|
وفيما هو آتٍ
استكشاف آليات القصِّ في المجموعة موطن الدراسة :
تجليات الحداثة .
. تجليات التقليد في ( مواسم الغربة ) :
لم ينل العمل
الإبداعي الأول قبولاً فنياً مُقنعاً حتى من مبدعه نفسه ،
فالغالبية
من كبار الكتاب يبدون ـ أحيانا ـ بعض الخجل ، أو الاعتذار غير
المباشر عند ذكر الإصدار الأول ، ومرد رضاهم عنه يعود إلى
قناعة محدودة بأنه قدم اسمهم للقارئ ، حيث كان بمثابة بطاقة
تعريف أولية ينبغي استثمارها فنياً فيما هو تالٍ من أعمال ،
وكأن علماء النفس يقصدون التجربة الإبداعية الأولى عندما
فصَّلو القول فيما هو معروف بـ ( العملية الأولية
Primary Process)
واسمين إياها باللاشعورية واللاعقلانية ؛ فهي ( تجهل حدود
الزمان والمكان ، ويتحكم فيها مبدأ اللذة والألم ، فخلالها
يندفع المرء تجاه اللذة ويبتعد عن الألم )([12])،إذ
يمكن تفسير اللذة بأنها الكتابة ، أو الإشراق ؛ حيث تظهر فيها
الأفكار ( بطريقة مفاجئة وغير متوقعة . . ولا تستطيع أن تؤثر
فيها بأي مجهود إرادي مباشر ، وهي تحدث بعد عدد كبير من
المحاولات والتداعيات غير الناضجة )([13]).
وبالإضافة إلى ذلك
، فإن المخزون الكتابي للعمل الأول موكول إلى الذات ، فهي
كتابة ــ في المقام الأول ــ ذاتية ، ومن ثم يكون صوت المؤلف
عالياً ، والنبرة الخطابية الوعظية حاضرة في جنبات العمل ، إذ
يتبدى له وكأن الكون منقاد إلى الهاوية والخراب ؛ لذا يأتي
الصراخ والاستغاثة ، ويُحَمِّل النص أبعاداً شعاراتية بوصفها
مسوغات تحتمها ضرورة الانتماء والموقف .
كما تمنح غالبية
المكاشفات الفنية لهذه الكتابات مؤشراً واضحاً على أن الكتابة
الأولية ليست حرفةً فنية تتصدر السُلَّم التراتبي من حيث
ضرورات الكتابة ودوافع الفعل الإبداعي ، وإنما من حيث كونها
رؤية الذات للعالم ، فتكون بمثابة الخلاص والانفجار والرغبة
المُلِحَّة في اقتحام المجهول . وربما تكمن هنا معادلة اللذة
والألم عند النفسيين ؛ فاللذة هي اقتحام المجهول / عالم
الكتابة ، وأما البعد عن الألم فينعكس من خلال التركة المُثقلة
التي يحملها بغية خلاص العالم ، والبحث عن وجود .
إن ( مواسم الغربة
) باكورة إبداعية للكاتب والصحفي خليفة بن سلطان العبري ؛
تَنَسَّمت وجودَها الفنيَّ بعد أنْ عُبِّدَ لها درب القصة
القصيرة العمانية عبر عقد من الزمان أو أكثر ، فكان لها من
محاولات التجريب الفني السابق ما يُحقِّقُ أجواءً فنية تسهم ،
بشكل أو بآخر ، في إنضاج آليات القص وتعدد مستوياته ، إضافةً
إلى انغماس المجتمع العماني وحركته المادية في عالم التطور
المُتفاقم والتفجر المعرفي المتزايد ، فجاءت المجموعة وفية
لهذه الأجواء من ناحية ، ووفية لتجليات الرواسب المصاحبة
للتجربة الإبداعية الأولى ، حيث قلت ، ولم تنعدم ، مسالب
التجربة الأولى ، بل ربما يكون الوقوف بها ، وأمامها ، في
منطقة وسطى ، أمراً قريباً من الإنصافِ ؛ إذ بقدر ما حققت
طفرات تقدمية فنية بقدر ما تمسكت بتلابيب بعض الأداءات الفنية
ذات الطابع الكلاسيكي أو التقليدي .
وكان تقديم الناشر
للعمل على أنه مركب مزدوج ؛ اختلطت فيه القصة بالقصيدة الشعرية
، لغةً وتصويراً وخيالاً ؛ يتناغم والتعبير الرشيق عن الحال
المجسدة ، أو الومضة الموبوسانية الخاطفة ، والمكتظة بالأحاسيس
الجوانية ، وهي ــ أي المجموعة ــ ذات تكنيك فني ينتمي إلى
آليات القصة الحديثة . . . . . كل هذا لا يمكن التقليل منه ،
ولكن في الوقت نفسه يصعب التعامل معه برؤية أحادية القطب ، أو
الانكفاء عليها دون إنعام النظر في حرفية القص ووفاء المجموعة
لآلياته .
