الخطاب النقدي عند المعتزلة

 الأستاذ الدكتور

كريم الوائلي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمة

 ليست القراءة فعلا فيزيولوجيا يتأتى بإحداث الوحدات الصوتية عبر النطق بحسب ما تقتضيه الأنظمة اللغوية لأي لغة، وإنما القراءة، سواء أكانت قراءة للعالم بوصفه وجودا يقع خارج الذات الإنسانية، أو نصا بوصفه تشكيلا لغويا، تعني : الفهم، ومن ثم فإنها تمثل نشاطا معرفيا ذهنيا يختلف ويتفاوت بحسب رؤية القارئ وبحسب طبيعة نظرته إلى العالم أو النص، والزاوية التي يتم الصدور عنها.

إن القراءة في ضوء هذا الفهم مولدة للمعاني وكاشفة للصور التي يتضمنها العالم والنص، ومن ثم فإنها تعيد إنتاج المقروء ،فكأن المقروء ـ عالما أو نصا ـ موجودا، ويصبح بعد القراءة موجودا آخر، لأن القراءة ليست نقلا للمقروء، أو إحضارا له، وإنما يضفي القارئ على المقروء رؤيته، وذاته، وخصوصيته، ويتولد من العلاقة بينهما مركب جديد، ليس هو المقروء تماما، وليس هو القارئ بما هو عليه، وإنما هو مركب منهما معا بكيفية خاصة، ولذلك تتفاوت القراءات لاختلاف القراء، وكأن المقروء ثابت قبل القراءة، وتتغير صورته ومعانيه ودلالاته بفعل عملية القراءة التي ترتبط بخصوصية القارئ ورؤيته .

ويمكن القول تجاوزا أن النص قبل القراءة يعرف استقرارا نسبيا في دلالته ومعانيه، ولكنه ـ في الحقيقة ـ استقرار متوهم، إذ لا وجود حقيقي للنص إلا في أثناء قراءته، نعم هناك وجود موضوعي فيزيفي للنص خارج الذات الإنسانية ـ متمثلا في الكتب ـ التي أنتجته، أو تقرأه ،ولكنه وجود هامد، ولكن وجودها الفعلي يتحقق عبر قراءته .

وليست هناك قراءة صحيحة وقراءة خاطئة وإنما هناك قراءة ممكنة يحتمل النص دلالاتها ويعكس القارئ رؤيته ومواقفه من خلالها، وهناك قراءة غير ممكنة، لعدم احتمال النص دلالتها، وبخاصة القراءة الاسقاطية .

إن قراءة النص بمعنى فهمه تتضمن الأبعاد التالية :

1 ـ الفهم المباشر دون حاجة إلى تفسير أو تأويل .

2 ـ التفسير، إذ حين يستعصي الفهم المباشر نشأت الحاجة إلى الانتقال إلى فهم آخر يقتضيه السياق وقرائن اللغة، فإن كلمة الوحي حين ترد دون سياق أو قرينة لغوية لها دلالة تعني الوحي الذي يتنزل من السماء على الأنبياء، متمثلا في جبريل، عليه السلام، ومن ثم تختلف عن معناها في قوله تعالى : « وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ».

3 ـ التأويل : وهو مرحلة متقدمة في فهم النص، تعني إخراج اللفظ من معناه الحقيقي الذي يدل عليه الفهم المباشر، او سياقاته، إلى معناه المجازي . ولذلك فإن التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة كتفسير الصراط بالطريق والتأويل إظهار باطن اللفظ ... فالتأويل خاص والتفسير عام فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلا.

وتتركب عملية القراءة من ثلاثة مكونات : القارئ، والمقروء، وناتج القراءة، وقد يوحي ترتيب هذه الأبعاد أوالية القارئ، بمعنى فاعليته، وانفعالية النص، ,بحيث تكون القراءة مجرد نتيجة لعملية ميكانيكية ـ تتماثل فيها النتائج والمقدمات، وليس هذا صحيحا في الواقع، لأن هناك جدلا بين القارئ والمقروء، يتولد من تفاعلهما المحتدم وتصارعهما بفعل العلاقات المتشابكة والمعقدة والمتداخلة، ناتج القراءة، ويشتمل كل من عنصري عملية القراءة « القارئ / المقروء » على خصائص تميزه، وإن إغفال هذه الخصوصية وأدراك أهميتها يقود بالضرورة الى فهم سلبي لعملية القراءة والنتائج المتولدة منها , بمعنى أن إغفال هذه الخصوصية أو التهوين من قيمتها وأهميتها، يعني هيمنة أحد طرفي عملية القراءة، فإما أن تكون الذات فاعلة إزاء موضوعها، بحيث تلغي المقروء، أو تقرأه خارج دلالاته وسياقاته، أو أن يهيمن المقروء على القارئ، فيتحول الى مجرد ناقل، وكلا الأمرين يعني ناتجا سلبيا، يلغي أحد طرفي المعادلة، ويقدم قراءة أقل ما يقال عنها أنها قراءة سلبية .

وقد تكون القراءة السلبية ذاتية تتخذ من التراث وسيلة دفاعية يؤكد فيها القارئ ذاته، بحيث يستعيد المعايير التراثية ويضخم من جوانبها الإيجابية، ويحاول إسقاطها على الحاضر والمستقبل، والهدف من ذلك الاحتماء بالتراث في مواجهة تيارات معاصرة، وعلى الرغم من سلبية هذه القراءة فإنها في الوقت نفسه يمكن أن تسهم في بداية لقراءة نقدية واعية، لأنها تستبعد الجوانب السلبية في عصور الانحطاط، والأهم من هذا أنها تحذر من الانسياق وراء القراءة الشكلية والسقوط في الإنجازات المستوردة، غير أن التوقف عند هذه الغاية لن يحقق جديدا، لأن التراث يمارس سلطته على الحاضر والمستقبل ،وهذا ما حصل فعلا في القراءة الإحيائية التي هيمنت فيها الأصول القديمة بشكليتها وحرفيتها، وأصبحت غاية مقصودة لذاتها.

إن القراءة الفاعلة التي يتبناها هذا الكتاب تعني :

1 ـ تأكيد أهمية تاريخية المقروء ، بمعنى أنها تنفي المعايير والأحكام المسبقة القائمة على أساس ديني ، أو مذهبي ، ومحاولة تأمل أي ظاهرة في إطار سياقها التاريخي والاجتماعي ، أي قراءة النص بوصفه موجودا هناك في الماضي ، وأن وجوده محكوم بسياقات معرفية وتاريخية واجتماعية ، وان اجتزاءه عن سياقه تعني قراءة ناقصة ومشوهة له .

إن التراث جزء من بناء معرفي أشمل ، وجزء من منظومة ، وينبغي فهمه في إطار منظومته ، وإن إخراجه عن منظومته يعني فهما مخلا لطبيعته وماهيته .

2 ـ إن فهم التراث بوصفه موجودا هناك في إطار سياقه التاريخي لا يعني بالضرورة أنه منفصل عن القارئ إذ يمكن تأمله وفهمه وإدراك دلالاته .

3 ـ نفي القراءة الانطباعية الانفعالية التي تصدر أحكاما مسبقة على الأشياء وتقيم قراءة تتأسس على عقلانية منهجية تؤكد أهمية النظر ، وتعلي من شأن التحليل والتعليل .

           إنّ هذا النمط من الدراسة يوازن في الوعي بين إنجازات التراث النقدي وإمكاناته الفكرية والفنية وبين الوعي بالحاضر الذي يرفدنا برؤى وأدوات وتقنيات إجرائية، وتولّد من تلاحم الوعيين ـ الماضي والحاضر ـ تجادل متفاعل يجعل الدارس متبصراً بمعضلات الحاضر النقدية ونظائرها في التراث، وهذا من شأنه أن يدفع إلى تحسس هويتنا التي أخذت تترنح بين التغريب والتجهيل، كما أنه يبعث على إقامة حوار مستمر مثمر لا قطيعة فيه بين ماضينا وحاضرنا، ومن هنا تكتسب العلاقة الجدلية الفاعلة بالتراث أهميتها وحيويتها، وتتأكد جدواها وفائدتها .

           إنّ تركيز البحث على دراسة المعتزلة يعني الكشف عن تصورات هذه المدرسة الفكرية المتميزة في أثناء معالجتها للقضية النقدية من زواياها المختلفة، كما أنه يساعد على الإحاطة الشاملة لوحدة تصور متكامل للمعضلات النقدية دون التشتت بين الآراء المختلفة والتيارات المتباينة، كما أنه يكشف من زاوية أخرى عن مقدار انسجام أتباع هذه المدرسة أو افتراقهم عن الأصول الفكرية والعقائدية التي يصدرون عنها، ومقدار التزامهم بالتحليل العقلي لاعتبارهم العقل أداتهم الجوهرية المتميزة.

           واتجه البحث إلى دراسة المقياس النقدي الذي يستخدمه الناقد في تفسير النص الأدبي وتحليله وتقويمه، ويسعى البحث ـ من هذه الناحية ـ إلى الكشف عن آثار الفكر الاعتزالي في تحديد مكونات المقياس، وتحديد دوره في التفاعل مع النص الشعري، والكيفية التي يسهم فيها المقياس في تمكين الناقد من درس النص الأدبي متجاوباً مع تفكيره من ناحية، ومستغلاً أدواته النقدية من ناحية ثانية .

           إنّ المقياس النقدي لا ينفصل عن الفكر الذي يصدر عنه، ولا يبتعد عن طبيعة المشكلات التي أفرزها الواقع بل هو خاضع لهما بدرجات متفاوتة، بحسب نوعية المقياس ودوره في معالجة النص الأدبي، وبحسب إجابته عن المعضلات التي يشتمل عليها الواقع، كما أنّ المقياس النقدي ليس منفصلاً عن العناصر الجوهرية المكونة للتصور النظري النقدي إن لم يمثل الجوهر الذي يرتكز عليه هذا التصور، ولذا فإنّ دراسة المقياس النقدي تمثل تحاوراً وتفاعلاً بين الفكر وأدوات التحليل من ناحية، وبين الفكر والتصورات النقدية من ناحية ثانية، كما أنه يمثل تأسيساً لـ » نظرية للشعر« في التراث النقدي من ناحية ثالثة .

           ويتأسس هذا البحث على تمهيد وأربعة فصول، وخصصت التمهيد للعناية بمحورين : يعنى أولهما : بوصف مصادر البحث وتقويم مراجعه، وتتركز فيه العناية، بوصف مصادر البحث من جهتي المضمون والبيبلوغرافيا من ناحية، وتقويم الدراسات التي تعرضت إلى موضوع بحثنا على نحو من الأنحاء من ناحية ثانية، ويعنى المحور الثاني : بالأصول الفكرية للمعتزلة التي يتجلى من خلالها موقفهم من الله والعالم والإنسان .

           ويتخصص الفصل الأول بـ» المقياس اللغوي « وهو يهدف إلى الكشف عن جماليات الأنظمة اللغوية ـ صوتية، وصرفية، ونحوية ـ ويركز على التمايز بين معيارية هذه الأنظمة ومدى توظيفها لتأدية دلالات جمالية، ويحاول الكشف عن القوانين التي تتحكم في هذه الأنظمة ومدى كشفها عن جماليات يسعى الناقد إلى تأصيلها .

           أما الفصل الثاني فيعنى بـ »المقياس البلاغي « الذي يعنى أساساً بالتمايز بين الأداء النمطي ـ العادي ـ والأداء الفني ـ الأدبي ـ من حيث التشكيل، ومن حيث التغير الوظيفي، ويعنى أيضاً بالأنماط البلاغية التي يعتمدها هذان المستويان من الأداء، مما اقتضى تتبعاً لموضوعات عديدة : كالمحكم والمتشابه، والمجاز، والتشبيه، والاستعارة، ونحوها .

           ويتخصص الفصل الثالث بـ» المقياس النقدي « الذي يعنى بأربعة مقومات جوهرية في النظرية النقدية، أولها : لغة الشعر من حيث تشكيل هذه اللغة وتمايزها عن الأنماط اللغوية الأخرى، وثانيها : الإيقاع، ومقدار ما يؤديه من وظيفة من جهتي التشكيل من ناحية،  والتأثير بالمتلقي من ناحية ثانية،  وثالثها : الصورة الشعرية، من حيث وظيفتها وأنماطها وكيفية تشكيلها، ورابعها : بنية القصيدة في ضوء تركيب أبياتها، وتتالي وحداتها المختلفة .

           ويعنى الفصل الرابع بـ» المقياس الجمالي « إذ يدرس » قيمة « الشعر من حيث علاقتها بالحسن والقبح العقليين، ومن حيث مكوناتها الخارجية والتشكيلية ، كما يدرس »المثل الأعلى « بوصفه معياراً جمالياً وعلاقته بالصورة الذهنية من جهة، وبالواقع من جهة ثانية، وكيفية تأدية دوره في تشكيل القصيدة،كما يعنى هذا الفصل بماهية الشعر من حيث المكونات الشكلية والخصائص النوعية، وتوقف أخيراً عند مهمة الشعر، إن كانت توصيلية أو تزيينية أو نحوهما .

           إنّ هذا البحث قد تتبع مقاييس نقد الشعر من أبسط مستوياتها إلى أكثرها شمولاً، بمعنى أنه تتبع المقاييس ابتداء من عنايتها الجزئية بالوحدات الصوتية منفصلة أو ممزوجة بغيرها، ومروراً بالعناية بالأشكال البلاغية المتعددة، فضلاً عن تتبعه لغة الشعر والإيقاع والصورة وبنية القصيدة، وانتهاء بتتبع الأبعاد القيمية للنص الشعري، وماهية الشعر وتأديته للوظائف المختلفة، وهذا يعني أنّ البحث قد أحاط في الوقت نفسه بمقومات »نظرية الشعر « من زوايا مختلفة .

           وينبغي أن أؤكد قضية مفادها أنّ توزيع مقاييس نقد الشعر بأنماطها المختلفة ـ لغوية، وبلاغية، ونقدية، وجمالية ـ إنما هو تقسيم فرضته طبيعة البحث، لأن هذه المقاييس ليست مستقلة ـ في الحقيقة ـ عن بعضها، فهي تتفاعل وتتقاطع، وتشترك في بعض المكونات والخصائص، فالمقياس اللغوي ـ مثلا ـ ليس مستقلا عن أداء أبعاد جمالية، كما أنّ المقياس البلاغي ليس منفصلاً عن الأنظمة اللغوية، فالفصل ـ في هذا السياق ـ متعمد فرضته طبيعة البحث .

 

                                   أ . د . كريم عبيد هليل الوائلي

 

التمهيد

                الأصول الفكرية للمعتزلة

 ( 1 )

                 إذا استثنينا المعرفة الضرورية التي أودعها الله فطرياً في الإنسان فإنَّ للمعرفة لدى المعتزلة بعدين جوهريين : أحدهما عقلي، والآخر نقلي، غير أنّ هذا التصنيف لبعدي المعرفة ليس دقيقاً تماماً، إذ إنّ أحدهما يسبق الآخر ويتأسس عليه، ففي حين يحتل العقل مكان الصدارة، ويعوّل عليه كغاية ومعيار في آن، يتراجع النقل ـ الكتاب والسنة ـ إلى أداة نصية تخضع لأبعاد العقل، وحدوده، ولذا حصل التفاوت بين هذين البعدين ليكون العقل سابقاً، ويستخدمه الإنسان ليكشف به عن الحقيقة وعن الحكم الشرعي على نحو إجمالي، ويكون النقل لاحقاً للعقل وخاضعاً له، وقابلاً للتفسير في ضوء معطياته .

