|
كان لاتسامِ واقعنا
المعاصر بحتمية التكريس لاستقرار النمط الأوحد تجلياتٌ عدة؛
أهمها العمل على إسقاط الاعتبارات الاستيراتيجية والخصوصية
المتنامية إلى حدٍ ما ، وبالتحديد في دول العالم الثالث ، حتى
تنمحي بذور المقاومة ، مع تقديم معطى اقتصادي و سياسي و حضاري
وثقافي ، على هذا النحو من الترتيب المقصود ، ولهذا بات العمل
على إزاحة المثقف وانحسار الثقافة ركيزة هامة لتحقيق ذلك النمط
الأحادي ، ولعل هذا ما يتماس مع مفهوم العولمة على وجه التقريب
.
كما كان لاتساع
الفجوة الحضارية بين دولٍ تتكتَّل اقتصادياً فتنتج وتبدع ودولٍ
أخرى تستهلك وتترجم وتعرِّب وتُمصِّر وتنسخ .. ، كان لهذا أثره
في أن يشيع ــ على سبيل المثال ــ مصطلح العولمة في كثير من
كتاباتنا ، بينما لا يزال المصطلح يبحث له عن مدلول مادي واضح
في بلاده التي نشأ فيها ؛ مما يعني هذا أن ثمار هيمنة النمط
الأوحد قد بدأت في الطرح الفعلي .
ولأن للمصطلح وصياغته مكانة هامة في الإطار المعرفي ؛ لأنه
القلب النابض للثقافة التي ينتمي إليها ، وأيضاً للكاتب
المتعمق في ثقافته ومكانتها ضمن ثقافة العالم الأهمية نفسها ،
فهو همزة الوصل بين جوهر الثقافة والمصطلحات المستوعبة لها بين
الأجيال الآتية ، ولا مجال له للتحامل على تيار ثقافي ما ، أو
التقليل من شأن تيارٍ آخر. ويضاف إليهما القارئ المشارك بوعيه
في تشكيل المشهد الثقافي المتفاعل مع معطيات الواقع المحلي
والواقع العالمي المحيط .ولأن لهذا الثالوث أهمية كبيرة في
المجال الفكري ، فإن ثمة تساؤلات تحيط بمشهد المصطلح الثقافي
من منظور الفكر الإسلامي يطرحها المقال ، وذلك بعد محاولة
تعريفية للمصطلح على النحو الآتي :
[ المصطلح شفرة مقننة تختزل بداخلها مجموعة الأسس
والمفاهيم والدلالات المتفق أو المتوافق عليها بين الكاتب
والقارئ في مجال معرفي محدد ، نوعاً من التواصل والتفاهم
الواعيين . وتنبثق أصالة المصطلح من كونه إفرازاً صادقاً
للواقع المادي / الفكري ، ويعكس معتقداته وهمومه ، بل
استيراتيجياته في سياق متكامل ونسيج حي ، يتبدل ، ويتغير
بالتطور والمواكبة للمتغيرات الواقعية ].
وهنا ، يتجلى هدف المصطلح من جانب ، وتتحدد مسؤولية
الكاتب ، الذي تعهد إليه أمانة صك المصطلح بالتكليف الإرادي ،
استيعاباً لرصد التنقلات المادية والفكرية ، المُنْتَجة ( بفتح
التاء ) ، بفعل إبداعات العقلية العربية الإسلامية من جانبٍ
ثانٍ ؛ لأنَّ الكاتب يمتلك القدرة على هضم الموروث والتفاعل مع
الحاضر الراهن ، واستشراف آفاق المستقبل ، بينما يبرز دور
القارئ من خلال إلمامه بالتيارات الثقافية الأصيلة والوافدة ،
المطروحة على الساحة ، حتى يتاح له قدرٌ كبيرٌ من التواصل في
ظل ثورة المعلومات وعصر التراكم المعرفي ، وهذا من جانبٍ ثالث
.
وتأسيساً على هذا المفهوم ، ثمة أسئلة يطرحها الواقع ،
نسوق منها ثلاثة ؛ يتصل كلٌ منها بعضه البعض ، وهي :
أولاً : هل مفهومنا للمصطلح يتواءم مع ما عرضناه آنفاً ؟ .
ثانياً : هل لدينا الكاتب المفكر المسئول عن صياغة المصطلح
الإسلامي ؟ .
ثالثاً : هل لدينا القارئ المثقف المواكب للتطور المضطرد في
عناصر الثقافة ؟ .