إن التأمل المتأني
في القصص العشرة للمجموعة بغية لَمْلَمَة التقنيات الفنية
والعناصر المُهَيْكلة لبنية القصة القصيرة الحديثة ، بدءاً من
القصة الأولى ( رائحة يوم فائت ) وانتهاءً بقصة ( في قريتنا
غريب ) ؛ يشي ــ منذ الوهلة الأولى ــ بأن هناك تجاوراً
ثنائياً للعناصر الحداثية ( ويُقصد بها الآفاق التجريبية
المواكبة للتطور الفني المضطرد في بنية القصة القصيرة ) مع
كلاسيكيات القص ، أو السمات التقليدية لإبداع القصة القصيرة في
الأدب العربي عامة ، والأدب العماني خاصة ، وذلك في قصص
المجموعة كلها ، وأحيانا يجتمعان في القصة الواحدة ، حتى لكأن
المجموعة ، في كونها بنية كلية ، تطمح نحو بناء خصوصية لها
بالقدر الذي تحمل فيه أيضاً عناصر هدم تلك البصمة الخاصة .
إن تجليات السمات
الحداثية ؛ الساعية صوب كسر هندسة الحكي المُمَنْطَق في بعده
التدريجي الصَّاعد بالأحداث ، بما ينطوي عليه من تدرج وصعود
متنامٍ بالحالة المُقْتَنَصة ، تبدو بائنة فيما يسمى بالبعثرة
المنهجية أو ظاهرة ( التَّفْتِيت
Atomization)
بالنسبة للحدث المقصوص ، سواء أكان ذلك بارزاً على مستوى الشكل
الخارجي كما في قصة ( مواسم الطيور القرمزية ) التي صُدِّع
فيها الحدث ، وبعثره الكاتب خليفة بن سلطان العبري عَبْرَ
فقرات مُرَقَّمة ، تفاوت حجمها دون معيار يُحْتكم إليه في هذا
التفاوت سوى عمق اللقطة ، وقدر حاجتها للتوصيفِ المُكَثِّف ،
أو كان مُتَضَفراً ببنية سردية كلية ؛ تُتيح التنقل عبر بنايات
جزئية ، مُقَطَّعة الدلالة مثلما هو واضح في قصة ( العودة ) .
كما يوجد اقترابٌ
ــ بدرجات متفاوتة ــ من نمط القصة القصيدة في ثوبها اللغوي ،
وربما لجأ إليه الكاتب إبرازاً للأجواء النفسية ومنحنيات الذات
الداخلية ، على شاكلة ( طويا كل الطرق وراءهما كسِجَّادة . . .
وقلق الدروب . . . ضجرها . . . والهمس السوقي . . . والأحاديث
التي كُسِرَت كالقدح الذي صار شظايا )([14]).
وغيره في كثير من القصص التي قدمت لوحاتٍ تصويريةً للنفس
وللذات الإنسانية دون تجاهل عصب هذا النمط وهو الاقتضاب
والتكثيف ، بما يصلان إلى حد الشفرة أحياناً ، وكأن خليفة
العبري يُفرغ ما بداخله من ضجر فنياً ولغوياً ، إذا جاز لنا
ذلك ، حتى يسحب القارئ بلا هوادةٍ إلى عالم القصة ؛ لِيُفَتِّش
عما يمكن أن يملأ به الفراغاتِ المتروكةَ له ـ قصداً ـ من
قِبَلِ المؤلف .
