ابن الدهّان المَوْصِليّ
حياته وشعره
 

 د. شفيق محمد الرّقب
أستاذ مشارك
جامعة مؤتة

1999

ملخَّص

        يدرس هذا البحث حياة ابن الدهّان الموصليّ وشعره من الناحيتين المضمونيّه والفنيّة. وقد تبيّن أنّه كان شاعرًا مؤرّق النَّفس بسبب الرّزق، ممّا جعله يغادر بلدته الموصل، ويتنقّل بين مصر والشّام ويتّصل بالحكّام ويمدحهم، إلى أن استقرّ به المطاف في حمص وعمل مدرّساً فيها. وبيّن البحث أنّ شعره يسير في اتّجاهين: اتّجاه فرديّ وآخر عامّ؛ أمّا الفرديّ فتمثّل في الغزل والرّثاء وبعض الحكمة والوصف. وكان همّ الغربة حاضراً في هذه الأغراض جميعًا؛ فأكْثَر في غزله من تصوير مشاهد الوداع ، ووصف آلام الوحدة، وتحدَّث في رثائه عن فقدان النصير، وزوال السرور ، وتذمّر في حكمته من الناس، ودعا إلى عدم الثقة بهم، وشكا في وصفه للطبيعة من أيّامه السود ومعاناته بعيداَ عن وطنه. وأمّا الاتجاه العامّ فتمثل في القصائد التي قالها في المدح و الجهاد وما يتّصل بها من وصف المعارك الحربيّة مع الفرنجة في حالتي النصر والهزيمة. وأظهر البحث أنّ الشاعر كان يميل في شعره إلى السهولة والوضوح، مع العناية بعناصره الإيقاعيّة والتصويريّة، والاستفادة من التجارب الشعريّة لمن سبقه من الشعراء.

Abstract

          The present paper endeavors to study the poetic works of Ibn Al- dahhan Al-mūsilli from a content and artistic perspective. The study was successful in explicating that Al-mūsillu’s poetry has tow tendencies; the first tendency is limited and individual this is represented by love, obituary some wisdom and descriptive poems. The other tendency is general and includes the poetry of praising and fighting the enemies (Jihad). At the aristic level the paper was able to show that Al- mūsill’s poetry inclines to be simple and obvious, with some care of rhythm and metaphors. The poet learned from the experience of other poets.

ترجمتُه:

        تُجْمِعُ أكثر المصادر على أنَّه عبد الله بن أسعد بن عليّ بن عيسى ، وهو ينسب من حيث البلدة إلـى الموصل موطنـه الأصلـيّ ، وإلى حمص الّتي هاجر إليها واتخذها دار إقامة ، فيقال الموصليّ والحمصيّ ، في  حين نسبه ياقوت إلى جزيرة ابن عمر ، فقال الجَزَرِيّ ثم الموصليّ ، وتفرّد ابن عساكر والذهبيّ بنسبته إلى مذهبه الشافعيّ. وله كنيتان هما: ابن الدهّان وأبو الفرج ، وقد اشتهر بالأولى منهما ، ولعلها تشير إلى المهنة الّتي احترفها أبوه. كما ذكرت له المصادر لقباً هو: مهذّب الدين ، ويُختصر أحياناً فيقال المهذّب(1).

        ولا نكاد نظفر بأية معلومات عن مولده ، ولعلَّه ولد سنة 522هـ اعتماداً على ما ذكرته المصادر عن وفاته  سنة 581هـ وقد قارب ستين سنة(2).والأخبار عن حياته في الموصل قليلة ، ويبدو أنَّه وصل نفسه بفقيهها وقاضي دمشق من بعد شرف الدين عبد الله بن أبي عصرون ، وقد ورد الشام في صحبته مرّات ، غير أنَّه لم يستقرّ فيها في المرحلة الأولى من حياته ، وإنَّما كـان يعود إلى موطنه.(3) ويظهر أنَّ حياته في البلدة لم تكن مستقرة ، وأنَّه كان يعاني من الفقر ، فعزم على الرحيل إلى مصر طلباً لعطاء وزيرها طلائع بن رُزِّيك ، وقد عجزت قدرته عن استصحاب زوجته ، فكتب إلى الشريف ضياء الدين أبي عبد الله زيد ابن محمد نقيب العلويين بالموصل أبياتاً مؤثّرة صوّر فيها تشبّث زوجته به ، وأحزانها عليه ، وقد ورد فيها:

وذات شجوٍ أسالَ البينُ عبرتَها
لجَّتْ فلمَّا رأتني لا أُصيخُ لها
قالتْ وقد رأت الأجمالَ مُحْدَجةً
من لي إذا غِبتَ في ذا العامِ قُلتُ لها
لا تَجْزَعي بانحباس الغيثِ عنكِ فقد

 

 

قامت تُؤَمّلُ بالتَفْنيدِ إمساكي
بكتْ فأَقْرحَ قلبي جَفنُها الباكي
والبينُ قد جمع المشكوَّ والشّاكي
الله وابنُ عُبيد اللهِ مَوْلاكِ
سألتُ نَوْءَ الثُريّا صَوْبَ مغناكِ
 

فتكفَّل الشريف المذكور لزوجته بجميع ما تحتاج إليه مدَّة غيبته عنها.(4) ويذكر العماد الأصفهانيّ أنَّ ابن الدهّان لم يسافر إلى مصر ، واكتفى بإرسال قصيدته الكافيّة إليه ، فنفَّذ له طلائع (الجائزة السنيّة ، والعطية الهنيّة).(5) غير أنني أُرجِّح قصد ابن الدهّان مصر ، فقد

ورد في قصيدته ما يشير إلى ذلك حيث قال:(6)

لا تترُكنّي وما أَمَّلْتُ من سفري
أرى السباخَ لها ريٌّ وقد رضيتْ

 

 

سواك أَقفلُ نحو الأهلِ صعلوكا
منك الرياضُ مساواةً وتشريكـا

يضاف إلى ذلك أنَّ الشاعر مدح أبا الغارات بثماني قصائد يتّصل بعضها بالأحداث الّتي جرت في مصر إبّان وزارته ، وسنشير إلى ذلك عند دراسة شعره. وقد تجيز لنا هذه القصائد القول إنَّ إقامة الشاعر في مصر لم تتجاوز سنة 556هـ ، وهي السنة الّتي قُتِلَ فيها طلائع ، ولعلَّه غادرها قبل ذلك ، فديوانه لا يتضمن أية أشعار قالها في رثائه.

        ويغادر الشاعر مصر إلى الشام الّتي كانت تشهد حركة جهاديّة صاعدة بقيادة نور الدين زَنكي ، ولا نجد في ديوانه أيّة قصيدة في مدحه ، ولعلّ الشاعر ، وهو القادم للتوّ من رحاب وزير فاطميّ أحسّ أنَّه لنْ يجد قبولاً لديه ، ولا سيّما أنَّ نور الدين كان معادياً للفاطميّين ، ورافضاً للتعـاون مع وزيرهـم طلائع ، وساعياً إلى اسقاط دولتهم والقضاء عليهم. غير أنَّ الشاعر وجد الفرصة سانحة للاتصال به بعد الواقعة الّتي ألمَّت بالمسلمين في البقيعة سنة 558هـ(7) ، فخرج إليه ، وقال بين يدية قصيدة اعتذر فيها عن الهزيمة ، ونفذ من ذلك إلى مدحه والإشادة به.(8)

        وقد استغلّ ابن الدهّان إقامته في دمشق للاستزادة من العلم ، فأخذ يتردَّد على دروس أستاذه القديم ابن أبي عصرون ، واتصل بالحافظ ابن عساكر وسمع منه صحيح مسلم والوسيط في التفسير للواحديّ ، ممّا أهلّه لمزاولة التدريس ، فانتدب لتدريس العربية والفقه في حمص(9). ولعلَّ ذلك كان قبل سنة 558هـ ، لأنَّ اللقاء الأول الّذي حدث بينه وبين نور الدين في السنة المذكورة كان بظاهر المدينة ، كما أنَّ أبا شامة وصف الشاعر في تقديمه للقصيدة الّتي أشرنا إليها آنفاً بـ (نزيل حمص).(10)

        وتَجْمَـعُ مدرسةُ حمص بين الشاعر والعماد الأصفهانيّ سنة 563هـ، فيعجب العماد به ، ويأنس أحدهما بالآخر. ويبدو أنَّ شاعرنا قد آثر التدريس ، فآوى –كما يقول العماد- (إلى كسر الانكسار ، وانزوى في ستر الاستتار)(11) ، واتَّخذ حمص دار إقامة ولم يغادرها إلا قليلاً ، حتّى عُرف بـ (مدرّس حمص)(12) ، بل أنَّه نُسب إليها كما ذكرنا.

        غير أنَّ هذا لم يَحُلْ دون الاتصال ببعض قادة العصر آنذاك ، فوصل نفسه بالملك الأيوبيّ القاهر ناصر الدين محمد بن شيركوه ومدحه بقصائد عدة ، كما اتصل بالملك الناصر صلاح الدين الأيوبيّ ، وقد روى العماد أحداث اللقاء الأول الّذي تَّم بين الشاعر والسلطان سنة 570هـ ، حيث قال: ولمّا وصل صلاح الدين (إلى حمص وخيَّم بظاهرها خرج إلينا أبو الفرج المذكور ، فقدمته إلى السلطان ، وقلت له: هذا الّذي يقول في قصيدته الكافيّة الّتي في ابن رُزّيِك:

أأمدحُ التُركَ أبغي الفضل عندهمُ

 

 

والشِّعر ما زال عند التُّركِ متروكا

 

قـال: فأعطـاه السلطـان ، وقال حتى لا يقول أنَّه متروك ، ثم امتدح السلطان بقصيدته العينية …).(13)

        ولا تُقـدِّم المصـادر تفصيـلات أخـرى عن العلاقة بين الشاعر والملك الناصر ، واكتفت بإيراد بعض الإشارات الّتي تتحدث عن خروجه لاستقبال السلطان كلّما زار حمص ، أو نزل في ظاهرها. وقد ظلَّ ابن الدهّان مقيماً فيها حتّى أتاه اليقين سنة 581هـ كما ذكرت أكثر الروايات.(14)

        وقد نوَّه الّذين ترجموا للشاعر بثقافته ، وسعة معرفته ، وتعدّد اهتماماته ، فذكروا أنَّه (الأديب الشاعر النحويّ ذو الفنون)(15) ، وأنَّه كان (فقيها فاضلاً أديباً نحويّاً شاعراً عالماً بفنونٍ كثيرةٍ).(16) وأطنب العماد بلغته المسجوعة في تقريظه والثناء عليه ، حيث قال: (فأمَّا الفقه فهو إمام محرابـه ، ومحزّب أحزابـه ، ومقدام شجاعته ، وسراج ظلامه … وأما سائر العلوم فهو ابن بَجْدتها ، وأبو عُذرتها … ) (17) وذكر أنَّ له بعض المؤلّفات ولكنّـه لـم يسمّها ، وقد حُفِظَ لنا واحد منها عنوانه (شرح الدروس) ، وهو ما يزال مخطوطاً محفوظاً في مكتبة شهيد علي باشا باسطنبول تحت رقم 2349.(18) وانفرد العمـاد ، بحكــم اتّصالـه به ، بذكر بعض المزايا الشخصيّة له ، وعلى رأسها دماثة الخلق ، وحلاوة المعشر ، ورقّة التهذيب ، وأشار إلى أنَّ فيه (تمتمة تسفر عن فصاحة تامّة ، وعقدة لسان تبين عن فقه في القول وبلاغة من عالمٍ مثله علاّمة).(19)

        وعلى الرَّغم من هذا التقدير الّذي ذكرته المصادر لابن الدهّان فإن السياق العام لشعره يدل على أنَّه شاعر مؤرَّق النفس بسبب الرزق ، وقد ولّد ذلك في نفسه إحساساً ممضّاً بضياع الجهود ، لأنَّه لم ينل من الحياة ما يقيم أوده وأود أسرته ، ولا سيما أنَّه يرى من هم دونه وقد غرقوا في النعيم ، ونالوا ما يصبـون إليه ، كما في قوله(20)

إن يَعْلُني غيرُ ذي فضلٍ فلا عجبٌ
والماء تعلوه أقذاءٌ ، وها زُحَلٌ
لو كان جَدٌّ بجِدٍّ ما تقدَّمني
ما في خموليَ مِنْ عارٍ على أدبيِ

 

 

يسمو على سابقاتِ الخيلِ هابيها
أخفى الكواكب نوراً وهو عاليها
عصابةٌ قصَّرتْ عنِّي مساعيها
بل ذاك عارٌ على الدنيا وأهليها

 