                 ولقد عني المعتزلة كثيراً بالعقل واعتبروه أداتهم المعرفية الأساسية، واستخدموه في الجدل والنقاش، وأخضعوا له الظواهر الفلسفية الكبرى، وأقاموا على أساسه تصورهم عن الله والعالم والإنسان، ومن هنا جاء الحديث عن سبق العقل للسمع، وتحكّمه فيه، بل إنّ معرفة السمع لا تصح إلا بالعقل [1]، بمعنى أنّ معرفة القرآن ومعرفة الرسول لا تتم إلا بوجود العقل لأنهما ـ أي الرسول والقرآن ـ عرفا به، ولم يعرف بهما [2] .

          وتتخلق المعرفة لدى الإنسان أساساً، فهو الذي يصنعها مستعيناً بقدرته وبفعله النابع من هذه القدرة من ناحية، ومعتمداً على حرية الإرادة الإنسانية من ناحية ثانية، ولذلك فإنّ المعرفة التي يتلقاها الإنسان عن طريق الوحي ليست متقدمة على المعرفة الإنسانية، غاية ما في الأمر أنّ الأولى ـ أي الوحي ـ تزيد الثانية تخصيصاً، ليخلص المعتزلة من هذا إلى أنّ بعدي المعرفة متطابقان، وأنْ لا تناقض بين المعقول والمنقول، لأنّ الإنسان قادر بعقله على أنْ يميز بين الحسن والقبح، والشر والخير، وأنّ النص يؤكد ما توصل اليه العقل، ويزيـده تخصيصاً، أو أنه يعـرّفنا «بتفصيل الجملة المستقرة في العقل»[3] ولذلك أكد المعتزلة أنّ الإنسان مكلف نـزل الوحي أو لم ينـزل، ما دام الإنسان كائناً عاقلاً قادراً بعقله على الكشف والتمييز بين الحسن والقبح.

                 وحين يتعارض العقل والسمع، أو الدليل العقلي والدليل السمعي، فإنّ الدليل السمعي يخضع للدليل العقلي تأويلاً وتفسيراً، وهذا يعني أنّ رؤية الإنسان تُلقى ظلالها على النص السمعي فتصبغه بطابعها الخاص، على الرغم من أنّ المعتزلة تؤكد تطابق الدليلين، وتطابق نمطي المعرفتين العقلية والنقلية ، ويبقى التمايز بين المعرفتين قائماً، فالمعرفة البشرية تمثل تصوراً متخلقاً في داخل الإنسان، ونابعاً من إرادته وفعله، ومقترناً بعقله، أما المعرفة الإلهية فإنها تمثل تصوراً يفسر للإنسان : الله، والعالم، والإنسان، غير أنّ الإنسان يتحول إزاءها من مبدع إلى متلقٍ، فهو ليس صانعاً للمعرفة، وليس مسهماً في إيجادها، وإنما هو متلقٍ سيكون على أحسن الأحوال واعياً لمعطياتها .

                 ونخلص من هذا إلى أنّ المعتزلة أصحاب نـزعة عقلية متميزة، فقد جعلوا العقل أداتهم في معالجة القضايا والظواهر، لأنه يمثل القوة القادرة على إرساء البناء الفكري، وبدونه لا يمكن إدراك الحقائق، كما أنه لا يمكنه أن يكشف عن القضايا إلا إذا بلغ درجة من النضج، وليس شرطاً تحقيق هذا بالوحي، لأنه ـ أي العقل ـ قادر بذاته، والقدرة تعني اشتماله على مجموعة من المعارف والعلوم الخاصة التي متى » صحت في المكلف صح منه النظر والاستـدلال والقيام بأداء ما كلف « [4] .

 

 (2)

          يرتكز الاعتزال على أصول خمسة هي بحسب أهميتها في الترتيب : التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنـزلة بين المنـزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فبـ«التوحيد« : يتحدد موقف المعتزلة من الله والعالم، وبـ » العدل « : يتحدد موقفهم من الإنسان وحريته، ويمثل التوحيد والعدل الركنين الأساسين اللذين تتفرع عنهما بقية الأصول، إذ ينطوي » الوعد والوعيد « : على موقف المعتزلة من مصير الإنسان، ويتحدد في » المنـزلة بين المنـزلتين « : موقف المعتزلة من النظرية الأخلاقية، في حين يحدد «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » : موقفهم من القضية السياسية .

                 ويعني » التوحيد « لدى المعتزلة تنـزيه الله سبحانه عن المماثلة والمشابهة لما سواه، فهو القديم الذي » لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفياً وإثباتاً على الحد الذي يستحقه[5]«، والتوحيد متعلق بالذات الإلهية وتنـزيهها، وقد قاد هذا إلى الحديث عن صفات الله، وقسمها المعتزلة إلى : صفات ذات، وصفات أفعال، أما الأولى : فإنّ الله لا يوصف بأضدادها، ولا بالقدرة على أضدادها، كالقدرة، والعلم، والحياة، والوجود ، ويجوز في الثانية : أن يوصف الله بأضدادها، وبالقدرة على أضدادها، ومنها الكلام، أي كلام الله، الذي تفرعت عنه قضية خلق القرآن الشهيرة.

 ويتصل التوحيد من زاوية أخرى بالإنسان وكيفية توحيده لله، إذ لا يصح أن يكون الإنسان موحدا إلا إذا علم بوحدانية الله، وما يستحق من صفات، ولابدّ له من الاعتقاد مع العلم والإقرار بذلك، لأن الإنسان « لو علم ولم يقرّ، أو أقر ّولم يعلم لم يكن موحداً »[6] .

                 وإذا كان التوحيد تنـزيه الله عن المماثلة والمشابهة لما سواه، فإنّ العدل تنـزيه الله عن الظلم، والظلم ـ كما يعرّفه القاضي عبد الجبار بن أحمد ـ » وضع الشي في غير موضعه « [7]، وفي ضوء مفهوم المخالفة فإنّ العدل يعني وضع الشيء في موضعه ، ويقود مفهوم العدل إلى أنّ أفعال الله كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه، أو أنّ العدل تنـزيهه ـ سبحانه ـ عن أمور ثلاثة :

    أولـهـا : القبائح أجمع .

    وثانيها : تنـزيهه عن أنْ لا يفعل ما يجب من ثواب وغيره .

    وثالثها : تنـزيهه عن التعبد بالقبيح وخلاف المصلحة وإثبات جميع أفعاله حكمة وعدلاً وصواباً [8] .

                 ويتصل مفهوم العدل من ناحية أخرى بالإنسان وحريته، لأن عدالة الله تقتضي أنّ الله لا يكلف الإنسان ما لا يطيقه، كما أنّ الإنسان حر في إرادته واختياره، وحر في قدرته على خلق أفعاله خيرها وشرها ، وإذا كان الإنسان يصنع أفعاله بإرادته جاز أنْ نصفها بالحسن والقبح، ويرى المعتزلة أنه يمكن بالعقل إدراك قبح الأشياء والظواهر والأعمال وحسنها، وأنّ الحسن والقبح يمثلان قيماً ذاتية كائنة في الأشياء والأفعال، ولهذا فهما بُعدان عقليان ثابتان، وليسا نسبيين يتغيران بتغير الأزمان والأذواق .

                 أما الوعد والوعيد فعلى الرغم من أنهما محكمان بمنطق العقل ومرتبطان بالفعل الإنساني فإنهما ينبئان عن مصير الإنسان في العالم الآخر، لأنّ الإنسان مكلف في هذه الحياة، فلابدّ له من حساب على أعماله هذه، وهذا يعني ارتباط أفعال الإنسان بالعدالة الإلهية من ناحية، وبالحرية الإنسانية من ناحية أخرى، ولذا فإنّ الوعد والوعيد مقترنان بوعي الإنسان بأنّ الله » وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب«[9] .

                 ولقد عُرفت المعتزلة بمقولتها الشهيرة » المنـزلة بين المنـزلتين « في حق مرتكب الكبيرة، وقد اختلفت الفرق الإسلامية في موقفها من مرتكب الكبيرة، فذهب بعضها إلى إيمانه، وذهب بعضها إلى كفره، غير أنّ المعتزلة توسطت في ذلك، وجعلت مرتكب الكبيرة فاسقاً، فهو في منـزلة بين منـزلتي الكفر والإيمان، أي أنه ليس مؤمناً، لأن المؤمن لا يرتكب الكبيرة، وإن ارتكبها تاب عنها، وهو ليس كافراً، لأنه موحدٌ مؤمن بالله، فهو فاسق، وأن أحكام المؤمن لا تجري عليه، وكـذلك أحـكام الكـافر، فله «اسـم بين الاسمين وحـكم بين الحكمين«[10] .

                 ويمثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أداة تغييرية يسعى المعتزلة إلى تمكينها في الواقع الاجتماعي لتقود إلى بعدين : أخلاقي وسياسي في آن واحد، ويستدل المعتزلة بالعقل لتحقيق هذا البعد، لأنه من الحسن العقلي أن يمنع المعتزلي فعل القبيح، كما يستعينون بالنقل من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية لتعضيد وجهة نظرهم، وقد قسّم المعتزلة المعروف إلى واجب ومندوب، أما المناكير فكلها من باب واحدة، ويجب النهي عنها، لأنّ »النهي إنما يجب لقبحها، والقبح ثابت في الجميع « [11] .

 

 ( 3 )

                 وقد عني المعتزلة بحرية الإنسان لكونها تؤكد أهمية العقل ودوره في اختيار الإنسان لأفعاله من ناحية، ولكونها تؤكد العدل الإلهي أحد أبرز أركان الأيديولوجية الاعتزالية من ناحية ثانية، وترتبط المسئولية بالحرية ارتباط المعلول بعلته، فإنْ انتفت الحرية انتفت المسئولية، إذ كيف يكلف الله سبحانه الإنسان وهو مجبر على أفعاله، وكيف يثيبه أو يعاقبه على فعل لم يرتكبه ؟ .

                 وقد حد المعتزلة الفعل بأنه » ما يحصل من قادر من الحوادث « [12] وتتأتى أهمية القدرة لتعني الإحداث والإيجاد، لأنّ كل ما يحدث من القادر يقال له فعله، ويقاس الغائب على الشاهد، فكما انّ الكتابة تحدث من الكاتب، ونقول إنها فعله، كذلك يقال عن الأجسام التي أحدثها الله إنها فعله .

                 والفعل بهذا المعنى لا يصح صدوره عن الإنسان كما لا يتم تحقيقه إلا بقدرة سابقة لوجود الفعل، والقدرة ـ كما يقول القاضي عبد الجبار بن أحمد ـ » معنى موجود في الجسم، يصح من العبد الفعل، والتصرف بها، ويمكن لأجله أن يتحرك بدلاً من أن يسكن، وأن يقوم بدلاً من أن يقعد، والله عز وجل ركبها في جسم العبد كي يطيع ولا يعصي « [13] فالقدرة في ضوء هذا كله تتسم بالخصائص الآتية :

    أنها من أفعال الله وقد ركبها في جسم الإنسان .

    تتميز القدرة بأنها أداة، شأنها شأن السيف، إذ يصلح السيف لقتل المؤمن، ويصلح للجهاد في سبيل الله، وتكمن وظيفة القدرة في إحداث الفعل، وإخراجه من العدم إلى الوجود ـ على حد تعبير القاضي عبد الجبار بن أحمد [14] ـ أو أنها صفة يتمكن بها الإنسان من الفعل أو الترك[15].

    لا يتم الفعل إلا بها، إذ يصح من الإنسان الفعل والتصرف بها، بحيث يمكن أن يتحرك وإن يسكن، وأن يقوم وأن يقعد .

    إنَّ القدرة تسبق الفعل، فهي متقدمة عليه، ولا تقع القدرة بوقوع الفعل، فالقدرة »متقدمة على مقدورها غير مقارنة له « [16] .

                 ونخلص من هذا إلى أنّ الله سبحانه أقدر البشر على خلق الأفعال، وهذه الأفعال على ضربين : ضرب يصدر عن الإنسان وتكون القدرة هي التي أحدثته، ولكنه خالٍ من قصد الإنسان وإرادته، لأنّ القادر قد يحدث الفعل لمجرد كونه قادراً، وهو ما يصدر عن الساهي والنائم، وهو ما أطلق عليه القاضي عبد الجبار بن أحمد بأنه » ما له صفة زائدة على حدوثه وصفة من جنسه « [17] أما الآخر فيقترن بقصد الإنسان وإرادته، أو هو » ما ليس له صفة زائدة على ذلك « [18] أو » أنه فعل العالم بما يفعله« [19] ، فالضرب الأول : يفتقر إلى القصد والإرادة، والثاني : يقترن بهما، إذن فهناك أفعال مقترنة بالإرادة، وأخرى مفتقرة إليها، وهي الأفعال اللاإرادية، والإنسان ليس مسئولاً عنها، لأنها لم تقع بحسب قصده ودواعيه، ولا تنتفي بحسب كراهته، وهي بخلاف الأفعال الإرادية التي تقع بحسب قصد الإنسان ودواعيه، أي أنها مقترنة بإرادته، وحين يؤكد القاضي عبد الجبار بن أحمد اتفاق أهل العدل على أنّ أفعال العباد من تصرفهم، فإنه يقصد أفعالهم الإرادية، وما يتولد عنها، وهي التي يصدق عليها أنه لا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأنّ الله أقدرهم عليها، أي أوجد القدرة فيهم لتمكينهم من خلق هذه الأفعال [20] .

                 إذن فالفعل الإرادي ـ في ضوء ما سلف ـ هو ما توافر فيه عنصران : أولهما : القدرة بكل خصائصها السالفة، وثانيهما : الإرادة التي تقتضي حدوث الفعل على هذا الوجه دون سواه [21]، كما أنها تمثل مَيلاً بالنفس باعتقاد النفع [22]، ومن هنا تتأتى الرغبة في إحداث الفعل أو العزم على تحقيقه، وينطوي هذا المعنى للإرادة على تفكير ومعرفة، لأنّ النفس الإنسانية لا تميل إلا بعد أنْ تعرف وتختار، بل إنّ الاختيار ـ عند القاضي عبـد الجبـار بن أحمد ـ إنما هـو إرادة بالنتيجة [23]، ولذلك جاء الحديث عن القصود والدواعي والكواره والصوارف لأنه بموجبها يقع الفعل أو يمتنع .

                 ويُحدث الإنسان الأفعال لأنها واقعة من جهته بحسب قصده ودواعيه وعلمه وقدرته، وأنه قد يُمدح عليها وقد يُذم، وأنّ هذه الأفعال لا يتحقق وجودها في الواقع إلا بأدوات وآلات، ولا يصح عقلاً أن توصف هذه الأفعال بأنها أفعال الله، لأنه يعيب عليه أنْ يكون ظالماً بمحاسبة الإنسان على فعل لم يفعله، كما أنّ أفعال الله لا تذم لأنها كلها حسنة لا قبح فيها، وأنّ الله لا يحتاج إلى واسطة لتحقيق أفعاله .