وتبرز سمة حداثية
أخرى متمثلة في البوح بالصورةِ وتجسيد التداعيات بامتطاء
الخيال الخصب ، المستمد لمعينه من قرية ( العراقي ) مسقط رأس
الكاتب بسلطنة عمان ، فيما ينعكسُ عن المأثور الفولكلوري
لمفرداتِ الحياة ، وأنماطها المعيشة ، وتوصيف ظلال المكان
والطبيعة القروية الخلابة ، وكذلك التراث الشفهي المتمثل في
المثل الشعبي ، والأقوال المتناثرة ، والألفاظ أو المفردة
المُغَبَّرة بتراب قرية العراقي ، وكان الكاتب يتكئ ــ أحياناً
ــ على المثل الشعبي ، مع الاستفادةِ مما تمنحه القاعدة
البلاغية القديمة/الجديدة (بلاغة الحذف أقوى من بلاغة الذكر )
من مدلولاتٍ تَصبُّ في جوهرِ العلاقةِ بين ثالوثِ الفنِّ (
الكاتب / النص / القارئ ) فيطالعنا ــ قاصداً ــ بإيراد
الأمثال غير كاملة التركيب ، كما في قصة ( رائحة يوم فائت )
حيث يقول ( يا غراب الباطنة شلني مع . . . . / العِشْرة لا
ينساها سوى . . . )([15])
. . وغيرهما الكثير من الدّوال الطارحةِ لوعي المؤلفِ بأنَّه
يُقبِلُ على قارئ إيجابيٍّ ؛ ينبغي التعاملُ معه بمبدأ التكثيف
، أو المراوغة الفنية ، التي تُحيلُ القارئُ إلى [ مُرْسِل
إليه ] ، وليس [ مستقبل ] فقط ؛ لما في الثانيةِ من إيحاءاتِ
دالةٍ على أن [ المُرسلَ ] / الكاتبَ لا يُقَدِّم [ الرسالة ]
/ النَّص بوصفها قالباً محدداً كامل التكوينِ ، بل على كونها
حاملةً لقدرٍ من التشويش ، أو عدم الكمال ، وعلى القارئ [
المرسل إليه ] ، وليس [ المستقبِل ] أن يُتِمَّ ما بها من
فراغاتٍ أو نقصانٍ وفق ثقافته ووعيه ، وهنا تتحولُ الرسالةُ
إلى شفرةٍ ؛ تسمو بدور القارئ والمُرْسِل .
وكم هي عودة حميدة
لممارسة تلك اللعبة الحداثية ، حيث يُعَوِّل الكاتب على القارئ
لتحقيق التواصل ، فيستقطبه إلى أجواء النص ليشاركه فعل الإبداع
والبحث عن مخرج ، وفي ذلك إبراز لنمط من أنماط التطور الفني ،
الذي يتحدّدُ من زاوية تَوَجُّه الكاتب بالعمل الإبداعي للقارئ
الواعي ، لا للقارئ السلبي ، في ظل ثورة المعلومات وعصر
التراكمات المعرفية ، إذ على القارئ أيضاً أن يُقبل على قراءة
العمل وهو مُزَوَّدٌ بمخزونٍ ثقافي وشعبي يُعينه على فك طلاسم
العمل ؛ لأن منطق الحدوتة أصبح مُتَجاوزا بالعديد من الأشكال
والبنى القصصية العديدة .
وأبان خليفة بن
سلطان العبري عن وجه حداثي آخر
يتمثل في التقاط اللقطة القصصية الحادة ؛ ذات الأبعاد النفسية
المتشابكة ، دون اللجوء إلى تيمات قصصية مستهلكة أو مطروقة من
قبل ، ففي قصة ( هاجس شرف ) بُني الحدث على التقاط خيط رفيع
يبدو هامشياً وهو أثر البيئة الخارجية في إِحداث التحولات
والانقلابات المُغَيِّرة لمسار الشخصية داخل العمل القصصي ؛
فيأخذ هذا الخيط ثم ينتقل به إلى داخل الإنسان ويُفجر به
طاقات نفسية ومشاعرية كامنة ، يثيرها بحدة ؛ مما يقود الشخصية
إلى تغير حاد أو انقلاب غير متوقع ، خاصة إذا كانت الشخصية قد
ضربت سياجاً حول نفسها يمنعها من الانغماس في التفاصيل اليومية
للبيئة من حولها ، فـ( صابرة ) الشخصية المحورية في القصة ،
والخجولة ، تنقلب إلى الضّد والتمرد بسبب كلام أخيها المستمر
عن علاقتها بقاسم الوسيم ؛ الذي حرك بداخلها عاطفةً مكبوتة ،
تسببت في تكوين هذه العلاقة بينهما ، وهي التي لم تخرج من
بيتها قط .
والغريب أننا نرصد
سمات مضادة تماماً لما سبق ذكره ، ومنتزعة لجانب كبير من
التجربة الإبداعية في غالبية قصص المجموعة ، بحيث تتجاور سمات
الحداثة مع عناصر التقليد ؛ بما يجعلنا نعاين تكافؤ الاتجاهين
كثيراً داخل المجموعة ؛ مما يُقلِّلُ ـ في بعض الأحيان ـ من
ملامح التطور الفني ، أو من تَرْكِ بصمة قوية على إبداع القصة
القصيرة .