        وهذا الأسلوب التسويغيّ الّذي تقمّص الشّاعر فيه صوت الرجل الحكيم لا يلبث أنَّ يتحول في قصائد أخرى إلى شكوى حائرة مغّلفة بغيوم الأسى والضياع ، كما في الأبيات التالية الّتي تبدو كأنَّها غصّة احتجاج في حلق صاحبها:(21)

غبرتُ مدى الزمان حليف فقرٍ
وقد ضاعتْ علومٌ طال فيها
أرى المتقدّمين اليوم دوني
وأشجى من ضياع العمر حتى

 

 

خميصاً عارياً ظمآن ضاحي
غدويّ واستمرَّ لها رواحي
فيؤلمني خمولي واطّراحي
أغصّ ببارد المـاء القـــراحِ

        ويلّج الشّاعر في شكواه ، ويتّخذ التّذلل وسيلة للاستشفاع ، فينزف في أسىً ماء وجهه، ويأسف لمصيره ، ويبكي غربته ، ويصوّر معاناته تصويراً مؤثراً ، كما في قوله يخاطب أحد ممدوحيه:(22)

لا تتركنّي بعيدَ الدار مغترباً
انظر إليّ بعينٍ منك راحمةٍ        مضّيع الفضل والآداب في نَعَمٍ

 

 

أظما ، وفي وطني من جودك الدِّيمُ
ففيّ أَجْرٌ لباغي الأجرِ مغتَنَمُ
لا ينفق الفضل والآداب عندهمُ

 

ديوانه والدراسات السابقة:

        ذكرت المصادر أنَّ لابن الدهّان ديواناً صغيراً(23) ، وقد حُفظ منه نسخة مخطوطة واحدة في المكتبة الّتيموريَّة ، وقام الأستاذ عبد الله الجبوريّ بتحقيقها ، وإعـداد تكـملـة لهـا ، وعلى الرغم من الجهد الطيّب الّذي بذله في تحقيق الديوان ونشره ، فإنَّ ثمَّة مواضع في الديوان تثير بعض الإشكالات القرائيّة ، سأورد هنا أمثلة منها:

1-   فقد قرأ البيت (51) ص (33) كما يلي:

يا غيث لا تسجم وما حمل مربعي       بنداك إلاَّ ذو غدير مترعِ

والصواب:……… ومَاحِلُ

2-   وورد البيت (46) ص (32) كما يلي:

لا يغزونّ الرومَ بعدُ ديارهم     إنَّ الخليج لديك أقربُ مشرَعِ

والصواب: لا يَغْرُرَنَّ…………

3-   وقرأ البيت (55) ص (44) على النحو الآتي:

بخيلٍ إذا أوليتها النجم حلّقت    إليه ، وإن أوطأتهُ الحزن أسهلا

والصواب:…… وإن أوطأتها ……

4-  وقرأ البيت (71) ص (46) هكذا:

فقد صرّحتْ  حولي المرابع كلّها                فلو أنَّ لي حولاً بأن أتحوّلا

والصواب: فقد صُوِّحَتْ ……

5-  وقرأ البيت (2) ص (86) هكذا:

يهوى مُضَارَبَةَ الجريحِ بخدِّهِ            ويهيم من وجدٍ به المقتولُ

والصواب: …… مَضَارِبَهُ ……

6-  وقرأ البيت (2) ص (95) في ختان ولد أسد الدين هكذا:

ظُهورٌ أعاد الدَّهر طهراً وفرحة                 أعادت بكايا لهوه وهي حفَّلُ

والصواب: طُهورٌ ……

7-  وقرأ البيت (22) ص (96) هكذا:

ولولا التّقى ما مدَّ للسّيل كفّه     ليؤلمه والليث جذلانَ يرفلُ

والصواب: ……… للشِّبل

8-  وقرأ البيت (4) ص (97) هكذا:

قد كان في الحلم لي عبداً وكنت له      بحكم حبّي له عبداً بلا ثمن

والصواب: …… في الحكم ……

9-  وقرأ البيت (2) ص (115) هكذا:

يظلّ معتنق الأبطال ضاربها      ترفّقاً أن يُقال الطاعم الرّامي

والصواب: الطاعن.

10-         وقرأ البيت (2) ص (148) هكذا (من الكامل):

ويُسْري على هولِ الظلام إلى شجٍ       لولا يئنّ جوىً لأخفاه الضّنا

والصواب: يَسْري ……

        وثمَّة ملاحظة أخرى تستوقف قارئ الديوان وهي كثرة الفراغات فيه بسبب عدم وضوح بعض الكلمات في المخطوطة الأصلية ، ومع أنَّ المحقق معذور في ذلك، غير أنَّه من الممكن الاجتهاد في قراءة بعضها اعتماداً على السياق دون إخلال في الوزن والمعنى ، من مثل:

1-  البيت (24) ص (51) ورد هكذا:

وفتىً إذا عدّوا السنين فإنَّهم     عدّو السّنى [……] فكان الأكبرا

ويمكن أن يوضع في الفراغ كلمة (عُمَراً)

2-  البيت (11) ص (98) ورد هكذا:

…… منظراً مذ غبت يعجبها       عيني ولا سمعت مستحسناً أذني

ويمكن أن يقرأ: ولا رأت ……

3-  البيت (22) ص (100) ورد هكذا:

عش سالماً في نعيم لا انقضاء له                   يفديك كلّ الورى من ……

ويمكن أن يوضع في الفراغ: حادث الزمن

4-  البيت (7) ص (108) ورد هكذا: 

… لو لمْ تخن في يمينها            ومدَّت لتوديع إليّ يمينها

ويستقيم الوزن والمعنى بقراءة: فيا ليتها ……

5-  البيت (9) رقم (110) ورد هكذا:

يرضى بدون الشكر من سؤَّاله       كرماً ولا يرضى لهم ……

ويمكن أن يوضع في الفراغ: بالدّونِ

        وقد ترجم الدكتور ناظم رشيد للشاعر في بحثٍ عنوانه (ابن الدهّان الموصليّ: الشّاعر الوشّاح)(24) ، وهي ترجمة موجزة وقف فيها عند حدود ما ذكره العماد الأصفهانيّ في (الخريدة) ، وتعرّض إلى بعض الموضوعات الّتي تناولها في الديوان دون تقصٍّ. غير أنَّ هذه الترجمة – على قيمتها – لم تقدّم تطوراً دقيقاً متكاملاً لشخصيّته والعوامل المؤثرة في شعره ، وطريقته الفنيّة.

شعره: دراسة موضوعية:

أولاً: الاتّجاه الفرديّ:

        يتمثَّل هذا الاتجاه في الغزل وما يتَّصل به من الحنين ، والرّثاء ، وبعض الوصف ، والحكمة. ويُعدُّ الغزل من الموضوعات الرئيسية الّتي تناولها ابن الدهّان في شعره ، وجلّه من الغزل الّذي يتصدَّر قصائد المدح ، ولا يعبّر عن حب لامرأة بعينها ، ويرتبط بالحديث المعمّم المبهم عن حبيبةٍ حُرِمَ منها الشّاعر فألهب ذلك قلبه حنيناً ولوعة ، على شاكلة قوله يشكو صدَّ الحبيبة ، ويأسى لرحيلها ، ويتذمَّر من الواشي الّذي أفسد العلاقة بينه وبينها(25):

أَبي جَلَدٌ أنْ أحمل البَينَ والقِلى
وميَّلك الواشي إلى الصدِّ والنَّوى
وما كان لي ذنبٌ يُقال وإنَّما
فحمَّلتني ما لا أُطيقُ وإنَّما

 

 

فكيف جمعتَ الصدَّ لي والترحُّلا
ولا عجبٌ للغصنِ أنْ يتَميَّلا
رآك سميعاً قابلاً فتقوَّلا
يكلّفني حبِّيكَ أنْ أتحمَّلا

 

ويستعين الشّاعر على رسم هذا اللون من الغزل بأساليب فنيّة متعدّدة ، مثل ذكر الأطلال ، ووصف مشاهد الوداع والارتحال ، والتغزل بطيف الحبيب ، وتركيز الحنين في رسوم معيّنة كالأمكنة النجديّة والحجازيّة.(26) ويستغلّ ابن الدهّان في غزله هذا كلَّ ما يمكن أنْ يواجهه المحبّ المهجور الّذي نأى عنه أحبابه من زفرات حين تخطر ذكرى الحبيب ، وفقدان السرور لبعده ، ونبوّ مضجعـه ، وعصيـان النّـوم له ، كما في قوله:(27)

وإنّي لمطويّ  الضلوع على أسىً
يهيج عشاءً لوعتي مترنّم
ينوحُ ولمْ يفقد أليفاً يشوقهُ
وَلي مقلةٌ لا يملك الصبرَ دمعُها

 

 

وفي كبدي الحرَّى جوىً وقروحُ
ويصدع قلبي في الصبّاحِ صَدوحُ
وأفقدُ إلفاً شائقاً فأنوحُ
وقلبٌ لجوجٌ في الغرامِ جموحُ

 

        وتكثر هذه الإشارات التعميميّة في غزله ، وينوّع فيه بين الحنين والشكوى ، حتّى ليطول النسيب في مقدمات مدائحه طولاً يُتيح له نَثْل دخائل نفسٍ يغلبها الحزن. ولعلَّ حديث الشّاعر عن هذه الهموم الّتي تَلبَّستْه بسبب فرقة الأحباب كان مدخلاً للحديث عن تشوّقه لأهله في الموصل ، لذلك كانت تنفجر نفسه على نحوٍ صريح بوصف آلامه وأحزانه ، والتعبير عن حنينه وأشواقه ، وتصوير وحدته وغربته ، كما في القصيدة الّتي مطلعها:(28)

بكى آمناً أنْ صار ستراً على الحبّ

 

 

خطا الناس في استرقاقهم دمعة الصبّ

 

فبعد مقدّّمة استغرقت اثني عشر بيتاً عنّف فيها لائميه ، ووصف أشواقه ، وتعلّق بأحلام اليقظة ؛ ينتقل على نحو مباشر إلى تصوير أحواله في بلاد الشام ، والتعبير عن حنينه إلى أهله في الموصل ، فيقول:

وباكٍ بأرض الشّام إمَّا صبابةً
أقام فلا الأقدار تقضي بعودةٍ
إذا البين لم يوصل إلى ذي بصيرةٍ

 

 

إلى الأهلِ أو غيظاً لعجزٍ عن [الكسْبِ]*
إليهم ولا تدنيه من منزل الخصْبِ
وهيهاتَ تُجدي غربةُ المنْدلِ الرْطبِ

 

        لذا فقد كانت تندّ عن الشّاعر عن سياق هذا الغزل بعض الأبيات الّتي تدّل على أنَّه لا يخفي الصلة بين أحاسيسه الوجدانيّة وبين فراقه لأسرته وذويه ، كما في قوله:(29)

أخافُه حين أخلو أنْ أكاشفَهُ
وأخدع الناسَ عن حبِّي وأكتمهمْ
واهاً لو آنَّ الّذي خلَّفتُ من زمني
عهدي بليلي قصيراً بالعراق فما

 

 

وجْدي فأستر أوجاعي وآلامي
جِراحَ قلبيَ لولا جفنيَ الدامي
خلفي أُصادفُ شيئاً منه قُدّامي
بالي أبيتُ طويلَ الليلِ بالشامِ

 

ولعلَّ هذا هو الّذي جعل الشّاعر يكثر في غزله من أمرين:

الأوَّل – وصف طيف الأحبّة الّذي يقطع المسافات الطوال ليزوره ، وربّما كان ذلك حيلة فنيّة لجأ إليها ليخفّف من توتّره ، ويهرب من معاناته ، كما في قصيدته الّتي أوّلها:(30)

طوى دارَها طيَّ الكتاب المُنَمْنَمِ

 

 

ومرَّ على الأطلالِ غيرَ مسلِّمٍ

 

فقد تحدَّث في المقدّمة عن همّه المقيم ، وألمه الممضّ ، لتنفرج القصيدة بعد ذلك عن ظهور طيف الحبيبة الّذي زاره موهناً ، وقد برزت في عينه كأجمل ما تكون ؛ غير أنَّه سرعان ما يستيقظ من حلمه الجميل ليشكو من الدّهر الّذي حرمه من أحبَّته ، وقضى ببعده عنهم. يقول:

 

وسارٍ أتاني العَرْفُ منه مبَشّراً
أتَى بعد وَهْنٍ عاطلاً مُتلَثِّماً
وناولني كأساً أراكَ فِدامَها
فليتّك إذْ حلأّتني عن محلَّلٍ
أيا لذّة الدنيا ومنه بلاؤها

 

 

