المواقف
النقدية
قراءة في
نقد القصة القصيرة في العراق
الأستاذ
الدكتور
كريم
الوائلي
الإهداء
إلى من طاعنا من أجلي خيول الدهر
والديًّ العزيزين
بسم الله
الرحمن الرحيم
المقدمة
يعنى النقد الأدبي عناية
بالغة بدراسة النصوص ـ أدبية كانت أو نقدية ـ وسواء اعتمد النقد المقومات الذوقية
أولم يعتمدها فإنه ـ بالنتيجة ـ يتأسس على معايير محددة تمكن الناقد من تحليل النص
وتفسيره وتقويمه، بمعنى أنه يتجاوز الذوق إلى عملية ذهنية واعية، ويكشف النقد ـ من
هذه الزاوية ـ عن القيمة الفنية والمعرفية للنصوص، ليلتقي بألوان المعرفة الأخرى
ويستقل عنها في آن، وبهذا يسهم النقد الأدبي في تشكيل نوع من الوعي الفني والمعرفي
للأديب والناقد بخاصة، والمجتمع بعامة.
وتأسيساً
على هذا اتجه البحث إلى دراسة النشاط النقدي في العراق، وبخاصة ما أثارته القصة
القصيرة من تصورات وتحليلات نقدية، ليسهم هذا التحديد في تخصيص دراسة تهدف إلى
مزيد من الدقة في المعالجة والتحليل، وليعصم الباحث من الإسراف في التعميم إذا وزع
جهده في دراسة النشاط النقدي بأسره، كما أنَّ هذا التحديد يسهم في الكشف عن
التجليات النقدية المتنوعة حول هذا الشكل الأدبي دون غيره من الأشكال الأدبية
الأخرى، ويتحدد البحث ـ من زاوية أخرى ـ بإطار زماني يمتد من مطلع القرن العشرين ـ
البدايات الأولى للنقد ـ ويتوقف في عام 1967م، ليرصد مرحلة دقيقة من مراحل النقد
في العراق، تميزت بخصائص وسمات معينة، وانطوت على مواقف نقدية متغايرة، تبلورت
وتكاملت في هذه المرحلة، ويهدف البحث ـ من ثم ـ إلى الإحاطة بها، ومتابعة تطورها،
وتأسيس أصولها.
ويصدر
هذا البحث عن تصور أولى لطبيعة الأدب والنقد يرى فيه أنَّ الأديب والناقد يصدران
عن تصورات سابقة تحكم رؤيتهما للعالم والإنسان، ومن الطبيعي أنْ تتغاير هذه
التصورات فردية وعامة، ومن الطبيعي أيضاً أنْ تنعكس آثارها على النصوص الأدبية من
حيث تحديد وظائفها، وماهياتها، وبنائها، وأداتها، فالناقد الذي يرى في الأدب صورة
حرفية للواقع، بمعنى مراقبة الواقع وتسجيل أحداثه، يضاد الناقد الذي يرى فيه
تعبيراً عن الانفعال أو تصويراً له، ففي حين يركز الأول جهده على العالم الخارجي،
يركزه الثاني على العالم الداخلي، ويختلف عنهما ناقد آخر يوفق بين العالمين بطريقة
ما، في أثناء تحليله، وهذا يعني أنَّ هناك بنية تختفي وراء هذه التصورات، وكان ينبغي أن يتجه الدرس النقدي ليكشف عنها، ويحدد
عناصرها، ما دام النقد عملاً ذهنياً واعياً.
وفي
ضوء ما سلف ومن خلال عملية استقرائية للنصوص النقدية اتضح أنَّ هناك مجموعة من
الرؤى تعاقبت على الساحة النقدية في العراق، فهناك رؤية تغلب الموضوع على الذات،
وتجعل العقل متحكماً في إبداع النص وفي كيفية نقده، أطلقت عليها «الرؤية التقليدية«، وتضادها رؤية تغلب
الذات على الموضوع، وتجعل الذات مصدرها في الوعيين الفني والمعرفي على السواء،
وتنعكس آثارها ـ بالضرورة ـ على إبداع النص ونقده، أطلقت عليها « الرؤية
الرومانسية »، وهناك مجموعة من الرؤى حاولت الانفلات من الرومانسية من ناحية، وسعت
إلى التوفيق بين الذات والموضوع، مع تغاير كيفي في طبيعة هذا التوفيق من ناحية
أخرى، كما أنها تزامنت في مرحلة تاريخية معينة، وتنحصر هذه الرؤى
: بالوجودية، والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية.
وفي
ضوء هذا توزع البحث على ثلاثة أبواب يختص الباب الأول بالموقف التقليدي، ويختص
الباب الثاني بالموقف الرومانسي، ويختص الباب الثالث بالمواقف :
الوجودية، والواقعية النقدية، الواقعية الاشتراكية، التي جمعت تحت عنوان «
الانفلات من الرومانسية » وينطوي كل باب على ثلاثة فصول : يُعنى الفصل الأول : من
كل باب بـرؤية النقاد، وتحديدهم لوظائف القصة القصيرة، ويُعنى الفصل الثاني : من
كل باب بطبيعة القصة القصيرة، وخصص الفصل الثالث من كل باب : لبناء القصة القصيرة
وأداتها، غير أنَّ الضرورة المنهجية اقتضت في ضوء الكيف النقدي أولاً، والكمي
ثانياً، أن تعالج الوجودية والواقعية النقدية بصفحات محدودة في أوائل الباب
الثالث، وتنطوي دراستهما على عرض رؤيتهما وتحديدهما لقضايا النقد الأساسية شأنهما
شأن المواقف النقدية الأخرى، وافرد البحث للواقعية الاشتراكية في ضوء تجلياتها
النقدية كيفاً وكماً ثلاثة فصول، شأنها شأن فصول الموقفين التقليدي والرومانسي.
وكان
من الضروري أن يسبق كل باب من أبواب البحث مدخل صغير تناولت فيه التطورات السياسية
والاجتماعية، وحاولت اختزاله إلى أقصى حد، ويتحدد في هذا المدخل المرحلة الزمنية
التي نما فيها الموقف النقدي وتطور، فالموقف التقليدي يمتد من مطلع القرن العشرين
حتى الحرب العالمية الثانية، في حين يمتد الموقف الرومانسي من الحرب العالمية
الثانية حتى أوائل الخمسينات، وتتزامن في « الانفلات من الرومانسية » الوجودية،
والواقعية النقدية، والواقعية الاشتراكية، في مرحلة زمنية تمتد من أوائل الخمسينات
حتى عام 1967م، وعلى الرغم من تواكب المواقف النقدية وتعاقبها زمنياً فإنَّ هذا لا يعني
حداً فاصلاً بينها، وإنما يمثل المرحلة التي ازدهر فيها هذا الموقف دون غيره،
لأننا نجد نقاداً يسبقون مراحلهم أو يتخلفون عنها، وعلى سبيل المثال تأخر بعض
النقاد التقليديين إلى الخمسينات والستينات.
أ. د. كريم عبيد هليل الوائلي
الباب الأول
الموقف التقليدي
مدخل
لا
تختلف المكونات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية في مطلع القرن العشرين عنه في
القرن التاسع عشر إلا في الدرجة، ويمكن تعميم هذا بشيء من التجاوز حتى الحرب
العالمية الثانية، وحقيقة ما حصل تغير نسبي بطيء في أحايين كثيرة تسهم فيه بعض
الأحداث السياسية كإعلان الدستور العثماني « 1908 م » الذي لم يترك أثراً إلا في
صفوف الفئة المثقفة، وكاحتلال الإنجليز العراق في أثناء الحرب العالمية الأولى
الذي استشرت آثاره في أغلب طبقات الشعب.
ومهما
يكن من إطلاق الأحكام في اعتبار إعلان الدستور العثماني « بداية عهد جديد في
التفكير العربي عامة والعراقي خاصة »[1]، فإنَّ هذا يرجع ـ في الحقيقة ـ إلى تغيرات بطيئة
سابقة لإعلان الدستور، ولذلك قابل المثقفون العراقيون إعلان الدستور «بحماس عظيم
ورحبوا به في قصائدهم وأشعارهم وخطبهم »[2] وتحفزوا على أثر ذلك لتأسيس مجموعة من الأحزاب السياسية أسهمت في بث بذور
الوعي في صفوف المتعلمين على قلتهم.
وتمثل
حركة الدستور بارقة أمل كانت آثارها واضحة على المثقفين في المجتمع، ويمثل الدستور
في تصور أحد الباحثين « ظاهرة انفتاح المجتمع العراقي على العالم الخارجي لأول مرة
»[3]،
ولكنه على كل الأحوال لم يظهر تأثيره إلا في مراحل لاحقة، ونلمح في النقد الأدبي
بعض الإشارات التي توهم في ظاهرها التأثر بالوافد، والتحدث عن روائيين ومبدعين
غربيين، أو محاولة التحدث عن نتاجات أجنبية تلخيصاً أو نقداً، غير أنَّ احتلال
الإنجليز العراق أحدث اضطراباً عنيفاً في صفوف الشعب العراقي، تحول إلى مواجهة
قتالية بين أفراد الشعب والمستعمر، وكان الشعب يعي خطورة هذا الاحتلال، وأنه يمثل
تسلطاً عليه، ولذا بدأت بوادر تمهيدية للقيام بشيء ما، ثم تفجرت بعد ذلك ثورة كبرى
في صيف 1920 م.
ويرى عبد اللّه الفياض أنَّ ثورة العشرين تمثل « ظاهرة
اجتماعية معقدة تمتد جذورها إلى ما وراء صيف سنة 1920م، وأن أدواراً تمهيدية سبقت
الثورة المسلحة... فحركة الوعي الفكري التي بذرت بذورها في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى،
وتأسيس الجمعيات والأحزاب... كلها عوامل ممهدة
لثورة سنة 1920 »[4]،
وأجبرت ثورة العشرين الاستعمار البريطاني على التخلي عن الحكم المباشر للعراق،
وتنصيب ملك عربي مسلم ! هو فيصل بن الحسين، وبذلك تأسست أول حكومة عربية ! في
العراق.
ولم
تسهم الحكومة في إحداث تغيرات جذرية في الواقع، لأسباب معروفة، كما أنّ الأغلبية
الساحقة من الشعب العراقي تمتهن الفلاحة، ويحكمهم بشكل مباشر «المالكون» المرتبطون
بنظام الدولة، ويرتبط نظام الدولة بهم أيضاً، ولذلك فهم يستعبدون
الفلاحين مقابل نسبة ضئيلة جداً من المحصول التي تذهب هي الأخرى هدراً إزاء الديون
المتـراكمة عليهم من «المالكين»، فضلاً عن تفشي البطالة المقنعة. ويبدو جور«المالكين»
وظلمهم واضحاً لأنه لا قانون يحمي الفلاح، وبإمكان المالك أن يطرد الفلاح « متى
أراد ويلاحقه بالديون التي أخذها ليأكل بها، وليعيش، وقد حكمت بعض القوانين عليه
بالبقاء في خدمة الإقطاعي حتى يسدد ديونه، ولا يجوز لمالك آخر أن يستخدمه ما دام
مديناً بمبلغ لمالك آخر »[5]، وندرك خطورة ذلك أيضاً إذا عرفنا أنَّ دخل الفلاح العراقي ـ كما ينقل ذلك
يوسف عز الدين عن الباحثة الإنكليزية « دورين وارنر » ـ يتردد بين «خمسة باونات
وخمسين باونا »[6].
ويعـاني
المجتـمع العراقي من تفشي الجهل والأمية، إذ ليس للتعليم في الفترة العثمانية «
شأن يذكر »، وإذا كان « تعليم البنين أيام العثمانيين مهملاً أشد الإهمال فما هو
حال تعليم البنات في ذلك العهد »[7]،
ويتفشى الجهل والأمية في صفوف الفلاحين بشكل كبير، بسبب مكافحة المالكين له، لأنهم
« يرتعبون من تعليم الفلاح خوفاً من أنْ يشعر بالغبن الواقع عليه من قبلهم »[8]، وينحصر التعليم، على قلته، في بعض مراكز المدن، ولعلنا ندرك خطورة هذا إذا
علمنا أنَّ تعداد السكان لسنة 1947 م يبين أنَّ نسبة الأمية في العراق كانت تتجاوز
90 %[9].
وفي
ضوء هذا يعاني المثقفون من مشاكل عديدة، منها ما يتصل بطبيعة النظام السياسي،
ومنها ما يتصل بالواقع الاجتماعي المتخلف الذي يعيشون فيه، ويسعون إلى إصلاحه،
ولكنهم لم يستطيعوا الكشف عن الجذور الحقيقية لهذا التخلف ومحاولة علاجه، ولذلك
اتجهت محاولتهم إلى حركة إصلاحية يدعون إليها، وقد انعكست آثارها على تحديد الوعي
الفكري، وتحديد معالم الحركة النقدية في العراق في هذه المرحلة.
الفصل الأول
الرؤية والوظيفة
(1)
تحدد الوظيفة التعليمية أهمية الأشكال
القصصية ودورها في الواقع الاجتماعي، فالأعمال القصصية تسعى إلى « تهذيب الأفكار
والعواطف وانتقاد العادات الباطلة والأخلاق الفاسدة والأوضاع الضارة »[10]،
وتتجه الوظيفة إلى الفكر مرة، وإلى الذات مرة أخرى، وإلى الواقع الاجتماعي مرة
ثالثة، وتتباين أنماط معالجتها، إذ يعمد الناقد التقليدي ـ من جهة الفكر والذات ـ
إلى « التهذيب » الذي يقود إلى لون من ألوان البناء، ويعمد من جهة الواقع
الاجتماعي إلى « الانتقاد » الذي يقود إلى شكل من أشكال الهدم، ويولي الناقد «
الفكر » عناية خاصة تفوق عنايته بـ « الذات » التي تتأخر عنه في الرتبة، ليكوّنا
الأساس الذي يصدر عنه الناقد في تأمل واقعه، فالانتقاد محاولة لتجاوز ما هو سلبي
في الواقع، والتهذيب سعى لإرساء ما هو إيجابي في الفكر والسلوك.
وتتحدد
علاقة القاص بواقعه ـ في تصور الناقد التقليدي ـ من خلال بعدين، هما : الأصل : الذي يمثله الواقع، والصورة : التي تمثلها
الأشكال القصصية، ويتضح هذا من خلال التأكيد على أنْ تصف القصة « الحياة
الاجتماعية على ما هي عليه »[11] أي محاكاة الواقع بأبعاده الإيجابية والسلبية على السواء، أو أنْ تصف «
التفسخ الأخلاقي والسياسي الذي منى به العراق في مجتمعه وجهاز حكومته »[12]، أي تأكيد الناقد على الجوانب السلبية اجتماعية وسياسية، أو أن تكون القصة
القصيرة « صورة ناطقة للحياة الواقعة »[13]، إنَّ عناية هذه
النصوص بمحاكاة أحد البعدين السلبي أو الإيجابي في الواقع، أو كليهما معاً، يقود
إلى نتيجة يبدو فيها القاص محايداً إزاء واقعه، أي أنه يولي أهمية خاصة لتصور
مثالي يجعل الفكر في المقدمة، والذات والواقع الاجتماعي في المراتب التالية له،
وهذا يعني أنَّ الفكر هو الذي يحدد الزاوية التي يصدر عنها الناقد والقاص معاً في
أثناء تأملهما الواقع، وفي أثناء محاكاة أبعاده السلبية والإيجابية على السواء.
وهذا
من شأنه أن يعلي من دور العقل، وهو « لا يعني صواب الرأي الفردي فحسب، بل يعني
كذلك موافقة هذا الرأي للتقاليد والعرف السائد »[14]،
مما تنعكس آثاره على كيفية تحليل الأشكال القصصية، فالقاص ـ في تصور الناقد
التقليدي ـ « يفكر في تهيئة الأفكار والآراء التي يبني عليها القصة، قبل أن يفكر
في هيكل القصة نفسها وعقدتها وحبك حوادثها »[15] وبهذا نكون إزاء بنائين ـ أحدهما سابق وهو بناء الفكر، وثانيهما لاحق وهو
بناء القصة، وهما مترابطان ارتباط المعلول بعلته، وعلى صعيد القصة القصيرة يكون
الفكر سابقاً لبنائها ومستقلاً عنها أيضاً، ويترتب على هذا تحكم العقل في حوادث
القصة لتكون ـ لدى رفائيل بطي ـ « متسلسلة الواحدة تلو الأخرى بأسلوب يرضاه المنطق
»[16]، ليصل الأمر حداً ـ لدى أنور شاؤل ـ في « الاتساق والتناسب والدقة »[17]، ويصل هذا التفكير ذروته في الصنعة عبر تماثل القصة القصيرة و« إنشاء عمارة
» التي تعني تماثلاً بين المشبه « القصة » والمشبه به « البناية » بأسلوب هندسي
يتحكم فيه المنطق إلى أبعد الحدود.
وتقود
الأبعاد السابقة « التعليم، والمحاكاة، والصنعة » إلى تأكيد دور العقل في تحديد
وظيفة القصة القصيرة وماهيتها وأداتها وبنائها، وتأسيساً على هذا تتخصص القصص
القصيرة شأنها شأن العلوم بــ « دراسة نفسيات الناس وأخلاقهم وعاداتهم وحالتهم
الاجتماعية مع نقدها بالطريقة الموضوعية أوبجكتيف »[18]،
وهذا التخصص في دراسة المجتمع سيكولوجيا وأخلاقياً واجتماعياً، يعني في أبرز
جوانبه تعطيلاً للأبعاد الذاتية، والإعلاء من نـزعة تجريدية تجعل العقل أداتها في
الكشف عن قضايا موضوعية محددة، وقد يوحي النص السالف بالجمع بين البعدين العلمي
والفني في آن، غير أنَّ تصـوراً لرائد من رواد القصة القصيرة في العراق ـ محمود
أحمـد السيد ـ يرى في الأشكال القصصيـة « دراسة ليس إلا »[19]، ليؤكد الأبعاد الموضوعية التي يوصلنا العقل إليها، وتأصيلاً على هذا، رفض
محمود أحمد السيد النتاجات القصصية التي تعتمد الخيال، لأنها تنأى عن هذه
الموضوعية المحكومة بالعقل.
وتنعكس
آثار الموضوعية على الوصف القصصي وحوادث القصة لأنها تفرض على القاص نمطاً من «
الوصف الهادئ الرزين للنوازع الإنسانية »[20]، وأن
تكون حوادث القصة قريبة من العقل والمنطق، ولذا رأينا رفائيل بطي يثنى على محمود
تيمور لأنه « يرمي في قصصه إلى القضاء على التقاليد البالية وإحلال الأحكام
العقلية مكانها »[21].
وفي ضوء هذا يجعل
الناقد التقليدي العقل أداته التي يصدر عنها في التفكير، ووسيلته في تحليل الأشكال
القصصية، فهو الذي يمكنه من الكشف المعرفي عن ماهيات الظواهر وعللها، ويمكنه أيضاً
من الكشف عن الأفكار الذهنية المجردة التي تتسم بالثبات والخلود، ومن ثم، فإنَّ
الناقد التقليدي يفصل المحسوس عن المعقول، وعالم الفكر عن عالم الحس، ويعني
التفكير لديه : أنَّ الوعي يسبق الوجود، وفي ضوء هذا
فإنه يلغي كل متغير في الواقع الاجتماعي، أو يعمد ـ على الأقل ـ إلى إحكامه
بالعقل، لأن الثوابت قضايا ذهنية مجردة ترتكز إلى العقل، وإنْ المتغيرات مرتبطة
بالحواس العاجزة عن كشف الثوابت، وبهذا يتحول الإدراك من إدراكي أنا الخاص إلى
إدراك عام ينطوي على مجموعة من الحقائق بوصفها ثابتة وعامة لجميع الأفراد، ويقودنا
الحديث عن الثابت الذي يكشفه العقل، والمتغير الذي تخدعنا به الحواس، يقودنا إلى
الثنائية التي تحكم التفكير التقليدي بوصفه تصوراً أحادي الطرف، وهي : ثنائية
العقل والجسد، إذ يمثل العقل الأداة المنطقية التي تمكن الناقـد من الكشف عن
ماهيات الظواهر وعللها، في حين يعجز الجسـد «الحواس » عن الكشف عن هذه الماهيات.
( 2 )
وحين
يتفاعل الناقد التقليدي مع واقعه الاجتماعي يعي تماماً أنَّ صورة المجتمع ليست
متوافقة مع مكوناته الذهنية، فكانت ردود فعله تتوافق مع ما في المجتمع من حسن،
وتتغاير مع ما فيه من قبح، بمقدار انسجام هذه الردود أو افتراقها عن العقل، ولهذا
فهو يسعى إلى توظيف كل إمكاناته الفكرية من أجل النهوض بهذا المجتمع، ويمكن أن «
يتم شيء من هذا بواسطة القصص والروايات »[22]،
أو يمكن لهذه الأشكال القصصية أن تسهم في « إصلاح ما فسد في اجتماع أمة من أخلاق
وعادات وتقاليد »[23]، وهذا يعني أنَّ الناقد يسعى ـ هنا ـ إلى الكشف عن مواطن الحسن والقبح في
الواقع الاجتماعي، غير أنَّ الحسن والقبح قيمتان فكريتان موجودتان في الذهن أصلاً،
ويبحث الناقد عن مصاديقهما في الواقع، وأن هذه الوظيفة لا يمكن أن يحققها أي فرد،
بل هي اختصاص صفوة الأمة التي ينبغي عليها تشخيص أدواء الأمة، ومن ثم تصف لها
العلاج، ومن هنا جاء تشبيه الناقد لتخلف المجتمع بالأمراض المزمنة التي تقتضي وجود
مصلحين قادرين على وعي الواقع ليكونوا « أطباء حاذقين »، ولكنهم ـ كما يرى الناقد
ـ « نفر قليل والقليل كالعدم »[24]، وهذا يعني أنَّ
وظيفة الناقد فكرية أولاً، وإصلاحية ثانياً، لأن مجتمعه الذي يعيش فيه يعاني من
أمراض عديدة تقتضي منه حذقاً لإنقاذه.
وفي
ضوء هذا يمكننا تفسير تصورات الناقد التقليدي التي تبحث عن أنماط مثالية معينة
ينبغي تحقيقها في المجتمع، ولهذا يشترط محمود أحمد السيد في الفن بعامة والقصة
بخاصة أن ترمز إلى « المثل الأعلى » الذي يتحدد لديه بــ « الهدف البعيد الذي يصبوا
إليه المثاليون على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم حتى يتحقق الرقي الإنساني والسعادة التامة»[25]،
ويتضح من هذا أنَّ المثال يعني قيمة ذهنية تجريدية تعني الحسن لا القبح، كما أنه
يمثل غاية يسعى الناقد لتحقيقها في الواقع، ويشترك فيها مع المثاليين عموماً.
ويعمد
الناقد التقليدي إلى اختبار واقعه الاجتماعي في ضوء « المثال » الذي يتبناه، وبهذا
يتحكم المثال في الواقع الاجتماعي، وما يضطرب فيه من تغيرات، إذ يرى محمود أحمد السيد[26]،
في السياسة مثلاً ـ وبخاصةً في أوربا ـ أنها «مجموعة أكاذيب ورياء وخداع يتقنها «
الدبلوماسيون » في مدارس الاستعمار، ويتخذون منها وسائل وذرائع للتحكم في الشعوب
الضعيفة » وبهذا تنأى السياسة عن المثال الذي ينبغي أن يحقق في أبرز جوانبه قيماً
تعليمية تضاد الكذب والرياء والخداع، وفي ضوء هذا تمثل على أحسن الأحوال شكلاً من
أشكال المتغير الذي تصبح فيه «السياسة بعيدة عن المثل العليا » وما دام الأمر كذلك
فإنَّ على القاص أن يتحلى بأخلاقية تتعالى على النشاط اليومي المتكرر القائم على
الزيف والخداع، ويتأسس على هذا رفض محمود أحمد السيد للقصة السياسية، لأن الفن في
تصوره « أسمى من أن يتنـزل إلى حضيض السياسة »، وإذا كان محمود أحمد السيد يرفض
توظيف السياسة في القصة القصيرة للأسباب التي ذكرناها، فإنَّ أمين أحمد يرى أنَّ
هناك دوراً ما للسياسة لابد لها من تأديته في الواقع، ولكنه يفصل بين السياسة
والنتاجات الأدبية بسبب ميادينهما المتباينة، ويرفض الجمع بينهما في نص واحد، لأنَّ
الجمع بينهما « دليل الضعف والتكلف »[27]. إنَّ السياسة تمثل
لدى الناقد التقليدي شكلاً من أشكال المتغير، ولذلك لا يمكن توظيفها في الأشكال
القصصية، وما دامت السياسة بعيدة عن المثل العليا « كان حتماً على أهل الفن
إبعادها عن عناصر فنهم »[28].
