لغة البراءة و براءة اللغة !!

لغةُ البراءةِ وبراءةُ اللغة !!

قراءة في كتاب [ ذاكرة من أحزان ]

للكاتب الإماراتي / محمــد خليـــفة .

بقلم : محمد مصطفى سليم .

جامعة الإمارات العربية المتحدة .

وحدة المتطلبات الجامعية العامة .

برنامج اللغة العربية .

mmseliem@hotmail.com

m_mostafa16@yahoo.com

Phone:00971/050/7603105

UAE  -Al Ain

Pox:18589

--------------------------------------------------------------

إنَّ الكتابةَ تكوينٌ ثقافيٌّ مُكتسب ، وفعالية إراديَّةٌ تستوعب التناغم ، أو التأثير بين الفكر والشعور ، وتعكس الخبرة والمعرفة والتجربة ؛ في أداء لغوي يتَّسِمُ بجماليات خاصة ؛ تتضحُ في البعدِ الفارق بينها وبين اللغة المحكيَّة من حيث الترتيب والتنظيم ، وموطن التنظيم مُنْبعِثٌ من الخبرة الجمالية لمُحَصِّلةِ التجاربِ اليوميةِ ، ومن التعايشِ مع معطيات الفن في جانبه اللغوي ؛ الموروث والمحكِيّ ، بما يجعل سَبْكَ النَّصِّ الأدبي بوتقةً تنصهرُ فيها تداعياتُ الموقفِ مع الصياغةِ المستوعبةِ له ، وكأن الإبداع الأدبي إصدارٌ لغويٌّ حياتي .

و [ ذاكرة من أحزان ] ، للكاتب الإماراتي / محمد خليفة ، يعكس هذه السِّمةَ  ، بل يقدمها الكاتب عبر نصوصٍ مُتَأَبِّيةٍ على الانتماء إلى نوعٍ معينٍ ، ويصْدقُ عليها مسمى ( الكتابة عبر النَّوعية ) كما هو معروف في كتابات النقد الأدبي الحديث ، وذلك لما في الكتاب من تماهي خطوط الفصل بين أجناس الكتابة الأدبية ،بالقدر الذي يصعب معه تصنيف العمل الإبداعي ، إذ يقدم محمد خليفة الحس الدرامي المؤثر للشخصيات ، ويمزج الشعر بالنثر ، ويطرح بنى سردية خالصة ونصوصاً شعرية محددة الهيكل ، ويراوح بين المونولوج والحوار ، ويُحَمِّلُ النثر بذور الإيقاع الشعري ، ويُحَلِّلُ الشعر في تضاعيف النثر ، فالكاتب يعمدُ إلى الاستفادةِ من موروث التقنية الفنية للأجناس الأدبيةِ ، ويطوِّعها طبقاً لخبرته الجمالية في الحياة  ، وكأنه يُنَدِّدُ بالقهر عن طريق الفن ، فهو يمارس بأداته الفنية التنقل بين العناصر الفنية في حريةٍ ، وبلا خضوع للقولبةِ والقيد ، أو الاندغام الصاغر في آليةِ المادةِ الطامسةِ للنقاء الروحيّ .

تشي لغة النصوص بتكوينات عدة ، أهمها اصطباغ الأداء اللغوي بالصبغة القرآنية ، التي بدت ماثلةً في تحللٍ بعض المفردات المقدسة داخل أسلوب الكاتب ، فيما يمكن تسميته بـ (التَّناص القصدي ) ، ففي [ قصر الأشباح ]يقول [ أصحاب القصر هؤلاء طغوا في هذه المدينة ، وأكثروا فيها الفساد ] (ص 12 ) .

        كما تتجاور معها لغةٌ معياريَّةٌ ذات بُعْدٍ عامِيّ ، فالإطار العام للجملة ، أو التركيب ، ينتمي إلى اللهجة العامية والمنطوق اليومي ، مثل قوله [ تلك كانت ستكون حريتي ](ص18) .، بينما تبرز اللغة المنطوقة الشفاهية كثيراً في بعض النصوص مثل [ سادتي .. أوقفوا المأساة سادتي ، فغداً سيصير هذا العالم بلا ذاكرة ، ولا قلب ، ولا أسماع ](ص36،12)، مما يجعل سلطة المعنى  أعلى قليلاً من سلطة الفن ، إذ يبدو صوت الكاتب عالياً إلى حدٍ ما ...وهكذا ؛ تعكس نصوص محمد خليفة الإبداع على أنه لغة تنضج كلما كانت بريئة من الاصطناع والتكلف .