                 ويكمن الفرق بين الفعل الإلهي والفعل الإنساني في أنّ الإنسان يقصد إلى الفعل بإرادته وعلمه، ويتحقق وجود الفعل عبر قدرة الإنسان، فقيامه، وقعوده، وكلامه، وكتابته، كلها أفعال قصد الإنسان وقوعها وحدوثها، فهي مقترنة بإرادته هو ; أما الفعل الإلهي فهو ما يتعذر على الإنسان وقوعه بحسب قصد الإنسان ودواعيه، وليس الإنسان مسئولاً عن هذا الفعل، لأنه فعل الله، وإنما يكون الإنسان مسئولاً عن الفعل الإنساني الإرادي، وما يتولد عنه ، لأنه يكون قد أحدثه عن وعي ومعرفة وقصد، كما أن الإنسان ليس مسئولاً عن فعل لم يقصد إليه وإنْ نسب إليه، كفعل النائم والساهي .

                 وتمثل الكتابة والصياغة فعلين إنسانيين لأنهما مرتبطان بقدرة الإنسان وإرادته وعلمه، ويخضعان، شأنهما شأن الأفعال الإرادية الأخرى، لأحكام الحسن والقبح » لأن الفعل المقصود يجب كونه قبيحاً أو حسناً«[24] أما الفعل الذي يصدر عن القادر دون قصد ووعي منه، فهو ليس مسئولاً عنه، ومن ثم، فإنّ أحكام الحسن والقبح ليست منطبقة عليه

                 ان الفعل الإنساني لا يتحقق إذن إلا إذا كان الإنسان قادراً ومريداً، وتقترن بالإرادة المعرفة والعلم، غير أنّ بُعدي القدرة والإرادة ليسا منفصلين عن العقل، لأن الإرادة في أثناء ترددها بين الأفكار المتغايرة إنما تميل نحو أحدها مسترشدة بالعقل، ومن هنا يتدخل العقل في أخطر عمليات إحداث الفعل، وهو تأثيره في إرادة الإنسان، هذا من جهة إحداث الفعل، أما من جهة الحكم عليه فإنّ الفعل يخضع بالنتيجة لحكم أخلاقي عقلي، وهو كونه حسناً أو قبيحاً، والحكم يرتكز على مقومات عقلية، ولذا فإنّ الحسن ليس قيمة مفروضة على الفعل بوحي أو تشريع، وكذلك القبح، وإنما الحسن ـ على خلاف الأشاعرة ـ كائن في الفعل ذاته، بمعنى أن الحسن والقبح يمثلان قيمتين موجودتين في الأفعال ذاتها .

 

 ( 4 )

                 وقد اختلفت الفرق الإسلامية في أصل نشأة اللغة بين الوقف والاصطلاح، وذهب المعتزلة إلى الاصطلاح، ليرتبط هذا ببعدين : أحدهما : يتصل بالتوحيد، لأنّ المعتزلة تسعى إلى تنـزيه الله سبحانه عن المماثلة، فاعتبرت الكلام واحداً من صفات الأفعال عند الله، وهذا يقود إلى أنّ كلام الله محدث، كي يقرروا أنّ القرآن الكريم مخلوق وليس قديماً، وثانيهما : يتصل بتكليف الإنسان، لأنّ الخطاب والتكليف لا يصحان من الله ـ سبحانه ـ إلا بعد أنْ يتواضع البشر على اللغات، ولذا أكد القاضي عبد الجبار بن أحمد[25] ضرورة أنْ يتواضع أهل العقول على لغة حتى يفهموا عن الله ما يخاطبهم به، أي أن أبرز غاية وأظهرها للتواضع على اللغات هي القدرة على تلقي الشرائع .

                 وقد جاء الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة حول الآية القرآنية الكريمة » وعلّمَ آدمَ الأسماءَ كلّها«[26] فذهب الأشاعرة إلى الوحي والإلهام، أي إلى توقيفية اللغة، وذهب المعتزلة إلى الوضع والاصطلاح، لأنهم يرون أن المراد من الآية الكريمة أن الله سبحانه » علمه ـ أي علم آدم ـ ما تقدمت المواضعة عليه « [27]، بمعنى أن آدم قد عرف لغة تواضع عليها، سواء بينه وبين حواء، أو بينه وبين الملائكة، ويجزم القاضي عبد الجبار بأن ظاهر الآية يدل على أنّ تعليم آدم الأسماء على ما تقدمت المواضعة عليه لأنّ »الاسم إنما يُسمى اسما للمسمى بالقصد « [28]، وهذا يعني أن الاسم يتعلق بمسماه، وهذا التعلق بمنـزلة الإخبار عن الشيء والعلم به والدلالة عليه لأنّ » معاني الأسماء ثابتة لا تتغير باختلاف الأسماء واللغات» [29]ولذلك فإنّ معاني المسميات ثابتة لا ينتابها التغير، بينما تخضع المسميات للتطور اللغوي، في سياق اللغة الواحدة، وفي سياق اللغات المختلفة، ومن هنا يصح القول إنّ اللغات يصح لها التغير بحسب الأغراض والدواعي، ولما كانت المقاصد والأغراض والدواعي تتفاوت وتتغاير فإنها قد دفعت إلى تسمية المسمى بالاسم بحسبها وبحسب ما تواضع عليها الإنسان، ومن هنا جاء اختلاف المقاصد في الأسماء وتبعه اختلاف مسمياتها بحسب اللغات [30] .

                 إنّ المعتزلة عمدوا في جانب من دراستهم اللغة إلى التأويل في تحليل النصوص وتفسيرها، فهم يرون أنّ المواضعة تقتضي الإشارة إلى الأشياء، لأنه بالإشارة نعلم أنه «قصد الاسم المسمى المخصوص[31]« ليعني هذا إرجاع المواضعة للإنسان، وأنّ تبليغ الرسالة السماوية إنما يتم في اللغة نفسها التي تواضع عليها الناس، لأنّ الله لا يجوز عليه أنْ يواضع أحداً من عباده، ولأنّ طبيعة المواضعة بما فيها من إشارة للأشياء، وإيماء لها بالجارحة، لا يصح إطلاقها عليه سبحانه، ولذلك يبطل أن تتم المواضعة بين الله وعباده، من أجل تنـزيه الله سبحانه عن التجسيم والتشبيه [32] .

                 أما كيفية المواضعة فهي لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد أنْ يواضع رجل آخر على جعل كلمة مخصوصة اسماً لمسمى، ومتى ما أطلقت هذه الكلمة فإنها تدل على المسمى، ولا يمتنع معرفة هذا الوضع لغيرها، ليصير لغة للجماعة، ولذلك يقال : » في اللغة العربية إنها لغة لسائر من تحدث إذا اتبع من تقدم في المواضعة « [33] .

                 وإذا كان القاضي عبد الجبار بن أحمد يقلل من أهمية البعد الاجتماعي في نشأة اللغة فإنّ ابن جني يعطيه أهمية خاصة إذ يرى أنّ الحاجة الاجتماعية وضرورة الإبانة عن الأشياء هما اللذان يدفعان إلى التواضع، ولذلك فإنّ نشأة اللغة تتم بأن » يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعداً، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء والمعلومات فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظاً إذا ذكر عرف به ما سماه « [34] .

                 وبقي ابن جني رغم اعتزاليته متردداً بين الوقف والاصطلاح، على الرغم من أنه يؤكد أنّ أكثر أهل النظر تذهب إلى الاصطلاح ، وحين ينقل عن أستاذه أبي علي الفارسي قوله بالتوقيف ينقل عنه في الوقت نفسه أنه قال في الآية القرآنية الكريمة »وعلّمَ آدمَ الأسماءَ كلّها « على أنّ آدم قد واضع عليها ـ أي اللغة ـ كما أنّ لابن جني رأياً آخر في أصل اللغة وهو محاكاتها لأصوات المسموعات كدوي الريح وخرير الماء، ويرى أنّ هذا هو الأصل ومنه تولدت اللغات، ويصف المحاكاة بأنها » وجه صالح ومذهب متقبل«[35] .

                 ولقد شغلت المعتزلة قضية المواضعة في اللغة لاتصالها بجذر عقائدي يحاول إرساء مفهوم »خلق القرآن «، وكون كلام الله محدثاً وليس قديماً، غير أنّ هذا لم يشغلهم ـ تماماً ـ عن تحديد طبيعة اللغة، فهي لدى ابن جني » أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم « [36] حيث أرسى ابن جني ـ هنا ـ طبيعة اللغة الرمزية المعتمدة على الأصوات اللغوية، ويمثل هذا الجانب المادي من اللغة، ويشتمل على الدلالات والمعاني، لتكون وظيفة اللغة توصيل الأفكار بين الإنسان والآخرين، وبهذا يُلمح ابن جني إلى الطبيعة الاجتماعية للغة .

                 وقد تمكن المعتزلة من التلميح إلى الطبيعة الرمزية للغة، والى إشاريتها، وهم بهذا يقتربون من أظهر التصورات الحديثة التي تجعل من اللغة نظاما من الرموز والإشارات، وتتم دراسة اللغة تحت علم يطلق عليه السيمولوجيا Semeiology « علم الرموز » وهو أحد العلوم التي استخدمت لتدل على اللغة وغيرها من الأنظمة الرمزية والإشارية [37] .

                 وإذا كان المعتزلة قد ألمحوا إلى الجانب الإشاري من اللغة فإنهم لم يستطيعوا أن يميزوا بين اللغة Langue والكلام Parole على النحو الذي نراه لدى دي سوسير الذي يرى أنّ اللغة تمثل نظاماً اجتماعياً يرتكز على رموز صوتية تشتمل على دلالات ومعان اتفق عليها المجتمع، أما الكلام فانه يمثل الاستخدام الفردي لهذا النظام [38]، فالكلام لدى ابن جني يدل على اللفظ المستقل بنفسه، ويتميز بكونه مفيداً لمعناه، ولكن ابن جني يذهب إلى المقارنة بين الكلام والقول ويلتقي فيه الأخير مرة مع الكلام، ويفترق عنه مرة أخرى، لأنّ القول كل لفظ نطق به اللسان، فيلتقي بالكلام إذا كان القول تاماً، ويفترق عنه إنْ كان ناقصاً [39]، وعلى الرغم من عناية ابن جني بالحدود النحوية لمفهومي » الكلام « و» القول« فإنه يحاول ربطهما بتجليات واضحة من المفاهيم الاعتزالية، ليشير إلى فروق دلالية بينهما، لأنّ الكلام له دلالة أشمل وأدق وأعمق من القول، ولذلك قلنا » كلام الله « ولم نقل » قول الله « .

                 ويتحدد الكلام لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد بأنه » ما حصل فيه نظـام مخـصـوص من هـذه الحـروف المعقولة، حصـل في حرفين أو حروف « [40]، وبهذا يتداخل في هذا التحديد مفهوما الكلام واللغة على النحو الذي أرساه دي سوسير، إذ يؤكد هذا الحد في أحد جوانبه الطبيعة الرمزية للغة، ويشتمل على الاستخدام الفردي لها ضمناً ، فالكلام لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد لابد أنْ يتوافر فيه عنصران :

أولهما : الحروف المعقولة، وهو يعني بها الأصوات المشتملة على الدلالات إذا تركبت مع غيرها، لأنّ الحرف وحده لايعدو كونه صوتاً لا دلالة له، شأنه شأن الأصوات الأخرى كصرير الباب مثلا .

ثانيهما : النظام الخاص لهذه الحروف، لأنه بهذا النظام تتألف الكلمة، ويتداخل ـ هنا ـ النظام بطبيعة الأصوات، لأنّ الحروف لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد إنما هي « أصوات مقطعة » ولأن الكلام « لا يكون حروفا منظومة دون ذكر الأصوات» [41].

                 وإذا كان التحديد السالف يشير في بعض جوانبه إلى اللغة فإنّ القاضي عبد الجبار بن أحمد قد أكد في مكان آخر أنْ الكلام » هو الصـوت الواقع على بعض الوجوه « [42]، ليدل هذا على اللغة والكلام في آن واحد، ودلالته على اللغة تكمن في الإشارة إلى النظام الرمزي، كما أنه يشتمل على الاستخدام الفردي لهذا النظام، لأنّ وقوع الصوت على وجه، أو بعض الوجوه، معناه تدخل الإرادة الإنسانية في إحداث الكلام، ومن هنا يتأتى الجانب الفردي للكلام.

           ويمثل الكلام من ناحية أخرى بعداً إشارياً صوتياً يغاير الكتابة بوصفها » أمارة للكلام «[43]، وهي ـ الكتابة ـ نظام إشاري حسي مرئي، يمكننا القول إنها تنطوي على أبعاد مكانية، في حين يمثل الكلام أبعاداً زمانية تتتابع فيها الأصوات وتتضام إلى بعض لتقود إلى الدلالات التي يقصدها المتكلم، أما الكتابة فإنها تمثل بعداً مكانياً تكون حاسة البصر أداة الإنسان في إدراكه ، وهذا يعني أنّ اللغة أمر آخر غير الكتابة، لأن اللغة نظام يعبر عنه بالرموز الصوتية، في حين تمثل الكتابة الصورة الإشارية لهذا النظام الرمزي[44]،

                 ويرفض المعتزلة أن يكون الكلام معنى في النفس، رافضين بهذا مفهوم الكلام النفسي عند الأشاعرة، لأن الكلام يمثل ظاهرة مادية محدثة لا يصح وجودها إلا بعد حدوثها، أما ما يوجد في النفس فليس كلاماً، وإنما هو العلم بكيفية الكلام، إذ تنطوي النفس على فكر فيه القصد على إيجاد الكلام وإحداثه[45].

                 إن مادة الكلام هي الألفاظ التي تواضع الناس عليها في اللغة، ولذلك كان القرآن الكريم من »جنس الكلام المعقول من الشاهد، وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة « [46] وهذا يعني أن القرآن الكريم قد صيغ من المفردات التي تواضع الناس عليها، والتي يستخدمونها في تعاملهم اليومي وفي نقل أفكارهم، ويدل هذا من ناحية ثانية على أنّ القرآن الكريم مخلوق محدث، » لم يكن ثم كان، وأنه غير الله عز وجل، وأنه أحدثه بحسب مصالح العباد، وهو قادر على أمثاله « [47] ، ويلتقي ـ من هذه الناحية ـ النص القرآني مع النصوص الأدبية الأخرى، في أنّ كليهما من المادة اللغوية ذاتها، وصيغا بطرائق مخصوصة من هذه المادة، وأن كلاً منهما مخلوق محدث، كان بعد أن لم يكن، ويفترق النص القرآني عن غيره من النصوص بأنه معجز في إبداعه، وليس النص الأدبي كذلك .

                 ونخلص من هذا كله إلى أنّ كلام الله صفة من صفات الفعل، وصفات الفعل هي التي يجوز أن يوصف الله بأضدادها وبالقدرة على أضدادها، ليتوصل المعتزلة من هذا إلى خلق القرآن الكريم، أما الكلام الإنساني فهو فعل من الأفعال الإرادية المحكمة التي يشترط المعتزلة فيها القدرة والإرادة والعلم بكيفية حدوثها، ويوصف الإنسان بأنه متكلم اذا أحدث الكلام بحسب قصده وإرادته ودواعيه .