وإذا
كان العقل متحكماً في تصورات الناقد التقليدي إزاء السياسة وتوظيفها في القصة
القصيرة، فإنَّ موقفه لا يختلف إزاء موضوع إنساني خالد كالحب ـ مثلاً ـ الذي يوظفه
في القصة القصيرة من خلال مستويين متضادين : الحب الجسدي
أو المدنس المحرم، والحب الروحي أو الطاهر الشريف، وتتحكم رؤية الناقد ـ هنا ـ في
التمييز بين نوعي الحب، فالحب الروحي يمثل نمط الحسن، أي مثال القيمة الذهنية
المجردة والعامة لجميع أفراد النوع، وينطوي على أبعاد خلقية قوامها الفضيلة والعفة،
ويفرض ـ من الناحية الفنية ـ على الشخصيات القصصية ضربا من العبادة، أما الحب
الجسدي فإنه يهبط بالإنسان والمجتمع من درجات الرقي والكمال إلى مستوى أرضي وضيع،
في حين يمثل الحب الروحي كما يرى يوسف الشرهان « أعنف صور الرجولة لأنه يسمو
بصاحبه من ميدان الحب الأرضي إلى عليين »[29]، وهذا يعني البحث عن
مثل أعلى للحب من ناحية، و تحكم العقل الصارم في الذات من ناحية ثانية، ليقودا
ـ المثال والعقل ـ من جهة التحليل الفني للقصة القصيرة إلى « الوصف الهادئ الرزين
للنوازع الإنسانية »[30]. ويتسامى الناقد
التقليدي بالحب الروحي من العلاقات الاجتماعية الجسدية المتغايرة إلى علاقات روحية
ثابتة، أي أنه يحاول إلغاء الجسد والتسامي بالإنسان من حالة الخصوصية والفردية إلى
الثابت ـ المثال، والعام، والجماعي ـ، وتتحدد في ضوء هذا علاقة الحب بالقيم
الروحية المطلقة وبالمدركات الذهنية المجردة.
ويَعني
الحب الجسدي طغيان الجسد ـ والحواس ـ على الروح، ونأي السلوك عن المثل، ويقود من
زاوية أخرى إلى كسر فكرة التعقيل، وإفساح المجال للذات لتعبر عن رغبات الجسد،
ويقود هذا اجتماعياً إلى تغيير غير محدد لبعده عن الضوابط العقلية، ويقود معرفياً
إلى تصورات نسبية ذاتية تغاير الأبعاد المعرفية الثابتة الصادرة عن العقل وأنماطه
الحسنة.
إنَّ الأدباء الذين يوظفون الحب الجسدي ـ في تصـور الناقد التقليدي ـ إنما «يشجعون
على ارتكاب الموبقات بأقاصيصهم عن الحب »[31]، وتتم محاربة هذه
الموبقات بالعودة إلى التصورات العقلية، فيتكئ الناقد على أبعاد تعليمية يحدد فيها
كيفية توظيف الأدب من أجل « إصلاح
المفاسد »، أو يتبنى مرة ثانية
معطيات دينية ترفض ممارسة الحب الجسدي أصلاً، فضلاً عن معالجته فنياً، أو يعتمد
على إجماع العلماء والمصلحين الذين يرفضون هذا الضرب من الحب.
ويرفض
الناقد التقليدي توظيف الحب الجسدي في الأشكال القصصية لأنه ـ ابتداء ـ يرفض القبح
ـ المتغير ـ الذي يمثل الحب الجسدي أحد أبعاده، ويتبنى الناقد مثال الحسن ـ الثابت
ـ ويعمد إلى إرسائه في الواقع، ولذلك فهو يؤكد أهمية الفكرة وأثرها الفاعل في الإصلاح
الاجتماعي، لأنه يتصور أنَّ توظيف الحب الجسدي في الأشكال القصصية يفسد الأخلاق من
جهتي الفكرة والأسلوب[32].
ويقلل
محمود أحمد السيد كثيرا من أهمية « الحب » وتوظيفه في الأشكال القصصية لدرجة يرفض
فيها قصصه الغرامية « في سبيل الزواج » و « مصير الضعفاء » و « النكبات » التي
يصفها بالفساد، ويعدها لطخة عار في حياته وحياة الأدب[33]،
ويرى من ناحية أخرى « أنَّ الغرام لم يعد في العصر الحاضر شرطاً أساسياً للقصص،
وعلى الأخص الصغيرة منها »[34]، وعلى الرغم من ذلك فإنَّ هناك من يدعو إلى توظيف الحب الجسدي في القصة
القصيرة إذا تمكن القاص من تحويله إلى « أداة لإصلاح... المفاسد المنحطة »[35]، وإذا أدى وظائفه عبر مستويي شرف الفكر وشرف اللفظ ! !.
ويحاول
محمود أحمد السيد أن يتجاوز الرؤية التقليدية، ويتضح هذا من خلال سعيه للموازنة
بين المقولات الذهنية المجردة من ناحية وما يحصل في الواقع الاجتماعي من ناحية
أخرى، فهو يتهم بعض كتاب القصة القصيرة بأنهم خياليون بسبب « حرصهم على العفاف
والفضيلة في حين يفشو الفسق والفجور ويكثر الاستهتار بالدين
»[36]، مدركاً التغير الكائن في الواقع الاجتماعي الذي أصبحت فيه العلاقات
الاجتماعية «تستند إلى الماديات وإلى المال أكثر مما تستند إلى المعنويات كالحب
والشرف والفضيلة »[37].
ويحاول
محمود أحمد السيد التمرد على مفهوم المحاكاة رافضا أن يكون النقل الفوتوغرافي غاية
الفن ووسيلته، ويحرص أن تكون أحداث القصة « من أشباه الحوادث الواقعة، إن لم تكن
واقعة بذاتها، على أن لا يكون الكاتب « آلة فوتوغرافية » ينقل ما يشهد من وقائع
وما يسمع من أحاديث، كما هي « طبقا للأصل »، لأن النقل لم يكن يوما غاية للفن »[38]،
ويؤكد ضرورة اقتران العمل الأدبي بالدعوة إلى مُثل عليا، يقول : «إنَّ نقل الواقع وحده لا يكفي إن
لم يكن فيه شيء من الدعوة ـ بصورة خفية ـ إلى المثل الأعلى »[39]، وفي الوقت نفسه يدعو محمود أحمد السيد إلى نسبية الشعور والجمال، وهما ملمحان يشيران إلى مؤثرات ذاتية رومانسية، ولكنه يلجم ذلك كله بمقولات
تقليدية، فالمثل الأعلى الذي أشار إليه يقود معرفيا إلى الثبات، وهو هدف تقليدي،
هذا فضلا عن تأكيده على الحقائق الثابتة المستقرة، لأنه يدعو القاص إلى تسجيل ما
يراه في طبيعة الإنسان وأخلاقه، وأن « يسجل بجانبها ما يراه في نفسه ونفوسهم من
خلال كاملة وصفات على حالها، وله كذلك أن يرمز بأخلاق وعادات وسجايا يلبسها بطل
قصته إلى المثل الأعلى الذي يريده للناس، على أن يكون تحليله للبطل وأشخاص القصة
الآخرين وتشريحه ما في بواطنهم من عناصر الخير والشر من عناصر الفضيلة والرذيلة،
من عناصر النقص والكمال صادقا حقيقياً أو قريباً من الحقيقة »[40].
وفي
ضوء هذا يعمد الناقد التقليدي إلى الموازنة بين المقولات الذهنية المجردة وما يحصل
في الواقع الاجتماعي من تغير، لتكون القصة القصيرة صورة لهما معا، ويمكن تأدية ذلك
من خلال وصف الواقع بما ينطوي عليه «من عادات وتقاليد ومبادئ وأخلاق وآداب، وبما
فيه من نقص وانحطاط »[41].
إنَّ
الأديب التقليدي « أديب الحياة، أديب الحقائق... كاتب الدماغ والفكر
»[42]، ولذا فهو يحاكي مثال الحسن ومصاديقه في الواقع، ويحاكي الجانب السلبي في
الواقع، وفي ضوء هذا يمكننا من تفسير تأكيد محمود أحمد السيد على عرض الحقيقة،
وضرورة تصويرها كما هي عليه أولاً، وضرورة الالتزام بالمثل الأعلى والتعبير عنه
فنيا ثانياً، ورفضه للخيال الذي يقود إلى تحرر الأشكال القصصية عن
العقل، وتمكين الذات من التعبير عن مواقفها النسبية المتغايرة ثالثاً.
إن
الحقيقة التي يتبناها الناقد التقليدي حقيقة ثابتة لا تخضع للمؤثرات الزمانية
والمكانية، وتتحدد لدى محمود أحمد السيد في ضوء بعدي :
الإدراك العقلي، ومثال الحسن، اللذين ينبغي أن يعرضهما القاص من أجل تجاوز الحب
الجسدي المتغير إلى الحب الروحي الثابت، وهذا يمثل شكلاً من أشكال تحسين الحسن ـ
المثال ـ، غير أنه ـ من ناحية أخرى ـ يكشف عن الواقع وما يضطرب فيه من ألوان الحب
الجسدي، ليكشف للمتلقي عن نمط القبح كي ينأى عنه، وفي ضوء هذا يمزج الناقد
التقليدي بين المثال وتصوير الواقع لتحقيق أبعاد تعليمية تقوم على أساس التحسين
والتقبيح من ناحية، ولتمكين المتلقي من وعي واقعه، ومن ثم، المساهمة في إصلاحه من ناحية
ثانية.
وفي
ضوء هذا، يدعو الناقد إلى توظيف الحب الجسدي في القصة إذا كان يقود إلى وظيفة
تعليمية، وبخلاف ذلك يرفض « الروايات الخلاعية والقصص الغرامية »[43]،
التي تترك آثارها السلبية على بناء المجتمع لما فيها من « التهتك مما يندي لها
جبين الشباب فضلا عن فتاة الخدر »[44]، ويرى ناقد آخر ضرورة نأى القاص عن « المواضيع التافهة والأقاصيص الفارغة
والروايات السقيمة التي ليس تحتها كبير أمر، ولا يستفيد مطالعها أي فائدة، بل بعكس
ذلك يضيع وقتاً ثميناً في قراءتها لو صرفه في مطالعة الكتب الجليلة لجني فائدة
عظيمة »[45]، ودفعت هذه الدعوات إلى رفض القصص المترجمة التي تنطوي على الحب الجسدي لأن
«أغلبها مفسدة للآداب والعقول »[46].
( 3 )
يمثل
التراث عند الناقد التقليدي قيمة مطلقة يرتكز عليها العقل لتمكين القيم الفكرية من
الثبات والإسهام في إنهاض الأمة، ولذلك فإنَّ دعوته إلى التراث لتثبيت تصوراته
الفكرية وقيمه الاجتماعية، ولكنه على الرغم من ذلك يلتقي
بأشكال قصصية في الحاضر لم يألفها تراثه، ولذلك فإنه يعمد إلى التوفيق بين الأشكال
القصصية الحديثة وما يشتمل عليه التراث العربي من حكايات.ولذلك يمثل الماضي أصلاً
لا يمكن الخروج عليه، ولذلك فهو يؤكد وجود الأشكال القصصية في التراث القومي وفي
تراث الأمم الأخرى كالإغريق مثلاً، ويصل الأمر حداً أن تكون القصة عرفت بوعي
الإنسان وجوده[47].
وفي
ضوء هذا يعد جعفر الخليلي كل ما ينطوي على حكاية قصة، كالملحمة والمسرحية ـ عند
الإغريق ـ وكالحكايات التي يرويها المؤرخون عن أيام العرب، وكذلك ما يرد في القرآن
الكريم والمقامات وألف ليلة وليلة وغيرها[48]،
إنَّ القصة في تصور جعفر الخليلي قديمة قدم التاريخ، وإن الأدب العربي لم يخل
منها، وبهذا يكون عنصر القص ـ وليس الحبكة ـ[49] الحد الحاسم في تحديد الأشكال القصصية، وليس التغاير بين القصة في القديم
والحديث كائناً في حبكتها، قدر ما هو حاصل في « سبك القصة وصورتها وأغراضها »[50]، وبهذا يفصل جعفر
الخليلي بين شكل القصة القصيرة ومضمونها من ناحية، ويرى أنَّ التغيرات الاجتماعية
والفكرية لم تترك آثارها على تغيير ماهية هذا الشكل إن صح ما ذهب إليه من ناحية
أخرى، وفي ضوء هذا تكون المقامة قصة كاملة أو قريبة من الكمال[51]، غير أنه يستدرك بأن الأدب العربي لم يعرف من الأشكال القصصية سوى القصة
القصيرة، أما الرواية والمسرحية فلم يعرف الأدب العربي عنها إلا النـزر اليسير[52].
وإذا
كان التغاير في البناء والأداة لا يؤثران في تحديد ماهية الأشكال الأدبية في
الماضي والحاضر، كما يرى ذلك جعفر الخليلي، فإنَّ الفرق في تصور عبد الغني شوقي لا
يكمن في الشكل الفني قديماً وحديثاً، وإنما يكمن في وظيفة هذا الشكل الذي يتجه
لمجرد « التسلية والفكاهة أو لإثارة الحماس في صدور الجند »[53] قديماً،
وهو يسعى إلى تغيير وظيفتها متأثراً بالغربيين من أجل « إصلاح الفاسد وإقامة
المعوج وانتقاد شائن العادات وضارها والحث على مفيدها ونافعها »[54].
ومهما
قيل فإنَّ النقاد متفقون على أنَّ القصة موجودة في التراث العربي، ويتفقون أيضا
على أنَّ الحكاية تمثل ماهيتها، أما العناصر الأخرى فلا يمكنها أن تغير من هذه
الماهية شيئاً، وينصب الخلاف على أداتها وأغراضها مرة وعلى وظيفتها مرة أخرى[55]،
أما محمود أحمد السيد فإنه يؤكد معرفة العرب للقصة، ولكنه ينفي عنهم قدرتهم على إتقانها
فنياً، وليس لدى العرب إلا ألف ليلة وليلة، وهي تتسم لديه بالنقص والقصور والفجاجة[56].
( 4 )
إنَّ
رؤية الناقد التقليدي تقوده إلى نظرة شمولية تعلي من أهمية المجتمع، وتقلل كثيرا
من دور الفرد، ولذلك نجد النصوص النقدية تغفل دور الفرد وأهميته، وتتجه في الغالب
إلى الجماعة والمجتمع، ويوظف الناقد التقليدي القصة القصيرة في هذا الإطار، وتكون «
خير أنواع القصص ما كان أنفعها لغالبية المجتمع »[57]، وبما أنَّ الذات
الفردية تفرز الخاص والمتغير، وهي تغاير الوعي الجماعي الذي يرسي العام والثابت،
فإنَّ الناقد يسعى إلى إلغاء الذات الفردية، أو يحاول إحكامها بالعقل، ويقلل من
دورها في الكشف المعرفي وإسهامها في العمل الفني، وتتحول الذات من حيث كونها أداة
تمكن القاص والمتلقي من الإدراك الشخصي إلى ذات عامة تشمل النوع الإنساني، وتعبر
عن روح الجماعة، وينطوي تحتها جميع أفراده.
ولما
كان الإنسان في المفهوم التقليدي كائناً اجتماعياً عاقلاً مندمجاً بالجماعة وليس
منفصلاً عنها، فإنَّ الناقد التقليدي يسعى إلى إيجاد مجتمع متماسك تحكمه وحدة
الفكر، وتتحقق هذه الوحدة عبر المعطيات العقلية التي يتبناها، وليس من خلال «الأنا
»، لأنّ الأخيرة تعرض مستويات فكرية متغايرة، تنأى عن الثبات من ناحية، وغير قادرة
على التواصل بين المستويات الفكرية المتغايرة من ناحية أخرى، إنَّ الناقد التقليدي
يسعى إلى إرساء الثابت، بعيداً عن نسبية «الأنا » وتغايرها.
ويتحقق
التواصل في المجتمع من خلال ثقافة محكومة بالعقل، وصياغة الشخصية الفردية في ضوئها
ويمحو هذا الفوارق الفردية بين الأفراد، بحيث تصبح الشخصية نسخة مكررة لأصل مثالي
ثابت، أو هي حصيلة متوسط الشخصيات، وتصبح الثقافة موحدة، وتنطوي على نسيج فكري
يكون العقل محوره وغايته في آن، ويتبنى الناقد التقليدي مفاهيم الوعي الجماعي
متمثلا بأفكار الأمة مرة، وأفكار الصفوة التي هي خلاصة تجارب السلف مرة أخرى،
ويرفض الوعي الفردي، لأنّ الأول يعبر عن الثابت والعام، ويعبر الثاني عن الفردي
والمتغير والشاذ أحيانا.
( 5 )
ويربط بعض النقاد
التقليديين أسباب تخلف الأشكال القصصية بتخلف المجتمع، ويقرنون تطور هذه الأشكال
بتغيره، ولا يمثل هذا الاقتران سوى شكل سطحي في الوعي، فالناقد ممتاز أكرم العمري
يقرن تخلف القصة القصيرة بمجمل التخلف الاجتماعي، ولكنه يحدد لذلك أسباباً : كشيوع الجهل وتفشي الأمية[58]، ويشاطره هذا الرأي يوسف عجاج الذي يرجع السبب إلى «قلة الطبقة المثقفة »[59]، وإذا كانت الأبعاد الفكرية ـ هنا ـ سبباً في التخلف الاجتماعي والأدبي على
السواء فإنَّ العمري يرجع التخلف الأدبي إلى مشكلة اجتماعية محددة تتصل بعدم
اختلاط الجنسين في المجتمع العراقي، مما يترك ـ في تصوره ـ آثاراً سلبية على تطور
الأشكال الأدبية بعامة والقصة القصيرة بخاصة.
إنَّ
النقاد التقليديين يقرنون ـ هنا ـ بوعي بسيط بين تخلف الأشكال القصصية وتخلف
الواقع الاجتماعي، ولكن شالوم درويش يرجع التخلف الاجتماعي :
إلى بعد اقتصادي، وهو ما يعانيه المجتمع من فقر، وإلى بعد في الوعي بسبب الجهل
المتفشي في المجتمع، ولكنهما ليسا السببين اللذين قادا إلى تخلف الأشكال القصصية، لأنّ تخلف القصة ليس مرده إلى « حياتنا الاجتماعية أو
إلى عزلة المرأة »[60] ولأنّ النبوغ غير مقترن بتخلف المجتمع أو تطوره ـ دائماً ـ ولذلك فإنَّ «
تولستوي لو كان عراقياً لما كان غير تولستوي الذي نعرفه، والذي يمجده عالم اليوم
كقصاص أعظم، هذا لو فسح الجهل والفقر لنبوغة مجال الظهور والتفوق »[61].
وإذا
كان العمري ودرويش يعرضان بعض أسباب تخلف القصة فإنَّ يوسف عجاج يتحدث عما يتعرض
له الأدباء والكتاب من ضغوط سياسية[62]،
ويتفق معه عبد الحق فاضل، الذي يستشهد بما يعانيه القاص ذو النون أيوب لوصفه «
التفسخ الأخلاقي والسياسي الذي منى به العراق في مجتمعه وفي جهاز حكومته »[63] ولكنه يبرر ذلك بأن ذا النون أيوب قاص « مخلص شريف الغرض لا يدعو لحزب ولا
يعارض حكومة... بل أنَّ المتأمل ليجد ذنون أيوب يؤيد الحكومة ويمهد لها سبيل الإصلاح الذي
اضطلعت به »[64].
ويتبنى الناقد التقليدي التغيير المرحلي
المقنن، وهو مفهوم إصلاحي، ولذلك فإنَّ عبد المجيد لطفي يرى ضرورة تغذية « الحركة
الأدبية، لا القيام بالثورة، وإنما القيام بإصلاح اجتماعي هادئ »[65] وترى
سعاد الهاشمي أنه « يمكن أن يتم شيء من هذا بواسطة القصص والروايات »[66]، وفي ضوء هذا كله يوظف الناقد التقليدي القصة القصيرة من أجل إحداث هذا
الإصلاح، فجاسم محمد الرجب يدرك أنَّ القصة القصيرة يمكن
توظيفها في اتجاهين متضادين، إذ يمكن أن يوظفها « أصحاب المبادئ الإصلاحية » و « أصحاب المبادئ الافسادية » أيضاً، لأنهم جميعاً ـ
في تصور الناقد ـ وجدوا في القصة « مجالاً جذاباً واسعاً لبث أفكارهم ونشر أغراضهم
»[67]، ولذلك فهو يقصد توظيف القصة القصيرة في مجال واحد فقط، هو ما يعود بالنفع
على غالبية المجتمع.
ولما
كان الناقـد التقليدي يهدف إلى تثبيت المجتمع وقيـمه فإنه يعارض أنصار « المبادئ
الافسادية » لأنهم يشجعون كل ما هو متغير، والمتغير يقود إلى تفكيك المجتمع، أما
القاص التقليدي فإنه يوظف النافع، وحين تعرض القصة القصيرة « التيارات السياسية
والاجتماعية والأخلاقية والمذاهب الاقتصادية »[68] إنما
تعرض لما هو إيجابي، وبهذا نستطيع تفسير رفض الناقد التقليدي « الروايات الخلاعية
والأقاصيص الغرامية »[69] وكذلك الروايات المترجمة لأنّ أغلبها « مفسدة للآداب والعقول واللغة »[70] ولأنها لا تنطوي على أية فائدة، فضلا عن دورها في إفساد المجتمع وتفكيكه،
وفي ضوء هذا فإنَّ الناقد يهدف إلى إصلاح الواقع، أي « تحسينه مع الاحتفاظ به، أي
تغيير ما يبدو فيه من خلل، دون تغيير الكل، أو استبداله، وهذا يعني ضمنا صحة
الواقع في أساسه، والإصلاح بهذا المعنى، هو الإبقاء على الواقع كأساس، مع إجراء
تعديلات عليه يتمكن بها من الاستمرار والبقاء»[71].
إنَّ
الوعي بتخلف الواقع الاجتماعي حدا ببعض النقاد التقليديين إلى رفض توظيف القصة
القصيرة لمجرد التسلية لاهتمامهم بفاعلية الأشكال القصصية ودورها في الحياة، ولأنها
تمثل « وسيلة » يمكنها أن تسهم في نهضة الشعوب عبر تزويد القراء بالمعرفة لأنها «
تزيد من علمهم وترفع من مكانهم »[72]،
إذ يؤكد رفائيل بطي أنَّ القصة « وسيلة » يسعى من خلالها إلى « نشر الآراء والمبادئ
»[73] و « نشر النظريات الاجتماعية والخلقية على الجمهور »[74] أو أنها ـ على حد تعبير سعاد الهاشمي ـ « أداة تعليمية قوية يتم بها نقل
وشرح الآراء والنظريات والمكتشفات العلمية »[75]، وفي ضوء هذا فالقصة « وسيلة » القاص التعليمية، فهي أداته في الإصلاح، وليست الحكاية فيها سوى إطار خارجي يشوق المتلقي
لمتابعة القراءة، ولذلك تلمح سعاد الهاشمي إلى أن يعرض القاص قصصه « بصورة شيقة »[76] لتؤثر في المتلقي، ما دام هدف الناقد، هنا، ليس القص، وإنما السعي نحو
تثقيف المجتمع والنهوض به [77].
( 6 )
وتسهم
القصة في إصلاح المجتمع، وتكون وظيفة القاص مماثلة ومشابهة لدور الطبيب[78]
الذي يتزود بأدوات قادرة على الكشف عما في المريض « المجتمع » من أمراض «
خلل أو نقص »، ولذلك فإنَّ القاص يتزود أولاً بمعرفة فكرية تسبق الممارسة، ثم
ينتقل إلى الواقع، وإذا كان المشرط أو الدواء أداة الطبيب فإنَّ القصة واحدة من
أدوات الناقد التي تمثل «الدواء الناجح لأدوائنا الاجتماعية »[79]، ولذلك فإنَّ الناقد التقليدي يسعى إلى الكشف عن السلبي ويوظف القصة
القصيرة من أجل اجتثاثه من خلال انتقاد « المساوئ الاجتماعية »[80]، ويتحقق هذا كله من خلال موقف القاص « الذي يدين بدين الريالست»[81] عبر أداة لغوية يسلط فيها القاص بقوة بيانه « نورا على دياجير الظلام »[82] ليتحقق الكشف عما في الواقع أو « ما في أعماقه من حقائق »[83] غير أنَّ هذه الأداة على الـرغم من خـطورتها يرافقها من حيث الأهمية «
انتقاء الحوادث » من الواقع فتتواكب الأداة وجمال بيانها وانتقاء حوادث القصة في
الإصلاح.
وفي
ضوء هذا يتمكن القاص من الكشف عن المشاكل الاجتماعية الغامضة لتمكن المتلقي من
وعيها ووضع الحلول لها، وهذا يعني أنَّ الكشف عن الواقع ومشاكله لا يتأتي لكل فرد،
وإنما لصنف خاص من الناس يكون القاص أحـدهم، فيعمد إلى معالجة «المساوئ
الاجتماعية... بجرأة نادرة »[84]،
وهذا يقتضي بالضرورة قدرة في الوعي، ولذلك يشترط الناقد أن يكون المصلح والمفكر
كالطبيب، وعلى الرغم من أنَّ الناقد يدرك خطورة الأمراض المزمنة التي تحيق بالشرق
ولكنه يفتقر ـ في الحقيقة ـ إلى أطباء حاذقين وهم نفر قليل، والقليل كالعدم[85].