فقُمتُ إليه أهتدي بالتنسُّمِ
مخافة حَلْيٍ أو مخافة مَيْسَمِ
وردَّ فمي عن لثْمِ كأسٍ مفدَّمِ
من الخمر ما علّلتني بمحرّمِ
ويا جنَّةً فيها عذاب جهنَّمِ

 

والأمـر الثانـي – وصـف مشاهـد الوداع والارتحال ، وما يتخلَّلها من مواقف حزينة مؤثّرة ؛ ولعلَّ مشهد الوداع الّذي كان بينه وبين زوجته يوم رحيله من الموصل ظلَّ يُلِحُّ على وجدانه ، فأخذ يكرِّره في غزله بصورة أو بأخرى ، على شاكلة قوله:(31)

ولمَّا بَرْزنا للوداعِ وأيْقنتْ
وَقَفنا ، ورُسْلُ الشّوق بيني وبينَها
فلا حزنُنا غطَّى عليه تجلّدٌ

 

 

نفوسٌ دَهاها البينُ ما اللهُ صانعُ
حواجبُ أدَّتْ بثّنا وأصابعُ
ولا حسنُها غطَّتْ عليه البراقعُ

 

ومن ثَمَّ فإننا لا نستطيع أنْ نفرِّق بين هذا الغزل المبهم المعمَّم وبين وصف الحنين والاشتياق إلى الوطن والأهل ، لأنَّ كليهما من منزعٍ واحدٍ ، لذلك كان الشّاعر – أحياناً – يجمع هذه المعاني في سياق قصيدة واحدة ، مثل قصيدته الّتي أوّلها:(32)

أيرجعُ عصرٌ بالجزيرة رائقٌ

 

 

تقضّى وأبقى حَسْرةً ما تُفارِقُ

 

فهـو في افتتاحيّتهـا ينبعـث بحنيـن تلقائيّ يُصوّر خفقاتٍ من الشوق إلى الماضي بما فيه من ذكريات جميلة ، وأيّامٍ عذبةٍ حلوةٍ قضاها بين الأحبّة والأهل:

ليالي أبكار السّرورِ وعونهِ
إذا قُلْتُ يصحو القلبُ من فرطِ ذكْرِهِ

 

 

هدايا ، وأُمّات الهموم طوالقُ
دعا هاتفٌ في الأيكِ أو لاحَ بارقُ

 

وهنا يقفز إلى وعي الشَّاعر مشهد الوداع ، ويرسم صوراً فنيَّة معبّرة له ولصاحبته ، وقد غرقا في البكاء والحيرة ، وخيّمت عليهما أجواء الأسى والكآبة. وبعد هذا يغيب الشّاعر وراء أخيلته ، ويستسلم لحلم جميل جنح فيه عن الأسلوب المباشر في تصوير الحنين إلى رفيف ناعمٍ من الغنائيّة ، حيث زاره طيف الحبيبة ودار بينهما حوار عاتبته فيه على الرّحيل عنها ، وألحّت عليه بالعودة إلى وطنه:

 

 

وزائرةٍ بعد الهدوّ وبَيْنَنَا
تعجّب من شيبٍ رأت بمفارقي
وقالت وفرطُ الضمّ قد هدّ مرطها‏
أتسليك عنّا كاذباتٌ من المنى
متى نلتقي في غير نومٍ ويشتكى

 

 

مهامه تنضي ركبها وسمالقُ
وهل عجبٌ من أن تشيبَ المفارِقُ
ولُزّتْ ثُدِيٌّ تحتها ومخانِقُ
وما خلْتُ تُسليكَ الأماني الصوادِقُ
مشوقٌ ويشكي من جوى البين شائقُ

 

        والقصيدة من أشعار ابن الدهّان الحزينة ، الجميلة بحزنها العميق ، ولعلَّها صورة لنفسه أوَّل عهده بمصر ، وقد وجد نفسه يركض وراء (كاذباتٍ من المنى).

        فإذا ما انتقل الشّاعر من هذا الغزل المبهم إلى التغزّل بمحاسن المرأة وجدناه يلوذ بالأوصاف التقليديّة الّتي أكثر الشعراء تردادها ، مع الاختلاف في طريقة التعبير والتّصوير ، كذلك فقد انقاد في بعض غزله إلى طبيعة العصر ، فصنع أشعاراً في التغزّل بالغلمان ، ولعلَّه فعل ذلك اختباراً لقدرته على القول في الموضوعات الشائعة عند معاصريه يومئذ.(33)

 

        ومن الأغراض الّتي طرقها ابن الدهّان في سياق الاتّجاه الذاتّي في شعره الرثاء ، فقد رثى الملك المعظّم توران شاه بن أيّوب ، وشهاب الدين أبا المعالي بن عبدالله بن أبي عصرون ، ومملوكاً لنور الدّين.(34) والقاسم المشترك بين هذه المراثي الثلاث أنَّ إحساس الشّاعر بالفقد كان عميقاً ؛ ولنأخذ قصيدته الّتي قالها في رثاء المعظّم ، فقد أطال فيها من الحديث عن حزنه الذاتيّ وإظهار التفجُّع واللوعة ، وهذا بادٍ في ضمير المتكلّم ، وتصوير الدمّوع الغزيرة ، واستخدام ألفاظ الفجيعة والفقد على نحو يشي بأنَّه كان يفرغ أحزاناً دفينة بعثتها في نفسه الغربة وآلامها ، لذا أكثر من الحديث عن اضطراب حياته ، وافتقاده النصير ، وزوال السّرور ، وذهاب نضارة العيش ، والرّغبة في الموت(35):

لهفي عليك ، وما يَرُدُّ تلهّفي
أصبحتَ تحتَ الأرضِ تُرْغبُ في الأَسى

ما كنتُ أحسب قبل دفنك في الثرى
ما العيشُ بعدك‏ بالهنيّ وإنَّما
ولئن قَضيْتَ لقد تركْتَ كآبةً

 

 

 

 

 

ميتاً ، ولكنَّ التأسّفَ يَعْذُبُ
من كان نحوكَ في الحوائجِ يرغَبُ
أنَّ المكارمَ في التُّرابِ تُغيَّبُ
من عاش بعدك بالحياةِ معذَّبُ
ما تنقضي وحرارةً ما تَذْهَبُ

 

        وينفذ الشاعر من التعبير عن همّه الذاتيّ إلى تصوير الفراغ الكبير الّذي تركه هذا الفقيـد ؛ قائـداً شجـاعاً يسدّ الثغـور ويحامي عنها ، وإنساناً فيَّاض النفس بالمشاعـر النبيلة ؛ يعول الأرامل ويكفل الأيتام:

 

يا ثُلمةً ثَلَمَ الزمانُ بها العُلى
من للأمورِ المشكلاتِ يَحِلّها
من للأرامل واليتامى كافلاً
مَنْ للمقانب والكتائب رِدُّها

 

 

ما إنْ تُسّد وصدعها ما يُرْأَبُ
من للثغور المُستضامة يغضبَ
يكفيهمُ إذْ لا خليلَ ولا أبُ
إنْ فلَّ جيشٌ أو تقنَّع مِقْنَبُ

 

        وبكى ابن الدهّان في مرثيته لابن أبي عصرون الصداقة المفقودة والأخوّة الزائلة ، بأسلوب يتمثّل فيه صدق العاطفة ورّقة المشاعر والاستشعار لروعة الفقد ومرارته ، وقد راوح في رثائه بين التعبير عن الفقد الجمعيّ والتعبير عن مشاعره الذاتيّة ، مشيراً إلى أفضاله عليه ، ومسترجعاً ذكرياته الجميلة معه ، وذلك إذْ يقول:(36)

من للفتاوى إذا أَعْيَتْ غوامضُها
من للخصوم إذا أبدت شقاشقها
لِمَنْ أُبقّي دموعي بعد فُرقتِهِ
لم تُبقِ لي بَعْده الأيّامُ مَنْفَسَةً
لهفي على طيب عيشٍ قد نَعِمَتُ بهِ

 

 

يحلّ مشكلها المستصعبَ العُقَدا
ومال جامِحُها في غيّه لدَدا
والدهرُ لمْ يُبْقِ لي من بعدهِ جَلدا
فما أُبالي أغاب الخلقُ أمْ شهِدا
في مربعٍ ناضرٍ في ظلّه نفَدا

 

        وثمَّة ضرب غريب من الرثّاء في شعر ابن الدهّان ، فقد جاءت مرثيته في مملوك نور الدين مزيجاً من الغزل والرّثاء ، ويستشفّ منها أنَّه كانت تربط بينه وبين المرثيّ علاقة حسنة ، لذلك كان الّتيار العاطفيّ فيها قويّاً ومعبّراً عن مكامن الحزن الخفيّة في نفس الشّاعر ، كما في قوله:(37)

دَعْني ولا تَلْحني في دمعيَ الهتِنِ
[وكيف لي]* باصطبارٍ بعدما عبثتْ
قد كان في [الحكمِ]* لي عبداً وكنتُ له
وما أردتُ تناسيهِ لأسلوَهُ
يا نزهة العين في جدٍّ وفي لعبٍ
ما مال بعدك لي قلبٌ إلى أحدٍ

 

 

فما بكيتُ بقدرِ الشَّجو والشّجَنِ
أيدي المنايا بذاك المنظرِ الحسَنِ
بحكم حبّي لهُ عبداً بلا ثمنِ
إلاَّ وذكَّرنيه هزّة الغصنِ
ومنيةَ النّفس في سرٍّ وفي علنِ
وجداً ولا سكنتْ نفسي إلى سكَنِ

 

        ويشترك ابن الدهّان مع غيره من شعراء العربيّه في طريقة العزاء ، وهي الدعوة إلى التجمّل بالصبر ، والاستنامة لسلطان الموت ، والخضوع لقضائه الّذي لا مفرَّ منه ، على شاكلة قوله:(38)

 

صبراً لما تُحدثُ الأيّامُ من حدثٍ
فالصّبر أجمل ثوبٍ أنت لابسه
وهوَّنَ الوجدَ أنّي لا أرى أحداً

 

 

فالدَّهر في جَورهِ جارٍ على سَنَنِ
لنازلٍ والتعزّي أحسن السُّننِ
بفرقةِ الإلفِ يوماً غير مُمْتَحَنِ

 

        وقــد يثور الشّاعر أحياناً ، ويستشعر هول المأساة ، وهو يرى الأرض تبتلع الأحياء ، وتطلب المزيد ، فيقول(39)

أما كفى الأرض ما ضمَّتْ ،  فقـد كفَتَتْ        تُقىً وأطهـر خلْقٍ فوقَها جَسَدا

 غيرّ أنَّه لا يتلبّث طويلاً عند هذه اللفتة ، ولعلّ الارتباط بالمناسبة هو الّذي جعله يتعجّل الانتقال إلى الحديث عن مناقب المرثيّ.

ويلحق بهذا الاتّجاه الفـرديّ شعرُ الوصف؛ فقد وصف الشّاعر مدينة دمشق في قصيدة ، وهو وصف منبثق من الشَّوق إليها بعد أنْ غادرها إلى حِمص. وقد تغنّى في القصيدة بجمال البيئـة الدمشقيّة الخلاَّبة ، وصوَّر مظاهر الإثارة فيها. ويلاحظ أنَّ (النّبت) ومشتقّاته سيطر على الصورة الجماليّة الّتي رسمها للمدينة ، فبدت في صورة (روضة) غنّاء جادها الغيث ، فأنبتت مرابعُها ضروباً شتَّى من الورد والشجّر ، كما في الأبيات الّتي اكتست فيها عناصر الطبيعة لبوس الحسان من بني الإنسانْ (40)

واهاً لها حين حلَّى الغيثُ عاطلَها
وحاكَ في الأرض صوبُ المُزنِ مخملَهُ
ديباجة لم تدع حسناً مفوَّفها
ترنو إليك بعين النَّوْرِ ضاحكة

 

 

مكلّلاً واكتَسى الأوراق عاريها
يُنيرها بغواديه ويسديها
إلاَّ أتاه ولا أبقى موشّيها
إذْ بات عينٌ من الوسميّ تبكيها

 

ويضيف الشّاعر إلى محاسن هذه (الروضة) عنصراً جديداً يتمثَّل في الجمال البشريّ الأخّاذ الّذي انتشى بحُسنها ، فانطلق في رحابها في حيويّةٍ ونشاط ، وأخذ يمارس فِعْله في قلوب الناظرين:

فَلِلِّحاظ وللأسماع ما اقترحتْ
إذْا العزيمةُ عن فرط الغرام ثنتْ
ريمٌ إذا جلبت حَيْناً لواحظُهُ
جنايةٌ طرفهُ المحورُّجاء بها

 

 

من وجه شادنها أو صوت شاديها
قلباً تثنَّى لها غصْنٌ فيثنيها
للنّفسِ حيّا بخدَّيه فيُحيها
ورأس عارضِه المخضرِّ آسيها

 

وتكبر صورة (الروضة) وتتّسع لتتحوَّل دمشق إلى (جنّة) نعيم ، وهنا يلتفت الشَّاعر إلى بعض المأثور من صفات الجنَّة ، ويخلعها على المدينة:

ونحن في جنَّةٍ لا ذاق ساكنُها
سماء دوحٍ تردّ الشمس صاغرةً
ترى البدورَ بها في كلِّ ناحية

 

 

بأساً ولا عرفت بؤساً مغانيها
عنّا وتبدي نجوماً في نواحيها
ممدودة للنجومِ الزّهر أيديها

 

وعلى الرغم من بروز الذاتية في القصيدة ، وتحدُّث الشَّاعر بضمير المتكلّم ، وأنَّ وصفه للمدينة جاء في سياق استرجاعه لذكرياته فيها والحنين إليها ، فإنَّ ابن الدهّان توقّف في حدود وصفه عند التصوير الخارجيّ ، ولم يتعدّه إلى توظيف عناصر الطبيعة عن مشاعره وشكواه من (أيّامه السود) على حدّ قوله في القصيدة ، لذا فقد استعلنت هذه الشكوى منفصلة في خاتمتها ، دون أنْ يكون بينها وبين المشهد الطبيعي أدنى رابط.