                 ويوصف الكلام الإنساني ـ في ضوء ما سلف ـ بالحسن والقبح، ويفتش الإنسان عن حسنه وقبحه في الفعل الإنساني ذاته ـ أي الكلام ـ ومن الطبيعي أن يشتمل الكلام ـ حديثاً أو نصاً أدبياً ـ على جوانب الحسن والقبح شأن الأفعال الإرادية الأخرى، في حين لا يوصف الفعل الإلهي إلا بالحسن، ولذلك فالقرآن الكريم كله حسن، لأنه كلام الله وفعله، شأنه شأن كل أفعال الله لا قبح فيه البتة .

الفصل الأول

المقياس اللغوي

 

 جماليات النظام الصوتي :

 

 (1)

                 إنّ الحديث عن الكلام لدى نقاد المعتزلة في القرن الرابع الهجري يقترب من حديث دي سوسير عن اللغة [48] ولذلك فاللغة ـ في ضوء هذا التمايز ـ تتحدد أساسا بأنها أصوات، وهذا يؤكد بعدها الرمزي المنطوق، وهو ينطوي بطبيعته على دلالة ما ، ولذلك ألفينا القاضي الجرجاني في الوساطة [49] يؤكد بعدها السمعي لا البصري، وعلى أنّ محلها من الأسماع محل النواظر من الأبصار، ليخلص من هذا إلى خصائص إيقاعية كائنة في الكلمات، فمنها ـ أي الكلمات ـ المحكم الوثيق، والجزل القوي، والمنمق الموشح .

                 ونلحظ تمايزاً جديراً بالتنويه لدى القاضي عبد الجبار بن أحمد الذي يميز بين الكلام والصوت، لأن الصوت ـ لديه ـ قد يدل على ترميز له دلالة لغوية أو لا يدل أصلاً، لكون الإنسان قادراً على إحداث العديد من الأصوات، وليست لها أدنى علاقة باللغة لافتقارها إلى دلالات متواضع عليها، ولأن » الصوت ـ الرمز « يقتضي وعيا لطبيعة تأديته، وطبيعة وظيفته، ويقتضي، أيضاً، وعياً لكيفية استخدام جهاز النطق، أو على حد تعبير القاضي عبد الجبار بن أحمد » بأن الكلام يحتاج إلى العلم بتصريف الآلة التي هي اللسان وغيرها على بعض الوجوه « [50]   .

                 ويتجاوز القاضي عبد الجبار بن أحمد ذلك إلى ضرورة التمايز بين الأصوات اللغوية ذاتها، وتعقّل هذا التمايز، ليتمكن الإنسان من المفارقة بين المتصل منها ببعض أو الممتنع، ومن هنا استخدم القاضي عبد الجبار بن أحمد مصطلح » الحروف المنظومة على وجه مخصوص « بدلا من مصطلح » التأليف « الذي يؤثره ابن جنّي والرماني، ولذلك فإن الحروف ـ لدى القاضي عبد الجبار ـ تترتب في الحدوث على وجه وتتصل لتدل على معنى معين [51]، وهذا يتضمن بذاته حدوث الحروف زمانياً كي تتماثل مع الموسيقى بوصفها فناً زمانياً، غير أنّ القاضي عبد الجبار بن أحمد يُميز بين الرموز اللغوية المنظومة والرموز المكتوبة، لأن المنظومة لديه هي  »الصوت الواقع على وجه « معين من الدلالة، أي أنّ إرادة القصد ـ هنا ـ هي التي تحدد وجهته إلى هذه الناحية أو تلك، أما الكتابة فلا تعدو أن تكون » أمارة للكلام «[52]، وهذا يعني أنّ الأصوات إنما هي رموز للدلالات الكائنة في الذهن، أو رموز للأشياء الكائنة في الواقع الخارجي، فهي رموز للتصورات والأشياء، في حين تكون الكتابة رمزاً للرمز، لأنها » أمارة « للرمز أو للصوت المنطوق، ويقترب هذا التصور إلى حد ما من تصور بلومفيلد الذي يرى أنّ الكتابة ليست اللغة، وإنما هي الشكل الإشاري للأصوات[53].

                 ويتداخل لدى ابن جنّي مفهوم الصوت بالحرف، فالصوت لديه » عرض يخرج مع النفس مستطيلا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداداته واستطالته، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفا « [54] فالحرف هو الصوت الذي يحدث من جراء المقاطع التي تعترض الصوت الصادر من الإنسان، فيوجهها هذه الناحية لا تلك ويكتسب صفة بحسب » المقاطع « ـ أي مخارج الحروف ـ ولذلك فإنّ أجراس الحروف تختلف باختلاف مقاطعها .

                 ويُحدث جهاز النطق الأصوات، وهو يشبه إلى حد ما آلتين موسيقيتين هما : الناي والعود، فالصوت يخرج من الناي مستطيلاً أملس ساذجاً ليشبه هذا الألف إنْ لم يعترضها مقطع، ولكن إذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة، وراوح بين أنامله اختلفت الأصوات، وكذا العود، فإذا ضرب وتره وهو مرسل سيكون له صوت يختلف فيما لو حصرت آخر الوتر، والصوت الذي يؤديه الوتر من غير حصر يكون أملس مهتزاً، ويختلف باختلاف الوتر وصلابته، وضعفه ورخاوته، فهو ـ والحالة هذه ـ يشبه جهاز النطق الإنساني، فجريان الصوت غفلاً يشبه صوت الألف الساكنة وما يعترضه من الضغط والحصر يشبه ما يعرض للصوت في مخارج الحروف، وأخيراً فإن هذه المماثلة لدى ابن جنّي مقصودة لأنه يرى أنّ » علم الأصوات له تعلق ومشاركة لما فيه من صفة الأصوات والنغم « [55] .

                 إنّ الحرف ـ لدى ابن جنّي ـ يمثل أصغر وحدة صوتية تتكون الكلمة من تأليفها جنب بعضها، ومن الجدير بالإشارة أنْ أنبّه إلى أنّ ابن جنّي حين حدد مخارج الحروف وحدد صفاتها كان معتمداً على سيبويه اعتماداً كلياً، واعتمد عليه أيضا في الحديث عن وحدات صوتية أخرى، وهي لديهما على نمطين : الأول : الحروف الفرعية المستحسنة، والثاني : الحروف الفرعية المستقبحة، ولا يهمنا كثيراً طبيعة هذه الحروف قدرَ عنايتنا بتحديد هذه الحروف في إطارين، الأول : كون هذه الحروف فرعية، بمعنى أنّ وجودها متصل بوجود الأصول، أو كما قال سيبويه » أصلها من التسعة والعشرين« [56] حرفاً ولذلك فإن وصفها يتأتى بالقياس إلى الحروف الأصلية، فالشين التي كالجيم، وهي من الحروف المستحسنة تتحدد بأنها شين تشبه الجيم، وهذا يعني أنه وصفها بالقياس إلى ما هو كائن من الأصول، أما الثاني : فإن ابن جنّي ـ وقبله سيبويه ـ يريان أنّ الحروف المستحسنة على الرغم من أنها فروع فإنها « حسنة يؤخذ بها في القرآن »[57] وهي تختلف عن الحروف المستقبحة التي لا يؤخذ بها في القرآن والشعر، وهذا يدل على أنّ هذه الوحدات الصوتية ليست جديدة بحيث تُغيّر من دلالة الكلمة، ولكنها وحدات صوتية تنطق بطرائق متعددة لا تغير كثيراً من أصل تأليفها .

                 إنّ الوحدات الصوتية الفرعية بعضها مرذول لا يصح استخدامه في القرآن الكريم وفي الشعر، ويرجع السبب في ذلك إلى أمرين : أحدهما : يتصل بقضية الأصل والفرع وطبيعته القياسية، وكلما ابتعد الفرع عن الأصل فقد جانبا من أهميته وقيمته، وقد شغلت الطبيعة القياسية التفكير الاعتزالي كثيراً، وثانيهما : تأثري يعتمد فيه ابن جنّي على الحس والذوق في قبول هذه الوحدات الصوتية أو رفـضها .

                 إنّ الوصف السالف للحروف إنما هو وصف تجريدي ينتزعها من سياقاتها، وكأنّ كل حرف وحدة مستقلة غير متأثرة بما يجاورها، والحق إنّ هذه الوحدات الصوتية لا تتسم بهذه الصفة والاستقلالية المجردة في اللغة، لأنها متألفة في سياقات صوتية أخرى، وتتركب الكلمات من السياقات الصوتية للوحدات الصوتية، وبخاصة أنّ الصوت لدى ابن جنّي يمثل أصغر وحدة يتم من تأليفها جنب بعضها تكوين الكلمة، ولذا فإنَّ الصفات التي تتميز بها الأصوات وهي مستقلة تختلف ـ ولو جزئيا ـ عن صفاتها وهي في سياقات الكلمة والجملة، لأنها تقع تحت تأثير المجاورة وتحدث بسببها ظواهر عديدة، وقد تنبه إلى هذه الظاهرة ابن جنّي [58] لأنه يرى فرقاً يتمايز فيه الحرف في حالة كونه ساكناً عن حالة إدراجه، ولذا فإن الحرف الساكن ليست حاله إذا أدرجته إلى ما بعده كحاله لو وقفت عليه، بل يرى ابن جنّي أنّ هناك صويتاً يلحق بعض الحروف إذا وقفت عليها، ويختفي هذا الصويت أو يضعف إذا أدرجت الحديث دون الوقوف، ويضرب لذلك مثلا بـ » أحْ « و » يحرد« .

وللحرف العربي خصائص ذاتية عني بها الدارسون، فعمدوا إلى وصفها وتحديد صفاتها ومخارجها ونوعية صفاتها، وكانت الدراسة تتجه في الغالب إلى وصف مستقل عن السياقات، ولذلك قسم ابن جني الحروف إلى ضربين « ضرب خفيف وضرب ثقيل وتختلف أحوال الخفيف منهما فيكون بعضه أخف من بعض وتختلف أيضا أحوال الثقيل منهما فيكون بعضه أثقل من بعض وفي الجملة فأخف الحروف عندهم وأقلها كلفة عليهم الحروف التي زادوها على أصول كلامهم وتلك الحروف العشرة المسماة حروف الزيادة وهي الألف والياء والواو والهمزة والميم والنون والتاء والهاء والسين واللام » [59].

          ولا تخلو الحروف من علاقات في أثناء انتظامها في كلمة واحدة أو في سياق تركيبي، إذ تتأثر العلاقات الصوتية والدلالية بحسب طبيعة الانتظام الذي تشكله الحروف المنتظمة في السياقات، بمعنى أنَّ انتظام الحرف مع الحرف الذي يسبقه أو يعقبه يشكل انساقا إيقاعية متميزة، كما أن طبيعة حركة الحروف تسهم هي الأخرى في تأدية مؤثرات دلالية وإيقاعية معينة .

ويقسم ابن جني تضام الحروف إلى : ممتنع، وثقيل، وحسن، فإذا تقاربت مخارج الحروف امتنع تضام الحروف إلى بعضها، مثل : سص، وظث، وجق، ويرجع الامتناع إلى بعدين : ذوقي جمالي يكمن في « نفور الحس » واستثقال النطق بها، بسبب « المشقة على النفس لتكلفه » [60]، أما الانتظام الثقيل فيبدو في ائتلاف حروف الحلق مع بعضها، ويتأتى ذلك بسبب تقارب مخارجها، فإن « جمع بين أثنين منها قدم الأقوى على الأضعف نحو أهل وأحد وأخ وعهد ... أنهم إنما يقدمون الأقوى من المتقاربين من قبل أن جمع المتقاربين يثقل على النفس فلما اعتزموا النطق بهما قدموا أقواهما لأمرين أحدهما أن رتبة الأقوى أبدا أسبق وأعلى والآخر أنهم إنما يقدمون الأثقل ويؤخرون الأخف من قبل أن المتكلم في أول نطقه أقوى نفسا وأظهر نشاطا فقدم أثقل الحرفين وهو على أجمل الحالين» [61] .

ويرى ابن جني ان للحروف خصائص ذاتية تتميز بها وتتفاوت في التأثير في دلالاتها، ولذلك لاحظ أن الألفاظ تتقابل مع ما يتشاكل مع أصواتها من الأحداث، ويضرب لذلك أمثلة عديدة، ويقدم تفسيرات صوتية تدعمها مبررات عقلية، فهو يمايز بين الفعلين « خضم وقضم » فالأول لأكل الرطب كالبطيخ والقثاء، والثاني للصلب اليابس، نحو قضمت الدابة شعيرها، ويعلل ذلك أن اختيار « الخاء لرخاوتها للرطب والقاف لصلابتها لليابس حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث » [62]ويعزز قوله بأثر مفاده ان الخضم قد يدرك بالقضم، أي « قد يدرك الرخاء بالشدة واللين بالشظف»[63].

ويمايز بين النضح والنضخ، لأن « النضح للماء ونحوه والنضخ أقوى من النضح قال الله سبحانه فيهما عينان نضاختان فجعلوا الحاء لرقتها للماء الضعيف والخاء لغلظها لما هو أقوى منه » [64]وكذلك «الوسيلة والوصيلة » لأن « الصاد أقوى صوتا من السين لما فيها من الاستعلاء والوصيلة أقوى معنى من الوسيلة...فجعلوا الصاد لقوتها للمعنى الأقوى والسين لضعفها للمعنى الأضعف » [65]ومثله « سعد وصعد » « الصاد لقوتها مع ما يشاهد من الأفعال المعالجة المتجشمة وجعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس وإن لم تره العين والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية » [66]ومثله أيضا « سد وصد » لأن السد «سد وصد فالسد دون الصد لأن السد للباب يسد ... والصد جانب الجبل والوادي والشعب وهذا أقوى من السد ... فجعلوا الصاد لقوتها للأقوى والسين لضعفها للأضعف »[67].

ويرى ابن جني أن « العرب تًقارِب بين الألفاظ والمعاني إذا كانت عليها أدلة، وبها محيطة »[68] ولذلك فإن بعض الحروف المتقاربة في الصوت أو المخرج تبدو متقاربة في المعنى أيضاً فالفعل : «نَحَتَ يَنْحِتُ » يقترب في دلالته من الفعل : «نَحِطَ يَنْحِطُ »، لاقتراب صوت التاء من الطاء، « فكأن ذلك الضغط الذي يصحب الصوت ينال من آلة النفس، ويحتُّها ويسفِنُها فتكون كالنحت لما يًنحَت لأنه تحيُّفٌ له وأخْذٌ منه»[69]، ولم يقتصر الأمر على ذلك فإن أصوات بعض الحروف تؤثر بشكل فاعل في دلالة الكلمة، وتهيمن على حروف الكلمة الأخرى، ومن ذلك حروف الصفير ـ السين والزاي والصاد ـ التي تتضمن دلالة تكاد تكون واحدة حين تكون في مكان واحد من الفعل، فالأفعال « عسر وعصر وعزر» تكاد تكون دلالتها واحدة، لأن أحرف الصفير كانت « عين » هذه الأفعال  « فالعصر : شدة تلحق المعصور، والعَسَر شدة الخُلُق، والتعزير للضرب، وذلك شدة لا محالة، فالشدة جامعة للأحرف الثلاثة » [70]، وتجاوز ابن جني إلى حد، إقامة علاقة بين أصوات الحروف ودلالاتها على الرغم من تغير مواقعها في الكلمة، مما أطلق عليه الاشتقاق الأكبر، وهو: « أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية، فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداُ تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه »[71] ويضرب مثلا لذلك بالجذر قول، ويرى أن « إن معنى قول أين وجدت وكيف وقعت من تقدم بعض حروفها على بعض وتأخره عنه إنما هو للخفوف والحركة » [72]، ويعمد ابن جني إلى تأويل ما ينبو تقليب معناه بلطف الصنعة والتأويل [73].