ويعمد
محمود أحمد السيد إلى « تصوير الحياة الشعبية »[86] موحياً
أنها غاية الأشكال القصصية لديه، غير أنَّ التصوير لديه ليست غاية مقصودة لذاتها وإنما
من أجل أن يظهر «الجوانب الكاملة والناقصة التي يسعى إلى إصلاحها »[87]، وبذلك يكون «التصوير » وسيلة لغاية أخرى يقصد منها الناقد الكشف عن السلب والإيجاب في
الواقع، وتتحدد أهمية القصة عند رفائيل بطي « لأنها تصور الحياة الاجتماعية التي
تحياها الجماعة صورة حية بأشخاصها وبيئتها، وهي تكشف كثيرا من خبايا النفوس
فتظهرها عارية واضحة أما الأنظار » ويتبني رفائيل بطي المذهب الواقعي «الريالست »
أو التحقيقي ـ كما يطلق عليه أحياناً ـ الذي يرى أنصـاره ضرورة عرض الرذيـلة «بقذارتها
والفضيلة يجب أن لا يغالي في تنميقها »[88] لأنَّ القاص ـ والحالة هذه ـ يكشف عن الواقع الاجتماعي ويبحث عن النمط
الفكري فيه عبر تصويره، ولأنّ القاص من ناحية أخرى يكتب عن « حقائق موجودة لا عن
أمور خيالية ليست موجودة إلا في مخيلته »[89].
إنَّ
القصة القصيرة التي يبدعها القاص أو تلك التي يعمد إلى ترجمتها إنما تقود إلى غاية
محددة « لأجل العبرة وكفى »[90] كما
يرى ذلك محمود أحمد السيد، كما أنّ «التصوير » الذي يعمد إليه الناقد التقليدي
يقود بالنتيجة إلى وظيفة تعليمية تمر عبر «التحسين والتقبيح » الذي يتجلى من خلال
عرض الجوانب الإيجابية والسلبية، ويتحقق هذان البعدان من خلال تصوير الشخصية
الخيرة والشريرة، وما تتركانه من آثار في المتلقي ترغيباً وترهيباً، فحين يصور
القاص الشخصية الخيرة «يحملك لأن تتعشق تلك المناقب وتسعى لتلك المزايا الكاملة »
وحين يصور الشخصية الشريرة « يحملك على الاشمئزاز والنفور منها ويولد فيك الميل
إلى تجنبها »[91].
ويتحدد
تصوير الحسن والقبح في مستويين : مستوى تصوير الحسن
والقبح كما هما عليه[92] أو تحسين الحسن وتقبيح القبيح[93] لتتركا آثارهما في المتلقي معرفياً وأخلاقيا[94]،إن الناقد لا يسعى ـ والحالة هذه ـ إلى التغير الجذري للواقع، وإنما إضفاء
سمات الرضا على مواطن الحسن ومحاولته إصلاح الجوانب السطحية للقبح، ولذلك فإنَّ
القصة في تصور الناقد ـ ما دامت تحقق هذين البعدين ـ « خير مثقف للأخلاق والعادات »[95].
وتتركز
الوظيفة التعليمية ـ هنا ـ في جانب أخلاقي يرجع في الحقيقة إلى جذر معرفي يلح عليه
الناقد وهو « تهذيب النفوس ودفعها إلى مراقي العمران وأبعد مطارح الآداب الصادقة »[96]، إنَّ
الناقد لا يملك الأدوات المعرفية الكافية التي تمكنه من التوغل عميقاً في الواقع،
ولذا فهو يعالج جانبا من أعراض المرض لا المرض ذاته، كما أنه يعي طرفاً واحداَ من
الظاهرة وليس وعياً كلياً للظاهرة بأكملها، ويرى الخطأ في جزئية منفصلة عن
كلياتها، ولهذا انصبت أغلب معالجاته على الزاوية التعليمية دون وعي محدد لمسبباتها
وتشابكها مع غيرها في الفكر والواقع على السواء.
تحتل
الوظيفة التعليمية القسط الأكبر من تفكير الناقد التقليدي، ولكنه من ناحية أخرى
يدرك أنَّ غزارة الموضوعية في القصة مدعاة للنفور منها لفقدانها التشويق والتأثير
معاً، ولهذا يشيد الكرملي[97]
بالنتاجات القصصية التي يبدعها الغربيون لأنها تحقق في تصوره « فائدة أدبية
ومغزى لطيفا يعود بالنفع على الألفة «الهيئة الاجتماعية »، فيحث على الوظيفة
التعليمية في « تشرب حب الآداب والمناقب والمآثر » كما أنه يدعو من ناحية أخرى إلى
« تسلية القارئ ».ويمتزج في ضوء هذا بعدا التعليم والتسلية لدى الكرملي لتمكين
المتلقي من ممارسة دوره في تحقيق « المنفعة » التي تعود بالأساس على المجتمع
بالفائدة، وينطوي تفكير الكرملي على تحديد نمط الحسن في المآثر والمناقب التي
تتحول إلى غاية يسعى إلى تحقيقها في الواقع.
وتتبنى
جريدة « صدى بابل » في أول عدد من أعدادها « نشر المقالات السياسية والخطب الأدبية
والمباحث العلمية »، ولكنها لم تقتصر على هذه الأبعاد، بل تسعى إلى « إمتاع القارئ
» بنشر « ما يلذ سمعه وتلذ مطالعته » من الروايات الفكاهية، ويتحدد هذا الإمتاع في
ضوء شروط يتوقف عليها « صلاح شؤون الجامعة الإنسانية في الحالتين السياسية
والمدنية »[98]،
إنَّ الفكاهة ـ هنا ـ تمثل لوناً من ألوان المتعة والتسلية، ولكنها توظف لدى
الناقد لتكون « وسيلة » تقود إلى هدف تعليمي، ويتضح هذا من خلال إشادة محمود أحمد
السيد بالقصة القصيرة لأنها « فكاهة الناقد ببصره وبصيرته إلى صميم الحياة وصميم
الناس »[99]، أو أنَّ قصص جعفر الخليلي كما يرى عبد الحق فاضل «تغلب عليها روح الفكاهة
والتسلية وإنْ كانت لا تخلو من نقدات منها اللاذع ومنها الرقيق »[100]، فليست التسلية ـ والحالة هذه ـ جذراً أساسياً يوازي التعليم قدر ما هي
واسطة يتوسل بها الناقد لتحقيق وظيفته التعليمية.
ويتردد
الناقد التقليدي في توظيف القصة بين بعدين متمايزين :
التعليم أو التسلية، ولذلك فإنه يُعرّف القصة بأنها « حادثة خيالية يقصد بها شرح
نظرية علمية أو فلسفية أو اجتماعية أو أخلاقية أو نفسية أو لمجرد التسلية »[101]، ليجاور بين التعليم والتسلية، غير أنَّ «الحادثة » الخيالية التي يشترطها
الناقد لا تبتعد تماماً عن العقل، وإنما يشترط فيها أن تكون «كاملة من النواقص
والشوائب وقريبة من العقل والمنطق »[102]، وبهذا يتحكم العقل بالتسلية، شأنها شأن العواطف التي ينبغي أن يكون وصفها
هادئاً رزيناً.
الفصل الثاني
طبيعة القصة القصيرة
( 1 )
يلح
الناقد التقليدي على استخدام مصطلح « التصوير » ويتوسل به لتحقيق مهمته التعليمية،
ونلحظ هذا الإلحاح في تعريفات القصة، أو إشادة النقاد التقليديين بالقصص التي رأوا
فيها إبداعاً، فالقصة لدى رفائيل بطي « تصور الحياة الاجتماعية »[103]،
وتتحدد واقعيتها عند يوسف عجاج لأنها « تصور نواحي الحياة كما هي دون إبهام »[104]، ويحدد الناقد ـ هنا ـ بعدي « التصوير » و « الوضوح » معا، في حين يؤكد
رفائيل بطي « التصوير » الذي يعالج الواقع وحده، ويركز الناقدان ـ هنا ـ على تصوير
الحياة الاجتماعية أو جوانب منها، غير أنَّ «التصوير » يخرج لدى ناقد آخر ليشمل
الحياة التي نعيش فيها فهي ـ أي القصة ـ « صور عن المجتمع والناس »[105]، في حين يضيّق محمود أحمد السيد مجالها في « تصوير الحياة الشعبية »[106]، وبين هذا الاتساع المفرط للتصوير الذي يشمل الحياة، أو الضيق في مجالات
الحياة الشعبية، يحصرها شاؤل حداد في إطار اجتماعي محدد يقتصر على المعدمين
والمستضعفين لتصور القصة « الفقير وكيف يتضور جوعا والمسكين وكيف تحيط به الآلام »[107]، وإذا كانت التحديدات السابقة تؤكد بعداً سطحياً في التصوير ـ إن جاز
التعبير ـ فإنَّ محمود أحمد السيد يرى في القصة ـ في مكان آخر ـ « صورة مجسمة من
صور الحياة الاجتماعية »[108] وبذلك يسعى إلى «التجسيم » في التصوير ويتسع الواقع لديه من الجوانب
الشعبية إلى الحياة الاجتماعية، أو تكون القصة «صورا ناطقة للحياة الواقعية »[109] كما يرى ضياء الدين سعيد، وفي مقابل « التصوير المجسم » و «التصوير الناطق »
لا تقترن الصورة بالوضوح وحده ـ كما أشار إلى ذلك يوسف عجاج ـ وإنما بالصدق
والوضوح لتكون القصص صوراً « صادقة واضحة من الحياة اليومية المعتادة »[110].
ولم
يقتصر الناقد التقليدي على مصطلح « التصوير » ولكنه يتكئ على «الوصف » الذي يشابه
التصوير إلى حد كبير، وبخاصة أنَّ بعض النقاد استخدموا كلا المصطلحين دون تمييز
بينهما، أو تفضيل أحدهما على الآخر، ولذلك فإنَّ يوسف عجاج الذي تبنى مصطلح «
التصوير » يتبنى هنا « الوصف » فهو يشيد بـ « مصير الضعفاء»، رواية محمود أحمد
السيد لأنها « وصف واف لمساوئ الحكم العثماني »[111]،
أما محمد رضا المظفر فهو يتبنى « المذهب الواقعي » الذي يرى أنَّ أنصاره « وصفوا
لنا الحياة الاجتماعية على ما هي عليه »[112]، ويفضل ناقد آخر الأدباء الأوربيين على العرب لأنّ الأوربيين «يصفون بيئتهم
التي تختلف جد الاختلاف عن البيئة العربية »[113]، ويحث على « إدخال فن القصة في الأدب العربي وذلك لأنّ القصة تصف الحياة
الراهنة المحلية »[114]، ويصل الأمر حداً لدى عبد الحق فاضل، وهو يشيد بـ « برج بابل » مجموعة ذي
النون أيوب القصصية لأنها تتناول « وصف هذا التفسخ الأخلاقي والسياسي الذي منى به
العراق في مجتمعه وفي جهاز حكومته »[115].
ويتكئ
الناقد من ناحية ثالثة على مصطلح « المرآة » فيرى رفائيل بطي ـ الذي كان قد تبنى
مصطلح التصوير ـ في كتابات محمود تيمور أنها « مرآة صادقة لأشخاص بيئتة وحوادثهم »[116]،
ولم يكن القاص وحده هو الذي يعتمد « المرآة » أداة في معالجة الواقع بل إنَّ «
الشاعر والروائي كلاهما مرآة عصره »[117] كما يرى ذلك عبد الكريم الجبيلي، ويستخدم جعفر الخليلي « المرآة » وانعكاس
الأشياء عليها بشكل آلي، لأنّ الإنسان إن كان قد عرف القصة منذ عرف نفسه فهي «
مرآة تعكس كل حركاته وسكناته وأفكاره »[118].
وفي
ضوء هذا نرى إلحاحاً على ثلاثة مصطلحات أساسية « التصوير » و«الوصف » و« المرآة »
ويتبنى بعض النقاد مصطلحين أو أكثر دون تحديد الفوارق بينها، وتتردد دلالة هذه
المصطلحات بين الآلية « التصوير » إذ يحمل القاص «مصورته على منكبية »[119] ,
و يشترط جعفر الخليلي أن تكون الإحاطة بالموضوع «كمثل عدسة المصور التي عليها أن
تتقن اتجاهها لتلتقط الصورة المطلوبة بحقيقتها » لأنّ القصة في تصوره « ليست إلا
صورة الواقع » ولكنه من ناحية أخرى على الرغم من تأكيده أنَّ الواقع يمثل « قاعدة
أساسية للقصة » فإنه لا يرى لزاما أن تصور القصة ما يحدث من أحداث فقط بل «تضيف
لها وتزيد عليها »[120]، كما أنَّ محمود أحمد السيد ينفي أن يكون الكاتب « آلة فوتوغرافية وينقل ما
يشهد من وقائع وما يسمع من أحاديث كما هي طبقاً للأصل »[121].
وفي
ضوء هذا تتصل القصة بمعطى خارجي « الواقع » الذي يمثل الأصل، ويتسع هذا الأصل أو
يضيق في التحديد فيكون « العصر » أو «الحياة » أو « ناحية منها » أو «الحياة
الاجتماعية » أو « الحياة اليومية العامة أو الواقعة » أو « الحياة الشعبية »،
وإذا كان الواقع يمثل « الأصل » فإنَّ القصة القصيرة تمثل « الصورة » وتتحقق
العلاقة بينهما عبر « التصوير » و «الوصف » و « المرآة » غير أنَّ تحديد الواقع
يكشف من ناحية عن أبعاد « التصوير » و«الوصف » و « المرآة »، ويحدد من ثم طبيعة
القصة القصيرة، وتتجلى أهمية الواقع ـ على الرغم من فضفاضية تحديده ـ في أنه يمثل
في أحد جوانبه «الحقيقة » التي يسعى الناقد إلى الكشف عنها وتوظيفها في القصة
القصيرة لإيصال أبعاد معرفية إلى المتلقي.
( 2 )
يمثل
الواقع أحد طرفي العلاقة في حين تمثل القصة القصيرة الطرف الآخر، وتحكم العلاقة
بينهما وسائط متعددة يمكن تقسيمها من حيث أداء وظائفها إلى :
محاكاة ما هو كائن، ومحاكاة ما يمكن أن يكون، ويعالج الوسيط : ـ التصوير، أو
الوصف، أو المرآة ـ الواقع « على ما هو عليه »[122]، كما يرى ذلك محمد رضا المظفر في أثناء وصفه القصة الواقعية، كما أنَّ ليلى
جاسم رغم تبنيها القصة الحديثة التي لم تستطيع أن تفهم منها إلا أنها « تعتمد على
نقل واقعة اجتماعية تنقل كما هي »[123]، ويسعى الناقد التقليدي إلى تأكيد حرفية المحاكاة من خلال « دقة التصوير »[124]، و« صدقه »[125]، أو أنَّ الناقد يحث الأدباء على تصوير « ما يقع تحت أبصارهم »[126]، والدقة ـ هنا ـ تعني النقل الحرفي الأمين للواقع، كما أنَّ الصدق لا يعني
خصيصة ذاتية تقربنا من التفكير الرومانسي، بقدر ما يعني خصيصة عقلية تسعى إلى
تحقيق مشابهة الواقع في جانبه المرئي عبر حاسة البصر، وينطوي الواقع ـ في تصور
الناقد ـ على قدر من الحقيقة، ويسعى الناقد والقاص معاً إلى الكشف عنها، وتتمثل
معالجتهما له في ضوء مايطلق عليه ستولنيتز المحاكاة البسيطة التي تعني « الترديد
الحرفي الأمين لموضوعات التجربة المعتادة وحوادثها »[127] لتكون القصة القصيرة صورة أمينة للواقع، أو أنها « مماثل لما نعرفه في
الواقع »[128].
إنَّ
النقل الحرفي يجعل الوسيط ـ التصوير والوصف ـ مجرد آلة يحملها القاص، فهي « مصورته
»[129]،
كما يرى عبد الحق فاضل، أو « مرآته »[130]، كما يدعو إلى ذلك عبد الكريم الجبيلي، و يرى فيها رفائيل بطي الصدق لأنه «يظهر
على لوحتها الصقيلة حقائق الحياة مرة كانت أو حلوة »[131]، وتحدد « المرآة » الكيفية التي يتم بها تشكيل القصة القصيرة، وتتميز «
المرآة » لدى الناقد التقليدي بأنها جسم مادي مسطح، ولذا فإنها قادرة على عكس
الصور من الخارج، وتعمد إلى تثبيتها دون تمثل لما يحدث فيها من تفاعل، كما أنَّ
المرآة من ناحية أخرى تعني بالجوانب المرئية من الواقع، وليست قادرة على اختراق
القشرة الخارجية له، حتى في تعاملها مع العوالم الداخلية للإنسان فإنها تتأملها
بوصفها كتلا مادية صامتة تمثل نمطاً مستقلاً، إضافة إلى أنَّ المرآة لا تقدر على
تصوير الحياة كلها، وإنما تتجه إلى جانب من جوانبها، ومن أجل هذا يمسك القاص قبضة
المرآة ويدورها في جوانب متخيرة من الواقع.
وما
دامت « المرآة » جسماً مادياً صقيلاً فإنها لا تلون الواقع الخارجي كما يفعل
المنشور الزجاجي عند مرور الضوء فيه، ويوحي وصف « الصقيل » بسمتي «الوضوح » و«
الصدق » اللتين أشرنا إليهما، بحيث يقودان إلى مشابهة تامة للواقع الخارجي.
وفي
ضوء هذا كله تعكس « المرآة » الواقع كما هو عليه دون حذف منه، أو إضافة، أو تغيير
فيه، وأخطر من هذا أنها تنقل الواقع بعشوائيته، لأنّ الصورة المعكوسة في المرآة لا
تعني إلا صورة الواقع الماثل أمامها، وتكون هذه الصورة هي القصة القصيرة التي تتسم
بعشوائيتها وتنافر عناصرها، وهذا التصور إن كان صحيحاً نظرياً فإنَّ الناقد
التقليدي يرفض هذه العشوائية لأنَّ النص القصص ينطوي على قدر من التنظيم على الرغم
من أنَّ بعض الأصول النظرية التي يعرضها الناقد التقليدي لا تقود إلى هذه النتيجة ؛ ويتحدد تجاوز العشوائية حين يكون القاص « مصوراً
هاوياً قد حمل مصورته على منكبيه وراح يتجول ، فكلما وقعت عينه على منظر معجب
التقط صورته »[132]، وينطوي هذا النص على البعد الآلي الذي تقود إليه الآلة ـ مرآة أو مصورة ـ
ولكنه من ناحية أخرى يؤكد قدراَ معيناً من التنظيم، على الرغم من أن القاص لا يعمل
شيئاً سوى حمل هذه الآلة وتصوير جوانب متخيرة من الواقع تقود إلى هذا القدر
المتجاوز من التنظيم، ولا يوحي «الإعجاب » هنا بخصيصة رومانسية مرتدة إلى الذات،
لأنَّ القاص حين يتجول في الواقع إنما يبحث فيه عما يتواءم وتفكيره ويخدم تصوراته.
ويقودنا
هذا كله إلى قضية مهمة مفادها أنَّ الناقد يخلط القصة بالتاريخ، لأنَّ القاص ما
دام يحاكي الواقع كما هو عليه فإنَّ الأعمال القصصية تتحول إلى سجل لحوادث الحياة،
ومن ثم إلى وثائق تاريخية للواقع الاجتماعي، ويؤكد الناقد التقليدي هذه الخصيصة
لأنَّ كلا من القاص والمؤرخ ـ في تصور لطفي بكر صدقي ـ إنما يرصد الوقائع التي
تحدث في الحياة ويعمد إلى تسجيلها ومحاكاتها، لأنّ القصة ـ كما يرى ـ «فيما تحكى
من حوادث النفوس ووقائع الحياة تاريخا أو ليس التاريخ سجل الأخبار والحوادث
العظيمة التي كابدتها الإنسانية في سيرها منذ القدم، وكذلك القصة حكاية التاريخ
لإنسان أو لجماعة من الناس »[133]،
ويصل الأمر حداً لدى ناقد[134]آخر يرفض فيه «أدب القصة » لأسباب معرفية لأنَّ « أدب القصة تشجيع للأقلام
على ناحية من الأدب لا تعنى كثيرا بالحقائق » ويتبنى « القصة » التي تعني لديه
التاريخ، لأنّ القصة ـ التاريخ تعني «التحدث عن أمر تاريخي واقع » وهذا الأخير لا
يقتضي مواهب معينة لأنه بمقدور أي إنسان أن يضطلع به، ولذلك فإنَّ الناقد يميز بين
« القصة ــ الأدب »، و «القصة ــ التاريخ » بمقدار قربهما من الواقع والحقيقة،
ولذا فإنَّ « القصة ــ الأدب » تعني « تنميق عبارة... هي بين أمرين... أن تكون كلها مخترعة
أو تكون مزيجة بين بين » في حين تنقل « القصة ــ التاريخ » الواقع على ما هو عليه
محافظة على الواقع والحقيقة معاً.
وفي
ضوء هذا يكون التاريخ أكثر قيمة وفائدة من القصة لاقترانه بنقل ما يحدث، في حين
تقترن القصة بالكذب، لأنَّ الناقد حين يميز بين التاريخ والقصة يجد « البون الشاسع
بين الصدق والكذب »[135]،
ويتخلف الناقد التقليدي ـ هنا ـ كثيراً عن الوعي الآرسطي الذي يعطي الفن قيمة أكبر
لعنايته بالكليات، ويقلل من قيمة التاريخ لعنايته بالجزئيات[136].
( 3 )
وفي ضوء ما تقدم تكون القصة القصيرة «
صورة » تقود معرفياً إلى الكشف عن «حقائق موجودة »[137]ولا ترجع هذه الحقائق إلى خصائص فردية تتصل بالإنسان الفرد بل تتصل بالنوع
أو الجماعة، لأنَّ القصة كما يرى رفائيل بطي « تصور الحياة الاجتماعية التي تحياها
الجماعة »[138]،
فالقصة القصيرة ـ من هذه الناحية ـ تكشف عن أبعاد معرفية تتصل بالأفكار الذهنية
المجردة، وهذه الأبعاد حقائق موجودة، يؤكدها بعدا الحسن والقبح تنظيراً وممارسة،
كما أنها تسهم في تمكين المتلقي من وعي واقعه الاجتماعي، لأنّ الأشكال القصصية «تكشف
كثيراً عن خبايا النفوس فتظهرها عارية أمام الأنظار »[139]، وهذا الكشف يقود إلى أحد قطبي المدركات الذهنية « القبح » ولذا يصف رفائيل
بطي هذا النمط من القصص بالواقعية « الريالست » ويطلب من القراء أن يقابلوها
بالترحيب، لأنَّ أنصار المذهب الواقعي يكشفون عما في الواقع، ولأنّ الرذيلة « في
عرفهم يجب أن تعرض بقذارتها والفضيلة يجب أن لا يغالى في تنميقها »[140]، لتقود الأشكال القصصية إلى بعد تعليمي يعي فيه المتلقي عيوب واقعه لأن «العيوب
إذا ظلت خافية كبرت واستعصى على الناس استئصالها »[141].
إنَّ
القصة القصيرة تصور « الجوهر » لا « العرضي » ويتمثل « الجوهر » في المدركات
الذهنية التي يتصورها العقل، فالقصة تصور الحسن والقبح لتحبيب الأول للمتلقي
وتنفيره من الثاني،، وإذا كان العقل يمثل «الجوهر »
فإنَّ الذات تمثل « العرضي »، ولذلك يلجم الناقد التقليدي تصرفاتها في ضوء مدركاته
الذهنية فيعطل المخيلة ومن ثم الخيال، ويتضح تعطيل دور الذات والخيال من خلال دعوة
الناقد رفائيل بطي إلى ضرورة كشف القاص عن الحقائق الكائنة في الواقع « لاعن أمور
خيالية ليست إلا في مخيلته »[142] أو من خلال ثناء ناقد آخر على « برج بابل » مجموعة ذي النون أيوب القصصية
لأنّ حوادث قصصه « حقيقية لا أثر للخيال أو التعمل فيها »[143]، وفي ضوء هذا يعرض الناقد التقليدي ثنائياته الضدية التي يكون فيها العقل
والحقيقة «الجوهر » في جانب، والذات والخيال « العرضي » في جانب آخر، ويعطل الناقد
التقليدي المخيلة لارتباطها بالذات والحواس، لأنها أقل رتبة من العقل في الكشف المعرفي
من ناحية، و لأنها تكشف عن المتغير لا الثابت من ناحية أخرى، وبهذا يسعى الناقد
إلى تحديد دورها أو إلغائه تماماً.
و
يدرك الناقد التقليدي سمة في العمل القصصي، ولكنه إدراك أولى بسيط، فهو يعي «
التصوير » بشكله الآلي أو المحاكاة ببعدها البسيط ويكون دور القاص ـ هنا ـ
المراقبة الكسولة للواقع، وتقدم القصة القصيرة ـ من هذه الناحية ـ بعداً سلبياً في
الكشف المعرفي يكون فيه النص صورة ثابتة للواقع وليست قادرة على موازاته.