        ولابن الدهّان قصيدة في الحكمة نثر فيها بعض آرائه في الحياة الاجتماعية والأحياء ، وقد غلبت عليها النزعة التعليميّة والأسلوب الوعظيّ ، كما في قوله:(41)

حِفْظ اللسانِ عنْ القبيح أمانُ
وإذا جنايات الجوارحِ عُدِّدِتْ
فالقول فيه جواهرٌ منظومة
ولربّما نُشِرت دواوين التُّقى

 

 

يزكو به الإسلام والإيمانُ
فأشدُّها يجني عليك لسانُ
ومعائبٌ تشقى بها الآذانُ
بالحشر مالك بينها ديوانُ

 

        والقصيدة في جملتها نظمٌ يراد به التذكير، وحظّها من الانفعال الذاتيّ ضئيل ، وهي تميل إلى التقريريّة المباشرة في التعبير ، كما أنَّها لا تصدر عن رؤية فلسفيّة ، وإنَّما عن قوّة نفسيّة مستمدّة من الوازع الدينيّ ، لذلك ردّد الشَّاعر بعض المعاني الإسلاميّة فيها على شاكلة قوله:

شرُّ المآكلِ لحمُ من تغتابهُ
فجزاؤك السُّوءى عن السُّوءى وإنْ

 

 

والوجْهُ فيه الزّور والبهتانُ
تُحسنْ فإنَّ جزاءك الإحسانُ

 

        ومع هذا فإنَّ في القصيدة ما يدعو إلى سوء الظنِّ بالنَّاس ، وعدم الاطمئنان إليهم:

مهما تَقُلْ في النّاسِ قالوا مثلهُ
لا يقصدون الصّفْح عمَّا قُلْتَهُ

 

 

ولربَّما زادوا عليك ومانوا
[فهمُ]* لشيطان الخَنَا إخوانُ

 

****

 

 

 

ثانياً – الاتّجاه العامّ (المدح والشعر السياسيّ):

        يمّثل هذا الاتّجاه القصائد الّتي قالها في المدح ، وما يتّصل بها من وصف المعارك الحربيّة مع الفرنجة في حالّتي النّصر والهزيمة. واستغرق هذا الاتّجاه معظم الجهود الفنيّة لابن الدهّان ؛ فقد مدح الجواد الأصفهانيّ ، وطلائع بن رُزيّك ، ونور الدين محمود ، وصلاح الديـن الأيوبيّ ، وناصـر الدين شيركـوه ، ومسعود بن أنر ، وابن أبي عصرون ، والقاضي الفاضل. وتكاد قصيدة المدح لديه تسلك سبيلاً واحدة في هيكلها الفنيّ  ؛ فهي – غالباً – ما تستهلّ بمقدمّة في النسيب ، وتطول هذه المقدمّة أحياناً ، ثمَّ يتخلص من الغزل إلى المدح على نحو متقن ، ثمَّ يثني على الممدوح ويشيد بسجاياه ومآثره ، وهنا نجد الشَّاعر يضع أمام عينيه نموذجاً لمثلٍ أعلى ويورد لممدوحه من الصفات ما يخيِّل به للسَّامعين أنَّه كذلك ، آخذاً بعين الاعتبار المواءمة بين الوظيفة الاجتماعيّة والصفات الّتي يخلعها عليه ، وغالباً ما تنتهي المدحة بخاتمة تعرض حال الشَّاعـر وتُصّور حاجته. ويكفي هنا أنْ نأخذ قصيدتين اثنتين لنتبيّن النهج الّذي اتّبعه في بنائهما ، وسأعرض لأشهر مدائحه ، وهي (كافيَّته) الشهيـرة الّتي قالها في مدح طلائع بن رُزِّيك ، ومطلعها(42)

أما كفاكَ تلافي في تلافيكا

 

 

ولست تنقم إلاَّ فرْط حُبّيكا

 

وهي تقع في ثلاثة وثلاثين بيتاً موزَّعة على النحو الآتي:

1-   مقدَّمة غزليّة في سبعة أبيات.

2-   يتخلّص منها إلى المدح تخلّصاً حسناً في بيت واحدٍ هو:

لا نلتُ وصلك إنْ كان الّذي زعموا

 

 

ولا سقى ظمئي جود ابن رُزِّيكا

 

3- يمدح طلائعاً في ثمانية عشر بيتاً ، وهو وزير فاطميّ نهض بأعباء الملك ، ولذلك وجَّه إليه المدح بما يتناسب ومنزلته ، وكانت أهمّ المعاني الّتي دار حولها هي الشجاعة ، وهيبة الملك ، وقوّة الجيش.

4-   خاتمة في ستة أبيات يلفت فيها الممدوح إلى حاجته الماديّة.

والقصيدة مبنية على حلاوة الجرس الموسيقيّ ، وجمال العبارة الشعريّة.

        والقصيدة الثانية قالها في صلاح الدين ، ومطلعها(43)

أما وجفونك المرضى الصّحاحِ

 

 

وسكرة مقلتيك وأنت صاحِ

 

وقد بناها على النحو التالي:

1-  المقدّمة الغزليّة (23 بيتاً من قصيدة عدد أبياتها 81 بيتاً).

2-   التخلّص المتقن إلى المدح في بيتين:

قطعنا الليل في شكوى عتابٍ
ولاح الصّبح يحكي في سناه

 

 

إلى أنْ قيل حَيّ على الفلاحِ
صلاح الدين يوسف ذا الصلاح

 

3- الممدوح بطل من أبطال الصراع حقّق للمسلمين أمجاداً حربيّة كبيرة ، لذلك كان أهمّ معنى يدور حوله المدح هو شجاعة الممدوح وبطولته الحربيّة وعنايته بالمسلمين. ويبدو أنَّ الأعمال العظيمة الّتي قام بها الملك الناصر ، والسّجايا الّتي يتحلّى بها أتاحت للشّاعر مادّة صادقة يستمدّ منها ، لذلك أطال الشّاعر في المدح.

4- خاتمة يشكو فيها الشّاعر للممدوح فقره وحاجته ، ويسأله أنْ يلتفت إليه ويهتمّ به. وقد أطال في ذلـك (18 بيتاً) ، ولعلّ هذا يعود إلى أنَّ القصيدة كانت أول قصيدة يقولها الشّاعر في صلاح الدين ، وأنَّه أنشدها أمامه ، فأراد أنْ يشرح له حاله منذ اللقاء الأوّل ، ويجعلها عنواناً للآمال الّتي يعلّقها عليه.

وهذا الشكل لمْ يكنْ قالباً جامداً صبَّ فيه الشّاعر أحاسيسه ومشاعره ، بحيث تصبح القصيدة هيكلاً لا يربط بين أجزائه إلاَّ الروابط اللفظيَّة ؛ فمن يتأمّل بعض قصائده يجد بين عناصرها من الصلاّت المعنويّة والنفسيّة ما لا يخفى ، ويلمس ما حققه داخل هذا الإطار التقليديّ من وحدة في السّياق والشّعور ، وسأضرب هنا مثلين من قصائد المدح لأبيّن كيف كانت طبيعة التجربة والمناسبة تفرض نفسها على العناصر المكوّنة لهما ، بحيث تميّزت كلّ قصيدة عن الأخرى على الرغم من أنَّ البناء الشكليّ لكليتهما متشابه ، والقصيدة الأولى قالها في القاضي الفاضل ، ومطلعها:(44)

أَوَجْدي كذا أم هكذا كلّ منْ يَهْوَى

 

 

يزيدُ غراماً واشتياقاً على البلوى

 

تغزَّل فيها بثلاثة عشر بيتاً ، وشكا أحواله وتخلّص إلى المدح بسبعة أبيات ، ثمَّ جاء المدح في عشرين بيتاً. وقد عرض الشَّاعر في أبياته الغزليّة مواجده ، وشكا من صدّ حبيبته عنه ، وخيبة رجائه في حبّه ، على شاكلة قوله:

رعى اللهُ منْ أمستْ وسوءُ صنيعها
رأت أنَّ في الإعراض تقوى فحمَّلتْ
وكم نَقَضَتْ من موثقٍ جَعَلْتُ به
إذا فكَّ هذا اليومُ أسوأَ هجرها
لها مَرَبعٌ في القلب ما زال آهلاً

 

 

بنا فوق أنْ يخفى ، وإحسانها دعوى
من الضرّ ما تأبى المروءة والتقوى
شهيداً عليها عالمَ السرّ والنجوى
ثَنَتْهُ بيومٍ من تجنّبها أسوا
إذا ربعُها بالحَزْنِ أقفرَ أو أقوى

 

ويمضي في هذا النسيب الرّقيق في تناسب دقيق ، ونسق جميل ، وترابط محكم ، معبّراً عن (أزمته النفسيّة) مع حبيبته ، ناشراً أجواء من الحبّ اليائس الحزين. وهنا نتساءل: ما الغاية الّتي كان يرمي إليها الشّاعر من وصف هذا الحبّ ؟ هل من الممكن القول إنَّ (الحبّ) في هذه المقدمة كان مجرّد إثارة شعريّة عبّرّ من خلالها عن مشاعر أعمّ تتعلّق بمعاناته في الحياة ؟ ربمّا ؛ وممّا يقويّ هذا الاحتمالَ الحوارُ الّذي دار بين الشّاعر وبين هذه الحبيبة ، وقد لامته فيه على موقفه المتعفّف على الرغم من فقره ، والضنك الّذي يقاسيه في حياته:

وعائبةٍ منّي العفاف مع الضّوى
إذا كان في المسعى الغنَى ومذلّتي

 

 

وأحسنُ شيْءٍ أنْ أعفَّ وأنْ أضوى
فَحَسْبِي بفقرٍ لا يُذِلُّ وبالمثوى

 

ويستطرد في هذا الحوار ، فيتحدّث عن صبره على (نحت الخطوب وبريها) ، وتحمّله (ثقلاً ليس يحمله رضوى) ، ويُطلق نداءات الاستغاثة ، ويتمنّى لو أنَّ القاضي الفاضل يسمعها ، وهنا يتخلَّص إلى المدح من غير تكلّف ، ويختلس المعنى اختلاساً رشيقاً ، بحيث لا يشعر القارئ بالانتقال من المعنى الأول إلاَّ وقد دلّف في الثاني لقوة الممازجة والالتئام ، ومرّة أخرى نتساءل: ما علاقة هذا المدح بالقسم الأول الّذي يصوّر معاناة الشّاعر في حياته ؟ هل من الممكن القول إنَّ هذا اليأس الّذي استعلن في فاتحة القصيدة يتعلّق بشيء من الرجاء ممثّلاً في شخص الممدوح ؟ قد يكون الأمر كذلك ، لذا تمحورت فضائل المدح الّتي أضفاها الشّاعر على ممدوحه حول قدرته على تبديد الكرب عمَّن يلوذ به ، والحديث عن (خلائقه الّتي تغني عن المنِّ والسَّلوى) وكيف أنَّه (يهشُّ إلى العافي ارتياحاً إلى الندى) ، بالإضافة إلى بعض الفضائل الّتي تتعلّق ببراعة الفاضل في الكتابة. وهذا يعني أنَّ الشّاعر بنى هذه القصيدة بناءً يوازي تطوّر حالته الانفعاليَّة ، فهو في النسيب يائس مخذول ، ولكنَّ هذا اليأس يتبدَّد عند ظهور الممدوح ، ممَّا حقَّق الوحدة والانسجام بين عناصرها.