ويعقد ابن جني علاقة بين حروف المد ودلالاتها الحسية، ويتأسس تصوره هذا على العلاقات نفسها التي أشادها في قوة الحرف وضعفه، والجهد العضلي الذي يبذله المتكلم، مؤكداً النـزعة العقلية التي يصدر عنها، فالواو أقرب إلى حاسة منه إلى حاسة أخرى،لقوته التي تناسب شدة اقتراب الفاعل، ويعقد مقارنة بين الفعلين  « حلا يحلو » و« حلى يحلي » فالأول يطلق على حاسة الذوق، لأنك تقول « حلا الشيء في فمي يحلو» والثاني أنسب إلى حاسة البصر، لأن الياء والألف خفيفتان وضعيفتان، و«حصة الناظر أضعف من حس الذوق بالفم » [74]، وما قيل عن أصوات الحروف وعلاقتها بالمعنى يقال أيضاً عن أصوات الحركات، التي تتسم بالقوة والضعف، فيما يرى ابن جني، فالضمة تدل على القوة، والكسرة تدل على الضعف، ولذلك أطلق العرب « الذِّل » بكسر الذال على الدابة، وهو ضد الصعوبة، كما أطلقوا « الذُّل » بضم الذال على الإنسان وهو ضد العزّ، ليفصلوا بين المعنيين، « لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدراً مما يلحق الدابة، واختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة »[75]، وكما تدل الحركات عند ابن جني على المعنى قوة وضعفاً، تدل عليه كثرة وقلة، ولذلك لاحظ فرقاً واضحاً في الدلالة بين العبارتين :

                   جُمام المكوك دقيقاً - بضم الجيم

                   جِمام القدح مـاءً - بكسر الجيم

 « لأن الماء لا يصح أن يعلو على رأس القدح، كما يعلو الدقيق ونحوه على رأس المكوك، فجعلوا الضمة لقوتها فيما يكثر حجمه، والكسرة لضعفها فيما يقل بل يُعدم ارتفاعه »[76]، وقد ارتبطت أصوات بعض الحروف بالدلالة على القلة والكثرة، فقد فرّق بين دلالة صوتي الضاد والصاد في كلمتي : « قَبضة، وقُبصة  »، ورأى أن : «قَبضة » تدل على الكثرة، لتفشي حرف الضاد واستطالة مخرجه، أما كلمة : « قُبصة » فهي تدل على القلة، وذلك لصفاء حرف الصاد، وانحصار مخرجه وضيق محله .

          كما أن بنية الكلمة تخضع هي الأخرى لقانون الاستثقال، ويرى ابن جني أن أعدل الأصول هو الثلاثي، « حرف يبتدأ به وحرف يحشى به وحروف يوقف عليه » [77] ويتجاوز المتكلم الاستثقال، ولذلك فإن ياء ميزان وميعاد « انقلبت عن واو ساكنة لثقل الواو الساكنة بعد الكسرة وهذا أمر لا لبس في معرفته ولا شك في قوة الكلفة في النطق به وكذلك قلب الياء في موسر وموقن واواً لسكونها وانضمام ما قبلها ولا توقف في ثقل الياء الساكنة بعد الضمة »[78].

وتنطبق القاعدة على الوحدات الصوتية في حال انتظامها، كما ينطبق على الوحدات التركيبية في أثناء انتظامها، أيضا، مما له أكبر الأثر في تحديد الفاعلية والمفعولية، ـ مثلا ـ فالعرب رفعت الفاعل لقلته، ونصبوا المفعول لكثرته « أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد وقد يكون له مفعولات كثيرة فرفع الفاعل لقلته ونصب المفعول لكثرته وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر في كلامهم » [79].

 

 (2)

           وعلى الرغم من أنّ هناك قوانين تفسر الظواهر اللغوية المتعددة فإننا لسنا في سياق العناية ببعض القوانين الصوتية التي فصلها علماء الأصوات قدر عنايتنا بما له من تأثير في الكشف عن جماليات النص الشعري ، وفي هذا الصدد نلمح لابن جنّي تأكيده ظواهر معينة يمكنها أن تتحول إلى قاعدة أو قانون، بحيث يمكنه الإسهام في تفسير التغيرات الصوتية والكشف عن جمالياتها أيضاً، ومن هذه الظواهر ظاهرة » الاستثقال « أي ثقل الوحدة الصوتية في نطقها بذاتها ومستقلة عن سياقها، أومقترنة بالسياق، ومن الطبيعي أن تكون هذه الوحدة الصوتية ثقيلة أيضاً في أثناء تركيبها في سياق، ولم يكن ابن جنّي مقتصراً على الحروف وحدها، بل تجاوزها إلى الحركات التي تمثل مستويات متعددة من الخفة والثقل، لتكون الضمة أكثر هذه الوحدات الصوتية ثقلاً .

                 ويُعني ابن جنّي بما للاستثقال من أثر في تأليف الوحدات الصوتية أساساً في اللغة فضلاً عن تأليفها في الشعر، ويُفسر أسباب إهمال بعض الأصوات في اللغة العربية لأن«أكثره متروك للاستثقال « وهو يرجع إلى قرب مخارج الوحدات الصوتية التي منها هذه الأصوات، ويعزو ابن جنّي ذلك إلى نفور الحس عنه والمشقة على النفس لتكلفه [80]، ليخضع حكمه إلى بعدين تأثري وعقلي في آن واحد .

                 ويرتكز تفكير ابن جنّي في أحد جوانبه على ربط القضايا في ضوء أصولها وفروعها وأعدل الأصوات وأخفها، ليتجاوب مع مزيد من الإحكام العقلي مع تصورات المعتزلة التي تسعى إلى مزيد من التدقيق العقلي، واعتماد ألوان من القياس في إحكام الظاهرة مهما كانت، ولذلك لاحظنا أنّ ابن جنّي يتحدث عما كان الأصل فيه خمسة أحرف، إذ يرى أنّ العرب اجتنبت تبليغه بالزيادة إلى سبعة، ويذهب في تعليل ذلك إلى استثقال النطق بالأصول الخمسة، ولكنه من ناحية أخرى تسيطر عليه النـزعة القياسية فيتحدث عن » أعدل الأصول وأخفها « وهو الثلاثي، ولهذا فإنّ ما كان الأصل فيه خمسة، على الرغم من كونها أصولاً، فهي بعيدة عن » أعدل الأصول « ـ أي الثلاثي ـ ولذلك ثقلت الكلمة ومن ثم تقل كميتها في اللغة، ولهذا السبب يقل استخدامها أيضاً، والزيادة على هذه الأصول يزيدها ـ دون شك ـ ثقلاً، ولذلك فإنّ العرب ـ فيما يرى ابن جنّي ـ لم يجمعوا على هذه الكلمة ثقلين : ثقل الأصل الخماسي وثقل الزيادة بحرفين ليصير سباعيا[81] .

                 إنّ ظاهرة الاستثقال لدى ابن جنّي تشبه إلى حد كبير قانون الجهد الأقل، الذي يحاول فيه المتكلمون في نطق الأصوات تجنب التحركات النطقية التي يمكن الاستغناء عنها والتي تكلف جهداً يثقل على المتلقي أداؤه ، وعلى الرغم من أنّ هذا العامل ليس بوسعه أن يفسر كل التغيرات الصوتية فإنه يسهم في تفسير بعض التغيرات التي تكشف عن جوانب جمالية للوحدات الصوتية، سواء في حالة إفرادها، أو في حالة تراكبها، وتضامها مع غيرها من الوحدات [82] .

                 ويُميز ابن جنّي بين طبيعة الحروف في الفصل الذي ذكر فيه مذهب العرب في مزج الحروف بعضها ببعض [83]، وما يجوز في ذلك وما يمتنع وما يحسن وما يقبح، ويقسم الحروف إلى قسمين : خفيف وثقيل، وتختلف أحوال الخفيف، فيكون بعضه أثقل من بعض [84]، ولم يحدد ابن جنّي الصفات والخصائص التي تجعل هذا الحرف خفيفاً والآخر ثقيلاً، ولكنه أكد أنّ أحرف الزيادة كلها خفيفة، وهي : الألف، والواو، والياء، والهمزة، والميم، والنون، والتاء، والهاء، والسين، واللام ، وما تبقى من الحروف فهي الحروف الثقيلة .

                 ولو تتبعنا أحرف الزيادة، وهي أحرف خفيفة في تصور ابن جنّي، لوجدناها تختلط بين المجهور والمهموس، فالمجهور : الألف، والواو، والياء، والهمزة، والميم، والنون، والهاء، واللام، والمهموس اثنان وهما : التاء، والسين . ومن جهة الشدة والرخاوة فمنها الشديد : كالهمزة، والتاء، ومنها التي بين الشدة والرخاوة وهي : الألف، والياء، واللام، والنون، والواو، ومنها الرخو، وهي :السين، والميم، والهاء، وليس فيها حرفٌ مستعلٍ إذ كلها من الأحرف المنخفضة، وليس فيها حرف مطبق، فكلها أحرف منفتحة .

                 وتتفاوت الحروف في نوع الجهد العضلي في نطقها، فالتي تتطلب جهداً عضلياً أكثر تعد ثقيلة في تصور الدرس الصوتي الحديث، بل تعد حروفا رديئة الموسيقى[85]، ولو أردنا المقارنة بين الحروف الخفيفة والثقيلة عند ابن جنّي من جهة وقانون الجهد العضلي من جهة ثانية، فإننا نستطيع الكشف عن جوانب ذات قيمة في مفهوم الخفة والثقل، ومن هذا : إنّ الدراسات الحديثة تعتبر الهمزة من أشق الحروف وأعسرها حين النطق، ومثلها القاف، وكذا أحرف الإطباق، وهي » الصاد، والضاد، والطاء، والظاء « [86] .

                 إنّ أحرف الزيادة التي أكد ابن جنّي أنها أحرف خفيفة ليس فيها إلا حرف الهمزة من الوحدات الصوتية الثقيلة، ولم يكن هذا خافياً على ابن جنّي، بل إنه يؤكد أنها من الحروف المستثقلة، ويؤكد أنّ الهمزة ثقيلة لأنها » حرف سَفَلَ في الحلق وبَعُدَ عن الحروف وحصل طرفا فكان النطق به تكلفا « [87] وإذا كان التحديد السابق لثقلها من حيث مخرجها، فإنها ثقيلة من حيث حذفها، وإبدالها فهي ثقيلة لسببين : الأول : لأنّ الحذف يدخلها، والثاني : إبدالها بحرف آخر في كثير من الكلام .

 وعلى الرغم من هذا فإنّ الهمزة لها خاصية تجعلها حرفاً خفيفاً للأسباب الآتية :

    القدرة على إعلالها وقلبها، وهذا لا يمكن أن يتم بحرف من الحروف الثقيلة، كالجيم والقاف .

    إنّ مخرجها مجاور لمخرج أخف الحروف وهو الألف .

    تباعدها عن الحروف ما يستروح إلى مزج المتقارب مما بعُد عنها بها، ويمثل ابن جنّي لذلك بـ » دأب « وكون الهمزة تفصل بين الدال والباء، وهو أحسن في تصوره في الفصل بينهما بالفاء مثلا .

                 ومهما يكن من تبرير ابن جنّي للهمزة فإنّ أحرف الزيادة باستثناء الهمزة كلها خفيفة لأنها لا تتطلب جهداً عضلياً يكلف المتكلم مشقة وعسراً، كما أنّ أغلب أحرف الزيادة ـ ما عدا السين، والهاء، وهما حرفان رخوان ـ من الأحرف الشديدة، ولأن الأصوات الرخوة أصعب من نظائرها الشديدة في النطق، كما أنّ أغلب أحرف الزيادة مجهور، واثنان منها مهموسان، وهما : التاء، والسين، ولأن » الأحرف المهموسة تحتاج للنطق بها إلى قدر أكبر من هواء الرئتين مما تتطلبه نظائرها المجهورة«[88].

                 أما الأصوات الثقيلة فمنها حروف الحلق وهي : الهمزة، والعين، والحاء، والغين، والخاء، ويندر أنْ يلتقي بعضها ببعض لأنها أبعد ما تكون من الائتلاف بسبب تقارب مخارجها، ويحدد ابن جنّي لذلك مجموعة من الضوابط لالتقاء أحرف الحلق، لأنه متى اجتمع منها في كلمة اثنان ينبغي أن يفصل بينهما حرف ثالث، نحو » هدأت «، ويمكن أن تتجاور بعض هذه الأحرف في الحالات الآتية :

أولا : الابتداء بالهمزة، فيجوز أن يجاورها واحد من ثلاثة :

1- الهاء مثل : أهل .

2- الحاء مثل : أحد .

3- الخاء مثل : أخذ [89] .

ثانيا : ائتلاف الهاء مع العين، ويجب أنْ تتقدم العين مثل : عهد .

ثالثا : ائتلاف العين مع الخاء، مثل : نخع .

أما أحرف أقصى اللسان، وهي : القاف، والجيم، والكاف، فهذه لا تتجاور أبداً .

 ويخلص ابن جنّي من هذا كله إلى تأليف الوحدات الصوتية أو مزجها ببعضها، وهي ثلاث طبقات تتدرج في الحسن على النحو الآتي :

    تأليف الأحرف المتجاورة في مخارجها، وهو، أدون درجات الحسن، فإما أنْ يهمل، أو أنْ يقلّ استعماله [90] .

    تضعيف الحرف نفسه .

    تأليف الأحرف المتباعدة، وهو أحسنها وأجملها، يقول ابن جنّي : » اعلم أنّ هذه الحروف كلما تباعدت في التأليف كانت أحسن، وإذا تقارب الحرفان في مخرجيهما قبح اجتماعهما، ولا سيما حروف الحلق، ألا ترى إلى قلتها بحيث يكثر غيرها « .

          ويرى الرماني أن التأليف على نمطين : متلائم، ومتنافر، ويرجع الرماني علة التنافر إلى قرب مخارج الحروف أو تباعدها، وهو في هذا يأخذ برأي الخليل بن أحمد الفراهيدي، ويرى أنّ البعد يشبه الطفر، وأنّ القرب الشديد يشبه مشي المقيّد، لأنّ الأخير » بمنـزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه، وكلاهما صعب على اللسان « [91]، وهذا يعني أنّ الرماني يلتقي مع ابن جنّي في أحد سببي التنافر، وهو قرب مخارج الحروف .

          ولو قمنا بمحاولة تطبيقية على نص قرآني، لنكشف من خلاله عن تصورات ابن جنّي على المستويات الآتية : الأحرف الخفيفة والثقيلة، وقرب مخارج الحروف وتباعدها، فما هي النتائج التي نصل إليها ؟ .

                 وسأتناول في هذا السياق سورة العاديات، ولا أريد أنْ استقصي كل مخارج الحروف من حيث البعد والقرب، فأما قرب المخارج فلا يكاد يوجد إلا في حالة اقتراب الميم من الباء في قوله تعالى » إنّ ربهم بهم « وأما تباعد الحروف فليس قليلاً، مثل الهمزة والفاء في » أفلا« و» فأثرن « فالهمزة تأتي من آخر الحلق والفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا، وكذلك الهمزة والذال في » إ ذا « فالهمزة من آخر الحلق والذال مما بين طرفي اللسان وأطراف الثنايا، وكذلك الباء والعين في » بعثر « فالباء مما بين الشفتين والعين من وسط الحلق، والميم والألف في » ما « فالميم من بين الشفتين والألف من أسفل الحلق .