إنَّ
القصة القصيرة في مستوى محاكاة ما هو كائن « تشبه » النمط الكائن في الواقع
الخارجي الذي لا تتحقق أبعاده لمجرد كونه كائناً في الواقع، وإنما لأنّ الناقد يجد
فيه صدى للنمط الفكري الذي يتبناه، ولذلك فنحن إزاء بحث عن نمط في الواقع يماثل في
حقيقته نمطاً كائناً في الذهن، وتحاكى القصة القصيرة النمط الكائن في الواقع
ليقترب هذا التفكير من المحاكاة الأفلاطونية التي تنأى فيها النتاجات الأدبية عن
الحقيقة « المثال » رتبتين، فهناك مثل أعلى « نمط » وصورة له في الواقع، ثم محاولة
الأديب محاكاة النمط الكائن في الواقع، ولكن الفرق لدى الناقد التقليدي يكمن في
أهمية تصوير النمط الكائن في الواقع، لكونه لا يبتعد ـ في تصوره ـ عن الحقيقة
رتبتين، لأنه يمكن المتلقي من وعي المدركات الذهنية المجردة الكائنة في الواقع،
والتي يتأسس من خلالها تحديد أبعاد تعليمية تسهم في إصلاح المجتمع بالنتيجة.
( 4 )
تمثل «الحقيقة
» المصدر الذي يقتبس منها الأديب التقليدي تشكيله عمله الأدبي، فهو يرى أنَّ
المواد الأولية « مقتبسة من الواقع »[144]،
وتتحول الحقيقة لديه إلى مدركات ذهنية مجردة تتمثل مرة في قيمة خلقية محكمة بالعقل
أو« نظرية علمية أو فلسفية ونحوها»[145]، المهم انها تمثل جوانب متعددة لظاهرة واحدة هي الحقيقة، إنها « الجوهر »
الذي يسعى الناقد إلى إرسائه وضرورة الكشف عنه، ولذلك لاحظنا أنَّ الناقد التقليدي
في مستوى محاكاة ما هو كائن لا يعنى إلا بالجوهر، ويرفض من ثم كل « عرضي » لأنّ
الأخير لا يقود ـ في تصوره ـ إلى أبعاد معرفية تترك آثارها الفاعلة في الواقع
المتخلف.
ويتجاوز
محمود أحمد السيد المحاكاة البسيطة رافضاً التصوير الآلي الذي يتحول فيه القاص إلى
« آلة فوتوغرافية وينقل ما يشهد من وقائع وما يسمع من أحاديث كما هي طبقاً للأصل »[146] لتكون
القصة القصيرة شكلاً يوازي الأشكال الفنية الأخرى ورافضاً أن يكون النقل الحرفي
غاية الفن[147]، ويرفض يوسف عجاج النقل الحرفي للواقع، فليس شرطاً ـ في تصوره ـ أن تكون
حوادث القصة « قد وقعت فعلا وإنما تكون قابلة للوقوع فإنَّ لم تكن كذلك خرجت عن
نطاق القصة الواقعية »[148]، ويرى جعفر الخليلي أنَّ القصة « لا تلزم نفسها بما يحدث فقط... إنها تضيف لها وتزيد
عليها »[149].
وفي
ضوء هذا ينفي محمود أحمد السيد فنية الأشكال القصصية، وينفي يوسف عجاج واقعيتها
إنْ هي اعتمدت نسخ الواقع حرفياً، كما يرى جعفر الخليلي ضرورة الحذف من الواقع
والإضافة إليه لتشكيل قصة قصيرة، وبهذا يتجاوز الناقد التقليدي ـ هنا ـ محاكاة ما
هو كائن إلى محاكاة ما يمكن أن يكون، أي مجاوزة المحاكاة البسيطة إلى أنماط أخرى،
قد توحي في ظاهرها تجاوزاً للموقف كله، غير أنَّ إدراكنا الكيفية التي تتم بها
تجعلنا ندور في إطار المحاكاة، لأنّ الناقد التقليدي لا يخرج عن محاكاة الواقع إلى
إسقاط ذاتي عليه، ولا يتأمل واقعه عبر حركة جدلية بين الذات والموضوع[150].
إنَّ القصة القصيرة على الرغم من أنَّ موادها
الأساسية مقتبسة من الواقع فإنّ «حوادثها خيالية لا أساس لها من الصحة »[151] أو
أنها « حادثة خيالية يقصد بها شرح نظرية علمية أو فلسفية »[152] فالجوهر يتمثل مرة « بالواقع » ومرة بالأبعاد المعرفية التي تنطوي عليها النظريات
العلمية والفلسفية، في حين يتمثل « العرضي » بـ « الخيال » الذي يفتقر إلى الصحة،
ويمثل الخيال إطاراً خارجياً يعمد من خلاله القاص إلى ترتيب «جوهره ».
وإذا
كان الناقد التقليدي في مستوى محاكاة ما هو كائن لا يعني إلا بالجوهر ويرفض كل
عرضي، فإنه ـ هنا ـ يجمع بين الجوهر « الحقيقة » والعرضي « الخيال » لا على أساس
أنَّ كلا منهما يمثل طرفاً أساسياً في الإدراك المعرفي، وإنما ليحقق « الخيال »
الأبعاد الفنية للأشكال القصصية لتجمع القصة في تصور شاكر السعيد « بين الحقيقة
والخيال »[153]،
أو أنَّ العمل القصصي ـ كما يرى جميل علي ـ « يجمع بين الحقيقة والخيال »[154] أو يصل الأمر حداً في «استساغة الوهم »[155].
ويبرز
هنا دور الخيال الذي يؤثر في تشكيل الأبعاد الفنية للقصة القصيرة، غير أنه في
النصوص السابقة غير محدد بأبعاد، ويصفه جعفر الخليلي[156]بـ « الشرارة » « التي تبعث الحياة الحقيقية في الرواية.... وهذا الخيال لا
يقتصر على الاختراع فقط، بل أنه يدرك الأشياء ويحسها فهو يضاعف الأشياء التي تبدو
عادية مألوفة وهكذا فهو يمدها بقوة جديدة » وقد توحي « الشرارة » بأبعاد رومانسية
تقترب من « الحدس » غير أنَّ الخليلي في مكان آخر يرفض القصص القائمة على «الخيال
المحض الذي لا يمت إلى الحقيقة بشيء»، وبهذا يحكم الناقد الخيال بأبعاد عقلية،
ويعمد إلى التمييز بين القصة والأسطورة بأن « القصة صفحة من صفحات الحياة الواقعية
والأسطورة رمز من رموز الخيال » ؛ ويؤكد الناقد التقليدي
أهمية «الخيال » ودوره في تشكيل القصة القصيرة، ويحكمه الناقد من خلال بعدين
أحدهما : يرتبط بـ « الجوهر » وثانيهما : يرتد إلى الواقع، فتكون القصة « صورة »
مماثلة للواقع يعتمد فيها القاص على «انتقاء » الحوادث الكائنة فيه، كما أنه ينسج
في ضوئها ما يحتمل أن يكون واقعاً، ولذلك فالخيال لا يبتعد عن العقل، وإنما هو
مرتد إليه، فهو والحالة هذه « خيال متعقل »[157].
ويرفض
الناقد التقليدي توظيف « الخيال » في مستوى « محاكاة ما هو كائن »لارتداده إلى
أداة معرفية تغاير العقل وترتبط بالذات والحواس، فيكون الخيال أقل رتبة من العقل
في الكشف المعرفي، ولأنه من ناحية أخرى يمثل العرضي الذي ينأى عنه التفكير
التقليدي، غير أنَّ الناقد في مستوى « محاكاة ما يمكن أن يكون » يوظف الخيال
لتحقيق وظائفه التعليمية، محكماً إياه بمقومات عقلية.
ان
المحاكاة تعمد ـ والحالة هذه ـ إلى تثبيت المشهدين الحسي والنفسي في الواقع، ولهذا
يشترط الناقد في المخيلة الصدق والأمانة، وعدم تجاوزها العقل والواقع، وفي ضوء هذا
تشتمل المحاكاة على تجربة محكمة بالإدراك العقلي، ويقدم القاص إدراكه عبر هذه
التجربة التي تنطوي على الموضوعات العامة، وبهذا تعجز المحاكاة عن مجاوزة «المشابهة»
إلى « التغاير » لأن «المشابهة » تعني تثبيت الواقع الخارجي وكشف الحقائق المستقرة
فيه، وليس الكشف عن عالم جديد، وتندمج فيه تجارب الماضي والحاضر والمستقبل، ومن
شأن هذا العالم إثراء المتلقي بمزيد من الوعي والمعرفة.
الفصل الثالث
البناء والأداة
( 1 )
يوظف الناقد
التقليدي الأشكال الأدبية من أجل وظيفته التعليمية، وهو يدرك أنَّ هذه الأشكال
تتفاوت من حيث التأثير، وجاء اهتمامه بالشعر وتوظيفه إياه سابقاً للأجناس الأدبية
الأخرى، لعراقة الشعر أولاً، ولاستقرار الكثير من قيمة ومفاهيمه ثانياً، ثم نشأت
أشكال أدبية حديثة ساهمت الصحافة في ظهورها ونموها
كالمقالة، أو ساعدت على تطورها كالقصة القصيرة.ويرى الناقد أنَّ القصة القصيرة لا تؤثر
في المجتمع بشكل مباشر كما تفعل المقالة، ولذا رأينا من يصرح بأهمية المقالة
وتفضيلها على القصة القصيرة، بل يعد الأديب مبدعاً لا لكونه يكتب هذا الأدب المتدني
ـ القصة القصيرة ـ وإنما لأنه يكتب مقالة تترك آثارها الإيجابية في إصلاح المجتمع
وتعليمه[158] ؛ وقد وقع الناقد التقليدي تحت وطأة تأثير المقالة لإلحاح الوظيفة التعليمية
عليه، ولأنّ المقالة أكثر فائدة وأهمية من القصة، وترك هذا التفكير آثاره في تحديد
طبيعة القصة وبنائها، وهو تصور واكب البدايات الأولى للقصة في العراق التي كانت
تمثل شكلاً أقرب إلى المقالة، وهذا يعني من جانب آخر أنَّ الناقد التقليدي يرى في
الأشكال القصصية واسطة يتوسل بها إلى غايته التعليمية، وليست غاية في ذاتها.
ومهما
قيل في أنَّ المقالة تتناول موضوعاً مركزاً وتعتمد التقرير لا التصوير، وتعرض قضية
لها آثارها في المجتمع، فإنَّ البعد الجوهري الذي يلم أجزاءها هو وحدة الموضوع،
وقد سيطر هذا الفهم على الناقد التقليدي وهو يحلل الأشكال القصصية، إذ لا فرق بين
المقالة والقصة القصيرة، غير أنَّ الأولى تكتب بشكل تقريري مباشر، قد نجد فيه
أثراً للحكاية أو لا نجد، وتصاغ الفكرة في القصة القصيرة في قالب قصصي، نجد فيها
جوانب من التصوير ممتزجة بتقريرات المقالة، ومؤكدة أفكار القاص، ومن هنا نفسر
تأكيدات الناقد التقليدي أن تكون القصة مرتكزة على « الفكرة القوية ذات الخطر في
حياة الأفراد والجماعات »[159]كما أنَّ عبد الحق فاضل وهو في معرض إشادته بنتاجات ذي النون أيوب يجرده من
كونه قاصاً، لأنه لم يعمد لكتابة قصة قصيرة، بل كان يسعى لعرض أفكاره وتصوراته،
وما الأشكال القصصية إلا إحدى الوسائل لتوصيل هذه الأفكار، ولذلك فهو يهيئ الأفكار
والآراء التي يريد عرضها، ثم تأتي عملية التفكير في صوغ عناصر القصة وكيفية
تركيبها « إنَّ ذنون ليس عاشقا للفن القصص لذاته فهو يفكر في تهيئة الأفكار
والآراء التي يبني عليها قصصه قبل أن يفكر في هيكل القصة نفسها وعقدتها وحبك
حوادثها »[160]،
إنَّ هذا التصور يذكرنا ببنية القصيدة في التراث النقدي عند ابن طباطبا العلوي في
كتابه عيار الشعر[161]، وهو تصور تحكمه الصنعة التي تعني أنَّ التخطيط يسبق التنفيذ.
وإذا
كان الناقد التقليدي يسعى لعرض مفاهيمه الفكرية من خلال القصة فإنه يعرض أفكار
صفوة المجتمع، ويعبر عن الوعي الجماعي لا الفردي، بحيث يتحول مفهوم القصة القصيرة
عنده إلى صورة للعقل الجماعي، لأنّ بعض المجتمعات ـ كما يعرض ذلك مصطفى سويف ـ[162] تكون
على درجة رفيعة من التكامل...
وهي التي تقوم على أساس تحقق النحن، وهذه المجتمعات
ذات حظ كبير من الثبات وتحقق لأعضائها نوعاً من التوازن السيكولوجي يفقدونه إذا
انفصلوا عنها، وبهذا فإنَّ «النحن » أخذت تشكل أفكار « الأنا » وتصوراتها لدى
الناقد التقليدي، وتحولها من كونها « أنا » فردية تمكن الفرد من الإدراك الشخصي
إلى « نحن » جماعية تخدم الجماعة قبل الفرد، وتفكر بالمجتمع قبل تفكيرها بالإنسان
الفرد.
وفي
ضوء هذا يؤكد الناقد التقليدي ضرورة عيش القاص الحياة الاجتماعية وتعبيره عن
مشاكلها ومعضلاتها، لأنّ القاص لا يمكنه أن يبدع دون تمثل أدواء المجتمع، غير أنَّ
الناقد التقليدي شأنه شأن القاص لم يدرك الصراعات الداخلية في المجتمع، إذ كان يرى
المجتمع من خلال بعد ظاهري سطحي لم يتجاوز قشرته الخارجية، إنه يتناول ما يحدث
وليس تناول الحياة بتساؤل كيف حدث ؟ ولماذا حدث ؟ ؛ وبقدر ما أدى به ذلك إلى
استبعاد الجوانب الذاتية، أدى به التركيز على القصة بوصفها قالباً فكرياً أو وعاءً
لمحتويات يراد توصيلها إلى « النحن » وبقدر ما يفصل هذا بين الشكل والمضمون فإنه
يجعل المضمون من قبيل الأفكار الإصلاحية ويجعل الشكل من قبيل الوعاء المزخرف الذي
يغري القراء بتقبل هذه الأفكار الإصلاحية والنتيجة هي تفتيت وحدة العمل القصصي
والتعامل مع القصة القصيرة بمستويين يتصل أولهما بالأفكار، ويتصل ثانيهما باللغة
والأسلوب، ويجمع بين المستويين المجاورة، أما الوحدة فترتد إلى وحدة موضوع ذات
طابع شبه منطقي.
إنَّ
المضمون في تصور الناقد التقليدي فكرة تعالج مشكلة من خلال تصورات القاص الذهنية
المجردة فيتأمل الفكرة من خلال بعديها السلبي أو الإيجابي، أو كليهما معاً، غافلاً
بذلك الذات وفاسحاً المجال للعقل ليتدخل في تشكيل القصة القصيرة، ويتضح هذا من
خلال حرص الناقد أن تكون القصة « مجالاً جذاباً واسعاً »[163] يمكن
الأدباء من بث «أفكارهم ونشر أغراضهم »[164]ولأنّ القصة ليست « كلاماً خالياً من الغرض »[165]، ليكون الشكل أداة لغوية «بليغة عالية » وبذلك تنفصم العرى الوثيقة التي
تؤدي إلى تشابك الشكل والمضمون، لأنّ الأخير هو صورة الإدراك التي ينشدها الناقد
في النتاج القصصي.
ويأتي
الفصل بين الشكل والمضمون استجابة طبيعية للفصل بين الذات والموضوع و «الأنا » و «
النحن » كما أنَّ الوحدة التي يؤمن بها الناقد هي وحدة الموضوع غافلاً بذلك ما
تقدمه الذات من مدركات، ويمثل الشكل وعاء يصب فيه القاص مضمونه، ويتأتى هذا بسبب
رؤية الناقد التقليدي وما نتج عنها من تحديد وظائف القصة القصيرة وكيفية محاكاة الواقع ؛ إنَّ المضمون ـ عند الناقد التقليدي ـ إدراك تعقلي
للعالم والمجتمع والإنسان يعالج فيه الناقد ـ ابتداء ـ تحقيق وظيفته التعليمية،
ويصاغ هذا المضمون في قالب أدبي يكون بمثابة الوعاء، وليس بينهما أي تفاعل بحيث لا
يمكننا رؤية أحدهما بحضور الآخر.
( 2 )
يتأمل
الناقد التقليدي ( الأداة ) من خلال علاقته الوثيقة بتراثه النقدي ولما كان التراث
النقدي منصرفاً لدراسة الشعر، فإنه يتأمل الأداة في ضوء هذا المنظور، لعراقة الشعر
واستقرار الكثير من قيمه ومفاهيمه أولاً، ولحداثة القصة القصيرة ثانياً، ونلمس
آثار هذا واضحة في استعارته مصطلحات نقد الشعر من خلال تأكيده إسباغ روح الشعر على
القصة وتغذيتها بالخيال وصبها في قوالب لفظية[166]،
كما نلحظ اهتمامه بتحليل القصة القصيرة من منظور شعري، وذلك بعقد المقارنة بين
القصة والقصيدة، محاولاً عرض أوجه الشبه بينهما من خلال انتقائهما المفردة وجمال
إيقاعها وفخامة أسلوبها، فضلاً عن تسلسل أحداث القصة وعمق أفكارها، وهو بذلك يجافى
التصور الذي تلتقي فيه القصة القصيرة بالقصيدة من خلال اختيار المفردة الموحية،
ولجوء القصة إلى التكرار، ومحاولات القاص تشكيل مفردات تؤثر على المتلقي بإيقاعها،
ومن خلال تأدية القصة مهمة القصيدة من حيث الصور النفسية والأحاسيس والدقة في
انتقاء الألفاظ[167].
وعلى
الرغم من تأكيد الناقد التقليدي أنَّ النثر أداة القصة القصيرة فإنه يستشهد بنصوص
شعرية يعدها قصصا كالملاحم والمسرحيات الإغريقية، أو اشتملت فيها الحكاية على
الشعر كالحكاية الشعبية والمقامات، أو لم تعتمد الشعر في الغالب كالقصة التاريخية
الشعبية والنوادر والحكايات، وهذا يعني أنَّ القصة أقرب إلى الفنون القولية، بل
أنها فن صوتي يعني في أحد جوانبه بصياغة المفردة وإيقاعها الصوتي.
وإذا
جاز لنا أن نصف مستويين للغة : مستوى خارجي يتعامل مع
اللغة وتراكيبها ومفرداتها من خلال مدلولاتها المعجمية، ومستوى داخلي يتفاعل مع
إيحاءات هذه المفردات وظلالها وخلق موحيات جديدة للمفردة من خلال أنساق العبارة
وتركيبها، فإنَّ الناقد التقليدي يتعامل مع اللغة بمستواها الخارجي الذي يحولها إلى
مجرد أداة موضوعية موشاة بزخرفة كتوشية الخطيب خطبته وضرورة تحميل هذه الخطبة
بالفكرة المعززة بالدليل والبرهان.
ويدرك
رفائيل بطي خطر السجع والتكلف في التعبير، لأنهما يشوهان لغة القصة ويعيقان القاص
من التعبير عن رؤيته[168]،
كما أنه ينأى بالقصة عن غايتها الأساسية، ويعنى تماماً بالألفاظ لأنّ القاص ـ هنا
ـ « يجد كل الجد وراء كلمة ليقيمها إزاء أختها ويقابلها بها »[169] مما يترك آثاره في البحث عن كلمات لا تؤدي المعنى المقصود، ولا تحقق غاية
القاص في تأكيد الفكرة، كما أنَّ رفائيل بطي إضافة إلى تأكيده أداة القصة النثرية
وضرورة نأيها عن السجع لما فيه من قيود فإنه ينبه إلى ضرورة ابتعاد القاص عن كل «كلمة
مقعرة أو نافرة قلقة »[170] لما تتركه هذه الكلمة من إعاقة الترسل في الأسلوب.
ويتبنى
الناقد التقليدي اللغة التفسيرية الشارحة عبر دعوته إلى البساطة والسهولة في
الأداء، لا لغاية اقتضتها الضرورات الفنية المرتبطة بطبيعة القصة القصيرة، ولكن من
أجل أن تكون آثار القاص في متناول كل شخص كي يستطيع فهمها[171]،
وبذلك تكون اللغة أداة تفسيرية تحقق وظيفة القصة التعليمية، كما أنَّ سهولتها تمكن
المتلقي من إدراك ما يعرضه القاص من أفكار وتصورات.
وفي
ضوء هذا يحث ضياء الدين سعيد على أن يحافظ القاص في نتاجه القصصي على « اللغة
العربية الفصيحة الجزلة الجذابة وبلاغة مطبوعة لا تكلف فيها ولا تصنع »[172] مؤكداً
جمال الأسلوب وضرورة التواءم في المفردة بين الدال والمدلول، وبتعبير آخر المواءمة
بين شرف اللفظة وشرف معناها، وهذا يعني أنه يحدد علاقة وثيقة بين اللغة والفكر،
غير أنها علاقة الوعاء للمادة، وتتحول اللغة ـ والحالة هذه ـ إلى أداة توصيل تخدم
تصورات القاص وأفكاره، وينبغي للغة القصة أن تحافظ على سماتها الجمالية التي تسهم
في تزيين جمال الفكرة.
وتردد
الناقد التقليدي بين جزالة الألفاظ ورشاقتها ! واهتم بالتشبيهات والاستعارات التي
يرى أنها تعطي جمالاً أسلوبياً فريداً، وهو متأثر ـ هنا ـ بنقد الشعر الذي يعنى
بانتخاب المفردة وما يرافقها من تلوينات صوتية، بحيث يكون التعبير اللغوي منسجماً
مع ما يريده القاص من فكرة، ويحدد جعفر الخليلي شرطاً أساسياً في اللغة هو «استعمال
الكلمات التي تحمل المعنى المطلوب أكثر من غيرها بينما تكون أخف من غيرها على النفوس وتعمل على الجرس أو ما شابه ذلك في الواقع »[173] وهذا يعني تأكيد الناقد اختيار المفردة الدالة على المعنى المقصود مع دقة
وإحكام في استخدامها، وضرورة الالتفات إلى جرسها الموسيقي الذي يترك آثاره في
المتلقي ؛ إنَّ عناية الناقد التقليدي البالغة باللغة لا يعني إغفاله المضمون،
ولكنه يمثل الوعاء المزخرف الذي يغري به المتلقي في تقبل الأفكار الإصلاحية
ومواصلة مطالعتها.
( 3 )
إنَّ
عناية الناقد التقليدي بالمضمون الذي يعنى في الغالب الموضوع الذي تشتمل عليه
القصة القصيرة، وعنايته بالأداة اللغوية التي تمثل الوعاء الذي يجذب المتلقي
ليغريه بمطالعة القصة والتأثر بها لم يصرفاه عن اهتمامه بعناصر القصة القصيرة
كالشخصية التي تتحد عنده في نمطين : « الشخصية ـ الفكرة »
و« الشخصية المحلية » ؛ وتتجاوب «الشخصية ـ الفكرة » مع التفكير العام للناقد
التقليدي لأنها تحمل أفكاره وتصوراته، فهي تمثل عقلاً محضا تفتقر إلى حريتها
وقدرتها على التعبير عن ذاتها، ويكون ظهور القاص واضحاً يتحدث عنها وعن أفكارها،
ويرى محمود أحمد السيد ضرورة ظهور القاص جنباً إلى جنب شخصياته، وقد أطلق على هذا «
ذاتية الأداء » الذي تبناه في مرحلة من مراحل حياته لغاية لم يفصح عنها، ثم لجأ
بعد ذلك إلى « الموضوعية » التي تعني اختفاء القاص وراء شخصياته »[174].
وتحولت
« الشخصية ـ الفكرة » على يد الناقد التقليدي إلى قيمة تجريدية، فالأدباء ـ في
تصور عبد الغني شوقي[175] ـ
إنما « يمثلون في أشخاص رواياتهم الفضائل » من ناحية « ويجسمون الرذائل » من ناحية
أخرى، وهذا يعني أنَّ القاص لا يعنى بالشخصية بوصفها كائناً إنسانياً، وإنما
لكونها وعاء ينطوي على أفكار مجردة لابد من تمثيلها في العمل الأدبي، لأنّ الناقد
لا يعنى ـ هنا ـ بالعرضي قدر عنايتة بالجوهر، أي القيم التي تحملها الشخصية، ويوزع
الناقد هذه القيم على طرفين متضادين من الشخصيات، الشخصيات التي تمثل عنصر الخير
وتضادها الشخصيات التي تمثل عنصر الشر، ليؤكد مقولته الفكرية في إرساء بعدي
التحسين والتقبيح في العمل الأدبي أولاً، وفي الواقع الاجتماعي ثانياً ؛ ويقود
التجريد إلى نقل المتلقي من واقعه الذي يعيش فيه إلى واقع مثالي تتجسد فيه القيم
الذهنية ببعديها السلبي والإيجابي لتخدم الأبعاد التعليمية، وإذا كانت « الشخصية ـ
الفكرة » شخصية تجريدية فإنها بهذه السمات شخصية مسطحة تتسم بكمالها وثباتها
وفقدانها حريتها وإرادتها، وبهذا يؤكد الناقد ـ عبر هذه الشخصية ـ أبعاده المعرفية
المتمثلة بالتعليم في النص القصصي.
