الأستاذ الدكتور
كريم
الوائلي
بسم
الله الرحمن الرحيم
المقدمة
ليست
القراءة فعلا فيزيولوجيا يتأتى بإحداث الوحدات الصوتية عبر النطق بحسب ما تقتضيه
الأنظمة اللغوية لأي لغة، وإنما القراءة، سواء أكانت قراءة للعالم بوصفه وجودا يقع
خارج الذات الإنسانية، أو نصا بوصفه تشكيلا لغويا، تعني : الفهم، ومن ثم فإنها
تمثل نشاطا معرفيا ذهنيا يختلف ويتفاوت بحسب رؤية القارئ وبحسب طبيعة نظرته إلى
العالم أو النص، والزاوية التي يتم الصدور عنها.
إن القراءة
في ضوء هذا الفهم مولدة للمعاني وكاشفة للصور التي يتضمنها العالم والنص، ومن ثم
فإنها تعيد إنتاج المقروء ،فكأن المقروء ـ عالما أو نصا ـ موجودا، ويصبح بعد
القراءة موجودا آخر، لأن القراءة ليست نقلا للمقروء، أو إحضارا له، وإنما يضفي
القارئ على المقروء رؤيته، وذاته، وخصوصيته، ويتولد من العلاقة بينهما مركب جديد،
ليس هو المقروء تماما، وليس هو القارئ بما هو عليه، وإنما هو مركب منهما معا
بكيفية خاصة، ولذلك تتفاوت القراءات لاختلاف القراء، وكأن المقروء ثابت قبل
القراءة، وتتغير صورته ومعانيه ودلالاته بفعل عملية القراءة التي ترتبط بخصوصية
القارئ ورؤيته .
ويمكن القول
تجاوزا أن النص قبل القراءة يعرف استقرارا نسبيا في دلالته ومعانيه، ولكنه ـ في
الحقيقة ـ استقرار متوهم، إذ لا وجود حقيقي للنص إلا في أثناء قراءته، نعم هناك
وجود موضوعي فيزيفي للنص خارج الذات الإنسانية ـ متمثلا في الكتب ـ التي أنتجته،
أو تقرأه ،ولكنه وجود هامد، ولكن وجودها الفعلي يتحقق عبر قراءته .
وليست هناك
قراءة صحيحة وقراءة خاطئة وإنما هناك قراءة ممكنة يحتمل النص دلالاتها ويعكس
القارئ رؤيته ومواقفه من خلالها، وهناك قراءة غير ممكنة، لعدم احتمال النص
دلالتها، وبخاصة القراءة الاسقاطية .
إن قراءة
النص بمعنى فهمه تتضمن الأبعاد التالية :
1 ـ الفهم المباشر دون حاجة إلى تفسير أو تأويل .
2 ـ التفسير، إذ حين يستعصي الفهم المباشر نشأت الحاجة
إلى الانتقال إلى فهم آخر يقتضيه السياق وقرائن اللغة، فإن كلمة الوحي حين ترد دون
سياق أو قرينة لغوية لها دلالة تعني الوحي الذي يتنزل من السماء على الأنبياء،
متمثلا في جبريل، عليه السلام، ومن ثم تختلف عن معناها في قوله تعالى : «
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا
وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ».
3 ـ التأويل : وهو مرحلة متقدمة في فهم النص، تعني
إخراج اللفظ من معناه الحقيقي الذي يدل عليه الفهم المباشر، او سياقاته، إلى معناه
المجازي . ولذلك فإن التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة كتفسير الصراط بالطريق والتأويل
إظهار باطن اللفظ ... فالتأويل
خاص والتفسير عام فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلا.
وتتركب عملية القراءة من ثلاثة مكونات : القارئ، والمقروء، وناتج القراءة، وقد يوحي ترتيب هذه الأبعاد أوالية القارئ، بمعنى فاعليته، وانفعالية النص، ,بحيث تكون القراءة مجرد نتيجة لعملية ميكانيكية ـ تتماثل فيها النتائج والمقدمات، وليس هذا صحيحا في الواقع، لأن هناك جدلا بين القارئ والمقروء، يتولد من تفاعلهما المحتدم وتصارعهما بفعل العلاقات المتشابكة والمعقدة والمتداخلة، ناتج القراءة، ويشتمل كل من عنصري عملية القراءة « القارئ / المقروء » على خصائص تميزه، وإن إغفال هذه الخصوصية وأ