والقصيـدة الثانيـة قالهـا فـي المـلك القاهـر ناصـر الديـن شيركوه ملك حِمصْ ، ومطلعها:(45)

سيفٌ بجفنِكَ مغمدٌ مسلولُ

 

 

ماضٍ على العشَّاقِ وهو كَليلُ

 

وقد تغزَّل الشّاعر في فاتحة القصيدة بأحد الغلمان الأتراك ، وبسط فيها جوَّاً يشي بالقوَّة والجمال ، فأسبغ على الغلام الصفات الّتي تصوّر محاسنه ، واستعار في ذلك أدوات الحرب والسّلاح ، فجفنه سيف ماضٍ ، ونظراته سهم مريش ، وهو مهيب ليس (إليه وصول) و (ما إليه سبيل). واستخدم في وصف أثر هذا الغلام في النفوس ألفاظ القتل والجرح والأسر. وكأنَّي بالقارئ حين ينتهي من قراءة هذا الغزل يُسرِعْ إلى القول: هذا هو صنو حِمص ، بل هذه حِمص مجسَّدةٌ في الغلامِ ، وقد منحها الملك القاهر صفات الجمال والقوَّة والمنعة حتّى استعصت على كُلِّ طالب ؛ ومن ثَمَّ فإنَّ الشَّاعر حين واجه ممدوحه على نحو مباشر كان (الجمال والقوَّة) من أبرز الصفات الّتي خلعها عليه وعلى دولته:

ملكٌ تفرَّد بالجمال فلم يزلْ
غذَّاهُ عِرقٌ في المكارم مُعرقٌ
بحرٌ له بيض العطايا لجَّةٌ
ليثُ الوغى شَهِدتْ له أفعالُه

 

 

 

 

مُذْ كانَ ذا مُلْكٍ وليسَ يزولُ
ونماه أصل في الفخار أصيلُ
أسدٌ له سُمْرُ العواليَ غيلُ
والموتُ أحمرُ والدماءُ تسيلُ

 

وقـد أَمْلَـتْ حـالُ الممدوح على الشَّاعر أنْ يقول فيه أشياء لا يمكن أنْ يقولها في غيره ، فأشاد بانتسابه إلى بني أيّوب ، وأبرز قوَّة حِمص ودور صاحبها في حروب صلاح الدين ، فحاز في القصيدة صفات القوَّة كلّها: دولة فتيَّة في حِمص (ما إليها سبيل) ، وشجاعة شخصيّة ومزايا قتاليّة بها (يطول على العدى ويصول) وقوم من بني أيّوب (طابت فروعٌ منهم وأصول). ولعلَّ أجواء القوَّة الّتي نشرها الشَّاعر في غزل القصيدة ومدحها فرضت عليه      – على غير عادته – أن يخّفف نبرة الشكوى إلى حدٍ بعيد ، ويكتفي بسؤال الممدوح أنْ يشمله برعايته ، لينهي القصيدة بالدُّعاء له بعزٍّ دائمٍ (ماله تحويل).

وهكذا نلاحظ من القصيدتين السابقتين أنَّ الشَّاعر تصرَّف بعناصر الشكل التقليديّ لقصيدة المدح ، ورتَّبها على نحوٍ خاصٍ به ، وبثَّ فيها روح تجربته على نحوٍ جعل كُلَّ قصيدة منهما ، بمطلعها الغزليّ ومدحها وخاتمتها ، تنسجم في جوٍّ كليٍّ واحد.

وترتبط مدائح ابن الدهّان ببعض أحداث عصره السياسيَّة ، وتصف دور ممدوحيه فيها ؛ فقد صوَّرت مدائحه الّتي قالها في ابن رُزّيك جانباً من الصراع الوزاريّ الّذي احتدم في مصر في أواخر العصر الفاطميّ ، إذ استنكر الشَّاعر في إحدى قصائده حركة عبّاس الصّنهاجي وزير الفاطميّين الّذي غدر بالإمام الظّاهر ، وتآمر على مقتله ومقتل جماعة من أعمامه بالقصر(46) ، وأثنى على ابن رُزّيك الّذي نهض وثأر لهم من المتآمرين:(47)

ولمَّا رأى عبَّاسُ للغدرِ مذهباً
دعوكَ فلبّيتَ الدّعاءَ مُسارِعاً
وجاوبْتَهمْ عنْ كُتْبِهمْ بكتائبٍ
وفرَّ رجاءً أنْ يفوتَ شبا الظّبى
سقى ربَّهُ كأسَ المنايا وما انقضى

 

 

وأظهر ما قد كان عنه ينافقُ
وفرَّجتَ عنهم كُربهمْ وهو خانقُ
تمرُّ بها مرَّ السَّحاب السَّوابقُ
فعاجَلَهُ حَيْنٌ إليهنَّ سائقُ
له الشَّهرُ إلاَّ وَهْوَ للكأسِ ذائقُ

 

وبعد أنْ تولّى طلائع الوزارة تعرَّض لعدَّة مؤامرات توقَّف ابن الدهّان في قصيدة عند واحدةٍ منها ، وحمل على المتآمرين ، وأشاد بدور الوزير في القضاء عليهم ، والانتقام منهم.(48) غير أنَّ أظهر ما يميز مدائح الشَّاعر في طلائع الإشادة بيقظته وتنبّهه إلى الخطورة الّذي يمثّلها العدوان الصليبيّ على مصر والشام على الرغم من الأحوال الصعبة الّتي تحيط به، كما في قوله يصوّر حقيقة الاستعداد الحربيّ لأبي الغارات ، وما يتحلّى به وجنده من شجاعة في ميادين القتال:(49)

أعدَّ لنصر الحقّ كُلَّ مطهّرٍ
له شرف الإقدام في الحرب شيمةٌ

 

 

يغذّ إلى الأعداء فوق مطهَّمِ
فما يبتغي غير الكميِّ المقدَّمِ

 

وعبَّر ابن الدهّان عن ابتهاجه ببعض الانتصارات الّتي أحرزها أبو الغارات ، وقدَّمها في غلالة من الفرح والاستبشار كما في قصيدته الّتي يقول فيها:(50)

لنا التهنِئات وفرْطُ الجذلْ
وإنْ كانَ فتحاً أجلَّ الفتوحِ
بشائرُ يُطربنا ذكرُهـا

 

 

 

وأنت أجلُّ وأعـلى محلّ
ولكنَّ قَدْرَك فَـوْقَ الأجلْ
ويُشغلنا وصفُها عن غزلْ

 

والقصيدة غنائيّة راقصة ، بسط فيها الشَّاعر ظلَّ المشاركة في الفرح على الجند والرعيَّة الّتي يقاتلون من أجلها ، وصوَّر سفن الأسطول المصريّ عائدة من المعركة محمّلة بالسبايا الإفرنجيات بعد أنْ أَلحقت بالأعداء الهزيمة ، تاركةً وراءها جيوشاً من الرعب:

شَحَنْتَ الشَّوانيَ بالدّارعينَ
حَمَلْنَ إليكَ سبايا الّذي
ولو لمْ تَصلْ سابقات الرّماحِ
ولو لمْ يُمتْهمْ قراعُ السّيوفِ

 

 

فجاءتكَ مُوقَرةً بالنَّفلْ
طغى فَحَمَلْنَ إليه الأجلْ
إليهمْ كفتْ سابقاتُ الوَهَلْ
أًماتَهُمُ خوفُها والوَجَلْ

 

وبعد أنْ غادر الشَّاعر مصر إلى الشام كان الملك العادل نور الدين يقود حركة جهاديّة منظمة للتخلص من ربقة الإسار الصليبيّ ، غير أنَّنا لا نجد في ديوانه أيَّة قصيدة تتعلّق بالمعارك المظفّرة الّتي خاضها ، يُستثنى من ذلك قصيدة واحدة قالها يعتذر عن الهزيمة الّتي مني بها المسلمون في حادثة البقيعة 558هـ ، حيث أُصيبوا فيها إصابة فادحة قتلاً وأسراً ، ونجـا نور الدين نفسه بتضحية من كرديّ لقي مصرعه حين أعانَه على الانسحاب(51) ، والقصيدة مطلعها(52):

ظُبى المواضي وأطراف القنا الذّبلِ

 

 

ضوامنٌ لك ما حازوهُ منْ نَفَلِ

 

وينصبّ الحديث في القصيدة على التقليل من آثار الهزيمة ، وإيجاد مسوّغاتٍ يبني عليها مواساته للممدوح ، ويعزيّه عن فقده خشية أن يتطرق اليأس إلى النفوس ؛ لذلك قللَّ من أهمية النَّصر الّذي أحرزه الأعداء ، فهو مبنيّ على الحيلة والمكر ، وهما عدّة الجبان ، ثُمَّ إنَّهم لم يتمكنوا من أخذ ما يبتغونه من الأسرى ، فإنَّ جلَّ من أسروهم من الغلمان والسّوقة ، ولا مجال لهم في أنْ يفخروا بأسر أمثال هؤلاء النَّاس:

وما يَعيبُك ما نالوه من سلبٍ
وإنَّما أخلدوا جبناً إلى خُدَعٍ
بني الأُصَيْفِرِ ما نِلتمْ بِمَكرِكمُ
وما رجعتمْ بأسرى ، خاب سَعْيكمُ

 

 

 

 

بالختْل ، قد توتَرُ الآساد بالحيلِ
إذْ لمْ يكنْ لهمْ بالجيش من قِبَلِ
والمكرُ في كُلِّ إنسانٍ أخو الفشلِ
غير الأصاغرِ والأتباع والسّفلِ

 

وتهدئـة للنفوس وطمأنتها ، يعدّ الشَّاعر خسارة المسلمين استجابة للحسد ، والحسد لا يكون إلاَّ للقويّ ، ويدعو مَنْ ثَقُلَ عليه أمر الهزيمة إلى استمداد العظة من يوم حنين ، إذْ قاتل المسلمون وهم كثرة ، فانهزموا وفيهم خير الخلق وخاتم الرُّسل:

جيشٌ أصابتهمُ عيْن الكمالِ وما
لهم بيومِ حُنينٍ أسوةٌ وهمُ

 

 

يخلو من العين إلاَّ غير مكتملِ
خير الأنامِ وفيهم خاتم الرُّسلِ

 

ويقرّع المنهزمين الّذين ذُهلوا عن استعمال أسلحتهم ، ولاذوا بالفرار ، ولو أنَّهم اعتصموا بقائدهم (الجبل) لنَجَوا وسلموا. وهنا يبّرئ الشّاعر نور الدين من المسؤولية ، حيث ثبت وحيداً في المعركة ، ويصوّر شجاعته ، وهي شجاعة لم تحمه وحده ، بلْ أنقذت الجيش المنهزم كذلك:

قُلْ للموّلينَ كُفُّوا الطّرفَ من جُبُنٍ
طلبتمُ السَّهل تبغون النجاة ولو
أسلمتموه وولّيتمْ فسلَّمكُمْ
مُسارِعينَ ولمْ تُنْثَلْ كنائنُكُمْ
فقام فرداً وقد ولَّتْ عساكرُه
ثباتُهُ في صدورِ الخيلِ أنقذكمْ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عند اللقاء ، وغضّوا الطَّرفَ من خَجَلِ
لُذْتُمْ بمَلْكِكِمُ لُذتمْ إلى الجَبَلِ
برفقةٍ لو بغاها الطود لم ينلِ
والسّمرُ لمْ تُبْتذَلْ والبيضُ لمْ تُذَلِ
فكانَ منْ نفسهِ في جحفلٍ زَجلِ
لا تحسبوا وثَباتِ الضمَّرِ الذُّللِ

 

وينهي الشَّاعر قصيدته بما يثبّت به قلب نور الدين ، فيصوّره ملكاً مؤيّداً بالعناية الإلهيّة ، ويذكّره بأيامه السَّابقة مع الفرنجة ، ويدعو له بالنَّصر والتّوفيق.