ولم
يقتصر الناقد على هذا، بل أخذ يصنف الشخصيات الخيرة والشريرة على أساس طبقي،
فالشخصية الخيرة تمثل طبقة عليا، هي طبقة الأكابر، والشخصية الشريرة تعبر عن طبقة
دنيا، هي طبقة الأصاغر، ويهب الناقد للشخصية الخيرة العواطف السامية والأخلاق
الكريمة، ويخلع على الشخصية الشريرة ما يتناسب مع طراز حياتها من سباب وشتم وقذف[176].
ويدعو
الناقد التقليدي من زاوية أخرى إلى الشخصية المحلية[177]محددة بإطاريها المكاني والزماني، رافضاً بذلك القصص المتأثرة بالبيئات
الأجنبية، إذ يحدد الناقد البيئة العراقية مكاناً يتكئ عليه القاص في بناء عمله
القصصي، لإدراكه أنَّ تصوير بيئات مكانية أخرى يعني الخروج على الوظيفة التعليمية ؛ ويرافق التأكيد على الأبعاد المكانية أن تحافظ
الشخصية على سمات محلية خاصة في ملامحها وأسمائها أيضاً. وتقتصر الملامح
المحلية على الوصف الخارجي للشخصية، وبهذا لا تقود الملامح المحلية إلى إثراء
الشخصية بما يختلج في أعماقها من مواقف، ووعي ردود فعلها إزاء الواقع الخارجي،
ويشير الناقد إلى الزمان وأهميته، ولكنه يحوّل هذين البعدين ـ الزمان والمكان ـ
إلى ثوابت مستقرة لا يتركان آثارهما في تشكيل الشخصية وخضوعها لهما أو تمردها
عليهما، بل هما عنصران تابعان للشخصية، ويستخدمهما الناقد لمجرد إيهام المتلقي
بحدوث هذه القصة في واقعه الاجتماعي.
وتنعكس
آثار هذا التفكير على الحدث الذي يشترط فيه محمود أحمد السيد ضرورة انتقائه من
الواقع الذي يعيش فيه القاص، وألاّ يكون واقعاً في بيئة مكانية أخرى، وأنْ يكون من
« أشباه الحوادث الواقعة إنْ لم تكن واقعة بذاتها »[178] ويتبنى
شاؤل حداد هذه التصورات ويشترط انتقاء الحوادث من شريحة اجتماعية محددة : شريحة
المعدمين والمستضعفين[179].
أما علاقة
الحدث ببناء القصة فإنه محكوم بمقومات عقلية لابد فيها من تسلسل الحوادث وتعاقبها
بأسلوب يرضاه المنطق ـ على حد تعبير رفائيل بطي[180] ـ
كما أنَّ محمود أحمد السيد[181]يجعل العقل متحكماً في حوادث القصة وفي تماسك النص القصصي، وتتحول حوادث
القصة ـ هنا ـ إلى أدوات رياضية تجريدية يتحكم فيها العقل، ويفرض فيها الناقد
منطقه الخاص دون أن يعي أنَّ للقصة منطقها الفني الخاص، ومن اللافت للانتباه
أنَّ الناقد يعنى بالحدث وكأنه جزئية مستقلة عن غيرها.
( 4 )
أما
الحوار القصصي فينبغي أن يكون عربياً فصيحاً، أما عند من أجاز الحوار بالعامية
فإنه يرتكز إلى دعوى أنَّ اللهجة العراقية أقرب إلى لغة كتابتنا، وليس مهما طبيعة
الحوار الذي تستخدمه الشخصيات، وإنما المهم أسلوبه وكيفيته، وقدرته التعبير الفني
عن المستويات المتباينة للشخصيات، وإمكانه الإفصاح عن مستوياتها الفكرية
والوجدانية المختلفة، وينحاز الناقد التقليدي للحوار بالفصحى لإيمانه بقداسة
العربية، ولأنَّ الحوار العامي يعجز عن أداء المعاني الدقيقة التي تقدر الفصحى على
أدائها، كما أنه يتجاوز في دعوته هذه الأطر الإقليمية إلى أبعاد قومية، لأنَّ
التعبير العامي يعجز عن إيصال الأفكار إلى المتلقي العربي، يضاف إلى هذا أنَّ
القصة العراقية لم تلجأ في المرحلة التقليدية إلى الحوار العامي ـ في الغالب ـ ومن
أجل هذا كله يعيب رفائيل بطي على محمود تيمور «تمسكه بأهداب اللغة العامية آخذاً
في ذلك بالرأي المعروف بأنَّ الحوار أو « المحادثات » يجب أن تكون بلغة المتكلمين،
ولما كانت أكثر قصصه مصرية فالواجب أن يكون حوار أشخاصها باللغة المصرية أو اللغة
العامية، لغة الكلام...
بمعنى أنَّ المؤلف ينـزل إلى حضيض التعابير الركيكة
والألفاظ المغلوطة أحياناً وأداء أسلوب الدهماء القبيح... أما نحن فلا ندعو له
بالنجاح فيها بل نرى أن يصرف جهده إلى اللغة الفصحى، وبوسعه أن يفرغ أقواله
أحياناً في قالب من السهولة مما يجعلها قريبة من العامية، ولكنها ليست العامية،
وبذلك تتم خدمته للأدب واللغة «[182].
ويرى
رفائيل بطي أنَّ للحوار العامي قدرته على إضفاء الواقعية على القصة القصيرة، وهو
يرد ـ والحالة هذه ـ على أنصار الواقعية اللفظية[183] التي
ترى أنَّ واقعية القصة تتحقق في إحدى جوانبها بالحوار العامي، ولهذا حاول الناقد
أن يحل هذا الأشكال بالموازنة بين قدسية اللغة الفصحى وتأدية الحوار بلغة قصصية
التي تتحقق ببساطة الحوار وسهولته وقدرته على التعبير عن الشخصيات، بحيث يكون
قريباً من العامية وليس عامياً، وهذا يقتضي انتقاء المفردات العامية ذات الجذور
الفصيحة، واستخدامها في الحوار لتحقيق هذه الموازنة الصعبة، ويعد هذا تصوراً
مبكراً في هذه المرحلة من التفكير التقليدي.
وإذا
كان البناء الفني للقصة القصية يقتضي انسجاماً بين الحوار ومستوى الشخصية الفكري
والوجداني فإنَّ أي محاولة لكسر هذا الانسجام تنعكس آثاره على الشخصية من ناحية
وعلى البناء الفني للقصة القصيرة من ناحية أخرى، ولما كان القاص التقليدي يعرض
نتاجه بأداة بلاغية مقصودة لذاتها فإنه من الطبيعي أن يقود هذا إلى انفصام الحوار
عن الشخصية، ويؤدي إلى خلل في بنية القصة، كما أنَّ الشخصية نمطية لأنّ القاص يمنح
نفسه الحق في التعبير عن جميع الشخصيات، ويقطع السرد في الوقت الذي يشاء، إما
لاستعراض معلوماته، أو لتقديم موعظة للمتلقي، أو للتنبيه لغرابة الأحداث، وهذا
يعني أنَّ الحوار مفروض على الشخصية وعلى الحدث، ومنفصل عنهما في الوقت ذاته[184].
وأدى
التحاور في ضوء الغايتين اللتين دعا إليهما الناقد أن يعرض الحوار بمستوى لغوي
واحد، فلا نجد تفاوتاً في المستويات اللغوية للشخصيات المتحاورة على الصعيدين
الفكري والوجداني، لأنّ الحوار تحول إلى منبر خطابي يعرض فيه القاص أفكاره
وتصوراته ويوشيه بألوان البلاغة، وقد تحولت شخصيات القصة والحالة هذه إلى شخصيات
نمطية تفتقر إلى السمات الداخلية التي تحدد ملامحها، وتعبر عن أفكار القاص
المثالية المطلقة، وبالإمكان إعطاء الحوار لأي شخصية من الشخصيات دون أن يترك أثرا
في وحدة البناء والنسيج.
( 5 )
تعد «
الحكاية » لدى العديد من النقاد التقليديين محوراً أساسياً تقوم عليه بنية القصة
القصيرة، ولذلك لم أجد تمييزاً محدداً في العديد من النصوص النقدية بين القصة
القصيرة والرواية ـ مثلا ـ بل إنَّ الناقد التقليدي يعتبر كل ما احتوى عنصراً من
الحكاية قصة، ويطلق عليها قصة مرة أو رواية مرة أخرى التي تعنى لدى بعض النقاد «المسرحية»[185]
وتتداخل لدى العديد من النقاد كثير من الأشكال الأدبية التي يعتبرها قصصا
كالملحمة والمسرحية[186] ؛ ويحاول رفائيل بطي تحديد بعض المصطلحات النقدية فالقصة القصيرة أو
الأقصوصة تقابل « كونت بالأفرنسية وستورى بالانكليزية »[187]، ويرجع ناقدً آخر تحديد القصة القصيرة إلى عناصر ذاتية كائنة في النص
الأدبي نفسه، فالقصة القصيرة لديه«حكاية مرصوصة لحادثة واحدة في أسطر محدودة »[188]لتكون القصة محددة بعنصر القص والحادثة والحجم بوصفها جميعاً معياراً يحدد
ماهية القصة القصيرة، ويحاول محمود أحمد السيد[189] التمييز بين القصة القصيرة والرواية ويرى أنهما تشتركان في عنصرين : أحدهما
الحادثة التي تعبر عن موقف سطحي أو عميق، وثانيهما التحليل النفسي الذي ينبغي أن
تنطوي عليه الحادثة ـ ويبدو أنه متأثر ـ هنا ـ بالأدب الروسي في القرن التاسع عشر
والمدرسة المصرية التحليلية ـ غير أنَّ القصة تتميز لديه بالفردية المقترنة
بالغرابة والشذوذ، ويخطو محمود أحمد السيد خطوة نوعية في تحديد القصة القصيرة
لأنها تعبر عن فن الفرد المأزوم وكأنه يلتقي بالتصورات الحديثة التي ترى أنَّ
القصة القصيرة « بعيدة عن الجماعة ورمانتيكية وفردية ومتأبية »[190] في حين تختلف الرواية عند محمود أحمد السيد عن القصة القصيرة « بالبطولة
والعقدة وبشيء من الغرام وتحبيب المثل الأعلى »[191]، وعلى الرغم ما يوحيه النص من خلو القصة القصيرة من العقدة فإنه يوحي من
ناحية أخرى بامتداد الرواية في تناول الشخصية وإبراز جوانبها المتعددة، وإذا كان
محمود أحمد السيد يختلف عن بقية النقاد في وعيه وتفصيله الفوارق بين الرواية
والقصة القصيرة فإنَّ ناقداً آخر يعتبر العقدة المعيار الأساسي في التمييز بين
الأشكال القصصية، فالمقامة لديه ليست قصة لخلوها من العقدة [192].
وتتحدد
نظرة الناقد التقليدي للقصة القصيرة بوصفها بنية متراكبة من خلال مشابهتها إنشاء
بناية أو عمارة، ويبدو التشابه بين كلا البناءين على أساس الصنعة التي بإمكان
الإنسان أن يمتلكها من خلال الدربة والممارسة، ويرى الناقد التقليدي أنَّ أولى
مستلزمات البناءين وضع تصميم هندسي يحدد فيه الإطار العام الذي يتشكل من خلاله
العمل، وتحديد المنفعة المرجوة منه، ولذلك فإنَّ مهندس البناية يلتقي ومنشئ القصة
في رسم التصميم الهندسي الذي ينبغي أن ينطوي على ما يؤدي إلى الغاية المطلوبة[193]،
ويشترط الناقد لذلك ضرورة توفر المواد الأساسية لكلا البناءين، فالأسمنت والطابوق
يقابله في القصة الأخبار والحوادث، ورصف الطابوق بنظام معين يقابله في القصة ربط
حادثة أو ترتيب فكرة.ان أوجه المشابهة التي يعقدها الناقد بين بناء المساكن وبناء
القصة يعني تأكيد العقل والصنعة من ناحية، وإغفال الذات والأبعاد الفنية في النص
القصصي من ناحية أخرى، ويرتبط بهذا كله الوظيفة التي يسعى الناقد إلى تحقيقها في
كلا البناءين.
ويظهر
الإحكام العقلي واضحاً من خلال الدعوة إلى تصميم هندسي إضافة إلى عقد المقارنة بين
القصة القصيرة وبعد مادي يمكن الإنسان تحقيقه من خلال الدربة والممارسة، كما يؤكد
تحقيق الأبعاد المتراصة القائمة على التناسب والتناسق في كلا البناءين، وهذا يعني
أنَّ البعد الجمالي يتحقق لديه من خلال سمات رياضية قوامها المنطق وأبعادها المسافات
والترتيب، وإنْ الإخلال بهذه القيم معناه الإخلال بقيمة العمل الجمالي.
ومن
الآراء النقدية التي تؤكد « الصنعة » في بناء القصة القصيرة ما يراه عبد الحق فاضل
في أنَّ القاص « يفكر في تهيئة الأفكار والآراء التي يبنى عليها القصة قبل أن يفكر
في هيكل القصة نفسها »[194] كما
يظهر الإحكام العقلي، من خلال مشابهة أخرى يعقدها جعفر الخليلي بين القصة القصيرة
وأبعاد النحو العربي المنطقية، فهو يرى « أنَّ القصة ـ باختصار ـ حكاية فنية تبدأ
من نقطة معينة «كالمبتدأ » في النحو، وتنتهي في نقطة معينة «كالخبر » تعبر عن فكرة
أو حادث »[195].
وفي
ضوء هذا كله تقود الآراء النقدية في بناء القصة إلى مزيد من الإحكام العقلي، يرتد
إلى الأساس الفكري الذي يصدر عنه الناقد التقليدي، وهو قائم على تغليب الموضوع على
الذات، وتغليب العقل وما ينتج منه، على الجسد وما يصدر عنه.
مدخل :
حين
نتأمل لغة الناقد الأدبي في العراق منذ الثلاثينات، ومروراً بالحرب العالمية
الثانية، حتى أوائل الخمسينات، نجد جملة من المتغيرات في أنساق اللغة النقدية
تغاير طبيعة اللغة في الموقف التقليدي، من حيث مفرداتها التي تعنى بالمشاعر
والانفعال والخيال، واهتمامها بالعالم الداخلي للإنسان، وتأكيدها العفوية
والتلقائية في التعبير، فضلاً عن اهتمامها بحرية الإنسان الفرد[196]،
ولا ريب أنَّ اللغة تمثل نسقاً ينطوي على رؤية تحدد الأخيرة للناقد موقفه من
العالم والمجتمع والإنسان، وتنعكس آثارها على تحديد وظائف القصة القصيرة،
وطبيعتها، وبنائها، وأداتها، وما التغير في طبيعة اللغة إلا صورة لتغير الرؤية
النقدية، وتغير في محصلة التفكير الذي ينأى عن الثبات إلى النسبية.
ولم
يكن التغير مقتصراً على الرؤية واللغة فحسب ولكنه شمل جوانب أخرى من الحياة، إذ
شهدت الثلاثينات والأربعينات هجرة العديد من الفلاحين من قراهم إلى المدن وبخاصة
إلى العاصمة بغداد، هرباً من تردي الأحوال الاقتصادية، وما تفرضه الرأسمالية
الزراعية عليهم من جور وظلم، ولتوفر فرص عمل أفضل في المدن، وهذا يعني في أبرز
جوانبه نمو بعض القطاعات الصناعية التي وجد فيها الفلاحون وسيلة للكسب المتزن
المستمر، مع توفر فرص التعليم لأبنائهم ومحاولتهم الخروج من شريحة اجتماعية إلى
أخرى تضمن لهم العيش الكريم.
وقد
رافق هذا التغير اتساع التعليم ونموه، كما شهدت هذه المرحلة نمو وعي يدعو إلى
التحرر، فضلا عن جملة من المتغيرات الفكرية عبرت عن تأزم المجتمع وقلقه من خلال
معاينة التغير في البنية الاجتماعية وانعكاساته على الأدب، إذ يدرك الناقد الأدبي
أن تغير الأدب وتنوعه مرتبط بالتغيرات الاجتماعية والسياسية والفكرية بعامة، ويعي
من ناحية أخرى طغيان الذات وتدخلها في النتاجات الأدبية، بعد أن كان الواقع
الخارجي هو الصورة المثلى لهذه النصوص[197]،
وأخطر من هذا أنَّ الناقد يدرك أنَّ المرحلة التي يمر بها تمثل مرحلة الأدب
الرومانسي، ولذلك رأينا الناقد صفاء خلوصي يربط القصص الرومانسية والذاتية بالظروف
الاجتماعية، إذ يرى أنه إنْ لم يتحقق التغير الاجتماعي فإنه لا يمكن للقصص
الرومانسية أن تنجح[198]، ولابد أن أشير هنا إلى أنَّ هذه المرحلة شهدت ولادة الشعر الحر في العراق
على يد رواده الأوائل : بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي.
الفصل الأول
الرؤية والوظيفة
( 1 )
إنَّ
المتغيرات التي أشرنا إليها تمثل أوجهاً متعددة لظاهرة واحدة هي المطالبة بحرية لا
يخضع فيها الإنسان للأخلاق أو العرف[199]،
ويمكن أنْ يتم هذا من خلال نضال يحقق للمجتمع نظاماً سياسياً يضمن للإنسان الفرد
حقوقه في ديمقراطية ليبرالية، ويمكنه من ممارسة نشاط اقتصادي تنافسي قائم على
المنفعة، ويفسح فيه المجال للذات الفردية في إبداع الأدب بحرية مطلقة « في كل شيء
في طريقة التفكير وفي أسلوب التعبير وفي اختيار الموضوع »[200]، وهذا يعني تأكيد
الأهمية الفردية من ناحية، وتمكين قاعدة « البقاء للأصلح» من الثبات من ناحية
ثانية، لأنه في « جو هذه الحرية ينمو السامي النبيل ويضعف المنحط الهزيل، فيعيش
الأصلح ، ويموت من ليس أهلاً للحياة »[201].
ويمكننا
دراسة الموقف الرومانسي من خلال ثنائية « الداخل » و « الخارج »، إذ يتمثل «الداخل
» في أبرز مستوياته وأكثرها شيوعاً بــ «الأنا »، غير أنَّ هناك مستويات أخرى
للداخل تخرج عن إطار العالم الداخلي للإنسان، ولكنها في جوهرها تمثل « داخل »
الظواهر والأشياء، وبذلك يتغاير « الداخل » للظاهرة ويتغاير في ضوئه مستوى «خارجه » ؛ وإذا كان الموقف الرومانسي يصدر عن « الداخل » ويغلبه على «الخارج
» فإننا إزاء موقف أحادي ينظر للظاهرة من زاوية واحدة، ويعني من ثم رفض «الخارج »
ورفض كل مستوياته، فعلى الصعيد الطبقي مثلاً نلتقي بطبقتين متمايزتين تمثل كل
واحدة منهما أحد قطبي الثنائية، حيث تمثل الطبقة الأرستقراطية أفكار الخارج وقيمه،
وتتبنى أداة معرفية تتلاءم وطبيعتها، في حين تمثل الطبقة البرجوازية الداخل وتتخذ
موقفاً فكرياً خاصاً تستخدم فيه أداة معرفية أخرى في الكشف المعرفي، وتفسر من
خلالها العالم والمجتمع والإنسان.
ويتبنى
الناقد الرومانسي في العراق الطبقة البرجوازية لأنه انحدر منها، أو لأنه يحمل
أفكارها بالتبني، وتمثل في تصوره « جوهر » المجتمع، أو أنها تمثل «الداخل »، في
حين تمثل الطبقة الأرستقراطية «الخارج »، ولذلك عاش الناقد الرومانسي معركة على مستويين : على مستوى «الخارج » لتقويضه : طبقياً، وفكرياً،
وفنياً، وعلى مستوى «الداخل » لتأصيله : طبقياً، وفكرياً، وفنياً ؛ وفي ضوء هذا
نستطيع تفسير الهجوم العنيف الذي وجهته الطبقة البرجوازية للطبقة الأرستقراطية
وأفكارها التي أطلقت عليها سمة الرجعية والتخلف، كما أنها رفضت أداتها في الكشف
المعرفي، وبهذا فهي ترفض «الخارج» طبقة، وأداة، وإبداعاً للقصة القصيرة، وتوظيفاً
لها.
وصراع
التفكير الرومانسي مع الطبقة الأرستقراطية إنما هو صراع من أجل محاربة الجشع
والظلم والاستغلال من ناحية، وتثبيت الطبقة البرجوازية وقيمها من ناحية أخرى،
ولهذا يخوض الرومانسيون معركتهم ضد الطبقة الأرستقراطية برفض قيمها وأفكارها
وتصوراتها، ويتجلى هذا من خلال توظيف الناقد الرومانسي للقصة القصيرة التي يعرض
فيها أفكار الطبقة الأرستقراطية وقيمها المتخلفة، ويسعى من ناحية أخرى إلى رفع
الظلم عن الطبقتين الوسطى والدنيا، وهذا لون من ألوان معركة الرفض والاحتواء، ومن
ثم يلتقي هذا التصور مع تصورات الرومانسيين بوجه عام التي تؤكد أنَّ الأدب
الرومانسي « أدب الفقراء والمظلومين الذين احتلوا موطن القلب في التشكيل الاجتماعي
الجديد، ثم هو أدب الثورة على ما تعفن من قيم ومواضعات أخلاقية واجتماعية، ثم هو
أدب التحرر الفكري والسياسي، وهو بعد ذلك كله أدب الفرد والعبقرية والفردية »[202].
ويقودنا
رفض الطبقة الأرستقراطية ورفض قيمها وأفكارها إلى رفض أداتها المعرفية « العقل » ويعني
في الوقت نفسه البحث عن أداة معرفية أخرى تتجاوز الثابت إلى المتغير، بمعنى البحث
عن أداة تمكن الإنسان الفرد من التمرد على الإحكام العقلي الذي يهيمن على التفكير
من ناحية، ويتحكم في أنساق المجتمع من ناحية أخرى.
( 2 )
وإذا
كان ما سلف تمرداً على أداة التقليديين المعرفية فقد واكب ذلك تمرد على المحاكاة
بوصفها الوسيط الفني الذي يستخدمه التقليديون في إبداع الأعمال الأدبية، فالمحاكاة
تعني على أحسن الأحوال نسخاً للواقع، أو تدويراً للمرآة في جوانب متخيرة منه، مما
يعني المحافظة على ملامحه الخارجية القائمة على التوازن والتناسب الذهنيين، ويدل
في الوقت نفسه، على تماثل تجارب الأدباء، ومن ثم، تماثل النصوص الأدبية، ولذا يصدق
القول إنَّ المحاكاة ترديد حرفي أمين لموضوعات التجربة الإنسانية المعتادة وحوادثها[203]، وتكون النتيجة :
أنَّ القاص يقدم صورة واحدة للواقع، تدل على مشابهة الأعمال القصصية وتماثلها،
وعلى الصعيد المعرفي تشتمل على جانب سلبي يعني تأمل هذه الصورة فحسب.
إنَّ
العقل ـ من هذه الناحية ـ يعجز عن سبر أغوار التجربة الإنسانية، ويعجز في الكشف
الجوهري عن حقيقتها لأنه « يظل سلبياً تماماً في حالة الإدراك، أي مجرد مسجل
للانطباعات التي ترد إليه من الخارج أو مراقب كسول للعالم الخارجي »[204]،
وهذا يعني أنَّ المحاكاة تغفل الذات تماماً، ومن شأن هذا التصور أن يؤثر في تحديد
طبيعة الشخصية القصصية التي تتميز ببعدها الأحادي، أي أن تكون شخصية خيرة بإطلاق،
أو شريرة بإطلاق، بمعنى أنها شخصية نمطية ذات طبيعة ثابتة، لا تعرف التفاوت ولا
التغاير، وتؤكد طبيعة الشخصية هذه ملامح التفكير التقليدي القائم على أساس تغليب
الموضوع على الذات، والذي يهدف إلى ثبات المجتمع وثبات قيمه.
ويتمرد الناقد الرومانسي على الشخصية النمطية هذه لأنه يصدر عن
رؤية تعارض ثبات الفكر وثبات المجتمع وقيمه، ويدعو إلى التعبير عن شخصية إنسانية
تنطوي في أعماقها على كل ملامح الإنسان العادي، من قوة وضعف، وخير وشر.ويقود
التعارض بين الشخصيتين التقليدية والرومانسية إلى عقد المقارنة بين التاريخ والقصة
لاختلاف الجذور المعرفية في كلا الموقفين، ففي الوقت الذي يتحكم فيه العقل برصد
الظاهرة التاريخية ووصفها، وتستمد القصة ملامحها وسماتها من ثبات الحادثة في
الموقف التقليدي، تستمد القصة ـ في المنظور الرومانسي ـ سماتها وخصائصها من
العاطفة والخيال كما يرى ذلك عبد المنعم الدوري[205]،
وبذلك يتجلى التمايز بين موضوعية الإبداع عند التقليديين، وذاتيته عند
الرومانسيين.