لغةُ البراءةِ وطفولةُ الوجع :

[ المسافةُ إليك هي رحلةُ ألفٍ من عمر قطار يستهلك المدن والقرى وكذا الأوطان .. سائقه يدرك كثرة المنعرجات الزلجة .. محطاته الكثيرة ـ والكثيرة للأسف ـ لا تقدم لاحلوى ولابسكويت ولاحتى هدايا شوكولاته .. لقد فاتهم إدراك وجع الرجل فيه .. فكيف أن يدركوا حكاية الطفل فيه .. ](ص21) .

        بهذه الكلمات يستهل محمد خليفة نصَّه [ الرحلةُ باتجاه عينيك ] من كتاب ( ذاكرة من أحزان ) ، ويستقطب روافد الوجع المتفجر في الذاكرة التي تَئِنُّ من واقع موسوم بالانفصالات والتَّجَذُّرِ على مستوى العلاقات الإنسانية ، وعلى مستوى علاقة الفرد / الإنسان بالواقع المادي كذلك ، ويكفي أن شيئاً من هذا كفيل بأن يشكل وعياً مشوها ، بغض النظر عن طبيعة ذلك الوعي أونوعه .

        كما يبدو ذلك واضحاً من الذات التي يطرحها محمد خليفة ، وهي ذات تبني موقفها من العالم على نحو مشاعريّ ، يجسده رجلٌ كلما أوغل في العمر كلما ارتحل خلف وميض البراءة التي تتطاير في قلبه ، إذ يُصِرُّ على أن يحمل الإنسان قلبَ طفل ، ويُصًدِّره ـ وحده ـ ليواجه الانكسارات المتفاقمة على النفس .وليست هناك غرابة في أن يحمل بداخله هذه البساطة ، إنما الغرابة تكمن في أنه لا يريد تقديمها بمنتهى البساطة .

        فلو تأملنا النص المقتَبس لرصدنا ثالوثاً مختلطاً هو [ المسافة / وجع الرجل / حكاية الطفل فيه ] ، وكل طرف يذوب في غيره ، دون تمييز ، أو تحديد واضح .فما المسافات إلا فجوات عميقة ، أو حلقات مفقودة ، بين أي طرفين يسعيان للاكتمال ، بين الرجل والمرأة ، بين الإنسان ونفسه ، أو بين الإنسان والعالم المحيط ؛ مما يُعَمِّق وجعَ الرَّجلِ من ناحية ، ويجعل من الاهتمام المتوقع بحكاية الطفل استثماراً فاشلاً للوقت من ناحية ثانية .

        وتحتشد هذه المنطقة ، منطقة المسافة الفاصلة بين طرفين ، في غالبية نصوص الكتاب ، ويصبح الإنسان في ارتحال دائم لاجتياز هذه المسافة المستحيلة دائماً .

        كما تبدو نصوص الكتاب مسكونة بالطفولة والحس الدفين للكيان الضعيف ، الذي يستدر العطف ، وكأن الكاتب ، يتغنى بلذة الألم ، فيتمسح به للانعتاق من اعتناق هذه الحلقة المفقودة من حوله ، ويتوسل به من أجل اقتناص لحظة تتلاشي فيها المسافات ، لكننا نعاين محاولات متعثرة للخطوة في اجتياز هذه المسافات ، إذ يوضع لها في كل خطوة ألف حجر ، فلا يملك إلا أن يندد بأن [ الطفل فِيَّ ضاع وأكلته المدينة .. ..أنا طفل ضَيَّع اللعبة والقدرة على البكاء ](ص67،68) ، بل وكثيراً ما يصرخ على شاكلة [ أيه ..ما أوجعك يا طفلاً ضيع الربيع والحب .. بل وكل الحب ](ص27).

        هكذا يصبح الطفل مرموزاً به في يدِ الكاتب / الرامز ، إذ يميل إليه كثيراً مُقِرَّاً ـ في غير مباشَرة ـ بأننا كلنا ذلك الرجل الطفل ، ومدللاً على أن إنسان هذا الزمان طفل لا يقوى على مواجهة القسوة ، أو تحملها ، فيضيع منه كل شيء .

        وإمعاناً في تبيان هذه الصورة المتشظية ،  يلتفت الكاتب بالحس الطفولي صوب تَسْيِيْسِ الوضع المتأزم ؛ لكي تكتمل صورة الواقع القاهر لأحبائه الأطفال.. أمثاله ، كما يقول في خطابه لأمه :[ أنا لا أزال طفلاً وفياً لكل عهودك .. العالم تغير ياأمي .. أعرف أنك لا تعرفين .. أطفالاً يُحرقون في جنوب لبنان .. البارحة ماتت امرأة وأبناؤها الستة .. أطفال يجوعون في العراق .. وأبرياء يُقتلون في الجزائر .. ومجاعة جنوب السودان .. يتامى جدد في فلسطين .. ذاكرةٌ تمحى .. تلك خارطة أحبائي ] (ص66،67).