أمَّا المدائح الّتي قالها ابن الدهّان في صلاح الدّين فتسري فيها روح حماسيّة عارمة ، وقد عاش الشّاعر فيها تجربة الشعور الجماعيّ ، مندمجاً في جماعة المسلمين وهي تعيش حالة مخاضٍ عامَّة لطرد الفرنجة من ديار الإسلام. فقد أشاد بالدَّور الّذي اضطلع به الملك الناصر في قيادة حركة الجهاد ، واستصفى له الصفات المثلى الّتي يمكن أنْ يحظى بها قائد عسكريّ ، وصوَّره حائزاً كُلَّ فضيلة ، وكُلَّ عنصرٍ من مكارم الأخلاق ؛ فهو شجاع حازم ، متيّقظ ، حسن الرّأي والتدبير ، خبير بفنون الحرب ، مخوف مهيب ، جواد على أعدائه بالضربات المسدَّدة ، سخيٌّ على أتباعه بالعطاء الوفير ، إلى غير ذلك من المُثُل والصفات ، كما في قوله(53)

ثبتُ الجنان إذا القلوب تطايرتْ
فضَلَ الورى بفضائلٍ لمْ تتّفقْ
ما رامَ صَعْبَ المُرتقى متباعداً
جمع الجيوش فشتَّ شمْلَ عُداتهِ

 

 

في الرّوع يعدلُ ألفَ ألفَ مدَّرعِ
في غيره ملكاً ولمْ تتجمَّعِ
إلاَّ وكانَ عليه سَهْل المطلعِ
ما فرَّقَ الأعداءَ مِثْلُ تَجَمُّعِ

 

ويقول في قصيدة أخرى:(54)

كريمٌ على العافين كالغيث مسبلا
وسَيْلٌ إذا ما المال أقنى فأجْزَلا
فما سُلَّ إلاَّ أهلكَ الشركَ حدُّهُ
تجمَّع فيه البأسُ والحلمُ والنَّدى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شديد على العادين كالليث مشبلا
وسيفٌ إذا ما سُلَّ أفنى وقلَّلا
ولا سُئِلَ الإحسانَ إلاَّ تهلّلا
وضمَّ إلى الفضل الغزيرِ التفضُّلا

 

وحين نتأمل النموذجين السَّابقين تأمّلاً دقيقاً سنلاحظ أنَّ الشَّاعر لمْ يأت بمحامد جديدة يصف بها صلاح الدين ، فهذه المحامد مستوحاة من معجم القيم ، ولا تفرده بالتميّز عن الممدوحين الآخرين ، لذلك يشعر من يقرأ مدائحه أنَّه يحاول أنْ يقرِّب صورة البطل من صورتها الحقيقية في أفعالها وأقوالها ، ولكنَّ أدواته الشعريّة المحكومة بالتقليد لمْ تمكنّه من ذلك ؛ ولعلَّ هذا هو الّذي جعله يطيل في مدائحه حتَّى يحقّق الاستقصاء ، فكان يبدئ ويعيد في هذه الصفات في القصيدة الواحدة ، وفي مدائحه جميعاً … بل إنَّ الشَّاعر عبَّر عن ذلك تعبيراً صريحاً عندما أشار إلى أنَّه يقف أمام شخصيَّة بهرته وبهرت غيره من الشعراء ، وأنَّه عاجز عن تصويره ، وذلك إذْ يقول)55)

 

بهرتْ صفاتُكَ مادحيكَ وطالمــــا

 

قد* جاوزَ الإحصاء أنْ لا يبهرا

لذا لجأ إلى التنويع في جزئيات المدح لتقريب ما يحس أنَّه متميز وبعيد عن المألوف ، كأن يلجأ إلى المقارنة بين صلاح الديـن وغيره ، فيضع صورته بإزاء صورة الحكام الآخرين ، ليبرز مدى المغايرة بينه وبينهم ، كما في قوله:(56)

ليَفْدِ حياءَ وجهِكَ كُلُّ وجهٍ
ملوكٌ جلّهمْ مغرىً بظلمٍ
إذا ما جالت الأبطال ولَّى
يرى الإنفاق في الخيراتِ خُسراً

 

 

إذا سُئِلَ النَّدى جهمٍ وقاحِ
ومشغولٌ بلهوٍ أو براحِ
ويقدمُ نحو حاملة الوشاحِ
وأنت تراه من خيْر الرّباحِ

 

وقد تكون هذه المقارنة بين الماضي والحاضر لإعلاء الدور الّذي نهض به البطل في إحداث الراحة النفسيّة للمسلمين ، وإعادة الثقة إليهم ، كما في قوله:(57)

والشّام قد أضحى حمىً بِكَ بعدما
 أمســى لنور الدّين لـيلاً مظلمــاً

 

أشفى ، وأمَّلَتِ العِدى أنْ تظْفَرا
حتَّى أتيتَ فكان صُبحاً نيِّــــرا

ولعلَّ ابن الدهّان كان ينطق في البيتين السَّابقين عمَّا في نفوس النّاس ، لذا عاد إلى المعنى نفسه في قصيدة أخرى ، تعمَّق فيها تصوير حال الإسلام في ديار الشام ، مستخدماً‏ صوراً مختلفة لينقل الفرق بين حاله قبل ظهور صلاح الدين وحاله بعده.

ولمْ تكنْ المدائح الّتي قالها الشّاعر في صلاح الدين مقصورة على تمجيد بطولته ، والإشادة به ، وإنمَّا تضمّنت عناصر أخرى ترتبط بالحرب الجهاديّة  الّتي قادها ، ومن هذه العناصر وصف المعارك الّتي خاضها ، وهو وصف حماسيّ عامّ ؛ كما في قوله يصف غارة شنَّها صلاح الدين على بيسان 579هـ(58) ، ويصور الدمار الّذي أصاب المدينة.(59)

وفي يوم بيسانٍ سقيتَهمُ الرَّدى
وَطيْتَهمُ رغماً فلمْ يُغْنِ حَشدُهمْ
بخيلٍ إذا أَوْليتَها النجمَ حلّقت
وضربٍ يقدّ البيضَ كالبيضِ عنْدَهُ
وكمْ أسمرٍ أوردتَ أوردةَ العِدا
تولَّوا عن النَّارِ الّتي أوقِدتْ لهمْ
وفاتوا القنا مُستَعظمينَ قتالهمْ
فإنْ لمْ يُجلّلْهمْ أسارٌ ومقتلٌ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وغادرتَ أخلافَ المنيَّةِ حُفَّلا
ومن ذا يردُّ السّيلَ من حيث أقْبلا
إليه وإنْ [أوطأتَها] الحَزْنَ أسْهَلا
وطعنٍ يُريكَ الزُّعْف بُرْداً مُهَلْهَلا
وكمْ أجدْلٍ عافٍ قريتَ مُجَدِّلا
من الحرب علماً أنَّها ليس تُصطلا
من الذُلِّ والإرغام ما كانَ أقْبلا
فقد ركبوا خِزيَ الفرار المجلَّلا

 

فالشَّاعر أدار أبياته -  حقاً – على جوٍّ حربيّ يوحي بعنف القتال وضراوته ، وتظهر فيه سرعة الحركة والانقضاض ، ويصوّر بأسلوب تعبيريّ انتصار المسلمين وتفوقهم ، وينقل تشفّي الشَّاعر بما أصاب الفرنجة ونزل بهم ؛ غير أنَّه لم يتعمق هذا الوصف ، ولمْ يمنحه خصائص جديدة ، وإنَّما وقف عند ظواهر الأمور ، وربط بينها ربطاً لفظيَّاً.

ودأب ابن الدهّان على تضمين مدائحه الجهاديَّة في الملك الناصر معاني تزرع الحماسة والثقة في قلوب المسلمين ، وترسّخ الاطمئنان في نفوسهم ، ومن هذه المعاني تهوين شأن الأعداء ، وتصوير الهلع الّذي أصابهم ، والفوضى الّتي عمّت صفوفهم ، كما في قوله:(60)

خَشُوا أنْ يلاقوا جحفلاً كُلَّ فارسٍ
ولو أنَّهم أضعافُهمْ حينَ جمَّعوا
وهابوك حتَّى الفارس الشّهم مَنْ رأى

 

 

يعدّونهُ منْهُ خميساً وجحفلا
جموعَهمُ ما كدَّروا لك منْهلا
بجيشك ناراً أو تأمَّل قسطلا

 

ويشبه ما تقدَّم التخويف بالتهديد ، وهو حديث نفسيّ يسمعه المقاتل المسلم ، فتترسّخ في نفسه الثقة ، كما في قوله:(61)

[لا يَغْرُرَنّ] الرومَ بُعْدُ ديارِهمْ
لو أنَّ مثْلَ البحرِ سبعةُ أبحرٍ
والطيْرُ مِنْ ثقةٍ بأكلٍ مُشْبعٍ

 

 

إنَّ الخليج لديكَ أقربُ مشرَعِ
من دونهمْ وأَرَدْتَهمْ لمْ تُمْنَعِ
تبعتْ جيوشَك فوق غابٍ مُسْبِعِ

 

الدراسة الفنيّة:

أثنى القدماء على شاعريّة ابن الدهّان وشعره ، فقد قال فيه العماد: (ورأيتُ المهذّب مهذّب الرويّ ، ذا المذهب القويّ ، في النظم المُذهب السويّ)(62) ، ووصفه في موضع آخر بأنَّه (سائر الشعر ، محسن النظم ، ناظم الحسن)(63) ) ، ووصفته مصادر تالية بأنَّ (نظمه بديع)(64) ، وأنَّه (لطيف الشعر ، مليح السبك ، حسن المقاصد(65)). ويستنتج من هذا الثناء أنَّ الأقدمين راقهم شعره ، وأنَّهم ميَّزوا فيه الابتعاد عن الألفاظ الغريبة ، وحسن التصرّف في المعاني ، والصياغة الجميلة. ولا ريب أنَّ هذه السمات وغيرها نجدها في شعره ، ولعلَّ أظهر سمة فيه هي السهولة والوضوح ، ممَّا كفل له السيرورة بين الناس كما ذكر العماد ؛ فقليلاً ما نجد فيه لفظة جافية ، أو كلمة صعبة ، أو تركيباً معقّداً ، أو معنىً بعيد المتناول ؛ فهو يستخدم ألفاظه ويبني عباراته بوعي لغويّ وفنيّ يدلّ على شدّة إحساسه بالعلاقات بين الكلمات وتآلفها معاً في سياق شعريّ جميل ، كما في المشهد التالي(66):

وَوَلْهى من التوديع لمْ تَرَ مُنْجِداً
فقالتْ وقد أجْرَتْ سوابقَ عبرةٍ
أتجمعُ لي فقراً وبَيْناً وكبرةً
فقلــتُ لهـا هذا فــراقٌ يــردّنا

 

من الدّمع يُعديها على بيْنَ مُشْئمِ
أفي كلَّ يومٍ أنت بالبُعدِ مؤلمي
لكَ اللهُ ما تثنيك خيفةُ مأثمِ
 جميعاً ، ويعدينا على الدهر فاعلمي

فالأبيات تأتلف في جوّ عاطفيّ متّسق ، وقد تعاقبت فيها الألفاظ ذات الدلالات الوجدانية المتداخلة على نحو أشاع فيها نغماً حزيناً ، وإيقاعاً متموّجاً يجسده هذا الحوار بين الشَّاعر وأمّه ، وما تخلّله من استفهام يعبّر عن مشاعر هذه الأمّ ومخاوفها.

وتكثر في شعر ابن الدهّان مثل هذه اللقطات الحواريّة الّتي تتآزر فيها عناصر الصياغة الشعريّة من ألفاظ ومقابلة وصور وإيقاع ، كما في الأبيات التالية الّتي يصف فيها طيف الحبيب:(67)

لمْ أنسَهُ وتيّقُظي يُودي به
أَدْنَى مراشفَه فقلتُ تعجّباً
لمْ تُجْلهِ سِنَةُ الكرى حتّى انجلتْ
بذلَ الوصالَ ودونه قِصَرُ الكرى

 

 

ويقول غيرَ مودّعٍ لا تنسَنا
كذبَ الّذي زعمَ الخيالَ من المنى
عنّي على رغمي فودَّع وانثنى
ثُمَّ انثنيتُ ودونه طولُ القنا

 

فاللفظ في هذه الأبيات سهل عذب ، والتعبير مألوف النّسج يعرض صورة رائقة مستملحة ، وقد وقع الشَّاعر فيها على شيء من الطباق الّذي أضفى على بعض أبياتها تناظراً لطيفاً ، وأكثر من تكرار الحروف الرقيقة المتماثلة أو المتقاربة في مخارجها ممَّا أضفى عليها موسيقى عذبة تتناغم فيها الألفاظ مع المضمون.