إن
الناقد الرومانسي لا يلغي العلاقة القائمة بين الواقع من ناحية، والحدث التاريخي
والقصة القصيرة من ناحية ثانية، ولكنه يعي التفاوت في طبيعة العلاقات المكونة
لكليهما، ففي حين يسجل التاريخ الحوادث الكائنة في الواقع تسجيلاً يعتمد الملاحظة
أو الرصد، وهما ملمحان عقليان، تتفاعل القصة ـ عند الرومانسيين ـ بكيفية فردية
خاصة مع الواقع، إذ تتدخل المقومات الذاتية متمثلة بالعاطفة والخيال في تحديد
طبيعة الواقع في القصة القصيرة، وهو قطعاً ليس الواقع الخارجي.
( 3 )
كانت الرؤية التقليدية تحافظ على ثبات الواقع وثبات
قيمه، كما أسلفنا، وتتفاعل معه عبر معطيين : حسي وذهني،
ولذلك فهي لا تتجاوز وصف قشرته الخارجية في أثناء عملية الإبداع، وتعمد إلى تأمله
وتفسير ما يضطرب فيه من معضلات عبر مقومات ذهنية عقلية.ويتجاوز المنظور الرومانسي
ذلك لتعارض الزاوية التي يصدر عنها لإدراكه عجز المعطيين الحسي والذهني اللذين
يصدر عنهما التقليديون، لأن الحاسة لا تتجاوز في وصفها المظاهر السطحية للواقع،
ولأن العقل لا يبحث إلا عن الثابت، وكان لا بد إذن من تجاوز هذين المعطيين إلى
أداة أخرى تتجاوز الحسي والذهني، أي تتجاوز البحث عن الحقيقة في الخارج إلى البحث
عنها في الداخل، ومن ثم توجهت رؤية الناقد نحو معرفة ذاته، ولان معرفة الإنسان
نفسه ومعرفة انفعاله تعني معرفة عالمه[206].
ويرتبط
« الحدس » ـ أداة الناقد الرومانسي في الكشف المعرفي ـ بالذات ارتباط المعلول
بعلته، فالحدس يحمل خصائص الذات وسماتها، وما دامت الذوات تتميز بتفردها وتغايرها،
فإنَّ أداتها المعرفية ستكون متغايرة بالضرورة ؛ ويقترن «الحدس
» في ضوء هذا بالحرية، وإذا كانت «الخصوصية » و« التغاير » و«الحرية » تمثل أركان
الحدس فإنه سيكون، والحالة هذه، أداة تتجاوز التجارب المحدودة، إلى أبعاد مطلقة،
فالحدس يمكن القاص من وعي ذاته أولاً، ومن وعي عالمه ثانياً.
ويعنى
الناقد بالعالم الداخلي للمبدع، وبالخصائص المحلية التي ينبغي أن تتسم بها القصة
القصيرة، وبالأثر النفسي الفاعل بالمتلقي، وعلى الرغم من أنَّ الناقد الرومانسي لا
يلغي العلاقة بين الأديب وواقعه فإنه لا يرجع علة الإبداع للواقع وانعكاساته على
الذات، وإنما ترجع علة الإبداع لديه إلى خاصية كائنة في المبدع، ولذلك فإنَّ «
الشاعر لا يستطيع أن يبلغ أوج الفن ما لم يكن صادقاً في شعوره..... فكذلك القاص لا بد
من أن يكون عميقاً في شعوره صادقاً في التعبير عنه »[207]، إنَّ الحديث عن الصدق في الشعور والصدق في التعبير يعني أنَّ التجربة
والانفعال أخذا يسهمان بشكل فاعل في إبداع النص، ومن ثم أخذ القاص الرومانسي يتميز
بسمات، لم يعرفها سلفه التقليدي، كقدرته على « التحليل والتغلغل في أعماق النفس
البشرية وما يحتدم في العواطف من ثورات مكبوتة وبراعته في تصوير الشخصيات »[208]، أو أن تكون « القصة أقرب فن من فنون الأدب إلى القلب وأشدها امتزاجاً
بالروح ولعباً بالعواطف والأخيلة وأدناها إلى فهم الحياة بظلالها وألوانها
وسعادتها وألمها وتصويرها جميع المشاكل والحوادث »[209]، أو أنَّ القصة تتميز « بحرارة العاطفة وصدق التعبير وحسن الذوق والتحليل
العميق للنفسيات »[210]أو كونها تعبر عن «خلجات النفس المعذبة »[211]، ومن الجدير بالذكر أنَّ الناقد الرومانسي أخذ يعنى بالعالم الداخلي
للشخصيات، ولذلك تحدث عن «تحليل عواطف بطل القصة»أو أنَّ القاص يعبر عن الشخصيات «أصدق
تعبير ويرسمها أدق رسم»[212].
ويؤكد
الناقد الرومانسي خصوصية الإبداع الفردي، فالقصة عند لطفي بكر صدقي تتصل بأعمق احساسات
الأديب وعواطفه ومشاعره وأفكاره، أو أنها من « من الفنون التي تعتمد على الجهود
الفردية كالرسم والشعر والموسيقى، وإن كانت في موضوعها تتصل بالجماعات أكثر مما
تتصل بنـزعة الفرد الواحد، وهي حكاية صادقة لنفس الإنسان الحي، وسيلتها التعبير
القوي والرسم البارع، وموضوعها الحياة في كل ألوانها وصورها، فهي تاريخ حياة النفس
في أعنف مظاهرها وأثمن تجاربها »[213].
ومن
الجدير بالإشارة أن تتجاور المفاهيم الرومانسية والتقليدية في أحيان كثيرة، ففي
الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن النفس والعالم الداخلي عند بكر صدقي، تتجاور
بإزائها مفردات تقليدية تدل على المحاكاة كالتاريخ، فالقصة « تاريخ حياة النفس في
أعنف مظاهرها وأثمن تجاربها » ، أو أنها «تصوير دقيق
شامل لحياة النفس الإنسانية والعواطف والميول والأفكار »، صحيح أنَّ التأكيد على
الذات يترجح على الموضوع، غير أنَّ الأخير لا يزال منسرباً، وظاهراً متجلياً في
الحديث عن التاريخي الذي يعني نقلاً أو وصفا، ولذلك يقرر الناقد حقيقة مفادها :
أنَّ « الفن القصصي على هذا «فردي» في عنصره، وإن كان« جماعيا » من حيث مخاطبته
الإنسانية، وتوسله إلى الإصلاح الاجتماعي عن طريق التأثير النفسي والتصوير البارع
وعرض النماذج المختلفة في تآلف واتساق ونظام، كما هو الشأن في الحياة »[214].
إنَّ القاص الرومانسي ـ والحالة هذه ـ لا يحاكى
الواقع الخارجي، ولا يتلقى انعكاساته على الذات وإنما « يغمس قلمه من فيض الشعور »[215]،
لأنّ العالم الداخلي يمثل الحقيقة الجوهرية التي بإمكانها اكتشاف ظواهر الأشياء،
وهو القادر على تشكيل القصة القصيرة وإعطائها قيمتها الفنية، وينطوي هذا التفكير
على إيمان الناقد الرومانسي بقيمة ما يصدره «الداخل » وما يكتشفه من حقائق من جهتي
الذات والخارج معاً.
(4)
يرتبط
الابتكار بالإلهام عند أفلاطون ارتباط المعلول بعلته، فالشاعر سواء أكان ملحمياً
أم درامياً أم غنائياً لايبدع عمله الأدبي إلا تحت وطأة تأثير قوة غيبية تفقد
الشاعر وعيه وصوابه، ومن أجل أن يبين أفلاطون عن تصوره بجلاء عقد مقارنة بين
الشاعر من ناحية وبين كهنة «كوبيلا » الذين لا يؤدون طقوسهم في الرقص إلا إذا
فقدوا صوابهم من ناحية ثانية، ويستخلص أفلاطون من هذا أنَّ الشعراء بعامة
والغنائيين بخاصة « لا ينظمون أشعارهم وهم منتبهون، إذ حينما يبدأون اللحن
والتوقيع يأخذهم هيام عنيف وينـزل عليهم الـوحي الإلـهي »[216]،
ويكرر هذا المعنى حين يؤكد أنَّ « الشاعر كائن أثيري مقدس ذو جناحين لا يمكن أن
يبتكر قبل أن يلهم فيفقد صوابه وعقله »[217]، إذن فالشاعر في تصور أفلاطون لا يختلف عن غيره من الناس سوى أنَّ الآلهة
اختصت به، فتفقده وعيه وصوابه حين يتجلى له إبداع الشعر عبر الوحي والإلهام، وإن
قدرة الشاعر كائنة في نقل ما تلهمه إياه ربة الشعر.
ولم
يكن الأمر مقتصراً على أفلاطون في الحضارة الإغريقية فإنَّ العرب في الجاهلية
كانوا يعتقدون أنَّ الجن هم الذين يلهمون الشعراء قصائدهم، ولذلك كان الشاعر يحس
بتدفق الشعر عليه معتقداً أنه هبة من قوة خفية تقع خارج ذاته، ولذلك كانوا ينسبون
شعرهم إلى أفراد معينين من الجن، فالجني هبيد هو الذي يلهم عبيد بن الأبرص الشعر،
وأن هادر هو جني النابغة، وأن لافظ بن لاحظ هو جني امرئ القيس[218].
وإذا
كان أفلاطون وشعراء العرب يرجعون الإبداع الشعري إلى قوة خفية تقع خارج الذات
المدركة، فإنَّ النقاد الرومانسيين أرجعوا الإبداع إلى خاصية كائنة في الذات
المبدعة، وأطلقوا عليها الملكة أو الموهبة[219]، إنَّ الموهبة عند
الرومانسيين لا تحدها حدود، ولذلك فهي تتمتع بخاصيتين جوهريتين، وهما : الفردية،
والحرية ؛ فهي، والحالة هذه، لا يحدها الحس، ولا يتحكم بها العقل، بل تتدفق بشكل
طبيعي بحرية لا متناهية، ومن ثم تتمرد على كل تقنين، ما عدا تقنين الذات، ولما
كانت قواعد الذات وتقنياتها فردية وخاصة، ألفينا الملكة وقوانينها متغيرة ومتطورة.
وعلى
الرغم من إيمان الناقد الرومانسي بالقواعد التي تحدد طبيعة الأجناس الأدبية، ومنها
القصة القصيرة، فإنه يرفض أن تكون هذه القوانين محددة للملامح الفنية للقصة
الجيدة، لأن هناك العديد من القصص التي اشتملت على شرائط القصة وعناصرها، ولكنها
خالية من الملامح الفنية، لأن هذه القصص تفتقر إلى الملامح الذاتية، ولأن الناقد
لا يفتش عن عناصر القصة وقواعدها ، ولكنه يبحث عن « روح
الكاتب وأسلوبه ودقته في التعبير»[220]، ومن ثم يرفض عبد
المجيد لطفي القصة الملتزمة بشرائط الجنس الأدبي إذا كانت مفتقرة إلى خصوصية القاص
وتعبيره الذاتي، ولذلك فإنه يعد القصص قيمة وراقية على الرغم من أنها قد « انعدمت
فيها الشرائط الفنية »[221].
وفي
ضوء هذا يطرح الناقد الرومانسي القواعد جانباً لتخلق كل موهبة وعبقرية قواعدها
الخاصة، لأنّ القواعد التي اكتشفها الناقد كانت نتاج عبقريات ومواهب فردية سابقة،
ويميز عبد الجبار الخليلي بين معرفة « القواعد » من ناحية وإبداع قصة قصيرة من
ناحية ثانية، لأنّ إبداع العمل الأدبي مرتبط أساساً بما يمتلك القاص من موهبة، كما
أنَّ قواعد القصة نابعة من ذات الأديب وترتكز على موهبته قبل كل شيء، ولذلك فإنَّ
معرفة « القواعد » لا تجعل من الإنسان قاصاً، وبحسب تعبير عبد الجبار الخليلي
فإنَّ كثيراَ من الناس « من عرفها حق المعرفة ودرسها حق الدرس لم يوفق في كتابة
قصة واحدة، وكثير من جهلها فاز بالنجاح الباهر وكتب القصص الخالدة »[222].
( 5 )
إن
تمرد الناقد الرومانسي على القواعد جزء من تمرد كلي على العقل، وما ينتج عنه، وعلى
ثبات المجتمع، وثبات قيمه، ولم يقتصر الناقد على ذلك،بل
راح يتمرد على كل ما له صلة بالعقل، كالتراث الذي ناصبه العداء مرة، أو قلل من
قدسيته مرة، أو نظر إليه من منظور يخالف المنظور التقليدي مرة، وإذا كان الناقد
التقليدي وثيق الصلة بتراثه بحيث يعد القصة الحديثة امتداداً لحكايات التاريخ وألف
ليلة وليلة والمقامات، فإنَّ الناقد الرومانسي يجرد التراث من هذه المزية، ومن ثم
يؤكد حداثة هذا الجنس الأدبي وأنه «دخيل على الأدب العربي، بل فن جديد لم يعالجه
العرب قديماً »[223]، ومن ثم يقلل من أهمية المقامات وألف ليلة ودورهما في الإبداع القصصي
الحديث[224].
وتأسيساً
على ما سلف فإنَّ هناك طريقاً وحيدة لإبداع القصة القصيرة، تنحصر في متابعة الآخر
ـ الغرب ـ والتلمذة على مدارسه الفنية العديدة، غير أنَّ الناقد الرومانسي يستدرك
في أنَّ هذه المتابعة لا تعني محاكاة الآخر في التفكير والإبداع، لأن القصة
العربية لو أصبحت نسخة من القصة الغربية فإنَّ هذا يعني « تخلي القاص العربي عن
طابعه الخاص »[225].
إن تمرد الناقد الرومانسي على التراث له ما يبرره في ضوء تصوره
الفكري، لأنه يسعى إلى بناء الإنسان الفرد بناء حديثاً، وتمكينه من امتلاك حريته. إنَّ الناقد
الرومانسي ـ في ضوء هذا ـ يرفض النظرة المتخلفة للتراث ويراها عائقاً دون تطور
الفن القصصي، ولذلك فهو لا يعاني من محاولة المصالحة بين المجتمع والتراث، وإنما
يحاول أن يستقي من الغرب جزءاً من تفكيره ويلونه بطابعه المحلي والخاص، ولا يعني
هذا رفضاً مطلقاً للتراث ولكنه رفض للطريقة التقليدية في تأمله، كما أنه لا يعني
أنَّ القاص الرومانسي لا يستوحي إبداعه من الماضي والتاريخ، غير أنَّ الفرق
الجوهري يكمن في رؤيته لهما، لأنه يطوع الماضي والتاريخ ويجعلهما معاصرين، إنَّ
تحويل الماضي إلى واقع معاصر يعني أنَّ القاص الرومانسي يسقط انفعالاته الذاتية
عليه، ويتفاوت التراث في ضوء النظرة إليه، ومن ثم في كيفية توظيفه.
ويتغاير
الموقفان التقليدي والرومانسي ـ في كيفية التفاعل مع النصوص القديمة
؛ فالقاص التقليدي يعمد إلى محاكاة النص ومحاكاة قيمه الفكرية والفنية، في
حين يعمد القاص الرومانسي إلى تحطيم هذه القيم، ويسعى إلى تشكيلها من جديد، فتكون
القصة القصيرة تشكيلاً وإبداعاً جديدين من حيث الرؤية والتشكيل الفني، وهي تغاير
الحقائق التاريخية وإن اعتمدت عليها.
( 6 )
لقد
أوضحنا أنَّ الرؤية التقليدية تحاكي الواقع وتنقل صوره بحياد، وتجعل العقل مراقباً
كسولاً لأحداثه، وتكون المادة الخام التي يتفاعل معها الأدباء واحدة، وتصبح
النتاجات متشابهة، إنَّ الأدب التقليدي ـ في تصور الناقد عبد الله نيازي ـ أدب
وصفي يعنى بالمظاهر الشكلية للعالم الخارجي، دون سبر أعماقها، ولذلك فهو أدب
موضوعي، وليس أدباً ذاتياً، ومن ثم يفتقر إلى الخصائص الفنية، ويخلو من الوحدة
الموسيقية، لأنّ الأب الذاتي يتمرد على الموضوعية عبر تمرده على المحاكاة، وتتحدد
قيمته الفنية بمدى التحامه بالذات، وإذا افتقر الفن إلى الذاتية فإنَّ هذا يعني
افتقاره إلى الفن وإلى الموسيقى، وتعد الموسيقى ـ عند الناقد ـ أبرز الخصائص
النفسية المرتبطة بالذات[226].
ويسعى
الناقد الرومانسي إلى تجاوز هذه الرؤية عبر « إسقاطه الذاتي » على الواقع، ومن
الطبيعي أن يكون « الإسقاط الذاتي » لكل أديب خاصاَ لتغاير الأدباء واختلاف
الزاوية التي يصدرون عنها في عملية الإدراك، ولذلك فإنَّ المادة الخام التي
يعالجها القاص الرومانسي متغايرة تبعاً لتغاير الاسقاطات الذاتية عليها، وتؤدي ـ
من ثم ـ إلى تغاير النتاجات القصصية.
وينطوي
« الإسقاط الذاتي » على تجربة وانفعال، إذ تتشكل أبعاد التجربة من خلال «الإسقاط »
وتتميز بأنها معبرة عن أعماق الظواهر والأشياء، وتمثل المادة الأولية للعمل الفني،
ويبدع القاص عمله الأدبي من خلال التجربة المباشرة التي يعيشها الأديب في الواقع
المادي، والتي يعمد إلى نسج أمثالها وإضفاء بعض السمات الذاتية عليها، ومحاولته
التعبير عنها فنيا، وبدونها لا تتم عملية الإبداع، ولذلك فإنَّ من لم يعش التجربة
المباشرة كما يرى حسين مردان سيعجز عن التعبير عنها وإدراك أبعادها الفنية[227]،
غير أنَّ هذه التجربة تبقى سطحية وشكلية، ومن ثم يكون العمل الفني فقيراً من
الناحيتين الفنية والمعرفية، غير أنَّ هناك تجربة تقدم « فناً خالصاً »[228]، في تصور عبد القادر حسن أمين، وتتميز بارتباطها بالانفعال[229]، وتعيد للواقع نقاءه وسموه، وهذا يعني أنَّ الانفعال بالتجربة يغير الواقع،
أو يعمد إلى تغريبه.
ويتم
خلق العمل الفني، عبر تفاعل التجربة في أعماق الذات، وبعد نضجها الشعوري ـ على حد
تعبير عبد القادر أمين ـ يمكنها أن تولّد عملاً فنياً، وإلا فإنها تؤدي إلى نتاج
آخر لا نطلق عليه صفة الفنية[230]،
وعلى الرغم من أنَّ التجربة والانفعال يمثلان مرحلة ما قبل الإبداع فإنَّ النص
الأدبي للقصة القصيرة لا يتحقق بدونهما، ومن ثم يسهم الخيال بوصفه قوة خلاقة تسهم
في إضاءة التجربة والانفعال معاً، ويقود إلى تجسيدهما عبر اللغة في النص القصصي،
غير أنَّ وظيفة الخيال في المفهوم الرومانسي ليست تصويراً مماثلاً للواقع، وإنما
خلق جديد مرتبط بالعالم الخاص الذي يشكله القاص الرومانسي، بحيث يغاير الواقع
الموضوعي الذي يعيش فيه، لأنه في عملية الإبداع لا يحاكي الواقع، وإنما يعيد خلقه
من جديد[231]، ويؤدي الخيال ـ هنا ـ دوراً معرفياً للقاص والمتلقي معاً، لأنه يلبي
جانباً كبيراً من رغباتهما التي تعذر تحققها في الواقع، فيحلقان بالخيال لتحقيق
أكبر قدر ممكن من الإمتاع النفسي ـ وفي تحقيق الرغبات ـ كما تحصل في النوم أو في
أحلام اليقظة.
( 7 )
اتضح
لنا فيما سلف أنَّ رؤية الناقد الرومانسي تحدد له طبيعة الواقع عبر إسقاطاته
الذاتية عليه، وتحول الواقع من وجوده الخارجي المستقل عن الذات إلى ظاهرة ذاتية،
ولذلك فإنَّ الواقع ـ في تصور علي الخاقاني ـ « كله ألم وحزن وضيق، وكله مسطور
بالدماء القانية والدموع السافحة »[232]،
كما أنَّ الإدراك هو الآخر مقترن بهذه الرؤية، إذ يعي عبد الله نيازي الفوارق بين
الإدراك العادي والإدراك الأدبي الذي يتميز الأخير بالموهبة إن لم تتوقد إلى
عبقرية فذة، وتأسيساً على هذا يكون القاص أقدر من غيره على وعي الحياة وما يضطرب
فيها من أحداث، وما دام القاص الرومانسي منكفئاً على ذاته، وعاجزاً عن مواجهة
الواقع، فإنَّ ما يحدث في الواقع يؤزمه ويؤرقه ويسهم في توتره، ويجعله يعيش حالة
من القلق والتمزق الداخليين، ولابد أن ينعكس هذا كله على نتاجه الفني ؛ ومن ثم
تتحدد وظائف القصة القصيرة لديه في الاتجاه إلى الإنسان، وإلى عالمه الداخلي على
وجه التحديد، وتكون وظيفة القصة القصيرة من حيث البدء الغوص « في أعماق النفس
الإنسانية وأغوار القلوب البشرية المختلفة »[233]، وقد استخدم عبد الحافظ القباني مصطلح « الغوص » الذي يدل على تكبد ومعاناة
وجهد في اكتشاف النفس الإنسانية، كما أنه يدل من جانب آخر على الاتجاه إلى الداخل
أكثر وفي ميادين اللاشعور.
ويرى
الناقد الرومانسي ـ كما أوضحنا من قبل ـ أنَّ الأدب تجربة نفسية كاملة تتوقد في
أعماق الإنسان، وترتبط بخلجات النفس البشرية وانفعالاتها، ويعمد القاص ـ والحالة
هذه ـ إلى تصوير هذه الخلجات أو الصدور عنها بتعبير، غير أنَّ هذه التجربة لا يمكن
أن يتم تشكيلها من الخارج، إذ لابد أن يعيشها القاص أولاً، ويقدر على نقلها كما
عاش هو فيها ثانياً[234]،
وتتخلل التجربة هذه أصداء وقع العالم الخارجي على الذات، الذي حددت الاسقاطات
الذاتية طبيعته، فغلبت على التفكير الرومانسي ظواهر الحزن والبكاء والتشاؤم.
وحين
يبدع القاص الرومانسي نتاجه القصصي يجد نفسه بين ضغوط الواقع وانفعال يتشكل في
أعماقه بسببها، وما دام موقف القاص سلبياَ إزاء الواقع، بهروبه منه وليست مواجهته
وتغييره، فقد انعكست هذه الرؤية على تحديد وظيفة القصة القصيرة من المواجهة إلى
الهروب، أي من مواجهة الواقع الخارجي وتغييره إلى التحليق في أجواء الخيال، وفي
ضوء هذا فنحن إزاء مستويات متعددة لتحديد وظيفي واحد، فعلى صعيد الرؤية : هروب من الواقع إلى تحليق في أجواء الخيال، وعلى صعيد
الوظيفة توظف القصة القصيرة لا لتغيير الواقع، وإنما الهروب إلى الذات للتفريج
عنها فحسب[235]، وقد يكون التفريج مباشراً عن انفعال المبدع لما يعانيه من حزن وما يحيطه
من حرمان، فهو يسعى لتحقيق ارتياح خاص لذاته، وتخفيف ما تعانيه من حرمان وألم،
وليست هناك أية دوافع اجتماعية تفرض نفسها عليه في تحقيق هذه الوظيفة، إنَّ «التفريج
» المباشر عن انفعال المبدع لا يتم بالتحدث عنه، إذ لابد من وصفه أو التعبير عنه
أدبياً[236]، لينتقل انفعال القاص من الداخل إلى الخارج، ويبقى صورة لظاهرة ذاتية خاصة.
ويشكل
إبداع القصة القصيرة لدى القاص حالة تشبه البكاء التي تخفف من انفعاله وتوتره،
وتحقق له جزءاً من الاستقرار، ليعود من جديد إلى انفعال وتوتر آخر، به حاجة إلى
تفريج عنه، إنَّ وظيفة القصة القصيرة ـ والحالة هذه ـ مرتبطة بالقاص نفسه، فهو
يعنى بذاته، لأنها مرآته وغايته، ولذلك فالقصة ـ كما ترى لميعة العسكري ـ لا تصور
إلا موضوعاً واحداً هو النفس البشرية، وأن صراع الشخصيات في القصة صراع من أجل
البحث عن الذات[237].