في قصة ( دماء
الحقيقة ) عودة قويةٌ إلى البنية التقليدية والتكنيك القصصي
القديم ، الذي يتقاطع أحيانا مع ماوصلت إليه الأشكال التجريبية
القصصية الحديثة . فلقد بنى خليفة العبري قصته وفق طريقة
المعالجة السينيمائية التي لم تتخلص من غرابةٍ شديدةٍ في مادة
الحدثِ ، أو بناء العقدة في شكلها التقليدي غير مُقنعٍ ، فبطلُ
القصة يُجْبَر على الوقوف بسيارته ؛ ليركب شخصٌ مطعون بسكين في
بطنه ، وإذ بالبطل يمسك بالسكين ليخرجها من بطنه ، بينما يلتف
حوله في اللحظة نفسها البوليس ، ويصبح ببساطة شديدة هو القاتل
، وبسذاجة أشد يعترف أمامهم ، على وعد منهم بأن يتركوه ليعود
إلى أبنائه ، ولكنه لا يفيق من ذلك إلا ورأسه محشورة ( داخل
كيس صوفي شد عليه من عنقه وثبت على ظهره في عمود صلد )([16])
وبينما يطلق عليه الرصاص تنفيذاً للإعدامِ ينقبض قلب الزوجة في
اللحظة ذاتها ، وفجأة ينقلنا نقلةً بصريةً حادة إلى هذا
المشهد حيث ( يسقط إبريق الشاي من يدها ، ويحرق أصابع قدمها
اليمنى )([17])
دون أن تدري عن زوجها شيئا ، أو يبرزها الكاتب قلقة عليه ،
والأدهى من ذلك يختم القصة بعبارات إخبارية تقريرية مباشرة ،
ولا تؤدي شيئا سوى التكريس لحالة عدم الاقتناع وفقدان التواصل
مع النَّصِّ ، ومع البناء الفني لقصة حديثة ، على شاكلة قوله
( كمية من الدماء خرجت من أحد أجزاء جسده . . وكأن هناك من
دفعها بيده لتخط على الأرض أحرفاً لأول مرة يراها الحاضرون
بهذا الشكل في هذا المكان في مثل هذه الحالات : م ظ ل و م . )
([18])
، وإذا سلمنا بمنطقية المذكور ، فإن حرفية القص مؤسسة على
المسار السُّلَمي للحدث بمنحاه التاريخي المُتَصاعد ، لكن
الكاتب لم يعتمد في تصاعده بحركية الحدث إلى الأمام على إدغام
النقلات والمشاهد الحدثية في بنية سردية تنشغل بأمور الوصف ،
وتعطل مكونات القص التقليدي العائد بتوصيف القصة إلى بدايات
الجنس الأدبي نفسه ؛ ولعل إدغام البنى الجزئية للحدث في هيكلة
سردية هو الذي يُذيبُ هذا التدرج المكشوف لمنطق البناء ، وكم
سيكون الأمر مُقنعاً لو أنَّ الكاتبَ لجأ إلى فصل المشاهد
الموجودة بالقصة ، وتنقل بينها عبر خلفية دلالية ؛ تتخلق عبر
علاقة القارئ الواعي بالكاتب ، ومن ثم يقوم القارئ نفسه بربط
هذه المشاهد بعضها ببعض ؛ ليقيمَ نسقاً بنائياًً من الدلالات
المتسقة ، وليس هذا النمط بغريبٍ على الكاتب ؛ لأنه مارسه في
أكثر من قصة بالمجموعة. بالإضافة إلى أنه أهمل عنصراً فنياً
ثري الدلالة ، وهو ما يسمى بعنصر [ الكولاج القصصي ] ، الذي
يتطابق تماماً مع عنصر [ المونتاج ] في المجال السينمائي ؛ إذ
يرتبط بمحاولة الربط بين المشاهد المتعددة لخلق بنية درامية
ذات بعد هرموني متسق .
كما تَكْثر بعض
العبارات المستهلَكة ، ذات القوالب اللغوية الجامدة والمطروقة
، دون مبررٍ فنِّيٍّ لها ، مثل ( لا يجود الدهر بمثل هذه
الساعة / نافضاً جلَّ غضبه )
([19])
، وتنتشر كذلك أدوات العطف التي تُسهم في تمدد النسيج القصصي
فيترهل ، إضافة إلى انفلات الأداة اللغوية المحكمة وهو يوصّف
الملامح النفسية لبعض الشخصيات ، فحينما يعبر عن ضيق أفق (
صابرة) ومحدودية إدراكها لبعض أمور الحياة ، يقول في عبارة
صحفية إخبارية لا تتناسب وطاقات التخييل التي من المفترض أن
تتحلى بها القصة الحديثة ( فتاة لا تزال في مرحلة التشكيل
الفكري ، إذ تظل الكلمة تعمل في أذنها
([20])
.
وهكذا يدور القاص
فنياً بين الصعود والهبوط ، وتتجلى تجربته الإبداعية في
الاستقرار عند حيز البحث عن انتماء فني ، مثلما ينشغل مضمونياً
، ومع كل قصة ، بالبحث عن وجود وخلاص للعديد من القضايا ،
أوالقلاقل ، الناجمة عن تطور حركة المجتمع . |