                 إنّ هذا يقودنا إلى أنّ تباعد مخارج الحروف ليس عيباً في تأليف الحروف، بدليل كثرته ووجوده في نص قراني، وإنّ قرب المخارج هو الذي يدل على قبح التأليف .

                 أما بالنسبة للوحدات الصوتية الثقيلة والخفيفة فإنّ إحصاءها الإجمالي في السورة القرآنية ـ العاديات ـ بمقدار الضعف تقريباً، أي أنّ الأصوات الخفيفة ضعف الأصوات الثقيلة ، ولو تناولنا كل قسم من أقسام السورة الكريمة لرأينا هذه القسمة تختلف لتباين الأقسام من حيث طبيعة الموضوع الذي تعالجه وطبيعة بنائه أيضا، إذ نرى أنّ نسبة الأصوات هي : بمقدار 34 صوتاً خفيفاً إلى 26 صوتاً ثقيلاً في القسم الأول من السورة الكريمة، وهو » وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا،فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا« [92] والسبب في هذا يرجع إلى طبيعة هذا القسم الذي يتميز بآياته القصيرة التي تتكون من كلمتين أو ثلاثة، و يعرض لمشهد حياتي حسي يصور حركة خيول تضبح قد تتجه لغزو أو نحوه، وتقدح بحوافرها، كما أنّ هذه الآيات تصف حركة تمتاز بخشونة يواكبها إيقاع متزن، لدرجة يصل التماثل إلى حد المطابقة في الإيقاع، من جانبه العروضي على الأقل، وهو مجزوء الرجز في » والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً « هذا إذا عرفنا أنّ الرجز يغلب عليه اشتداد الموسيقى فيه، وسرعة في ضرباته، أدركنا من هذا كله سر كثرة الأصوات الثقيلة في هذا القسم من الآية، مقارناً مع الأقسام الأخرى .

                 وتنخفض نسبة الأصوات الثقيلة في القسم الثاني لتصبح 12 صوتاً في مقابل 42 صوتاً خفيفاً، والقسم هو : » إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ« [93] ويرجع هذا ـ في الحقيقه ـ لتغاير المشهد، فإذا كان القسم الأول يصور مشهداً كائناً في الواقع الخارجي يقف عنده الإنسان متأملاً، فإنه ـ هنا ـ أمام مشهد يصف العالم الداخلي للإنسان بما يشتمل عليه من حقائق، وما ينطوي عليه من عرض لنفسيته إزاء خالقه، وإذا كان القسم الأول يتكون من آيات قصيرة تتكون من كلمتين أو ثلاث، وتمتاز بسرعة الإيقاع وشدة ضرباته المتتالية فإن الآيات في هذا القسم تزداد طولاً ومدوداً، حتى إنّ الفاصلة التي كانت في القسم الأول حادة تستطيل ـ هنا ـ بتأثير الحروف اللينة : الواو والياء.

           أما القسم الثالث والأخير من السورة الكريمة فتصبح فيه الأصوات الثقيلة 18 صوتاً في مقابل 37 صوتاً خفيفاً، والقسم هو » أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور،إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ« [94] ويتميز هذا القسم بأنّ نسبة الأصوات الثقيلة إلى الأصوات الخفيفة كانت أقرب إلى التوسط والتوازن اذا ما قارناها بنسبتها في القسمين الآخرين من سورة العاديات، ويبدو أنّ هذا جاء بسبب تداخل بعدي العالمين الداخلي والخارجي في هذا القسم من السورة الكريمة [95] .

                 ونخلص من هذا كله إلى أن ابن جنّي حين درس الأصوات الثقيلة والخفيفة درسها منفصلة عن السياق أولاً وعن المواقف ثانياً، وأنّ محاولتنا تطبيق نظرته على السورة القرآنية كشفت إلى حد كبير أنّ دراسة الأصوات ـ هنا ـ لابد أن تقترن ببعدين وهما : السياق، ومقدار ما يعكسه على طبيعة الوحدات الصوتية من مؤثرات فنية وجمالية، وثانيهما : الموقف الذي يحدد طبيعة الأداء، فليست كثرة الأصوات بالحساب الرياضي تعني أنّ النص يشتمل على قيمة فنية وجمالية، ولكن اتساقاً ما، في الأصوات اللغوية من حيث خفتها وثقلها تتواكب فيه طبيعة الموضوع والمواقف مع سياقات التشكيل اللغوي . ولذلك ألفينا تفاوت كمية الوحدات الصوتية الثقيلة والخفيفة في السورة القرآنية الكريمة، مما يؤكد أنّ إطلاق تصور ابن جنّي بشكل رياضي ليس دقيقاً تماماً .

                ويحاول ابن جنّي الإفلات من قوانين الاستثقال في النطق، والتخلص من قاعدة الجهد الذي يبذله المتكلم في أثناء التعبير والأداء، معتمداً بذلك على المقومات الذوقية التي يحاول من خلالها تحديد بعض جماليات البناء الصوتي، ولكنه بقي خاضعاً ـ إجمالاً ـ لسيطرة النـزوع اللغوي، مما سيأتي الحديث عنه في الصفحات اللاحقة .

                 ويتجاوز الرماني ابن جنّي في تحديد جماليات التأليف الصوتي، وتتحدد لديه في الأبعاد الآتية [96] :

أولها :

 سهولة لفظ الوحدات الصوتية ـ وهو بهذا يلتقي مع ابن جنّي في تحديد طبيعة التأليف ووظيفته ـ لأن الاستثقال هو الذي نأى بالإنسان عن تأليف الحروف المتجاورة، وهما ـ ابن جنّي والرماني ـ ينبئان عن قانون صوتي ـ قانون الجهد الأقل ـ يؤكده التفكير اللغوي الحديث، ومفاده أن بعض الأصوات لا تكلف جهداً كبيراً، أو كون بعضها يمثل فونيماً أيسر من فونيم آخر[97]، ويؤكد أحد الدارسين أنّ »السين أكثر بساطة من الصاد، لأن الأخيرة تقتضي عملية إضافية على حركات نطق السين، وهذه العملية تتمثل في حركة مؤخر اللسان إلى أعلى وحركة جذره إلى أسفل « [98] وأنّ اللام والراء، على الرغم من كونهما من مخرج واحد، وأنّ كلاً منهما حرف مجهور، فإنّ الراء يتميز بخاصية إضافية أنه »صوت مكرر يضرب اللسان معه في اللثة ضربات متتالية، مما يجعله صوتاً مركباً بالنسبة لصوت اللام «[99] وكذلك حرف الكاف، فإنه أيسر نطقا من القاف، من ناحيتي مخرج الكاف، وعدم تدخل اللسان في أثناء نطقه .

 وثانيها :

يتصل ببعد ذوقي سمعي، ويعتمد فيه الرماني على مؤثر تأثيري، لأنّ حسن التأليف يحسن في الأسماع، ولم يحدد الرماني الكيفية التي يتم بها هذا الحسن، وإنْ كان ابن جنّي قد ألمح إلى بعض العناصر في مجال تأليف الأصوات في ثقل نطقها ومجافاة السمع لها.

 وثالثها :

وينفرد به الرماني، وهو قضية التوصيل، ومفادها أنّ حسن التأليف له علاقة وثيقة بإيصال المعنى، بحيث يقترن التوصيل بالتأثير، أي أنّ حسن التأليف يؤثر في المتلقي فتتقبله الطباع، أو أنّ فائدته » تقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة « [100] .

                 ونخلص من هذا إلى أنّ الأحرف الخفيفة ينبغي أن تكون أكثر وروداً في النصوص الأدبية، على الأقل من وجهة نظر ابن جنّي والرماني، هذا إذا أغفلنا السياق والموقف ، ونحاول تطبيق ذلك على نص شعري كان ابن جنّيّ ـ وهو اللغوي ـ منحازاً اليه، بخلاف ابن قتيبة الذي استشهد به مصنفا إياه تحت أحد ضروب الشعر وهو ما » حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى « [101] والنص الشعري هو :

 

وَلما قضينا من مِنى كلَ حاجةٍ
 

 ومسح بالأركـانِ من هـو ماسـحُ
 

 أخذنا بأطرافِ الأحاديث بيننا

وسالتْ بأعناقِ المطي الأباطحُ
 

 فالأحرف الخفيفة في البيتين الشعريين يزيدان على النصف في مقابل الأحرف الثقيلة، أذ يبلغ عدد الحروف الخفيفة 65 حرفاً، يقابلها 26 حرفاً ، إنّ ابن جنّي كان منحازا لهذا النص الشعري وكان همه الأساس أن يرد على ابن قتيبة، لأن الأخير قلل من قيمة المعاني التي تنطوي عليها الألفاظ .

                 ولم يتوقف ابن جنّي عند ذلك بل راح يعرض الأصول العقلية ويجعلها متحكمة في دراسة الظواهر الصوتية، ففي أثناء دراسته للقراءة القرآنية الكريمة » أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهُ رِجَالٌ « [102] يبدأ بتحديد المقومات العقلية التي يصدر عنها في درسه اللغوي والجمالي ويرى أن أصل حركة الهاء في القراءة القرآنية هي » الضم « وتكسر إذا سبقتها كسرة أو ياء ساكنة، وعلى الرغم من تأكيده الأصول العقلية ـ هنا ـ فإنه يرى بعداً جمالياً يرجع هو الآخر إلى أصل عقلي مؤداه المماثلة بين الأجزاء لأنه لو كسرهما معا »فيهِ فيهِ « أو ضمهما معا »فيهُ فيهُ « لكان جميلاً حسناً ويرجع هذا الجمال لدى ابن جنّي إلى ضرورة المماثلة الشكلية بين الأجزاء والعناصر، وهو جزء من التركيب العقلي الذي عنى به المعتزلة في المناظرة بين الأشياء وضرورة أن يجمع مكوناتها نسيج عقلي موحد، غير أنّ هذا التحديد يقع تحت تأثير آخر هو التفسير الصوتي، ويسّوغ ابن جنّي ـ في ضوئه ـ الاختلاف بين الحركتين لتكون إحداهما بالكسر، والثانية بالضم، لأن التكرار بذاته يكلف الناطق جهداً عضلياً، وهو استثقال النطق، لأنه لو قال :» فيهِ فيهِ « أو » فيهُ فيهُ« لتكرر اللفظ عينه حتى إنهم لا يتعاطونه إلا دلالة على قوة مراعاتهم له، بمعنى أنّ هذا الثقل مجافٍ للحس، ويكلف عسراً في النطق، ولكنه يصبح سائغاً من أجل مراعاة التٍأكيد [103].

                 وعلى الرغم من النـزعة العقلية الجلية لدى المعتزلة ومحاولتهم ضبط الجماليات الصوتية بقواعد وقوانين فإنّ مواقفهم لا تخلو من أحكام تأثرية ذوقية ـ وإذا كان ابن جنّي والرماني والقاضي عبد الجبار بن أحمد ـ يمثلون الجدل العقلي ويميلون نادراً إلى تحكيم الذوق فإن الصاحب بن عباد يميل إلى الأحكام التأثرية التي لا تُعنى كثيراً بالتحليل والتفسير الصوتي للظواهر الجمالية، فهو يفطن إلى مواطن الجمال والقبح في التشكيل اللغوي، وبخاصة الصوتي، ولكنه لا يميل إلى تحليله أو تعليله، فقد التفت إلى كلمات رديئة التركيب والجمال يمكننا تفسيرها في ضوء الدرس اللغوي الحديث، ومن هذه الكلمات كلمة » مسبطر « في قصيدة المتنبي التي يرثي بها أم سيف الدولة :

 

رواقُ العز حولك مُسْبطرٌ

 ومُلْكُ عليّ ابنك في كمالِ

ومثلها كلمة » التوراب « التي يصف بها الصاحب بن عبّاد المتنبي بأنه يسعى إلى «التفاصح بالألفاظ النافرة والكلمات الشاذة « [104] في قوله :

 

أيفطمه التورابُ قبلَ فطامه

 ويأكله قبل البلوغ إلى الأكلِ

 إن كلمة » مسبطر « تعد من الكلمات الثقيلة لأنّ الناطق بها يبذل جهداً عضلياً يفوق غيرها من الكلمات، وهذا يرجع ـ في تصورنا ـ إلى الأسباب الآتية :

    ان كلمة » مسبطر « مكونة من خمس وحدات صوتية، والكلمة تعد ثقيلة كلما كانت وحداتها الصوتية أكثر .

    تشتمل كلمة » مسبطر « على حرف إطباق وهو » الطاء « وهذا بذاته من الأصوات التي تكلف الناطق بها جهداً عضلياً أكبر .

    الإنتقال من الإطباق إلى حرف مكرر، أي من جهد إلى جهد آخر يكاد يماثله .

 ومثل كلمة » مسبطر « كلمة » التوراب « فهي تتكون من سبعة أحرف، إضافة إلى ندرة استخدامها، ولذا فهي ثقيلة في النطق، ويبدو أنّ الذوق يمجها .

                 ونخلص من هذا كله إلى أنّ النظام الصوتي قد شغل عدداً محدداً من النقاد، وقد لفتت أنظارهم مظاهر صوتية كخفة الوحدات الصوتية واستثقالها في النطق، وهي ظواهر لا تشتمل على خصوصية تترك آثارها في تشكيل الشعر وإثراء دلالته، وهذه الظواهر من العموم بحيث يصح أن تكون عيباً في الشعر أو النثر، كما أنها تنطوي على درجة من الثبات أيضاً، إذ تُعد الكلمة معيبة سواء اندرجت في سياق أو انفصلت عنه، وهذا يعني أنّ ضوابط الخفة والاستثقال في النطق وإنْ كانت ضوابط صوتية في أساسها فقد خلع عليها الناقد قيمة جمالية، غير أنّ هذه المحاولات بقيت مفتقرة إلى رؤية أرحب، والسبب في ذلك أنّ الناقد ـ كما اتضح مما سلف ـ لم يكن يعي العلاقة الوثيقة بين الإيقاع وعلم الأصوات، وعلى الرغم من أنّ الناقد قد أدرك حيزاً ضيقاً من هذه العلاقة فإنه ركز جلّ جهده وعنايته بالجانب التعليمي والمعياري، فقد تجلت العناية غالباً بإرساء الأسس المعيارية التي يضبط بها الناقد سليم الشعر من مكسوره باعتبار الوزن ـ مثلاً ـ أحد أبرز الأسس التي تحدد ماهيته .

                 ولم يخطر ببال النقاد القدامى أن يعوا تمايز الأصوات في إطار انتظامها في تشكيلات إيقاعية، بل شغلتهم النـزعة العقلية التي تحبذ رؤية الأشياء محددة وثابتة، ولذلك فإنّ الأصوات لها سمات خاصة ثابتة أينما وضعت، وإنْ كان النقاد قد التفتوا إلى جوانب قيمية هزيلة في أثناء دراستهم لانتظام بعض الأصوات بجوار بعضها، غير أنّ القيمة لا ترقى لديهم إلى انتظام هذه الأصوات اللغوية على أساس موسيقي معين .