إنَّ الإجابة عن هذه الأسئلة ، بالنفي أو الإثبات ،
رغم ضرورة التحديد ، لا تفضُّ إشكالية المصطلح ، ولذا يتمركز
الطرح في هذا المقال حول تشخيص الوضع الراهن على أن تُترك
الإجابة للقارئ ، مع ضرورة التنبيه ـ في البداية ـ على أن
هناك تمايزاً مطروحاً بين المصطلحات المتداولة في مجال الفكر
الإسلامي ، وبين غيرها من المصطلحات المصكوكة مُسَبَّقاً في
الفكر الغربي ؛ لأن ثمة إشكالاً يبدو ماثلاً في عملية الإسقاط
الأعمى للمصطلح الغربي على الساحة الإسلاميَّة ، وهو المطبوع
بالطابع المحلي للبيئة الأصلية التي تَوَلَّد فيها ، وإن كان
مُكْتَسباً للطابع العالمي بفعل السيطرة الحضارية الآنية للغرب
على العالم المعاصر . كما يوجد تمايزٌ دلالي للمصطلح في
شِقَّيه ؛ اللغوي والحضاري ، بما يتحدد المضمون اللغوي عندنا
في عدم ارتباطه بالمضمون الحضاري لنا ، الغائب عن واقعنا ،
الحاضر المتطور دوماً في واقع الآخرين .
وتبدو المشكلة قائمة عند حدود الالتقاء بين الفكريين :
الإسلامي والغربي ، في ظل تمايزهما الحضاري ، بحيث حُمِّلت
الكلمة العربية من الناحية الاصطلاحِيَّةِ مدلول الكلمة نفسها
في اللغة الأجنبية ، مما جعل المسلمُ يستشعرُ حالةً من التأزمِ
، ويلمس تفريغ المصطلح من دلالات الواقع الخاص به ، والتي
يفترض فيها أن تكون هي ( المادة ) بالنسبة للمصطلح ( الصورة )
.
وكانت المحصلة ، أننا وقفنا ، كُتَّاباً وقرَّاءً ،
على ركامٍ هائل من المصطلحات الغامضة في دلالتها ، والمنحوتة
غربياً في واقع مغايرٍ تماماً لواقعنا ، بل أصبح معيار البراعة
للمفكر منوطاً بقدرته على صَبِّ النتاج العربي في القوالب
المُعَدَّةِ في بلاد الآخرين . وقد يحميه في ذلك سياقُ من
التبعية العمياء لكل ما هو أجنبي ، فغدا أسير هذه المصطلحات ،
لا ينفك منها ، ويبذل جهداً كبيراً في إخضاع تأويلاته ونتاج
إخوانه المفكرين ، حتى أجداده من القدامى ، لدلالات هذه
المصطلحات بطريقةٍ غير أمينةٍ ، ومتعسفةٍ إلى حدٍ ما ، ضارباً
بحد المنطق في أن يكون المصطلح ( تابعاً ) والنتاج الفكري
الإنساني ( متبوعاً ) .
وإذ بالقارئ يرددُ، بوعي أو بدون وعي ، تلك المصطلحات
الغامضة من قبيل التشدق ، والتنطع المتحذلق ، وبنمط كله خيلاء
.!!!
إمعاناً في التوضيح ، ننوه ، بأن هناك أصواتٍ فكريَّةً
ترى ملمحاً غير مأمون الجانب ، يظهر على استحياء تارةً ، وفي
تبجح تارات أخرى ، فيما تنطوي عليه هذه المصطلحات من إحداث شبه
قطيعة مع موروثنا العريق ، فبالضرورة تُمْسَخُ الهوية ، وتضيع
الذات الأصلية ، أمام طوفان المصطلحات المراوغة ، وتلقي هذه
الأصوات الفكرية بالتبعية على الغرب في أنه صاحب دور خطير ،
ولا يزال يلعب الدور نفسه ، في صك العديد من المصطلحات ، التي
تعمل على زعزعة جسد الأمة ، وتفريق وحدتها ، على نحو (
المحمدية ) و ( العروبة ) و( الوطنية ) و( القومية ) و (
الإسلام الأصولي ) و ( اليسار الإسلامي ) ، وغيرها ، مما
يُظَنُّ فيه القدرة على تحجيم ، أو الوقوف أمام الصحوة
الإسلامية ، المعتمدة على العقيدة والقيم الخاصة بها ، التي
تجعل من الأمة جسداً واحداً ، يُصانُ من الذوبان ، أو الفناء
في غيرهم ، ولكن يظلُّ السؤال مطروحاً :إلى متى ستظل محاولات
الخروج من الأزمة ماثلةً في البوق الصارخ والشعاري المندد دون
العمل على صياغة المصطلح المتوافق مع تراثنا / ماضينا وحاضرنا
الراهن في ظل المستجدات المتغيرة ؟!!