وقد عُني ابن الدهّان بموسيقى شعره ، وأظهر براعة واضحة في استغلال العناصر الحرفيّة واللفظيّة لنشر جوٍّ موسيقي ذي دلالة ، كما في قوله:(68)

ساروا إلى الموتِ قدماً ما كأنَّهمُ
فَأَوْرَدوا السّمرَ شرباً من نحورهمِ
ضرباً وطعناً يقدُّ البيضَ محكمةً

 

 

رأوا  طريقَ فرارٍ قطُّ مسلوكا
وأوطؤوا الهام بالقاعِ السنابيكا
ويخرقُ الزردَ الماذيّ محبوكا

 

فترداد صوت الراء (وهو صوت تكراريّ) في سياق الوصف المتدرّج أضفى على الأبيات رنّة إيقاعية تشي بالحركة المستمرة (ساروا … أوردوا …) المفضية إلى ذروة التأزم والحركة العنيفة في البيت الأخير (ضرباً … يخرق … الزرد …). وقد عزّزَ هذا الجوّ تردّد بعض الصوامت الانفجارية مثل القاف الّتي يتصل معناها بالقوة والخرق ، (قدماً ، قطّ ، يقدّ ، يخرق) ، والباء الّتي ولّدت مع العناصر الصوتيّة الأخرى موسيقى قويّة وعنيفة.

ومن السمات الفنية البارزة في شعر ابن الدهّان بناء العبارات الشعريّة في الأبيات المتتابعة على نمط لغويّ وبيانيّ متشابه أو متقارب ، ولعلَّ هذا يعود إلى حدّة  إحساسه ورغبته في إبراز هذا الإحساس بأقصى ما يمكن  من البيان والتأكيد. كما في الأبيات التالية الّتي اعتمد فيها على صيغة الاستفهام المتلوّة بالجارّ والمجرور ممّا أضفى عليها نبرة عالية:(69)

مَنْ للمعالي تُرْتَقَى أو تنثني
مَنْ للأمور المشكلاتِ يحِلّها
مَنْ للأراملِ واليتامى كافلاً
مَنْ للمقانب والكتائبِ رِدُّها

 

 

مَنْ للمحامدِ تُقْتَنَى أو تُكْسَبُ
مَنْ للثغورِ المستضامةِ يغْضبُ
يكفيهمُ إذْ لا خليل ولا أبُ
إنْ فُلَّ جيشٌ أو تَقنَّعَ مِقْنَبُ

 

 

وقد أفضت هذه الطريقة في بناء العبارة الشعريّة إلى صور شتَّى من التقسيم تقوم على إيجاد أنساق متشابهة تركيبياً أو متوازنة إيقاعياً داخل البيت الواحد ، وتمتّد هذه الأنساق – أحياناً – في أبيات متتابعة ، وقد ورد ذلك في شعره على نحو يسترعي النظر ، ولا سيّما في القصائد الطويلة ، كما في الأبيات التالية:(70)

كريمٌ على العافين كالغيثِ مسبلاً
وسيلٌ إذا ما المال أقنى فَأَجْزَلا
فما سُلَّ إلاَّ أهلك الشّرْكَ حدُّه
حياةُ إذا يرْضَى ، حِمامُ إذا سطا

 

 

شديدٌ على العادين كالليث مشبلا
وسيفٌ إذا ما سلَّ أفنى وقلَّلا
ولا سُئِلَ الإحسانَ إلاَّ تهلّلا
قديرُ إذا يعفو ، عفيفُ إذا خلا

 

فقد تداخلت في هذه الأبيات أجناس بلاغيّة متعدّدة ، مثل الجناس والطباق والسجع ، وتآزرت مع التقسيم في تأدية دور المنشّط الإيقاعيّ والدلاليّ في القصيدة  فكسرت الرتابة الإيقاعية من ناحية ، وأبرزت التناقض الحادّ بين التوازن الإيقاعيّ والدلالة من ناحية أخرى ؛ ذلك أنَّ كُلَّ تركيب متوازن يقابله في البيت نظيره الّذي يضّاده في المعنى ، وهو ليس تضاداً معجمياً دقيقاً ، وإنَّما هو ناشئ من هذه التراكيب المتوازنة المتقابلة.

واستخدم ابن الدهّان التصوير بأنواعه المختلفة لتوضيح معانيه وأفكاره ، والتعبير عن عواطفه وانفعالاتـه ، وقد تعدَّدت المصادر الّتي استرفد منها صوره ، وأمدَّته الطبيعة في مظاهرها المختلفة بفيضٍ منها ، ولعلَّ هذا يدلّ على أنَّه كان يعدّها نموذجاً يقيس عليه الأشخاص والأشياء والمعاني ، وغالباً ما كان الإنسان مجالاً للصور المستوحاة منها ؛ وهنا أقف عند الصور المستمدّة من (الماء) بأشكاله المتعددة لأبيّن كيف اتّخذها الشّاعر صوراً للإنسان في أحواله المختلفة. فقد قرن به كرم الممدوح ، فهو – مثلاً – كالغيث ، وسيل دافق، وبحر لججه بيض العطايا ، وبحر فائض طامٍ ، وديمة لا تنجلي ، وسحب لا تُقلع ، وربع الشّاعر غدير مترع بندى الممدوح(71). ويستثمر الشّاعر هذه الصور المائيّة الدالّة على الخصب والغزارة حتى في تصوير دموعه ، فهي غيث أخصب المنازل ، وسقى ربع الحبيبة فأغنى عن استسقاء الحيا ، أمَّا الحبيبة نفسها فريقها ماء سلسل  ، وماء سلسبيل(72). ويصدر ابن الدهّان عن حسّ شاعريّ مرهف حين يشبّه الحِلْم بالماء الّذي يطفئ نار كُلّ عظيمة(73). وقليلاً ما نجد (الماء) في تشكيل الصور الّتي تدلّ على العنف ، كتشبيهه السيوف الّتي تقطر دماً بالعارض الهامي ، والمنايا بماء استعذب الفرسانُ ورودَه ، والجحافل بالسيول المتدفّقة.(74)

ولـو تتبّعنا بقيّة الصور المستوحاة من الطبيعة لألفينا أنَّ معظمها يصوّر الإنسان في نشاطه الإيجابيّ ، وسلوكه المثمر البناء ، وصفاته الجماليّة ؛ فالحسان شموس خدور ، وظبية أدماء ، وظبية الحرم ، وقضيب أزهر بالصباح ، وقضيب  بانٍ على أعلاه بدر دجى ، وتفوق ميّاس القضيب تمايلاً ، وغصن يتميّل ، وتبدو من بين السجوف هلالاً ، وأسنانها مكنون الدرر ، وأقاح ، وريقها عسل ، وخدّها تفاح(75). أمَّا الممدوح فهو من دوحة شاذية أرجت الدنيا لطيبها ، وريح سجسج للمعتفين ، وجنى الحديث ونزهة المتأمّل ، وطود العلى السامي ، وجبل العزّ ومن دونه وهاد وسفوح ، وخلائقه تُغني عن المنّ والسلوى ، ورأيه كالشمس نوراً، وهو يهتزّ للندى اهتزاز غصن البان(76).

وقد يستخدم الشّاعر الصور الطبيعيّة للدلالة على معانٍ سلبيّة تَشِفّ عن نفسيّته والضيق الّذي كان يُلمّ به ، وغالباً ما كانت ترد في سياق استعطافه ممدوحيه ؛ فهو يشبّه الفضل بالشاة الهزيلة ، والأماني برياضٍ ذاويات عُطّل ، ويصوّر نفسه طائراً محصوص الجناح(77). وقليلاً ما استخدم الشّاعر عناصر الطبيعة في تصوير الحرب ومتعلّقاتها ، وما ورد منها كان يأتي – في أغلبه – في سياق الحديث عن تفوّق المسلمين ؛ مثل تشبيه الجند المسلم بأسود تحت غابات الرّماح ، وبشموس أشرقت في ظلام المعركة ، وتصوير القتلى زرعاً محصوداً ، والرمح غصناً مثمراً برؤوس الأعداء(78).

ومن المصادر الّتي استقى منها الشاعر صوره الحياة الاجتماعية، ويلاحظ اهتمامه بالملابس وما يتصل بها، ولعلّ هذا يعود إلى فقره وحرمانِه ؛ فالمكارم لباس ارتـداه الممـدوح ، والأدراع كالحلل ، والصبر ثوب جميل، والعيش ثوب سابغ ، والأسر والقتل ثوب جلّل الأعداء ، والدجى أرخى ذيوله ، والممدوح متمنطق بالمحامد ، مؤتزر بالمكارم ، وقصائده عقد نظيم وجوهر، والثمار على الأغصان قلائد خانها النظم فانثالت لآليها(79).

واستمدّ ابن الدهّان بعض صوره من الإنسان في سلوكه وصفاته، وابدى تعلّقاً ملحوظاً بالصور المستوحاة من عالم المرأة، وقد يدلّ هذا على حاجته إلى الاستقرار والسكينة بسبب بعده عن زوجته وتنقّلاته المستمرةّ ، فالمكارم فتيات أبكار ، وقصائده بكر معصر ، وعقيلة عذراء ، وقد أنكح الممدوح أشعاره وزفّها إليه ، وليالي السرور فتيـات أبكـار ونسـاء عون ، وليالي الهموم طوالق ، والنبت جنين ترضعه حوامل المزن في أحشاء الأرض ، والرايات تلقح رأي الممدوح وتتمخض بنصر فذٍّ وتوءم(80).

وتشي بعض صوره المستمدة من الإنسان بإحساس أليم بحركة الزمن ؛ فالدهر فارس كنائنه ملأى من المحن ، وصروفه أيقاظ ، والليل حيّ الدياجي ميّت السَّحَر ، أمَّا الصبر فشيخ شابت قذَّته في حين أنَّ الغرام في عنفوان شبابه(81).

 

ويقع الدارس على بعض الصور الّتي تتَّصل بأجواء الحروب الّتي عاصرهـا الشاعـر ، فأرضُ الشام تحارب أرض الموصل على الممدوح ، وعوادي الدهر سيوف قاطعه ، والأنَّهار ظُبىً ماضيات ، ووجه الحبيبة قمر يهزم ظلام الليل ، والهوى سيف يقطع فؤاده بحدِّ ذبابه ، ونظرات الحسان سهام تذود عنها وتحمي قبابها(82).

وقـد كـان الإتيـان بالصـور الجديـدة الطريفـة من المعاييـر الّتي كان يحكم بها للشعر بالجودة آنذاك(83) ، لذا  أبدى الشاعر عناية واضحة بالإتيان بالصور الجديدة ، أو الّتي يظن أنَّها كذلك ، وتوسَّل بأساليب مختلفة لتحقيق هذا الأمر ، ومن هذه الأساليب قلب التشبيه ، والاستكثار من هذا المقلوب في البيت الواحد أو الأبيات المتلاحقة ، بحيث لا تغدو للشاعر أية غاية سوى تراكم هذه التشبيهات ، كما في قوله(84).

يُمثِّله ظبيُ الكناسِ مشابهاً
ويُخْجِل ميَّاسَ القضيبِ تمايلاً

 

 

ويُشبهُهُ بدرُ التمام ممثَّلاً
وَيفْضَحُ منْهالَ الكثيب تهيُّـلاً

 

وأحياناً يتلاعب الشاعر بالألفاظ للوصول إلى الصورة، ويعمد إلى المفارقة الموهمة بالتضادّ، كما في قوله(85).

وعلمتُ مذْ طلعْت شموسُ حمولهمْ

 

 

في سُحْبِ دمعي أنَّهُنَّ غواربُ

 

فالصورة في هذا البيت تصدر عن التداعي اللفظي ، فتشبيه الحمول بالشموس استدعى الفعل (طلعت) الّذي استدعى بدورة كلمة تقابله (غوارب) ، واستكمالاً لهذه الصورة جعل الشاعر دمعه سحباً تطلع فيها هذه الشموس.

وقد ينفذ إلى الإتيان ببعض الصور بالاتكاء على ثقافته ، كما في قوله يستوحي آي الذكر الحكيم لتصوير أخلاق الناس في عصره(86).