                 إنّ المحاولات الحديثة التي حاولت دراسة الإيقاع في ضوء علم الأصوات قد عمدت إلى ربط الإيقاع بالمقطع، لأن توالي المقاطع بكيفية معينة هو الذي يحدد بعدها الإيقاعي سواء أكانت في تشكيل شعري أم في أداء نثري [105]، وقد أفاد الدارسون المحدثون من الدراسات الغربية، وبخاصة دراسة المستشرقين للعروض العربي، حين ربط هؤلاء الإيقاع بعلم الأصوات مستعينين بمفاهيم حديثة كالمقطع والنبر والارتكاز، وما تأسس على هذه المفاهيم من تصنيف للعروض العربي إنْ كان كميا أو نبريا، ونحو ذلك [106] .

                 ومن الجلي أنّ الناقد العربي لم يكن يعرف تقسيم الكلام إلى مقاطع، وما يترتب على هذه المقاطع وتضامها من تشكيل جديد للعروض العربي، ولو أردنا التحدث عن النبر ـ مثلا ـ فإننا لا ننكر أهميته في تحديد جوانب معينة من الدلالات، كما أنّ النبر يترك آثاراً إيقاعية معينة في البناء الموسيقي، غير أنه لم يكن يستخدم لدى علماء العربية بوصفه وحدة صوتية تسهم في تغيير المعنى، وسواء اتفق الباحثون على أن النبر موجود في اللغة أو نفى بعضهم وجوده فإن هذا لا يُلغي كون اللغويين والنقاد لم يتصوروا له نظاما تخضع له مواضعه، ولم يدركوه ظاهرة ذات تأثير في نسق اللغة المنظومة [107]، كما أننا نجهل ـ اليوم ـ الكيفية التي كانت العرب تنبر بها الكلمات، وأنه ـ أي النبر ـ لا يمثل لدى نقادنا على فرض وجوده، ملمحاً يسهم في تمييز المعنى، بحيث يكون للجانب المنبور دلالة تغاير دلالة الجانب غير المنبور[108].

                 وإذا كان النبر، على الرغم من أهمية في التحليل النقدي الحديث، لم ينل عناية الناقد العربي لجهله به، فإن الحديث المفصل عنه في هذه الزاوية، إن لم يمثل لوناً من فضول القول، فهو لا يمثل مزية تكشف عن جوانب ثرية في الدرس النقدي .

                 إنّ فهم المكونات الصوتية لدى ابن جنّي ـ مثلا ـ تتركز في دراسة الصوت بوصفه وحدة مستقلة لها صفاتها المجهورة والمهموسة والمستعلية والمنخفضة، أو أنه يتحدث عن مخارج الأصوات، ويرتبها بحسب تذوقها من أخر الحلق إلى أول الفم، فالأصوات، من هذه الناحية، يغلب عليها التحديد الوظيفي الإشاري، ويكون الهدف منه التوصيل بين المبدع والمتلقي، وليس التأثير في المتلقي من خلال تشكيلات جمالية تسهم فيها الوحدات الصوتية بنصيب وافر .

                 ومما يثير الانتباه في هذا الدرس أنه يغفل علائق التأثير بين العناصر والمكونات، ولذلك وجدنا اللغوي ـ في أثناء معالجته للوحدات الصوتية ـ يدرسها وكأنها وحدات مفردة مستقلة، ولذلك أسهب في دراسة مخارجها وتحديد صفاتها، وحين انتقل إلى تركيبها مع بعض لم يقف عند دراستها كثيراً، لأنّ تركيب الوحدات الصوتية ـ يعني في الغالب ـ تجاور هذه الوحدات، وتكمن غاية التركيب والتضام في هذه المجاورة التي تقود إلى دلالة مركزية يكثر الحديث عنها، أو محاولة الناقد إرجاع الدلالات الثانوية إلى الدلالة المركزية بعنف مرة، أو ملاطفة ولين مرة أخرى .

                 وتسيطر النظرة الجزئية على عقلية الناقد، أي أنه يُعنى كثيراً بتفكيك الأشياء والظواهر إلى أقسام وجزئيات عديدة، ويحاول دراستها مستقلة عن بعضها، دون الأخذ بنظر الاعتبار وظيفتها العضوية والجمالية بوصفها جزءا له تأثيره المتفاعل مع الكل، وحتى حينما يحاول الناقد الكشف عن بعض عناصر التفاعل فإن رؤيته لها تظل باهتة، لأن المجاورة هي التي تشغل تفكيره وليس التقاطع والتفاعل بين الجزء والكل .

                 ويقود هذا إلى العناية بالصيـاغة ذاتـها، أي صياغة المفردة بوصفها كياناً مستقلاً عن السياق وعن الموقف، وليس لهذه الصياغة أدنى علاقة بطبيعة الحديث أو المـوقف النفسي، ويمثل هذا ثباتاً في القيمة، وهو ثبات أصيل وليس طارئا على التفكير النقدي، بل هو هدف يسعى الناقد إلى تمكينه في الواقع، ويتجاوب إلى حد كبير مع الأصول الفكرية الاعتزالية، فالثبات قيمة فكرية تحاول إرجاع كل شيء إلى أصوله، فمن جهة الفكر ترجع كل ماله علاقة بالتصورات الفكرية والشرعية إلى أصول ثابتة عقلية أولاً ونقلية ثانياً، ومن جهة اللغة تحاول إرجاع اللغة إلى أصول وفروع، والأصول ثابتة، وهكذا .

                 وينعكس هذا على العلاقة بين الدال والمدلول والتوظيف الجمالي للتركيب الصوتي، فإن الناقد العربي يؤكد أنّ المدلولات ثابتة وأنّ الدوال تدور في فلك ثبات مدلولاتها، وهذا الفهم ـ بالتأكيد ـ يُلغي جانباً كبيراً من توظيف التركيب الصوتي توظيفاً جمالياً، لأنّ ثبات المدلول إنما هو جزء من تصور فكري أشمل يصدر عنه الناقد وهو ثبات المطلق، وثبات المعنى، وأنّ الحديث عن ثبات المدلول يقود من زاوية أخرى إلى درس البنية الصوتية دراسة خارجية، وهو ما حصل فعلاً، فلقد تركزت الدراسة حول مخارج الحروف ووصفها، وليس درساً داخلياً يأخذ بعين الاعتبار فاعلية التركيب وجماليات البناء الصوتي في ضوء هذه الفاعلية .

 

 جماليات النظام الصرفي :

 (1)

                 يمثل النظام الصوتي أساس النظامين الصرفي والنحوي اللذين يغلب عليهما لدى علماء العربية انفصالهما عن النظام الصوتي، وأنّ الأخير يكاد يكون مستقلاً عنهما، ولقد حاول ابن جنّي أن يربطه بفاعلية السياق مرة، وأن يربطه بالنظام النحوي مرة أخرى، ولكن هذه المحاولة لا تعدو مجرد إشارات .

                 ويميز ابن جنّي ببن النظامين الصرفي والنحوي، فالنحو لديه يُعنى بمعرفة أحوال الكلم المتنقلة، في حين يعني الصرف بأنفس الكلم الثابتة، وتتأسس على ذلك عناية ابن جنّي البالغة بالصرف قبل النحو، ارتكازا إلى مقـولة عقليـة ترجـع التـفكير كله إلى ضرب من الثبات » لأنّ معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن تكون أصلاً لمعرفة حاله المتنقلة»[109]، وهذا يعني في أحد جوانبه أن هناك تمايزاً بين الذوات في حال الثبات، وتمايزاً بينها في أثناء تغايرها وتنقلها، وتتركز عناية ابن جنّي بالثبات الذي يمثل الأصل لمعرفة كل متغير، وهو لون من السعي إلى تثبيت كل شيء، وهو في النتيجة إرساء لقواعد الفكر التي ترجع كل عنصر متغير إلى أصل ثابت، وتخضع فيه الأصل والفروع إلى عملية عقلية محددة .

                 ويقودنا هذا إلى الحديث البالغ الأهمية عن الأصول والفروع التي أسهب ابن جنّيّ في تأكيدها، لتخضع فيه الثوابت والمتغيرات أو الأصول والفروع إلى عملية هي القياس، بحيث تتداخل هذه الأبعاد وتتقاطع مع بعضها لتشكل هذا التفكير الذي يصدر عن إحكامات عقلية تخضع كل شيء لمقومات عقلية ثابتة .

                 وتأخذ » الأصلية « دلالات متعددة لدى ابن جنّي فمن جهة نشأة اللغة يعني الأصل وضع اللغة، وهو يدل على تأكيد للمقولات الاعتزالية التي تؤمن بالمواضعة وليس التوقيف، مما يقود إلى تأكيد قضية خلق القران، ويعني » الأصل « من ناحية أخرى بنية الكلمات العربية من حيث عدد حروفها : ثلاثية، ورباعية، ليعني الفرع التراكيب التي تتكون من جذور الكلمات والزيادات المضافة اليها; أو أن يكون » الأصل « تثبيت صيغة لكلمتين أو أكثر رأى فيها اللغوي تقديماً أو تأخيراً، يقول ابن جنّي » إعلم أنّ كل لفظين وجد فيهما تقديم وتأخير فأمكن أن يكونا جميعاً أصلين ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه فهو القياس الذي لايجوز غيره، وإنْ لم يكن ذلك حكمت بأن أحدهما مقلوب عن صاحبه، ثم رأيت أيهما الأصل وأيهما الفرع « [110]، أو أن يكون » الأصل « مذهبا للعرب حين تسعى إلى تغير كلمة عن »صورة إلى أخرى أختارت أن تكون الثانية مشابهة لأصول كلامهم ومعتاد أمثلتهم « [111] ويرتكز المذهب العربي على أساس مشابهة اللفظ لأصول الكلام العربي، وإذا كان مذهب العرب يقود إلى أنماط تجريدية ثابتة فإنه لابد أنْ يتحكم في الفروع من خلال » المشابهة« التي تتوافر في الفرع ليقاس على الأصل، وفي التشبيه ـ أيضا ـ هناك أصل وفرع وهناك عادة وحكم يتحكمان فيهما، وحين يعالج ابن جنّي بيتاً لذي الرمة، وهو:

 

 ورملٍ كأوراك العذارى قطعتُهُ

  إذا ألبسته المظلماتُ الحنادسُ

يعلل ابن جنّي روعته في المبالغة لأن ذا الرمة » جعل الأصل فرعاً والفرع أصلاً « [112] .

                 وتشتمل النصوص السابقة على تحديد أبعاد الأصلية لدى ابن جنّي، وتتداخل معها أبعاد الفرعية أيضا، غير أن الأخيرة عنده تتفاوت في قوة تمكنها بمقدار قربها أو بعدها عن الأصول، فالفروع لدى ابن جنّي لا تؤدي دورها في التمكن لا بسبب استخدامها على فرعيتها ولكن لأنها » تتأتى مأتى الأصل الحقيقي لا الفرع التشبيهي« [113] .

                 إن الحديث عن الأصل والفرع يقودنا إلى الحديث عن القياس، لأن الفرع حين يتحكم فيه الأصل يعني أن هناك مشابهة أو مماثلة تقتضي مقايسة الفرع لأصله، ومن هنا تحدث ابن جنّي عن القياس، وهو يستجيب للضبط العقلي الذي تتبناه المعتزلة، وتدعو اليه، ولهذا قاس ابن جنّي اللغة والنحو، وقاس الشعر أيضاً، ففي مجال الضرورة الشعرية ـ مثلا ـ يرى أنه » يجوز لنا في الشعر من الضرورة ما جاز للعرب«[114] كما أنه يجعل الشعر القديم أصلاً يقيس في ضوئه الشعر المحدث، ويحكم نظرته هذه بمعيار عقلي يجعل »القيمة« تتحكم في جودة الشعر ورداءته وقبوله ورفضه، وليس مرد ذلك إلى قدمه وحداثته، ولذلك فهو يبرر للشعر المحدث مماثلته للقديم في ضوء العملية القياسية، وفي ضوء ارتجال القدماء والمحدثين قصائدهم، أو كونهم يعمدون إلى الصنعة، فهاتان الصفتان يشترك فيهما القدامى والمحدثون، ومن هنا جاء قبول ابن جنّي لكليهما، في ضوء العملية القياسية، وفي ضوء المفاهيم الاعتزالية التي تقرن الجودة بالجهد وليس بالقدم.

                 إن العلة القياسية لدى ابن جنّي تكمن في التجانس أو » التشابه « وهو الذي يدعو إلى حمل الفروع على أصولها، وأن المشابهة من زاوية أخرى تقتضي وجود صفة أو صفات مشتركة منتزعة مما بين الأشياء، والانتزاع عملية عقلية تعتمد التجريد، ولذا فإنّ ابن جنّي يلتقي مع الأصوليين في اعتبـار الأصل هو » القاعـدة الكلية التي تطبق على الجزئيات «[115] .

                 وإذا كان ابن جنّي يرجع فروعاً مشتركة في الجذر ـ كما هو الحال في الاشتقاق الأكبر ـ إلى معنى موحّد، أو يرجع فروعاً متغايرة في الجذر ـ كما هو الحال في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني ـ إلى معنى واحد [116]، فإنه أخذ يلمح إلى القارئ بأنه يجمع الأصول في مجموعات يوحدها ويضمها إلى بعض، وأخذ يحدثنا عن تقارب المعاني أو تقارب الأصول الذي يقود إلى تقارب الألفاظ ـ الفروع ـ فهو يرى أنّ » تؤزهم أزاً « في الآية القرآنية الكريمة « أَنَّا أَرْسَـلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا  »[117] في معنى » تهزهم هزاً « [118]، ويأخذ في إثبات ذلك تحليلاً صوتياً يؤاخي فيه بين الأصوات، ليقودنا إلى أنّ تقارب اللفظين معلول بتقارب المعنيين، لأنّ الهمزة في » أزّ« إنما هي أخت الهاء في » هزّ « ولأنه يرى أن الأختين ـ الهمزة والهاء ـ تختلفان في القوة، ـ فالهمزة أقوى من الهاء ـ ومن هنا جاءت الآية الكريمة » تؤزهم أزاً « بالهمزة وليس بالهاء لأنّ هذا المعنى » أعظم في النفوس من الهز « [119] ويضرب ابن جنّي لذلك أمثلة أخرى لا تُغير شيئاً من جوهر التصور السابق .

وتقودنا مؤاخاة الأصوات وتقاربها في الدلالة إلى محاكاة اللفظ صوت الفعل ـ مما سبق الحديث عنه ـ ويرى ابن جنّي أنّ هذا كثير في اللغة، إذ تضاهي أجراس حروف الفعل أصوات الفعل التي عبر بها عنها « ألا تراهم قالوا قضم في اليابس وخضم في الرطب» [120]، ويرجع ابن جنّي ذلك لقوة القاف وضعف الخاء، أي أن العرب جعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف، فأبن جنّي يرى أن هناك دلالة عامة تضم تحتها دلالة الفعلين : » قضم وخضم « ولكنه في الوقت نفسه يتحدث عن الفوارق الخاصة التي تتمايز بها دلالات هذين الفعلين، فهو من ناحية يدعو إلى » توحيد « المعاني في اللغة، ويطرح من ناحية أخرى الفوارق التي تتمايز بها الدلالات بحسب التغاير الصوتي في المفردات كما هو في » هزّ وأزّ « و » قضم وخضم «، غير أنّ هذا التمايز يعالج في إطار المفردة المستقلة عن سياقها اللغوي، أي أنّ تمايز الدلالة يبقى محافظا على طبيعته مهما تغير وضع المفردة السياقي، دون أن يذكر ابن جنّي الفاعلية الجمالية لهذا التمايز والتغاير الدلالي .

