وأما الذهنية فتتبدى في تراكم المعرفة الإنسانية على مستوى الإدراك والخبرة.

          إن الإحساس بالزمن يمثل بعداً ذاتياً فردياً لدى الإنسان، غير أنَّ الشاعر يختلف في الدرجة أحياناً، وفي النوع أحياناً أخرى، عن غيره من الناس في تحسسه للزمن، وإذا كان الزمن عند الإنسان العادي يمثل حركة ينتقل فيها من ماضٍ إلى حاضر، فإن الشاعر يتجاوز هذه الحركة الأفقية إلى دلالة ذاتية متشابكة، أي العمل على إحداث الفعل في الزمان وموقفه إزاءه، وهذا يعني أنَّ الزمن يتحول إلى بعد ذاتي يعيد الشاعر صنعه أو خلقه من جديد .

 ولسنا في سياق الحديث عن تجليات « الزمن » في إطار دلالته النحوية التي يدل عليها «الفعل» لأنَّ صيغة الفعل الماضي لا تعني دائماً أنَّ الحدث قد تم في الماضي، كما أنَّ استخدام الفعل المضارع لا يعني أنَّ الحدث قد تم في الحاضر، أو أنه سيحدث في المستقبل .إنَّ حديثنا عن الزمن، إنما هو حديث عن مدى إحساس الشاعر به، وتحوله من بعد خارجي إلى بعد ذاتي داخل الإنسان .

          وأول ما يبده المتلقي بإحساس الشاعر العربي ـ الجاهلي بالزمن هو وقوفه على الأطلال، إذ يمثل الطلل مثيراً حاضراً معبراً عن زمن ماضٍ، فوقوف امرئ القيس في الحاضر على الطلل يدل على حرمانه في الحاضر من التواصل العاطفي مع حبيبته، أو حبيباته، ومما يثير الانتباه أنَّ الشاعر يذرف دموعه عند طلل مجدب يخلو من كل مظهر من مظاهر الحياة، نباتية أو حيوانية، وحتى قيعانه تخلو من المياه، إذن هناك طلل مجدب وشاعر يبكي، ورفاق يواسون أو يعذلون، يقول امرؤ القيس :

قِفا نَبكِ من ذكرى حَبيبٍ وَمنـزلِ
 

 بسقِطِ اللِّوَى بين الدَّخولِ فَحوملِ[280]

فتُوضِحَ فالمِقراةِ لم يَعفُ رَسمُها

 لما نَسَجتـها مـن جَنـوبٍ وَشَمأَلِ[281]

تَرَى بَعَرَ الآرآمِ في عَـَـرصاتِها

وَقيــعانـِـها كأَنــّــهُ حَـبُّ فُـلْـفُـلِ[282]

كأَني غَداةَ البَينِ يومَ تَحَمّلـوا

 لــدى سَمُـراتِ الحيّ ناقفُ حَنظَلِ[283]

وقــوفاً بها صَحبـي عَليّ مَطيَّهم

يقــولــونَ : لا تهلِك أَسى وتـَجَمَّــلِ[284]

وَإنَّ شِفائي عَبــرةٌ إن سـفحتها

 وَهلْ عنـدَ رسـمٍ دارسٍ من مُعـوَّلِ[285]

كدينك من أم الحُويرثِ قبلَــها

 وَجــارتِها أمِّ الـربــــابِ بمأَســـلِ

ففاضتْ دموعُ العينِ منّي صَبابـَةً

على النحرِ حتى بلَّ دَمعيَ مِحمـَـلي[286]

          إن الطلل بوصفه مكانا لا قيمة له إن كان محايداً، ولكنه ليس كذلك عند امرئ القيس، إذ يمثل مثيراً له دلالته العاطفية والوجودية، وإذا كان للمكان وجهان ـ كما يرى أدونيس ـ وجه يجذب ووجه يخيف فإن الطلل يمثل الوجه المخيف لأن الشاعر يرى الأشياء تتهدم وتغيب ومن ثم تتدخل قوة الدهر« القوة الخارقة التي لا تمكن مقاومتها تأخذ كل شيء وتغير كل شيء، وأمام هذه القوة يحس الشاعر الجاهلي أنه عاجز ولا حيلة له . إنها ليست قوة الموت، بل قوة الحركة الأفقية التي تندرج في تيارها ظاهرة الغياب - غياب الحبيبة والأهل والقبيلة، إنه شيء خفي يأتي من الخلف مفاجئا لايغلب، ومجيئه حتمي الآن أو غدا أو بعد هنيهة . هذه القوة ليست ظاهرة عابرة وإنما هي نمط الحياة »[287] .