ويكون
القاص الرومانسي في مرحلة الانفعال هذه في حالة لا وعي[238]،
كما أنَّ «التفريج » لا يتم دون جهد ومعاناة لأنَّ القاص يمر في « شبه غيبوبة عن
عالم الوعي، قليل الكلام، ضعيف الشهية للطعام، يتصبب عرقاً فهو مخاض عسير »[239]، ويؤكد الناقد أنَّ القاص « ينتزع » القصة من أحاسيسه وانفعالاته، وفي ضوء
هذا فإنَّ « التفريج » لا يتم إلا بعد تجربة انفعالية حادة يفقد فيها القاص شطراً
من وعيه، ثم تأتي مرحلة الوعي بعد أن ينتزع القاص ما يتوقد في أعماقه، أي أنه يبدع
نصا أدبيا.
ويمثل
« التفريج » بحثا عن شيء ما، وإنَّ وعي القاص لانفعاله المتوقد في ذاته لا يتحقق
إلا بعد انتزاعه من الأعماق والتعبير عنه، ومن الجدير بالإشارة أنَّ نقل هذا
الانفعال إلى المتلقي معناه توقد وجدان المتلقي وتوتره بالمستوى نفسه الذي عاناه
المبدع أو أقل منه في الدرجة، ولذلك فنحن إزاء تشكيل جديد للتوقد الوجداني، ومن ثم
يعيش المتلقي تجربة تمثل بالنسبة إليه تجربتة الذاتية الخاصة، وان كانت تجربة
القاص أساساً، وتحقق له كما حققت للقاص تفريجاً عما يعانيه من انفعال.
ويعمد
القاص إلى « إثارة مشاعر الإنسان الفرد ونوازعه الوجدانية ويفجر دموعه»[240]،
وهذا يعني أنَّ المبدع يتجه في عمله القصصي إلى الإنسان الفرد، ويثير عالمه
الداخلي، ويؤثر فيه، وتتجلى الإثارة بطابعها الانفعالي في شدة الحزن والتفريج عنه
بالبكاء، إنَّ القصة القصيرة تصبح مجرد تفريج للانفعالات، ولا تتجاوز كونها وسيطا
ينقل للمتلقي انفعالا ناضجا داخل المبدع.
ولقد
شغلت الناقد الرومانسي النفس الإنسانية بوصفها عالما متشابكا ومعقدا، وإن ما كشف
عنها أقل القليل وما تبقى مجاهيل كثيفة الغموض[241]،
ولذلك اتجه الناقد إلى النفس الإنسانية يدرسها مرة، ويعبر عنها فنيا مرة ؛ ومن
الجدير بالإشارة أنَّ الناقد يؤكد أحيانا ضرورة أن يؤدي النص الأدبي وظيفة العلم[242] ـ علم النفس بخاصة ـ ولما كانت النفس الإنسانية على هذه الدرجة من الغموض
والتعقيد أصبح من الصعوبة دراستها، أو التعبير عنها فنيا، ولذلك اشترط الناقد عبد
المجيد لطفي في القاص قدرة خلاقة[243]،ولم يقتصر التحليل النفسي على دراسة الإنسان الفرد والكشف عن خفاياه، وإنما
اتجه إلى تصوير عواطف الشعب والتحليل العميق لنفسية الطبقتين الوسطى والكادحة
والاهتمام بالمحيط الشعبي لا الأرستقراطي[244].
( 8 )
وتثير
وظائف القصة القصيرة قضية نقدية بالغة الأهمية تتصل بــ « التعبير » من ناحية، وبـ
«التوصيل » من ناحية أخرى، والسؤال الذي نطرحه هو : هل
يعمد القاص الرومانسي إلى « التفريج » عن ذاته ولا يُعنى بالمتلقي، أو أنه يعمد
إلى التفريج عن المتلقي أيضا ؟ ومن خلال رؤيتنا لمفاهيم « التفريج » و « التحليل
النفسي » نرى بوضوح أهمية « التوصيل » لدى الناقد الرومانسي، إنَّ النص الأدبي
للقصة القصيرة يفارق النتاج التقليدي الذي يعمد بشكل مباشر لتحقيق وظائف تعليمية،
ولكنه في الموقف الرومانسي من أجل تحقيق الكشف والتفريج أيضاً، ويتضح الأمر جلياً
إذا أدركنا أنَّ القاص الرومانسي يصدر عن رؤية محددة تخدم في أظهر تجلياتها طبقة
اجتماعية معينة، ومن الطبيعي أن يقدم القاص نتاجه الفني في ضوء منظوره الفلسفي
لخدمة هذه الرؤية، ومن ثم خدمة طبقته الاجتماعية التي انحدر منها بالانتماء أو التبني .
ويصف
القاص نتاجه القصصي بالإنسانية[245]،
ولا تتحقق له سماته الإنسانية إلا من خلال جوانبه الفنية، وإذا كانت الأبعاد
الفنية كائنة في القصة القصيرة ذاتها، فهي نابعة أساساً من طبيعة التجربة
الانفعالية، ومرتبطة بها أيضاً بما تتركه من آثار على المتلقي، إنَّ التأثير من
خلال إثارة عواطف المتلقي وتوترها أكثر فاعلية في الكشف المعرفي من الوعظ المباشر،
لأنّ القصة في حالة الوعظ تخاطب العقل، ولا تنفذ إلى الذات التي تمثل في تصور
الناقد الرومانسي جوهر الإنسان، ولذلك فإنَّ القصة تنفذ إلى «الداخل » لمخاطبة
العواطف والمشاعر وسيكون لها « طابع خاص في قلوب قرائها... يتأثر به صاحبه غاية
الأثر مما وقف عليه من المآسي الدامية التي يتفتت لها قلب الجماد
»[246]، وتترك هذا المآسي آثارها في تزويد المتلقي بوعي خاص يبقى عالقاً في ذاته،
ويكون النص الأدبي للقصة القصيرة بمثابة « الصدمة » التي توقظ المتلقي على الرغم
من أنها تنقله إلى أجواء الخيال.
إنَّ
عالم القصة ـ كما ترى سعاد الجبوري ـ يتحول إلى عالم المتلقي الخاص، لازدحام القصة
بالعواطف والرؤى والآمال الإنسانية، ولذلك فإنَّ عالم القصة هو عالمي أنا الخاص «فنكون
نحن أبطال القصة، ونحن شخوصها...
تمتزج أحزانهم بأحزاننا، وتتلاشى أحلامهم بأحلامنا،
وتتفاعل خواطرهم بما يجول في أعماقنا.. فإذا نحن كل شيء في
القصة، نستشف من خلال سطورها وجودنا، ونلتقط من بين انسيابها أنغامنا التي نبحث
عنها منذ الأزل »[247]،وفي
ضوء هذا تنتقل القصة من كونها فكرة في أعماق القاص إلى كيان يتشكل في ذات المتلقي،
وواقعه الاجتماعي أيضاً، ويرى الناقد صالح سلمان أنَّ القصة « كائن حي... تولد فكرة في ذهن
الكاتب وتتغذى من تفكيره وتجاربه وانطباعاته... وتخرج من ذهنه كاملة
لتعيش معنا في المجتمع »[248]،
ومن ثم تتغلغل القصة « إلى نفس القارئ متجاوبة مع أحاسيسه »[249].
ويتميز
المتلقي ـ في الموقف الرومانسي ـ بخصوصيتة وتفرده، ومن الطبيعي أن تنعكس آثار هذه
الخصوصية والتفرد على القصة القصيرة، ولذلك فإنَّ القصة القصيرة التي يقدمها القاص
تتحول إلى العديد من القصص القصيرة بفعل الرؤى المتغايرة التي تتفاعل معها، وتتميز
كل قصة بأبعادها الخاصة في ضوء تشكيل التجربة الانفعالية في ذات المتلقي وانعكاسات
رؤيته عليها، وهذا يعني أنَّ المتلقي لا يقف متـأملا العالم الذي أرساه القاص،
وإنما يتفاعل معه فيضيف إليه، ويشكله بالطريقة التي يراها.
الفصل الثاني
طبيعة القصة القصيرة
( 1 )
يعبر
الناقد الرومانسي عن تجربة القاص الانفعالية بصفات تتضمن دلالة «التعبير » على نحو
من الأنحاء، ولذلك فإنَّ القصة القصيرة «صدور طبيعي » عن الذات، وليس وصفا لها،
ويتسم الصدور الطبيعي هذا بسمات « الدفق » و« الحرارة » و«الإشراق»[250]،
وهذه الصفات الثلاث صفات طبيعية حسية، أضفاها الناقد على ظاهرة لا مادية، فالدفق
يعني الصدور على هيئة جرعات متتالية، ويحمل من ثم سمات المادة المتدفقة، بمعنى
أنَّ التعبير ينطوي على سمات التجربة الانفعالية كلها، أما الحرارة فتعني صدق
التعبير والأداء، وكأن الإشراق يأتي متمما لصورة التعبير الطبيعية.
إن
صفات « الدفق » و « الحرارة » و « الإشراق » صفات طبيعية لو تأملناها في محاولة
لاستنطاق النص لرأينا أنَّ : « الإشراق » و« الحرارة »
يرتبطان بمصدر إشعاع طبيعي ـ كالشمس مثلاً ـ وإنَّ « الدفق » ظاهرة طبيعية تنبع من
الداخل ـ كالأرض ـ ولو ذهبنا مع الناقد على أنَّ القلب يمثل مصدر التجربة
الانفعالية فإنَّ هذه الصفات الثلاث تمثل سر تدفق الدم من القلب، فتحتوي ماهية
الدم وصفاته من الدفق والحرارة والإشراق ولم يقتصر الناقد الرومانسي على ذلك بل
حاول تجلية مفهوم التعبير من خلال توصيفات أخرى، إذ يتمثل التعبير على هيئة التدفق
الجارف، أو السيل المنحدر من عل، أو على شكل فيض الشعور[251]، وهذه جميعا تدل على صدور عن غامض، ولا ريب أنَّ العالم الداخلي يمثل وجودا
غامضا، وهو وجود لا مادي، ولذلك لجأ الناقد الرومانسي إلى توصيفه عبر عدد من
الصفات الحسية المستقاة من الطبيعة، كالدفق والسيل والنبع، ومن الجدير بالذكر أنَّ
هذه الأوصاف تنطوي في أبرز جوانبها على سمات داخلية، أي ضغط أو عصر من الداخل إلى
الخارج، أو عنف صاخب من أعلى غامض ومجهول ؛ إنَّ التعبير ـ في هذه الحالة ـ صدور
طبيعي يتضمن سمات الداخل وخصائصه، فالنبع والتدفق، والشكوى والتفريج، على الرغم من
أنها تتضمن سمات الداخل وخصائصه فإنها تتميز بعفوية ظهورها وتلقائية بروزها، ومن
ثم فهي بعيدة عن التصنع والتكلف[252].
إن
الصدق خاصية داخلية، ولذا فهو يرتبط بتجربة القاص الانفعالية، وليس غريبا أن يجعل
الناقد الصدق منحصرا في التجربة الشخصية، أي في مدى عيش الأحداث ومعرفة أبعادها[253]،
ولا يستقل صدق التجربة عن معاناة تخليقها، فالناقد عبد القادر حسن أمين يؤكد أهمية
المعاناة قبل التعبير وفي أثنائه، ولذلك فإنَّ القاص يمر بحالة من التأزم في وعي
ذاته وانفعاله، ووعي تجربته الجمالية أيضا، ويصل الأمر حدا في أن يعيش القاص شبه
غيبوبة، وكأنها تمثل مرحلة التمخض.
ويتعرض
الناقد إلى الحديث عن مراحل التطور الجنيني للإبداع الأدبي، إذ تتمثل التجربة أولا
بمرحلة غموض يعيش فيها الأديب هواجس مضببة، ولا يعرف ماهياتها، وتمثل لديه حالة لا
وعي يفقد فيها قدرته على التفكير الواعي، ثم تأتي المرحلة التالية التي تمثل « ومضة
من ومضات النفس البشرية »[254]،
وبعد مرحلة نضج هذه الومضة في أعماق الشاعر ـ وهي تشبه إلى حد كبير مرحلة الحمل ـ
ينتقل المبدع إلى حالة التفريج عن الانفعال ـ وهي تشبه مرحلة المخاض والولادة ـ
ليكون التعبير تدفقا، أوسيلا، أو نبعا، وتقترن بهذه الأوصاف سمتا العفوية
والتلقائية اللتين أشرنا إليهما، ومن ثم ينساب التعبير ـ بحسب تعبير الناقد ـ «
كما ينساب الغدير بين المروج والأزاهير »[255].
وإذا
كان الناقد فيما سلف لم يصرح بمرحلة الحمل والولادة فإنَّ صالح سلمان يؤكد أنَّ
العمل الأدبي يشبه الكائن الحي الذي لا بد له أن يمر بهاتين المرحلتين، إذ تمثل
مرحلة الحمل بذر الفكرة في أعماق القاص وتغذيتها عبر تجاربه وإدراكه ووعيه، وتعني
مرحلة الولادة خروج الكائن الحي كاملا ومحافظا على وحدته[256]،
وما دامت القصة تشبه الكائن الحي فلا بد أن يتخلق أصلاً في رحم امرأة واحدة،أي أن
يبدعها كاتب واحد، ولذلك يرفض صالح سلمان أن يبدع القصة القصيرة أكثر من قاص،
لأنها ستفتقر إلى الوحدة العضوية، تماما، كما أنَّ الإنسان «لن يولد مجزوءاً من
عدة بطون... فكذلك... القصة لا يمكن أن
يكتبها اثنان أو ثلاثة أو أكثر... وإلا فمن الممكن أن تلد ثلاث نساء
طفلاً واحداً !! »[257].
إن
الناقد يؤكد خصوصية التجربة الانفعالية، وخصوصية الخلق الأدبي، اللذين يقودان إلى
تفرد الأساليب الأدبية وتغايرها، بحسب تغاير الأدباء والمبدعين، ويبعث هذا التصور
على تحديد التمايز بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة الزيتية،إذ
يرى عبد المجيد لطفي أنَّ الصورة الفوتوغرافية تقدم شكلا مماثلا للحياة، ومن شأنه
أن يكون مألوفا ومتكررا، أما اللوحة الزيتية فإنها تستمد خصوصيتها من معطيات
ذاتية، ومن ثم تتجاوز المألوف وصوره المتكررة، ومن هنا يكمن الفرق بين طبيعة
الحوادث في الواقع، وطبيعتها في القصة القصيرة[258].
وما
دام التحويل الذاتي يسهم في تحديد الملامح الفنية للقصة القصيرة، فهي من هذه
الزاوية تشبه اللوحة الزيتية، وهي بخلاف التصوير الفوتوغرافي الذي يتطابق مع
الواقع تماما، ومن شأن هذا التصور أن يقود إلى عقد مقارنة أخرى بين القصة القصيرة
والتاريخ، فالتاريخ يشبه التصوير الفوتوغرافي لأنه يعمد إلى وصف الأحداث الكائنة
في الواقع الخارجي وصفا محايداً، أما القصة القصيرة فإنها تصور العالم الداخلي
للإنسان، ومن هنا جاءت العناية البالغة للناقد بتحليل الانفعالات الداخلية
للشخصيات القصصية[259].
وبهذا
تكون الذات الطرف الفاعل في العملية الإبداعية، وتتحدد لدى زيد الفلاحي[260] بالروح
التي « تفيض بالرحمة والحنان » والتي تلقي ظلالها على الواقع فتشكله وتلونه بالقيم
النبيلة التي يتبناها القاص ؛ أو تتحدد ـ لدى نـزار عباس [261] ـ بالروح العراقية القلقة المعذبة، بمعنى التأكيد على الخصوصية المحلية من
ناحية والتوغل في أعماق الذات الإنسانية من ناحية أخرى، وبذلك تكون القصة « صادرة
من الأعماق »[262]؛أو أن تكون صادرة عن ذات القاص أو على وجه الدقة من « قلبه الرقيق الذي
يعيش معاني الفضيلة والخير »، وما دام الأمر كذلك تنفصل القصة القصيرة عن الواقع،
فهي «موضوعات عاطفية خيالية لا تعالج مشكلة ولا تضع حلا لموضوع اجتماعي »[263]، وإذا كانت القصة القصيرة تتصل بمعطيات ذاتية وتتجاوز الفوتوغرافية فإنها
ستنعكس آثارها على المتلقي الذي يتجاوز هو الآخر التأمل الذهني للمشاهد الثابتة
إلى انفعال بتجربة خاصة تنتقل آثارها إليه من النص.
( 2 )
ويعمد
الناقد الرومانسي من ناحية أخرى إلى تجليه طبيعة القصة القصيرة من خلال مرآة
الداخل التي يصفها علي الخاقاني[264] بأنها
« مرآة المجتمع »، وحين تقترن بالصدق تقدم صورة حقيقية للواقع الاجتماعي، وحين
تكون مزيفة ـ على حد تعبيره ـ فلا تقدم إلا صورة مشوهة لهذا الواقع، والمرآة ـ هنا
ـ جسم مادي مسطح له القدرة على عكس صور الواقع الاجتماعي، ويوحي عنصرا الصدق
والكذب بخصائص رومانسية، ولكنه في الوقت نفسه يمكن تفسيره بمشابهة الواقع
الاجتماعي، وبذا نكون إزاء الرؤية التقليدية، فتعمد المرآة، وصدقها ـ الذي يعني
مشابهة الواقع ـ إلى نسخ حرفي للواقع الاجتماعي، غير أنَّ علي الخاقاني يلح على
ضرورة فهم الجسم المرئي الموضوع أمام المرآة ـ أي المجتمع، لأنه بوعي هذا تنكشف
رؤية الناقد من ناحية، وتتضح صورة الواقع الاجتماعي، وتتجلى طبيعة الأداة التي تتفاعل
معه من ناحية ثانية.
إنَّ
الواقع الذي تعكسه المرآة محدد لدى الخاقاني بأنه « كله ألم وحزن وضيق وكله مسطور
بالدماء القانية والدموع السافحة »، وهذا يعني أنه واقع آخر غير الواقع التقليدي،
لأنّ تحديده بهذه السمات التشاؤمية « الألم والحزن والدماء والدموع »، يعني أنَّ
الإسقاطات الذاتية هي التي حددته وشكلته ولونته بهذه الكيفية، فهو ـ والحالة هذه ـ
الواقع الذي تمثلته الذات بعد إسقاطاتها عليه، وبهذا يغاير الواقع التقليدي
الثابت، وتتغاير من أجل ذلك الصورة التي تعكسها المرآة التي يستخدمها الناقد
الرومانسي.
إنَّ
القصة القصيرة في حالة المرآة التقليدية تُنقل من الواقع بشكل مباشر، ولكنها في
المرآة الرومانسية تمر عبر الإسقاط الذاتي عليه، وبذلك تبرز خصوصية القاص في تلوين
الواقع، لتتغاير القصص القصيرة من قاص لآخر، في حين بقيت في الموقف التقليدي صوراً
مكررة للواقع، وتتشابه فيها النصوص الأدبية لدى الأدباء ؛
وإذا أردنا أن نقارن بين المرآتين التقليدية والرومانسية ـ بغض النظر عن الإسقاط
الذاتي في الموقف الرومانسي ـ فإنَّ المرآة التقليدية مسطحة وتعكس الأشياء
والظواهر كما هي عليه، وبشكل آلي، ولكنها في الموقف الرومانسي مرآة مقعرة أو محدبة
وملونة تعكس الظواهر والأشياء بعد تشكيلها وتلوينها.
( 3 )
اتضح
مما سلف أنَّ الناقد الرومانسي يوجه عنايته إلى العالم الداخلي ويراه المصدر
الحقيقي المعرفي والفني، وإذا كان قد عني بالصدور الطبيعي مرة، ومرآة الداخل مرة،
فإنه عني هنا بمحاكاة الداخل، وإذا كان الناقد التقليدي يعمد إلى محاكاة الواقع
الخارجي فإنَّ الناقد الرومانسي يعمد إلى محاكاة العالم الداخلي، وعبّر عن هذا
المستوى بمصطلحات ترددت بين «الوصف، والإفصاح، والتصور، والانتزاع، والنقل ».
إنَّ «
الوصف » و « النقل » و « التصوير » أقرب المصطلحات لجوهر المحاكاة لأنها تعني
مشابهة القصة القصيرة للواقع، وإذا كانت هذه المصطلحات تُعنى في الموقف التقليدي
بمشابهة الواقع الخارجي، فإنها في الموقف الرومانسي تُعني بوصف العالم الداخلي،
ولذلك يؤكد الناقد الرومانسي أنَّ القصة تعمد إلى « نقل الحياة بما فيها من أحاسيس
ومشاعر »[265]،
وأنَّ القاص يهتم « بتصوير العواطف في صور شعرية خيالية »[266]والإشارة إلى « نقل الحياة » تقودنا إلى المحاكاة ولكنها ـ هذه المرة ـ
محاكاة منعكسة، يحكي فيها القاص ما هو في الداخل، أي ما في حياة الفرد « من أحاسيس
ومشاعر » فالقصة القصيرة ـ من هذه الزاوية ـ شأنها شأن العمل الأدبي « صورة خيالية
» تصور العواطف والمشاعر[267]، وهي صورة خيالية لأنها لا تلتزم حرفياً بهذه العواطف والمشاعر، وإنما
تحاكيها عن طريق تقديم « تجربة نفسية كاملة » [268].
وتتشابه
المحاكاتان في الموقفين التقليدي والرومانسي، ففي الموقف التقليدي يتحكم العقل بها
لتقديم صورة محايدة ومماثلة للواقع، وفي الموقف الرومانسي تقدم صوراً تتغاير
بتغاير الذوات، وما دامت الفوارق موجودة في التجارب النفسية المختلفة فمن الطبيعي
أن تتغاير في ضوئها محاكاتها، غير أنَّ كلا المحاكاتين تمثلان بعداً واحداً هو
التصور الثابت للواقع الخارجي عند التقليديين، أو محاكاة الداخل ووصفه عند
الرومانسيين، ومما يؤكد التقارب بين المحاكاتين المحافظة التامة والدقيقة لأبعاد
التجربة النفسية ونقلها ثابتة إلى المتلقي، أي تثبيت مشاهد التجربة النفسية، وليس
تخليقها، ولذلك دعا فيصل السامر إلى ضرورة عيش القاص التجربة النفسية، ومعاينة
أبعادها بدقة، ومن ثم نقلها إلى المتلقي كما عاش هو فيها[269].
ومن
أجل تحقيق هذا كله يؤكد فيصل السامر شروطا ينبغي الالتزام بها كالملاحظة الدقيقة
والنظرة الواسعة ـ وهما شرطان تقليديان ـ إضافة إلى شروط أخرى تصدر عن رؤية رومانسية[270]
كالإحساس والشعور، وهذا يعني أنَّ الناقد الرومانسي لم يستطيع بعد تجاوز
التفكير التقليدي، وما زالت رواسبه مبثوثة في ثنايا تفكيره[271]، ونلمس آثار هذه الرواسب في دعوة الناقد إلى وصف وتصوير الداخلي، وليس
التعبير عنه، إذ مازال يدعو إلى « تصوير خلجات النفس »[272]، وإذا كانت خلجات النفس متغايرة فإنَّ وصفها يضطر القاص إلى التحدث عنها،
أي تقديم صورة خارجية للانفعال، وليس تعبيراً عنه.
وإذا كانت مصطلحات « النقل » و «
التصوير » و « الوصف » تقترب كثيراً من جوهر المحاكاة فإنَّ مصطلحي « الإفصاح » و «
الانتزاع » يبعدان عنها قليلاً ليقتربا من التعبير، ويمثل « الإفصاح » إظهار ما
يضطرب في أعماق القاص من أحاسيس وانفعالات[273] ؛
ويستطيع القاص عبر « الإفصاح » أن يعبر عن « صور الحياة وما يعتلج في نفسه من
خلجات وأحاسيس »[274]، وينبه الناقد ـ هنا ـ إلى أنَّ صـور الحيـاة هذه «بمثابة ينبوع غزير يستمد
منه الفنان والأديب فنه وأدبه »[275]، وهذا يعني أنَّ هناك بعدين يتركان أثريهما في إبداع القصة القصيرة :
الحياة بوصفها المادة الخام للقاص، وذاته التي تشكل هذه المادة، وقد توحي هذه
بأبعاد واقعية غير أنَّ مفهوم الإفصاح عن خلجات النفس وأحاسيسها يعني أنَّ الإسقاط
الذاتي قد أسهم في تشكيل الواقع وتلوينه، وبهذا تكون القصة القصيرة صورة لما في
الذات من أحاسيس وانفعالات، وتنعكس فيها صور الحزن والفرح التي أكد الناقد ضرورة
التعبير عنها.ويبدو أنَّ الناقد الرومانسي في تبنيه مفهوم الإفصاح متأثر بميخائيل
نعيمة في حديثه عن حاجتنا « إلى الإفصاح عن كل ما ينتابنا من العوامل النفسية : من رجاء ويأس، وفوز وفشل، وايمان وشك، وحب وكره،
ولذة وألم، وحزن وفرح، وخوف وطمأنينة، وكل ما يتراوح بين أقصى هذه العوامل وأدناها
من الانفعالات والتأثرات »[276].