 

 ( 2 )

          حاول ابن جنّي ـ أحيانا ربط البناء الصرفي بالسياق، ويخرج به من الدلالات الثابتة العامة إلى دلالات خاصة متغيرة، تخضع أولاً لطبيعة السياق، وتتشابك ثانياً مع النظام النحوي وفاعليته، وإذا كنا نرى ابن جنّي في جوانب أخرى من دراساته الصوتية والصرفية والنحوية يسعى إلى تثبيت الدلالات العامة فإنه ـ هنا ـ يحاول كسر هذه القاعدة ليجعل دلالة المفردة خاضعة لتفاعلات تحكمها طبيعة التركيب وكيفية تضام الكلمات، فعلى صعيد الإفراد والجمع لا نكاد نلحـظ قيمـة دلالية أو فنية تميز كلمة«طفل « عن جمعها »أطفال « سوى الإفراد والجمع، هذا أذا جردنا الكلمة عن سياقاتها اللغوية، غير أنّ أبن جنّي يلتفت إلى أهمية السياق وفاعليته في أثناء دراسته كلمة «طفل » في الآية القرآنية » ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا « [121] ويفسر معناها، أي » أطفالا«[122]وهو يعمد إلى إخراج الدلالة من طبيعة السياق غير أنه يرى أن لفظ الواحد أي » طفلاً» حسن في هذه القراءة، ويبرر حسنه في تأمل عقلي يتصل بالسياق ويتفاعل معه، ويرتكز إلى مقولات فكرية وعقائدية، وتتحدد أبعاد تبرير حسن هذه القراءة فيما يأتي :

    أن الإفراد يخرج بالدلالة من الأحادية إلى معنى ينطوي على التحقير والتصغير، أي أن مخاطبة الله تعالى للناس بأنه جلّ شأنه أخرجهم طفلاً إنما هو » موضع تصغير لشأن الإنسان وتحقير لأمره، فلاقَ به ذكر الواحد لقلته عن الجماعة « [123]

    إنّ ابن جنّي خرج بكلمة » طفل « من دلالة الأحادية إلى دلالة أخرى، ويتأتى هذا بسبب وعي فاعلية السياق، أي أنه عمد إلى تفسير هذه الكلمة بعيداً عن دلالاتها المعجمية، ولأنه كدّ ذهنه ليفتش عن دلالاتها في إطار فاعليتها، وما يوحيه هذا السياق، وما يلقيه عليها من ظلال، وهذا يعني أن السياقات المختلفة لا تجمد الكلمة في إطار دلالات ثابتة، وإنما تضفي عليها دلالات متعددة، وبهذا لن تكون دلالة الكلمة ثابتة أبداً إلا في المعجمات، وتكون الدلالات متغايرة في السياقات لدرجة يصدق معها القول بأنه لا يمكن أن تتماثل دلالة الكلمة الواحدة في السياقات المختلفة .

    أما الدلالة الثانية فإنها تخرج من دلالات التعظيم والتحقير، إذ ليست الجماعة لدلالة التعظيم، كما أن الإفراد ليس دالاً على التحقير، وإنما يخرج المعنى إلى دلالة في تصوير مراحل نمو الإنسان، من الولادة حتى كونه مخلوقاً ناضجاً، ولذلك تتغاير الدلالات، ففي حين عنيت الدلالة الأولى بالعظم والحقارة، أي عنايتها بدلالات معنوية تتصل بقيمة أخلاقية تجريدية، تتجاوز الدلالة ـ في الحالة الثانية ـ هذا البعد التجريدي إلى جانب تصويري إذا جاز التعبير ـ فهو بعد حسي، يقول ابن جنّي إن معناه » نخرج كل واحد منكم طفلاً « وهو يتضمن المعنى السابق على نحو الإشارة والتلميح، وليس على نحو الإبانة والتوضيح، غير أنّ المهم أنّ ابن جنّي يعي هذه الكلمة في إطار السياق، وإنْ كان التغاير نسبياً، وهو لون من ألوان الاتساع الذي يتجاوب مع جذور فكرية، لأن وضع الواحد موضع الجماعة ـ لدى ابن جنّي ـ إنما هو اتساع في اللغة .

                 ولم تقتصر دراسة ابن جنّي على الإفراد والجمع ولكنه يُعنى بالتعريف والتنكير، ويخضعهما بشكل أو بآخر إلى شيء من فاعلية السياق ففي القراءة القرآنية » وَما محمدٌ إلا رسولٌ قد خَلتْ من قبله رُسُلٌ« [124] يرى أن هذه القراءة حسنة في معناها، ويرجع هذا الحسن إلى سببين :

 أولهما :

إنّ القصر يشتمل على لون من الاقتصاد في الأداء فهذه القراءة ـ من هذه الزاوية ـ تقصر الرسالة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم .

ثانيهما :

إنّ هذه القراءة إعلام بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتنكير بالرسل الذين سبقوه، ذلك أن » التنكير ضرب من الكف والتصغير، كما أنّ التعريف ضرب من الإعلام والتشريف «[125] .

                 إن التعريف والتنكير خرجا من دلالتيهما المحدودتين إلى أبعاد ترتبط بالسياق، يقصد بهما ابن جنّي تشريف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه معرفة، بما تنطوي عليه دلالة المعرفة في هذا السياق من دلالات التكريم، وكأنّ التعريف يتجاوز دلالته المعروفة إلى آفاق أرحب، وإنّ الذي وهب التعريف هذه الدلالة إنما هو السياق، في حين تخرج » النكرة « من أبعاد الجهل بها إلى دلالات التصغير .

 

 

 ( 3 )

                 وتخضع الدلالة لدى ابن جنّي لعدد الحروف، إن قلّت قلّ المعنى، وإن زادت زاد بالضرورة، وهذا الحساب الكمي تخضع له المعاني من ناحية، والصيغ الصرفية من ناحية أخرى، كما أنّ قوة المعنى التي هي نوع من أنواع زيادة المعنى تخضع هي الأخرى لهذا المعيار، فكلمة مثل » احدودب« أقوى معنى من »حدب« و » اعشوشب « أقوى معنى من » أعشب « وذلك لكثرة الحروف فيما يرى ابن جنّي [126]، إنَّ علة قوة المعنى مقترنة بكثرة الحروف .

                 وتخضع الصيغ الصرفية للتفسير ذاته، لأن الصيغ الصرفية تتفاوت من حيث كثرة الحروف وقلتها، غير أنّ الصيغ بشكلها الذي عني به ابن جنّي قد أخضعت الدرس الصرفي إلى لون من الثبات والجمود، بحيث تخضع فيه الصيغة إلى قانون صارم يحدد دلالتها سواء أدرجت هذه الصيغة في سياق، أو أخرجناها عنه، وتمثل الكلمات مجرد أحجار تتراص، ولا قيمة لهذا التراص إلا لإيصال المعنى، أما تفاعل هذه الوحدات مع بعضها، والكشف عن جمالياتها فليس له أدنى قيمة في ضوء هذا التصور .

                 ولقد شغلت ابن جنّي الدلالات الثابتة، وأعجب بها غاية الإعجاب، لأنها تتجاوب مع نمط فكري يعتقده، ولأنه يحاول أن يرسي أصولاً ثابتة، وفروعا ترتكز عليها، كما أوضحنا ذلك سابقا، أما من جهة الصيغ الصرفية فإنها تخضع لبعدين متداخلين :

    أولهما : كمية الحروف ودلالتها على قوة المعنى أو ضعفه .

    ثانيهما: ثبات دلالة الصيغة سواء تركبت في سياق، أم أخرجت عنه، وسواء أتغايرت جذور هذه الصيغة من حروف مختلفة أم لم تتغاير، فصيغة » فعّل « أقوى في المعنى من صيغة » فعَل « لزيادة كمية الحروف، ولأن صيغة » فعّل « تنطوي على معنى التكثير والتكرير [127]، فقطّع تعني كثرة القطع وتكريره، وكسّر تعني كثرة الكسر وتكريره، ولذلك فإن هناك دلالة ثابتة في الصيغة وهي الكثرة والتكرير مقترنة بالقوة، أما الدلالة المتغيرة فهي القطع والكسر، أي جذر الكلمة التي تشكل هذه الصيغة ; وبهذا تخرج الصيغ الصرفية الكلمات من دلالتها السياقية إلى ثبات في الدلالة تخضع فيه لمقومـات عقليـة صـارمة، ومن أمثلة ذلك أن صيغة » يفتعلون « في القراءة القرآنية »من كتب يدّرِسونها « [128] ـ بتشديد الدال مفتوحة وبكسر الراء ـ أقوى معنى من » يدرسونها « وذلك أنّ «افتعل » لزيادة التاء فيه أقوى من فعل [129]، ويضرب ابن جنّي أمثلة أخرى يؤكد فيها اقتران قوة المعنى بكثرة الحروف، ومن ذلك قوله تعالى : » فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ« [130] و » مقتدر « لدى ابن جنّي أبلغ من قادر، والبلاغة لديه ـ هنا ـ قرينة زيادة الحروف، وبذا تكون الزيادة في المعنى أو قوته لونا من ألوان البلاغة، ومثل هذا » لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ «[131] التي يحاول فيها ابن جنّي أن يجمع بين الصيغة الصرفية والسياق في آن واحد، لأنه يرى أن القرآن الكريم قد أستخدم صيغة » فَعَل َ« للحسنة، وذلك » لاحتقار الحسنة إلى ثوابها «[132] مستدلا بالآية الكريمة » مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ « [133] كما استخدم القرآن الكريم صيغة« افتعل » للسيئة «تنفيراً عنها، وتهويلاً وتشنيعاً بارتكابها»[134].

                 إن هذه المحاولة التي يسعى فيها ابن جنّي إلى الجمع بين الصيغة الصرفية والسياق تمثل خطوة في وعي فاعلية السياق في تشكيل دلالة الصيغة الصرفية من ناحية، ومقدار تأثيرها في المعنى العام للعبارة، وإضفاء أبعاد جمالية على التشكيل اللغوي كله من ناحية أخرى، غير أنّ ابن جنّي لم يذهب بعيداً في تأمله هذا، بسبب إلحاح الدلالات الثابتة الخاضعة لمعنى الصيغة الصرفية العامة عليه أولاً، وبسبب انسجام تفكيره مع مقولة قوة المعنى المقترنة بكمية الحروف ثانياً ، ولذلك فإنه حتى في هذه المحاولة التي سعى فيها إلى ربط الصيغة الصرفية بالسياق والكشف عن أبعاده الجمالية لم يكن الربط فاعلاً بحيث يترك كل منهما آثاره في الآخر، ولذا فإن العلاقة لا تخرج إلى التفاعل المثمر مع السياق، وإنما هي ـ في الغالب ـ علاقة مجاورة فحسب .

                 وإذا كانت الصيغة الصرفية لدى ابن جنّي يغلب عليها ثبات دلالتها سواء وقعت في سياق أو أخرجت عنه، فإنه يرى أن حسن بعض الصيغ الصرفية مقترن بالتقائها بالضمائر، ونمط خاص من هذه الضمائر، فصيغة » تفاعل « في القراءة القرآنية «ولا تَنَاسوا الفضلَ بَينكم » [135] حسنة لسببين[136]:

أولهما : أنها تشتمل على نهي للإنسان عن فعل اختاره، لأن هذه الصيغة الصرفية «تفاعل» تعني أن الإنسان يتظاهر بالنسيان، ومن هنا جاء النهي في القراءة القرآنية، وهذا الحسن فيما يراه ابن جنّي هو حسن للصيغة كيف وقعت وأين وقعت، إذ ليس له خصوصية في إطار فاعلية السياق، وبمعنى آخر أنّ هذه الصيغة الصرفية ثابتة الدلالة لا تنطوي على تغاير تتفاعل فيه في ضوء السياقات المختلفة .

ثانيهما : إنّ الذي زاد في حسن صيغة » تفاعل « كون المأمور جماعة، وليس فرداً، إذ يرى ابن جنّي أنّ هذه الصيغة لائقة بالجماعة، ولم يفسر أسباب حسنها، وأسباب لياقتها للجماعة، ولكنه يقارن بين هذه الصيغة المسندة إلى واو الجماعة وصيغة «تفعل» وقد أسندت إلى مفرد في الآية القرآنية الكريمة »ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ « [137] ويرى ابن جنّي أن الصيغة المسندة إلى المفرد تنطوي على حض على ما هو محلل للإنسان، وأنّ العرف والعادة لا يحضان على ما حلله الله للإنسان، وكأن صيغة » تفاعل « إذا أسندت للجماعة إنما تنهى عن محرم في حين يكون إسناد »تفعل« للمفرد، إنما هو حض على المحلل، هذا إذا حسنت، أما إذا لم تحسن لم تجز في غير هذين الوجهين على ما يبدو .

                 إن ابن جنّي على الرغم من كونه يحاول الخروج بالصيغة من ثباتها ليربطها بفاعلية السياق فإنه في الوقت نفسه يثبت الصيغة الصرفية في إطار لونين إسناديين ـ إسنادها إلى ضمير، وكون الضمير جماعة المأمورين ـ يشتملان على دلالات محددة وثابتة سلفاً، ويقترن حسن الصيغ الصرفية في ضوء إسنادها المحدد .

                 إنّ هذه المحاولة تمثل لونا من ألوان الجمود وتقعيد الأصول المعيارية التي تعطل فاعليات السياق وجمالياته، والأخطر من هذا أنّ ابن جنّي لم يستطع أنْ يمزج بين الصيغة الصرفية وسياقها اللغوي من ناحية، وبينها وبين البناء النحوي من ناحية ثانية، ولو فعل ذلك لتمكن من الكشف عن جماليات التفاعل المتشابك بين الصيغ الصرفية وسياقاتها وتفاعلاتها مع البناء النحوي، ولكن ابن جنّي تحسس بذوقه أنّ هناك جمالاً وحسناً بإسناد الصيغة الصرفية إلى واو الجماعة، أما ما هي عناصر هذا الحسن وأبعاده ؟ فإنه لم يستطع الكشف عنها، لأنه ما يزال مشغوفاً بثبات الدلالات العامة للصيغ الصرفية، ولأنه لم يستطع أنْ يخرج من هذا القيد إلى آفاق أرحب في الكشف عن جماليات تفاعل الصيغة الصرفية في إطار السياق كله .

                 ويتناول ابن جنّي صيغة » تفاعل « نفسها من زاوية أخرى في القراءة القرآنية «تباركت الأرض » لتفيد هذه الصيغة معنى التوكيد، فهي ـ في هذا السياق ـ توكيد لمعنى البركة، كما أنّ » تعالى « في قوله تعالى : » تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ « [138] أبلغ من علا، ويعزو بلاغتها إلى كثرة حروفها [139]، أي أن المعنى وقوته مقترنان إلى حد التطابق مع بلاغة التركيب، وأنّ البلاغة مقترنة ببعد كمي للحروف، وهذا كله لا يعني وعياً نوعياً يتجاوز فيه ابن جنّي التفكك إلى فاعلية السياق بالتركيب .