          ويكشف الطلل عن زمانين :حاضر وماض، ولكل منهما دلالته النفسية، ففي الزمان الحاضر يتجلى الطلل بخلوه من كل شئ سوى آثار بقايا الظباء، فهو مجدب مقفر لا حياة فيه، ويوحي بموعد الرحلة إلى الموت، وكأَنَّ موت الطلل موت للإنسان، إنَّ أثر الموت في الطلل دفع الشاعر إلى البكاء، وموت الطلل الحاضر يقابله إحساس الشاعر بالأسى، ومن أجل أنْ يتجاوز الشاعر ذلك يعمد إلى التشبث بالبقاء وكسر حالة الجدب ولا يتم تجاوز الحاضر بقساوته المتجلية في الطلل المجدب والحالة النفسية البائسة إلا من خلال استعادة الذكريات، أي أنها عودة للماضي في إطار المكان نفسه، فهي شكل من أشكال المقارنة بين الماضي والحاضر، حاضرٌ لا تواصل فيه، وماضٍ تم فيه التواصل .

          إن الشاعر بفعله هذا يعمد إلى استيحاء الزمن ومحاولة صنعه من جديد، ولكنه يصنعه هذه المرة بالحكاية، وكأَنَّ الحكاية وسيلة لتجسيد الماضي، أي تأكيد التواصل ومحاولة الخروج من أزمة الانفصام والأسى، وتحقيق شكل من أشكال التفريج عن الانفعال، كما أنه يمثل لوناً من التعزية في حاضر قاس مجدب .

                إن حديث الشاعر عن الطلل يشتمل على بعدين :أحدهما : يدل على رغبة الشاعر الجامحة للحياة، تفاعلاً مع معطياتها، وتواصلاً مع الآخرين، وثانيهما : يدل على هروب الشاعر من وطأة الزمن على الأشياء، لأنَّ الشاعر يعيش حالة من الخوف والفزع من الهرم وما يعتريه من عوامل الضعف والانقراض، لأنَّ الزمن يحول كل شئ من حال إلى حال، وهذه الصيرورة هي التي دفعت الشاعر ـ كما أشرت ـ‏ إلى إعادة الماضي ومحاولة خلقه من جديد من خلال الحكاية.

          إن إحساس الشاعر بالمكان ليس منفصلاً عن إحساسه بالزمان، صحيح أن المفردات الدالة على الزمان في المعلقة أقل من المفردات الدالة على المكان بمقدار النصف تقريبا، غير أنَّ هذا لا يقلل من أهمية الزمن في المعلقة، لأن الزمن يكتنفها بمقاطعها المتعددة كما أنَّ الإكثار من المفردات الدالة على المكان له ما يبرره عند شاعر بدوي تحيط به الصحراء من كل جانب، فضلاً عن أنَّ الإحساس بالمكان أقرب وأكثر لصوقا بالإنسان إذا ما قسنا ذلك بإحساس الإنسان بالزمن الذي يأتي لاحقا .

                وكانت « الحكاية » أداة الشاعر في كسر الحاضر، وإعادة صنع الزمن من جـديد ويتجلى هذا بوضوح من خلال التأكيد على الزمن الماضي بذكر مفرداته مثل كلمة « يوم » الدالة على الماضي، وقد تكررت في الحكاية الأولى خمس مرات، يقول امرؤ القيس :

 

أَلا رُبَّ يــومٍ لـكَ منـهنَّ صالـحٍ
 

ولاسيَّما يــومٍ بــدارةِ جُلــجُلِ

ويــومَ عَقــرتُ لِلعَذَارى مَطَيتَي
 

فَيَا عَجَباً مـن رَحْلِــها المُتَحمَّلِ[288]

يَظلُ العَــذَارى يَرتمين بِلحمِها
 

وشحمٍ كهُدَّابِ الـدِّمقـسِ المُفتــَّلِ[289]
 

ويــومَ دخلتُ الخِدرَ خِدرَ عُنيزةٍ
 

فقالتْ لكَ الويلاتُ إنكَ مُــرجلي[290]