ويمثل « الانتزاع » [277] صورة أخرى من صور تجاوز محاكاة الداخل، لأنّ الانتزاع ينطوي على معاناة
وجهد يكابدهما القاص في أثناء انتزاعه صوره الفنية من الحياة من ناحية ولأنه ـ من
ناحية أخرى ـ أكثر توصيفاً لعلاقة القصة القصيرة بالواقع.
وتنطوي
هذه المصطلحات المختلفة على مفهوم المحاكاة، فهي أدوات تقليدية يصور بها
الرومانسيون عالمهم الداخلي، فهم يحاكون هذه المرة الداخل، ومن ثم تحول هذه
الأدوات النتاجات القصصية إلى صور ثابتة للعالم الداخلي، وبذا نكون إزاء نتاج قصصي
هو مزيج من التفكيرين التقليدي والرومانسي، وإزاء بعد سلبي في الكشف المعرفي بسبب
الأداة التقليدية، وعلى الرغم من هذا كله فإنَّ هذه تمثل خطوة حاول فيها الناقد
كسر المعالجة الخارجية للواقع إلى معالجة داخلية، وأن حافظ فيها على أداة تقليدية ؛ وتنعكس آثار هذا على المتلقي، إذ إنه لا يزال أمام
صورة ثابتة يحاول القاص أن ينقلها محايداً، ويبقى المتلقي سلبياً في تلقي القصة
القصيرة، لأنه إزاء تلقٍ تام لم يفسح المجال له فيه بالإضافة إليه أو التغيير فيه،
ويعمد إلى تأمله والكشف عن أبعاده المعرفية الثابتة، وإذن فليست هناك حقائق جديدة
مكتشفة إلا بقدر من التجاوز.
الفصل
الثالث
البناء والأداة
( 1 )
على
الرغم من أنَّ الناقد الرومانسي يؤكد دور الموهبة وأهميتها في إبداع القصة
القصيرة، وانها متمردة على القواعد، فإننا نلتقي بنصوص نقدية تعنى بقواعد القصة
القصيرة، وتتحدث عن أهميتها، غير أنَّ حديث الناقد الرومانسي عن قواعد القصة ليس
مستقلا عن عالم القاص الداخلي، إذ يؤكد دور موهبته في خلق قواعده الخاصة، وقد يؤكد
الناقد عنصراً أو عنصرين من عناصر القصة، كما فعل عبد الوهاب الأمين الذي حدد نجاح
القصة ببدايتها ونهايتها[278]،
وقد يؤكد ناقد آخر ـ عبد الجبار الخليلي ـ قواعد عديدة للقصة لا تستقل عن عالم المبدع
الداخلي، بل تمثل القواعد جسم القصة، وتمثل الموهبة روحها، وعلى الرغم من أنَّ
الناقد يستعير تشبيها تراثيا للعلاقة بين اللفظ والمعنى، والروح والجسد، فإنه يؤكد
تقاطع قواعد القصة بموهبة القاص، ولذلك يمثل التمهيد «بداية القصة أو الأساس الذي
يقوم عليه هيكلها، وهو أول ما يسترعي انتباه القارئ ويثير شعوره »[279]، بمعنى أنَّ المعطيات الذاتية تحدد من ناحية قواعد القصة، وتؤثر في المتلقي
توصيلا وتشويقا.
وأضاف
عبد الجبار الخليلي جملة من القواعد كالسياق الذي يرى فيه « ترتيب حوادث القصة
ترتيباً منطقياً يهدف إلى إثارة مؤثر واحد في نفس القارئ والسير به إلى قمة القصة
أو ذروتها »[280]، ونلمس في هذا بعض
رواسب التفكير التقليدي التي تتخذ تسلسل الحوادث وضرورة تعاقبها المنطقي وسيلة
للتأثير في المتلقي، وبذلك يتبدى بناء القصة القصيرة في خطوتين أوليتين ـ البداية
والسياق ـ ما زالتا تمثلان امتداداً أفقياً في البناء، وهو الآخر جزء من رواسب
التفكير التقليدي.
ويحاول
الناقد تجاوز البنية الأفقية لتشكيل بنية هرمية متراكبة للقصة القصيرة، تتأزم في
ذروة حيث « تضطرب عواطف القارئ ويزداد تلهفه لمعرفة النتيجة، وفيها تبرز معرفة
القاص لنفسية القراء ومقدرته الفنية في إهاجة عواطفهم وتشوقهم لمعرفة الغاية أو
الحل »[281]،
ثم يأتي «الحل » الذي يخفت فيه « اضطرام العواطف ويزول ما قد نشأ من مؤثرات ليبقى
أثر واحد وإحساس واحد يرسخ في نفس القارئ ويثبت في ذهنه »[282].
ويظهر
من خلال هذه اننا ما زلنا في دائرة التفكير التقليدي، بسبب التأكيد على تقنين
القواعد، وكل الذي تغير طبيعة البناء من امتداد أفقي إلى شكل هرمي متراكب، ولو
عدنا إلى الدلالات المرافقة للقواعد التي أرساها الناقد الرومانسي لوجدنا تغايراً
في التحليل والتركيب في أثناء عرضه هذه القواعد.
إنَّ
القواعد الأربع التي أرساها الناقد عبد الجبار الخليلي واكبها في « التمهيد »
ضرورة « التوصيل » من خلال إثارة المشاعر وتشويق المتلقي لمواصلة القراءة، ويرافق «السياق
» توتر يصل بالمتلقي إلى ذروة القصة، ويرافق « العقدة » تأزم الانفعال، ويرافق «
الحل » التفريج عن هذا الانفعال.
إنَّ قواعد
القصة[283]
التي أرساها الناقد متداخلة مع التجربة الانفعالية، ومتدرجة معها، وتمر
بالمستويات ذاتها فهي على صعيد البناء:
تمهيد ـــــ سياق ــــــ عقدة ـــــ حل
وعلى صعيد الانفعال :
أوليات الانفعال ــــ نمو الانفعال ــــ تأزم الانفعال ـــ التفريج
ولا
يلغي الناقد ـ هنا ـ قواعد القصة القصيرة وإنما يقرن هذه القواعد بعالم المبدع
الداخلي، في حين ترتبط قواعد القصة لدى عبد المجيد لطفي[284]،
بالموهبة والعبقرية، أي أنَّ القاص يولد بناء قصصه متغايراً من قصة لأخرى مؤكداً
علاقة هذا التغاير بتجربة القاص الانفعالية، وبهذا يتجاوز الناقد القواعد
والقوانين التي يرسيها الموقف التقليدي، وهذا يعني أنَّ عبد الجبار لطفي يسعى إلى
بنية جديدة للقصة القصيرة تتجاوز البنائين الإفقي والهرمي، وإذا كان هذان البناءان
يحددان قواعد القصص القصيرة بتسلسل وتعاقب معروفين فإنَّ مضامين القصص وشخصياتها
وحوادثها مرتبطة بهذا البناء، إذ يتوقع المتلقي نهاية القصة من البداية، ومن أجل
أن يتجاوز عبد المجيد لطفي ذلك قرن النهاية بالغرابة، أو عدم توقعها على وجه الدقة.
ويتحدد بناء القصة القصيرة ـ لدى صالح سلمان بــ
« الوحدة » التي تشبه في أحد مستوياتها وحدة الكائن الإنساني الحي[285]،
ومحاولة تتبع هذا « الكائن » ابتداء من تكونه حتى ولادته، وتمر القصة القصيرة
بمرحلتين : مرحلة البذرة والنمو، ومرحلة الولادة التي تخرج بها القصة متكاملة
لتعيش في الواقع.
وتتشكل
« الوحدة » بذرة في أعماق القاص، ولا يمكن لهذه البذرة أن تلد فجأة، إذ لابد من
تغذيتها ونموها، وتتم تغذيتها من خلال تفكير القاص وتجاربه وانطباعاته الخاصة،
ولذلك فإنَّ الفكرة تعيش في أعماق الذات منذ كونها « بذرة » إلى أن تصل درجة النضج
لتحقق من ثم تكاملها، وفي ضوء هذا نستطيع تفسير إلحاح الناقد فيصل السامر على أنَّ
القصة القصيرة « تجربة نفسية كاملة تنقل إلى القارئ كاملة »[286].
إنَّ خصوصية البنية القصصية تعني، في الوقت نفسه، خصوصية
الشخصية والحدث، وتعني أيضاً معرفة القاص شخصياته وحوادث قصصه معرفة دقيقة، وفي
ضوء ذلك يرفض الناقد صالح سلمان أن يبدع قصة قصيرة واحدة أكثر من قاص، لأنه يستحيل
أن يتحقق هذا كما يستحيل « أن تلد ثلاث نساء طفلاً واحداً !! »[287].
و
يرفض عبد اللّه نيازي الشروط التقليدية التي لا تتجاوز ـ في تصوره ـ شرطين أساسيين
وهما العقدة والحل، وكونهما يشكلان القصة القصيرة بطريقة السرد المنطقي[288]،
ويستبدلهما بوحدتين متداخلتي التأثير في القصة القصيرة، إحداهما تتصل بالتجربة
الانفعالية في الذات، أطلق عليها « الوحدة الشعورية »، والثانية ـ تبدو في ظاهرها
كائنة في العالم الخارجي وهي « الوحدة الزمانية » ، وترتبط « الوحـدة
الشعورية » بالذات ارتباطاً وثيقاً وهي تعني عناية دقيقة بالتجربة الانفعالية، وما
يضطرب في النفس من أحاسيس وخلجات ؛ وتنطوي « الوحدة الشعورية » على « وحدة زمنية» لأنه
لا يتأتى للوحدة الشعورية أن تعمد إلى تركيب عمل فني منفصلاً عن وحدته الزمنية،
ويعي الناقد الرومانسي مستويين من مستويات الوحدة الزمنية : مستوى الوحدة الزمنية
المتداخلة في الوحدة الشعورية، التي يعمد فيها القاص إلى « تتبع دقيق لما يعتمل في
النفس من أحاسيس وخلجات لفترة معينة من الزمن قد تستغرق نفس الفترة الزمنية التي
تنتهي بها القصة »[289] ومستوى آخر يعني « الوقت » فحسب.
( 2 )
كانت ملامح الشخصيات القصصية في الموقف التقليدي متماثلة، لأن
ماهية الشخصية ذات طبيعة نمطية ممثلة لأحد بعدي الخير أو الشر، ويتجاوز الناقد
الرومانسي ذلك إلى شخصية إنسانية عادية، فالقاص « يتجه أول ما يتجه إلى الإنسان
يضيق فيه مداه ويركز فيه انتباهه.... فغرضه بحث سيكولوجي
محض يقصد به الوقوف على جميع ما يفتعل في أعماقه، ويضطرب في سرائره فليس الإنسان
بسيطاً يتأرجح بين كفتي الخير والشر »[290]،
ولهذا كان التأكيد على سمتين تحددان للشخصية القصصية طبيعتها ووظيفتها، تتصل
الأولى : بالملامح المحلية، أي أن تكون معبرة عن واقع اجتماعي عراقي، بمعنى أن
يعبر القاص عن « الروح العراقية القلقة المعذبة »[291]، وتتصل الثانية بعالم الشخصية الداخلي، وما تشتمل عليه من قلق ومعاناة، أي
بما تنطوي عليه الشخصية من تمزق وانفصام « من القرارة، من قرارة الروح من الداخل »[292].
وتتميز
الشخصية الرومانسية بوحدتين جسدية وداخلية، ولذلك يؤكد صفاء خلوصي أهمية تناسق
الشخصية الجسدي، بحيث لا يكون رأسها من إنسان، وجسدها من إنسان ثان، وأن يكون
عالمها الداخلي معبرا عنها، وعن سلوكها، وتقترن وحدة الشخصية بوحدة التجربة
الانفعالية للقاص، أو بتجارب حياته النفسية وتطورها، ولذلك فالقصة وحوادثها وشخصياتها
إنما هي أجزاء متفرقة من تاريخ حياة القاص النفسية[293]،
إذن فالشخصية القصصية هنا صورة وصدى لحياة القاص النفسية، وتعبير عن تصوراته
وتجاربه الشخصية، ولا يدل هذا على تعارض معرفي، لأن كلا من القاص وشخصيته القصصية
يسعيان لتجاوز المألوف وكسر القواعد والقوانين، بمعنى أنَّ القاص حين يختفي خلف
شخصياته في العمل الأدبي إنما يهب شخصياته حريتها، وهي في الوقت نفسه تعبر عن رؤية
القاص، ومشبعة بأفكاره وتصوراته، مما يدفع إلى « تغلغل الأديب في ما يدور في عقول الأبطال
وبواطنهم »[294].
وتنعكس
آثار ذلك على المتلقي الذي يتجاوز التعامل الذهني مع الشخصيات النمطية إلى تفاعل
وجداني مع شخصيات إنسانية عادية، تعبر عن هواجسها وقلقها وحبها وكرهها، ومن ثم
تمكن القصة الرومانسية المتلقي من البحث عن نفسه واكتشافها، ومن هنا يظهر نـزار
عباس صلة المبدع بالمتلقي، إذ يتم من خلال ذلك نفاذ الشخصية القصصية إلى ذات
المتلقي لتثير أحاسيسه وانفعالاته وتتجاوب معها وتتوحد بها.
ويدرك
الناقد الرومانسي أهمية حرية الشخصية القصصية في عالمها الفني، كي تتدفق بعفوية
وتلقائية، ويعقد الناقد لذلك مقارنة بين الشخصيتين التقليدية والرومانسية في إطار
بنائيهما الفنيين، فالقاص التقليدي ـ وفقا لمفهوم الصنعة الذي يجعل التخطيط سابقاً
والتنفيذ لاحقاً ـ يرسي قواعد القصة وعقدتها أولا، ثم يصوغ شخصيات تناسب طبيعة هذه
القواعد وعقدتها، وبهذا تكون الشخصية مقحمة على بناء القصة، ويحكمها العقل، ويحدد
أبعادها التسلسل والتناسب المنطقيين،أما الشخصية
الرومانسية فإنَّ خلقها يتزامن وخلق بناء القصة وقواعدها، وتتميز بحريتها
وخصوصيتها، ولذلك يشترط الناقد أولا خلق الشخصيات القصصية، ومنحها حريتها، ومن ثم
تتخلق عقدة القصة من تلقاء نفسها.
وتشكل
البنية التقليدية شخصياتها، وتحدد بناءها في ذهن القاص قبل شروعه في أداء عمله
القصصي، وتتحول الشخصية والحالة هذه إلى دمية تحركها أصابع القاص، غير أنَّ
الشخصية الرومانسية هي التي تشكل بنية القصة القصيرة، لإنَّ القاص يعمد إلى «خلق»
بطله ثم يتركه يواجه مصيره في الحياة، ليشكل عبر ذلك بناء القصة القصيرة بشكل عفوي
وتلقائي، وبذلك تتحقق وحدة القصة القصيرة من خلال التزاوج بين وحدة الشخصية «
الحرة » ووحدة البناء.
وإذا
كانت الشخصية التقليدية نمطية تمثل أحد عنصري الخير أو الشر، فإنها في الوقت نفسه
تتميز بخصائص طبقية معينة، إذ يجعل الناقد التقليدي شخصياته الخيرة قرينة الطبقة
الأرستقراطية، ويجعل الشخصيات الشريرة معبرة عن الطبقات المسحوقة، غير أنَّ الناقد
الرومانسي يعنى بالطبقتين الوسطى والكادحة، ولذا جاءت عنايته بالشحاذين والكناسين
وموزعي البريد[295]،
ولم يقتصر على ذلك، بل راح يفتش عن الشاذ والغريب، من جهتي الملامح الجسدية
والنفسية، ويتجه شاكر خصباك لدراسة الشخصية في إطار بنائها الاجتماعي والاقتصادي،
ويعقد مقارنة بين ما تفرزه الطبقة الأرستقراطية التي تعيش الترف والبذخ، وما تفرزه
الطبقتان الوسطى والكادحة من تعبير عن الإنسان العادي بكل همومه ومشاكله.
ولا
تستقل « الطبيعة » عن بناء القصة وبناء شخصياتها، بل تسهم في إضفاء سمات إيحائية
تتناغم مع ذات الشخصية القصصية، وبما تنطوي عليه من معاناة وقلق وتأزم، وبهذا يكشف
وصف الطبيعة عن جوانب من عالم الشخصية الداخلي، كما أنها تكشف للشخصية جانبا خافيا
عنها، وكأن الطبيعة أصبحت مظهراً من مظاهر اللاشعور الذي تحاول الشخصية القصصية
الكشف عنه والتفاعل مع تجلياته ومعطياته.
وإذا
كانت الشخصية القصصية تتميز بوحدتيها الجسدية والنفسية وكونها تعبر عن ملامح محلية
منحصرة في طبقتين وسطى وكادحة، فإنَّ المكان يسهم هو الآخر في تجلية ذلك، عبر
تناغمه مع الشخصية وعناصر القصة الأخرى، ولذلك فالبيئة العراقية تضفي سمات محلية
على الشخصية، وتمكنها من التعبير عن عالمها الداخلي بعفوية وتلقائية، وتكون أكثر
تأثيراً وفاعلية بالمتلقي.
وتنعكس
آثار هذا على الحدث وعلاقته بالشخصية، فنرى أنَّ الشخصية والحدث منفصلان تمام
الانفصال في الموقف التقليدي في حين يندمج الحدث بالشخصية ليكون معبراً عن الشخصية
ذاتها في الموقف الرومانسي، غير أنَّ الناقد لم يشر إلى الحدث إلا نادراً، ويعنى
بالشخصية عناية بالغة، ويعمد إلى تأكيد التصوير على هيئة صور مستقلة تشدها وحدة
الموضوع، ووحدة الهدف[296]،
أو تصور قائم على أساس « التداعي » المنظم في الذات، ويحدده القاص من خلال تداعيات
البطل، وليس من خلال تداعيات ذات المبدع[297].
( 4 )
لا
ريب أنَّ الذات ـ عند الناقد الرومانسي ـ تخلق قواعدها الخاصة، وتنفر من القيود
الخارجية المفروضة عليها، ولذلك فإنَّ كل شيء في القصة القصيرة ينبع من الذات
الفاعلة، بناء، وعقدة، وشخصية، وأداة، ولعل أبرز ما يتمرد عليه الناقد الرومانسي
تلك القيود العقلية الصارمة التي تجنح بالأداء نحو التقريرية مرة، أو نحو فرض
قواعد صارمة كالوزن والقافية ـ في الشعر ـ مرة أخرى ؛
وفي ضوء هذا يعني حسين مردان عناية فائقة بالمفردة من ناحية، وبالتركيب اللغوي
للقصة القصيرة من ناحية أخرى، ويرى أنَّ التقريرية ـ وهي نتاج عملية ذهنية واعية ـ
تقود إلى وصف سطحي للحدث والسرد، ووصف خارجي للشخصية القصصية، ومن شأن هذا أن
تتجاور مكونات القصة، بمعنى تفكك وحدة الشخصية القصصية، ومن ثم تفكك العمل الفني،
وافتقاره إلى وحدته العضوية.
وإذا
كانت التقريرية نتاج عملية ذهنية واعية فإنَّ قواعد القصة والوزن والقافية
بمفهومهما المعياري في الشعر نتاج العميلة نفسها، ولذا فالقواعد لا تعبر عن الذات،
بل هي مفروضة عليها، وتمثل قيداً « والقيد يجور على الفن في أكثر من ناحية،
والشاعر إذ تعتمل في ذهنه فكرة معينة ويحاول أن يصبها في قالب لفظي تقتضيه القافية
أن يحوم حول فكرته دون أن ينفذ إلى لبابها، وكثيراً ما يساق إلى معان ما كان قد
ارتضاها واطمأن إليها، ومعنى هذا أنَّ الشعر غير مؤتمن على أفكار الشاعر وعواطفه
الأمانة المنشودة في الفن كوسيلة معبرة، وبتعبير أصح أنَّ الشعر فن لا ينقل أحاسيس
صاحبه وانطباعاته العاطفية والفكرية كما تختمر في ذهنه وتعمل في أعماقه، بل كما
ترتضيه لها القافية من صورة وهيكل »[298]،
وهذا يعني أنَّ الوزن والقافية يؤثران في طبيعة التعبير عن الذات، لكونهما مفروضين
عليها، وليسا صادرين عنها، ومن ثم يكون الأداء اللغوي محكوما بضوابط ذهنية خارجية.
إن
هذا الأداء يجور على الفن ويعيق الأديب عن التعبير عن توتره وانفعاله، ويقود ـ على
أحسن الأحوال ـ إلى وصف الانفعال، وليس التعبير عنه، كما أنه يمنع الأديب من التعبير
التلقائي عن الانفعالات المختلفة، ويتبنى الناقد مستوى متحرراً من الأداء، يتجاوز
فيه القواعد الخارجية، لتكون قواعد القصة وأداؤها نابعا من الذات، ويسهم الأداء
اللغوي في الإفصاح عن أحاسيس الأديب وأفكاره ومشاعره[299]،
وهذا يعني دعوة إلى لغة نثرية مرنة تنبع من الذات أولاً، وتعبر عنها بصدق ثانياً.
ولا
يعني رفض الناقد الرومانسي للقيود الخارجية للشعر متمثلة في الوزن والقافية رفضاً
للخصائص الفنية للشعر، وإنما كان رفضه لهما لكونهما يمثلان قيدين خارجيين، ولكنه
يقارب بين القصيدة والقصة من حيث خصائصهما الفنية متجسدة بشعريتهما، ولذلك يؤكد أن
تكون القصة القصيرة معبرة عن تجربة القاص الانفعالية « بروح شعرية ملؤها عنف
العاطفة وحرارة التعبير »[300]،
وإن الذات هي الأساس الذي يحدد شاعرية القصة والقصيدة، ولذلك يشترط الناقد
الرومانسي في القاص أن يكون « قصصياً يسبح في أجواء شعرية »[301].
( 5 )
ولما
كانت الشخصية القصصية محلية وتتسم بخصوصيتها ووحدتها وحريتها، فإنه من الطبيعي أن
تعبر عن نفسها بلغتها الخاصة، مما يثير الحديث عن الحوار بوصفه أحد المقومات
الفنية للقصة القصيرة، ولذلك اشترط بعض النقاد في الحوار أن يكون عاميا، لأنه يمثل
ملمحاً فنياً، ويعبر عن الدوافع الداخلية للشخصية القصصية، ويوحي بواقعية الشخصيات
ومحليتها، ويشترط عبد المنعم إبراهيم إضافة إلى ذلك أن يتطابق الحوار مع المستويات
الطبقية والفكرية للشخصيات القصصية[302].
إن
الناقد الرومانسي يؤكد ضرورة استخدام الحوار العامي لإرساء الملامح المحلية
لشخصياته، وتحقيق الإيهام بواقعيتها، كما أنه يدرك أيضاً أنَّ الحوار يشكل جزءاً
مهماً من الشخصية[303]،
إذ يصور دوافع الشخصية ويجعلها أكثر تجسيداً وحضوراً بحيث نسمع أفكارها وتصوراتها،
ويكون الحوار العامي ـ في تصور الناقد ـ أكثر تحقيقاً للدوافع الداخلية ولأداء
واقعية اللفظ.
وتعني
« واقعية » الحوار العامي تعبيرا طبيعيا عن الذات، ولذلك فهي تحقق لدى الناقد
الرومانسي غاية فنية تسهم في إرساء ملامح الشخصية المحلية، وتعبر عن عالمها
الداخلي، فضلاً عن كون الحوار جزءاً أساسيا من الشخصية، في تصور الناقد حسين
مردان، فكما أنَّ القاص الرومانسي « يخلق » شخصياته فإنَّ «خلق » تحاورها يصدر
بتلقائية وعفوية من خلال تحديد طبيعتها، وبذلك يتحدد «خلق » الشخصية لغاية فنية،
ويكون حوارها تابعاً لهذا « الخلق » ليحقق غاية فنية[304]،
إنَّ الحوار بالعامية يخرج من كونه تحقيقاً لواقعية لفظية إلى غاية فنية تنسجم
وطبيعة بناء القصة القصيرة، ويصل تدقيق الناقد الرومانسي حداً في تحقيق وظيفة
الحوار الفنية.
ويتبنى
حسين مردان « الحوار المتجانس » الذي يحافظ فيه على التحاور بالعامية ويرفض الحوار
اللامتجانس الذي « يتناوب بين اللغة العامية والفصحى »[305]،
ويتأتى رفضه هذا المستوى لأنه يبعد المتلقي عن إيهامه بواقعية الشخصية وتحديد
سماتها المحلية، ويؤدي من ثم إلى تفكك القصة القصيرة، ويحافظ الحوار المتجانس على
الدوافع الداخلية للشخصية، ولأنه يمثل من جانب آخر جزءاً مهماً من الشخصية، ويسهم
في تحقيق تماسك الشخصية وخصوصيتها إضافة إلى تجسيدها وحضورها في القصة القصيرة،
وعلى الرغم من أنَّ الناقد الرومانسي يتبنى الحوار العامي لقدرته التعبير عن
الدوافع الداخلية فإنه يلمح إلى عدم رفضه الحوار بالفصحى، غير أنه أميل إلى
العامية وبهذا يكون هذا التفكير قد خطا خطوة نحو لغة قصصية في الحوار.
الباب الثالث
الانفلات من الرومانسية