        وإذا كَبُر هذا الطفل فإنه يتكسر من جرَّاء الركض خلف البراءة الضائعة ، وإذا بالقلب يذبل ، وبالتالي يموت الجسد ، ولا يبقى إلا الأحزان ومواسمها [ ذبول + موت + أحزان ] ، وكأننا بصدد ثالوث يطرحه محمد خليفة عبر مشهدٍ يشوبه التشاؤم ، إذ يبدأ بالذبول ، والموت ، ثم الأحزان المترتبة على ذلك ؛ مما يرهق الذاكرة بأثقال الوجع فتموت ، وإذا لم تمت فإنها توصمُ بالحزن الذي قُدَّتْ منه ، وتشكلت به عبر انهيارات حادة لمنظومة القيم من جراء الانخراط ـ بلا هوادة ـ في تجليات الحضارة المادية المتطورة باضطراد ، أو الاستسلام للمتغيرات المداهمة للنفس وللإنسان ، ولعل في طمسها للجانب الروحي وبراءة الطفولة السامقة ـ فيما يقدمه محمد خليفة ـ يحمل بعدين يدينان الإنسان والعالم ، وهما :

أولاً : غياب الوعي الإنساني وفقدان السيطرة على كوامن الثبات أمام هوجة التيارات الماديَّة الجارفة .

ثانياً :اندثار الجانب الروحي وإعلاء سلطة الماديات؛ مما أحدث خللاً لدى من ينتمون إلى الحضارة الروحية،وأن حضارة المادة تتعملق في الوجود الآني على حساب هرتقة القيمة ، والعبث بالحد الأدنى للإنسان العادي.

        ويتأكد ذلك من محاولة محمد خليفة للنظر إلى القرية المتقوقعة ، في عجز ، داخل قيعان الذاكرة ، على أنها بؤرة الصفاء المؤجَّل ، الذي يستدر عطفه من تفاصيل ذاكرة لاتموت ، في مقابل الذاكرة المدنية الميِّتة في الأحزان .

شعريَّةُ الموقف :

        إن الموقف الذي اتخذه محمد خليفة إزاء التعمق في الأشياء يتبدى في شاعرية ، أو رؤية شاعرية ، ربما لأنه أقرب إلى الفنان المهموم الصادق مع نفسه منه إلى أي انتماء آخر ، حتى ولو كان هذا القرب على حساب فك صلابة الصحراء وخشونة القرية التي يحملها في قلبه قبل ذاكرته ، وذلك منذ أن علمه والده الصمود في وجه الأعاصير كالنخيل المتألق ، والضارب بجذوره في أرضه الطيبة ، تلك الأرض التي طالع فيها أولئك الذين يصنعون الحياة رغم الهجير ؛ لأنه في اتخاذه لهذا الموقف ينطلق من أرضية واقعية هي وطن القيم ، وبالتالي تظل محاولات التحليق فوق مستوى الواقع والارتحال في تضاعيف الخيال مرهونةً بهذا الوطن المشتعل في كريات دمه .  

        ولعل التأمل المتأني لعناوين النصوص التي قدمها يُكرِّس لهذا التأويل في موقف محمد خليفة ، حيث اتسمت العناوين بالتكثيف والترميز المجازيين ، مع تطعيم ذلك بجماليات الصورة المصكوكة تحت وطأة المعاناة ، ومنها [ اغتصاب أفراح الروح / إنسانٌ تأجَّل كثيراً / الرحلةُ باتجاه عينيك / نبضٌ أنت / جسدٌ من جراح / البحر الذي أكل المدينة ..إلخ ] .

        كما يمارس محمد خليفة حيلةً شعريَّة استنها ودأب على ممارستها شعراء التفعيلة ، ألا وهي الاتكاء على تفعيلةٍ بعينها لمواصلة التدفق الشعري ، . وهكذا كان يميل محمد خليفة إلى الاتكاء على تشابه مستهل المقطع السردي في النص الذي يقدمه ، فعلى سبيل المثال يتكئ في نصِّه [ في بيتنا امرأة ]على تعبير ( في الصورة ) وكأنه يستمد منه دفقةً شعورية يُجدد بها الإحساس من ناحية ، ويتتبع القضية ، أو الهمّ الذي يود إفراغه من بين الضلوع من ناحيةٍ ثانية .

-------------------------------------------

محمد مصطفى سليم

محاضر بجامعة الإمارات العربية المتحدة .

mmseliem@hotmail.com

 
أي أسئلة حول الدراسات الرجاء طرحها في المنتدى
 

لأفضل مشاهدة استخدم متصفح مايكروسوفت ودقة600×800
  دقة شاشتك الآن

جميع الحقوق محفوظة © 2003-2004 لموقع المنشاوي للدراسات و البحوث

copyright © 2002-2003 www.minshawi.com All Rights Reserved