والمشكلة قائمة في أننا لم نمعن النظر في الفوارق
العميقة بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي ، فلقد أصبحت كلمة (
الليبرالية ) تعني عندنا ( الحرية ) رغم ما بين المصطلحين من
اختلاف وتباين ، والأمر كذلك مع ( الديمقراطية ) التي يفسرها
البعض بـ ( الشورى في الإسلام ) ، كما انتقلت إلينا مصطلحات لم
يعرفها الفكر الإسلامي ، وإنما جاءت نتيجة النزعة المادية في
الفكر الغربي ،، ومع ذلك نستخدمها بغير تحديد، مثل ( الاغتراب
) ، و( التطور ) الذي يرتبط في الإسلام بمفهوم الثوابت . بينما
يقوم في الغرب على مفهوم التحول الدائم والصيرورة ، والأمر
كذلك مع مصطلح ( الثيوقراطية ) بظلاله الغربية المرتبطة
بالوثنية اليونانية والعبودية الرومانية والتثليث المسيحي ،
والذي لم يعرفه الإسلام ؛ لأنه يقوم على سيطرة رجال الدين على
الحكم ، بدعوى الحق الإلهي ، الذي يعد المشيئة الإلهية منبعاً
للسلطة الزمنية .
ثمة ملمحٌ آخر تبرزه كتابات بعض مفكرينا ، ويخص سيطرة
المصطلح الغربي على عقول بعض كُتَّابنا ، ممن أصيبوا بحمى
التغريب المرتفعة بمصطلح مثل ( العقلانية ) للتقليل من شأن
الوحي والنقل ( القرآن والسنة ) ، والأمثلة على ذلك كثيرة
تحتاج إلى الرصد المتأني والتحليل العميق .
ومن غرائب المصطلحات المُنْدَسَّة في بعض الكتابات ما
يعرف بـ ( الكارزما الأصولية ) ، وكلمة كارزما [
Charisma
] التي تعني هبة النعمة ، تضم المعنى الديني والاجتماعي
والسياسي والفني ، ولذا اشتق منها ( القائد الكارزمي ) ـ الذي
يعد قمة الحركة الثورية ذات الطابع الديني والأيديولوجي ، أو
المعتقد الشمولي الثوري المسمى بـ ( الأصولي ) ـ ويهدف كما
تواضعوا على تعريفه، إلى انتشال الإنسان من الإحساس بالغربة في
واقع غير مستقر، مع إعطاء مشروعية اللاعقلانية الجماهيرية ،
التي تكبت الإبداع ، وذلك بإيجاد المحرمات الثقافية ، وهذا خلط
يطمس الفروق النوعية والجوهرية ، إذ يجعل مثلاً من نهرو وعبد
الناصر ونكروما وسوكارنو وحسن البنا ومحمد بن عبد الوهاب
والسنوسي في مرتبة واحدة ، وهذا لهو الظلم والتعسف بعينه .
إن طوفان المصطلحات الغربية المدسوسة في كتاباتنا ،
تعد فصلاً من رواية طويلة ، حُيْكَتْ لضرب الثوابت الإيمانية
الحافظة لضمير المجتمع ، ومقدساته وأظن الأوان قد أتى، لكي
تُغربل هذه المصطلحات . بعيداً عن الهجوم والدفاع ، وبالتالي
نَصُكُّ مصطلحاتٍ تنبع ، أساساً ، من واقعنا الاجتماعي والنفسي
والديني والإسلامي .
يبقى الخلاص في المناداة ـ كما
نادى البعض ـ بضرورة تحديد المصطلح ، بمعنى ، أنه عندما نعطي
هذه المصطلحات تعريفات محايدة ، فإنَّها تتجنب تفريغها من
المضامين ، أو إعطائها مضموناً مناقضاً لا يخلصها من رواسب
غيرية تصطدم بالذات العربية الإسلامية ؛ لأننا لا نمتلك
الحضارة المهيمنة في وقتنا هذا، أوبمعنى آخر هل نستطيع القيام
بأسلمة المصطلح ؟!!. |