|
لغةُ البراءةِ وطفولةُ الوجع :
[ المسافةُ إليك هي رحلةُ ألفٍ من عمر قطار يستهلك المدن
والقرى وكذا الأوطان .. سائقه يدرك كثرة المنعرجات الزلجة ..
محطاته الكثيرة ـ والكثيرة للأسف ـ لا تقدم لاحلوى ولابسكويت
ولاحتى هدايا شوكولاته .. لقد فاتهم إدراك وجع الرجل فيه ..
فكيف أن يدركوا حكاية الطفل فيه .. ](ص21) .
بهذه الكلمات يستهل محمد خليفة نصَّه
[ الرحلةُ باتجاه عينيك ]
من كتاب
( ذاكرة من أحزان )
، ويستقطب روافد الوجع المتفجر في الذاكرة التي تَئِنُّ من
واقع موسوم بالانفصالات والتَّجَذُّرِ على مستوى العلاقات
الإنسانية ، وعلى مستوى علاقة الفرد / الإنسان بالواقع المادي
كذلك ، ويكفي أن شيئاً من هذا كفيل بأن يشكل وعياً مشوها ، بغض
النظر عن طبيعة ذلك الوعي أونوعه .
كما يبدو ذلك واضحاً من الذات التي يطرحها محمد خليفة
، وهي ذات تبني موقفها من العالم على نحو مشاعريّ ، يجسده رجلٌ
كلما أوغل في العمر كلما ارتحل خلف وميض البراءة التي تتطاير
في قلبه ، إذ يُصِرُّ على أن يحمل الإنسان قلبَ طفل ،
ويُصًدِّره ـ وحده ـ ليواجه الانكسارات المتفاقمة على النفس
.وليست هناك غرابة في أن يحمل بداخله هذه البساطة ، إنما
الغرابة تكمن في أنه لا يريد تقديمها بمنتهى البساطة .
فلو تأملنا النص المقتَبس لرصدنا ثالوثاً مختلطاً هو [ المسافة
/ وجع الرجل / حكاية الطفل فيه ] ، وكل طرف يذوب في غيره ، دون
تمييز ، أو تحديد واضح .فما المسافات إلا فجوات عميقة ، أو
حلقات مفقودة ، بين أي طرفين يسعيان للاكتمال ، بين الرجل
والمرأة ، بين الإنسان ونفسه ، أو بين الإنسان والعالم المحيط
؛ مما يُعَمِّق وجعَ الرَّجلِ من ناحية ، ويجعل من الاهتمام
المتوقع بحكاية الطفل استثماراً فاشلاً للوقت من ناحية ثانية .
وتحتشد هذه المنطقة ، منطقة المسافة الفاصلة بين طرفين
، في غالبية نصوص الكتاب ، ويصبح الإنسان في ارتحال دائم
لاجتياز هذه المسافة المستحيلة دائماً .
كما تبدو نصوص الكتاب مسكونة بالطفولة والحس الدفين
للكيان الضعيف ، الذي يستدر العطف ، وكأن الكاتب ، يتغنى بلذة
الألم ، فيتمسح به للانعتاق من اعتناق هذه الحلقة المفقودة من
حوله ، ويتوسل به من أجل اقتناص لحظة تتلاشي فيها المسافات ،
لكننا نعاين محاولات متعثرة للخطوة في اجتياز هذه المسافات ،
إذ يوضع لها في كل خطوة ألف حجر ، فلا يملك إلا أن يندد بأن [
الطفل فِيَّ ضاع وأكلته المدينة .. ..أنا طفل ضَيَّع اللعبة
والقدرة على البكاء ](ص67،68) ، بل وكثيراً ما يصرخ على شاكلة
[ أيه ..ما أوجعك يا طفلاً ضيع الربيع والحب .. بل وكل الحب
](ص27).
هكذا يصبح الطفل مرموزاً به في يدِ الكاتب / الرامز ،
إذ يميل إليه كثيراً مُقِرَّاً ـ في غير مباشَرة ـ بأننا كلنا
ذلك الرجل الطفل ، ومدللاً على أن إنسان هذا الزمان طفل لا
يقوى على مواجهة القسوة ، أو تحملها ، فيضيع منه كل شيء .
وإمعاناً في تبيان هذه الصورة المتشظية ، يلتفت
الكاتب بالحس الطفولي صوب تَسْيِيْسِ الوضع المتأزم ؛ لكي
تكتمل صورة الواقع القاهر لأحبائه الأطفال.. أمثاله ، كما يقول
في خطابه لأمه :[ أنا لا أزال طفلاً وفياً لكل عهودك .. العالم
تغير ياأمي .. أعرف أنك لا تعرفين .. أطفالاً يُحرقون في جنوب
لبنان .. البارحة ماتت امرأة وأبناؤها الستة .. أطفال يجوعون
في العراق .. وأبرياء يُقتلون في الجزائر .. ومجاعة جنوب
السودان .. يتامى جدد في فلسطين .. ذاكرةٌ تمحى .. تلك خارطة
أحبائي ] (ص66،67).
وإذا كَبُر هذا الطفل فإنه يتكسر من جرَّاء الركض خلف
البراءة الضائعة ، وإذا بالقلب يذبل ، وبالتالي يموت الجسد ،
ولا يبقى إلا الأحزان ومواسمها
[ ذبول + موت + أحزان ]
، وكأننا بصدد ثالوث يطرحه محمد خليفة عبر مشهدٍ يشوبه التشاؤم
، إذ يبدأ بالذبول ، والموت ، ثم الأحزان المترتبة على ذلك ؛
مما يرهق الذاكرة بأثقال الوجع فتموت ، وإذا لم تمت فإنها
توصمُ بالحزن الذي قُدَّتْ منه ، وتشكلت به عبر انهيارات حادة
لمنظومة القيم من جراء الانخراط ـ بلا هوادة ـ في تجليات
الحضارة المادية المتطورة باضطراد ، أو الاستسلام للمتغيرات
المداهمة للنفس وللإنسان ، ولعل في طمسها للجانب الروحي وبراءة
الطفولة السامقة ـ فيما يقدمه محمد خليفة ـ يحمل بعدين يدينان
الإنسان والعالم ، وهما :
أولاً : غياب الوعي الإنساني وفقدان السيطرة على كوامن
الثبات أمام هوجة التيارات الماديَّة الجارفة .
ثانياً :اندثار الجانب الروحي وإعلاء سلطة الماديات؛ مما أحدث
خللاً لدى من ينتمون إلى الحضارة الروحية،وأن حضارة المادة
تتعملق في الوجود الآني على حساب هرتقة القيمة ، والعبث بالحد
الأدنى للإنسان العادي.
ويتأكد ذلك من محاولة محمد خليفة للنظر إلى القرية
المتقوقعة ، في عجز ، داخل قيعان الذاكرة ، على أنها بؤرة
الصفاء المؤجَّل ، الذي يستدر عطفه من تفاصيل ذاكرة لاتموت ،
في مقابل الذاكرة المدنية الميِّتة في الأحزان . |