هُمْ الحمأُ المسنون لا ماءَ عندهمْ

 

 

وليسوا صعيداً  طيّباً للتيمُّمِ

 

ويتكئ على ثقافته الفقهية في توليد الصورة في البيت التالي:(87)

وإذا أردتَ على الصبابةِ شاهداً

 

 

فالدمع أعدل شاهدٍ لا يكذبُ

 

        وتملي عليه هذه الثقافة أن يقول(88):

وكم أرى عندهمْ مِنْ حبِّهِ خبراً

 

 

يرويه عن مقلتيّ الدمعُ والسهرُ

 

وقد يعمد إلى التعليل البلاغي في الوصول إلى الصورة كما في قوله:(89)

أمروا الضحى أن يستحيل لأنَّهم

 

 

قالوا لشمسِ خدورهمْ لا تطلعي

 

وقد تنوّعت الصورة في شعره بين اللقطات الجزئية الخاطفة ، والصور المتكاملة الّتي تدور حول محور واحد ، وتتعاضد معاً لتكوين صورة مكبّرة في قالب فنيّ جديد يضفي عليها مسحة من جمال، واختار لها ضروباً من الألوان البلاغية ، والتشكيلات الفنية ، مثل التشخيص والتجسيم والحركة والألوان والأصوات ، كما في الأبيات التالية الّتي تتابعت فيها الصور الجميلة:(90)

سقاها الله منزلةً وحيّا
وأيّاماً بقربكمُ تقضّتْ
أرى عند الرّياحِ  لكمْ حديثاً
أغار إذا الغصونُ صغتْ إليها
إذا هبَّتْ أحمِّلها زفيراً
كأنَّ بها حذاراً من رقيبٍ

 

 

طوينا بعدها الّلذاتِ طيّا
كأنَّ العيشَ فيها كان فيّا
أواجهُها فتُميلهِ عليّا
مخافةَ أنْ ستحكي منه شيّا
فيرجعُ وقْرُها طيباً وريّا
فتسري خيفةً ليلاً إليّا

 

فالصـورة تغذّي النسق العـام للأبيات ، وترسم إيقاعات فنية متلاحقة لمواجد الشاعر ، وهي ذات إيحاءات جميلة تتجاوز رتابة التفصيلات المملّة ،  وتعتمد التشخيص والتجسيد الّذي يرتفع بالمعاني إلى درجة المحسوسات ، وتتداخل فيها الحركـة المتتابعة، والأصوات الخافتة ، والرائحة الزكيّة ، وممَّا ضاعف جمالهـا تـلك الألفاظ السهلـة الشفّافـة ، والتراكيب السلسة الليّنة، والموسيقى العذبة المتموّجة.

وتـأتلف فـي الأبيـات التالية الصورة الحركيّة واللونيّة والذوقيّة في سياق جميل يصوّر اهتزاز الأغصـإن ، وتساقط جناها على الأرض ، ولون هذه الثمار ومذاقها.(91)

إذا الغصون هَزْزناها لِنَيْل جنىً
مِنْ كُلِّ صفراءَ مثل الماءِ يانعةً
لذيذة الطعمِ تحلو عنْدَ آكلها

 

 

صارت كواكبها حَصْبا أراضيها
تخالُها جَمْرَ نارٍ في تلظّيها
بهيّة اللون تحلى عند رائيها

 

ويرسم في الأبيات التالية صورة جميلة للدَّوح ، مازجاً فيها بين الحركة المتمايلة المتماوجة ، والصَّوت الجميل ، في إطار من التشخيص يبدو فيها الدَّوح في صورة فتاة نشوى يغنّي لها الحمام ، ويصفّق النّهر ، فيهتز طرباً(92):

نشوى يُغنّي لها وُرْقُ الحمام على
صفا لها الشربُ فاخضرَّتْ أسافلها
وصفَّق النَّهرُ والأغصانُ قد رقَصَتْ

 

 

أوراقها ويدُ الأنواءِ تسقيها
حتَّى ضفا الظلُّ وابيضّتْ أعاليها
فنقَّطتْهُ بِدُرٍّ مِنْ تراقيها

 

ويلجأ أحياناً إلى حشد عددٍ من الصور في سياقٍ واحدٍ دون أن يأتلف منها مشهد متكامل ، غير أنَّها قد تترك في مجموعها أثراً نفسياً واحداً ، كما في قوله:(93)

ولمَّا ادلهمَّ الدّهرُ يوماً بدا بهِ
وقد كانت الدنيا كشوهاءَ عاطلٍ
ولولاك ماتَ الفضلُ هُزلاً وأصبحتْ

 

 

سناكَ فقد أضحى أغرَّ محجَّلا
فَصِرْتَ لها حُسناً وصُغْتَ لها حُلى
رياضُ الأماني ذاوياتٍ وعُطَّلا

 

فموادّ الصورة في الأبيات السابقة مألوفة ، وقد أعاد الشّاعر صياغتها والتأليف بينها بطريقة لفظية هي (واو العطف) ، وهي أشبه ما تكون بالنقلات التصويرية المنفصلة الّتي تدلّ تؤدي فيها كُلَّ صورة المعنى بأسلوبهـا الخاص ، ومع ذلك فقد بدت العناصر المكونة لها (الدهر ، الدنيا ، الفضل ، الأماني) كالكائنات الحيّة ، تأخذ صفاتها ، وتلبس لبوسها ، مع الاهتمام على نحو واضح بالصور اللونية المتضادة الّتي تدلّ على الألوان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، لتشي هذه العناصر على تعدّدها بشعور نفسيّ واحدٍ هو الإحساس بالأمن والثقة اللذين حققهما الممدوح.

وقد يقع ابن الدهَّان في الشكلية في بناء صوره ، فيهتمّ بالمظهر الخارجـيّ للموصوف ، ويجهد نفسه في البحث عن مقابل دقيق له ، يشبهه في هيئته وصورته ، كما في هذه المشابهة الّتي يعقدها بين الفستقة في غلافها وبين زبرجدة خضراءL94)

 

وفستقةٍ شبَّهتُها إذْ رأيتُها
زبرجدةً خضراءَ وسط  حريرةٍ

 

 

وقد عايَنَتْها مقلتي بنعيمِ
بحقّةِ عاجٍ في غلافِ أديمِ

 

والصورة في شعره عامّةُ سهلةٌ بسيطةٌ ، لا يتكلَّفُ في اجتلابها ، ولا يتصنَّع في رسمها ، وهي صور حسيّة تقع ضمن حدود مدركات الشّاعر وأحاسيسه.

ومن السّــمات الفنية البارزة في شعر ابن الدهّان تأثره بأشعار الّذين سبقوه ، فقد انفتح على نصوص سابقة ، وبدت بعض قصائده إعادة إنتاج لها بعد أنْ يخضعها لتجربته الفنية الخاصة ، واتّخذ هذا صوراً مختلفـة ، لعـلَّ أبسطهـا مـا يكـون فـي صـورة شذرة ملتقطة من ترسّبات قراءة لأحد النصوص السابقة ، واستحضار بعض الخطابات الموازية من الشعراء القدامى على سبيل التضمين ، وقد تكون هذه الشذرة بيتاً كاملاً أو جزءاً من بيت يدمجه في بنية قصيدته ، كما في قوله في رثاء الملك المعظم توران شاه:(95)

ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى

 

 

أنَّ المكارمَ في التّراب تُغيّبُ

 

فهذا استحضار شبه حرفي لبيت المتنبي:(96)

ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى

 

 

أنَّ المكارمَ في التّرابِ تغورُ

 

دون أنْ يغِّير شيئاً في طاقته الإيحائية. وقد يستحضر ابن الدهّان معاني بعض الّذين سبقوه ، ويعيد صياغتها مع الاحتفاظ بدلالتها أو ظلال المعنى. وهذا النوع وفير في شعره ، وهو متفاوت في مستواه الفني ، فهو أحياناً يقصّر عن الأبيات المرجعية ، فقوله:(97)

يا ظالماً حكَّمتُه فاغتدى
ما أبعدَ المظلومَ من حقّهِ

 

 

إليك أشكو منك يا ظالمي
إنْ كانت الدّعوى على الحاكمِ

 

لا يبعد سبيله عن ترجمة المعنى في قول أبي الطيب:(98)

يا أعدل النّاس إلاَّ في معاملتي

 

 

فيكَ الخِصام وأنت الخصْمُ والحَكَمُ

 

فابن الدهّان بسط القول في بيتيه ، غير أنَّهما ينقصهما التكثيف وجمال التعبير اللذان تميَّز بهما بيت الشّاعر السَّابق. وقد يُحقّق الشَّاعر لنفسه ، وهو يعيد إنتاج بعض الأبيات ، شيئاً من الإجادة ، فقوله:(99)

وإذا تعامى الطّرف عن شمس الضحى

 

 

فبأيّ شيءٍ يحصل التّبيانُ

 

لا يكاد يبعد كثيراً في الدلالة والصياغة الحكمية عن بيت أبي الطيب:(100)

وليس يصحّ في الأفهام شيء

 

 

إذا احتاج النهار إلى دليلِ

 

ويتصرّف الشَّاعر – أحياناً – في المعنى بتحويله ونقله إلى دلالة جديدة تُغاير الأصل، مع الاحتفاظ ببعض ألفاظه وتراكيبه ، كما في قوله:(101)

لولاك لمْ أرضَ القنوع وذلّتي
فاسلم على مرِّ الزمانِ ممّتعاً

 

 

من بعد طولِ تعزّزٍ وَتَقنُّعِ
بعظيم ملكك والمحلِّ الأرفعِ

 

فهو يستعيد صوت ابن سينا في حديثه عن الرّوح ، وينتقي منه بعض الألفاظ والتراكيب ، ممّا شحن بيتيه بطاقة إيحائية تجّسد غربته ومعاناته من ناحية ، وتفرّد الممدوح من ناحية ثانية.

وقد يتعدّى الأمرُ استحضار بيت أو بيتين إلى استدعاء قصيدة كاملة وتمّثلها ، فأبيات ابن الدهّان الّتي أوّلها:(102)

أمأتمٌ هذه الأيّامُ أمْ عِيدُ

 

 

وذي الأغانيَ نَوْحٌ أم أغاريدُ

 

تتناصّ مع قصيدة المتنبي الّتي مطلعها:(103)

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ

 

 

بما مضى أمْ لأمرٍ فيك تجديدُ

 

وتستعيد بنيتها الإيقاعية ، وتمتص كثيراً من معانيها وتراكيبها ، وتستوحي الأجواء الحزينة الّتي غلبت عليها ، بحيث يمكن القول إنَّها كانت نصّاً مرجعياً لها. غير أنَّ نصَّ ابن الدهّان لم يقف عند حدود اجترار نصّ المتنبي ، وإنما قام بتحويره وتحويله إلى سياق جديد يعبّر عن تجربته الذاتية ، ولنأخذ بالإضافة إلى البيت السّابق ، الأبيات التالية:

ما لي أرى عنديَ الأشواقَ بعدكمُ
تمرّ بعدكمُ الأيّامُ عاطلةً
حالت عوائق دون الطرفِ نَحْوَكُمُ

 

 

موجودةً ، وجميل  الصبر مفقودُ
لا الخصر منها له حليٌ ولا الجيدُ
وحالَ دون طريقِِ الطيفِ تسهيدُ

 

فالشّاعر تشرّب في هذه الأبيات كثيراً من ألفاظ المتنبي وقوافيه ، والقارئ لا يجد عناءً في الربط بينها وبين قول أبي الطيّب:

لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي
يا ساقيّي أخمرٌ في كؤوسكما
إذا أردتُ كُميْتَ اللون صافية

 

 

شيئاً تتيّمه عين ولا جيدُ
أمْ في كؤوسكما همّ وتسهيدُ
وجدتها وحبيب النّفس مفقودُ

 

بيد أنّ الشّاعر قام بنقل الكلمات المضمنة من سياقها الأصلي إلى سياق جديد يتلاءم وتجربته الخاصة ، فالمتنبي – مثلاً – يقول: (وجدتُها وحبيب النفس مفقود) فيأخذ ابن الدهّان العبارة ، ويُخضعها للتحوير ، ويدمجها في القصيدة ، بحيث جاءت مستقرة في مكانها دون أنْ يشعر القارئ أنَّها طارئة أو مجتلبة. ومع هذا فإنَّ أبياته لمْ تُضِفْ عناصر جماليّة جديدة ، ولمْ تَرْقَ إلى المستوى الفنيّ لداليّة أبي الطيّب.

        ويطول الحديث لو تتبعنا التواشج النصيّ في ديوان الشّاعر ، وأختم القول – هنا – بالحديث عن قصيدته الّتي قالها في هزيمة المسلمين في البقيعة ، فقد حاول فيها – كما يقول أبو شامة المقدسيّ – ما حاوله أبو الطيب المتنبي في قصيدته:(104)

غيري بأكثر هذا الناس ينخدعُ

 

 

إنْ قاتلوا جبنوا أو حدَّثوا شجعوا

 

(فإنَّ كُلَّ واحدٍ (منهما) اعتذر عن أصحابه ومدحهم ، وهم المنهزمون وقد أحسنا معاً)(105). والمشابه بين النهج العامّ للقصيدتيـن كثيرة ؛ فكلتاهما تمجِّد القوّة ، وتثني على القائد المسلم وتبرِّئه من مسؤولية الهزيمة ، وتقرّع المنهزمين ، وتهدّد الأعداء ، وتستصغر النصرّ الّذي أحرزوه ، يُضاف إلى ذلك التأثّر الجزئيّ ببعض المعاني والصّور ؛ فقول ابن الدهّان:

هلاّ وقد ركب الأسد الصقورَ وقد
بني الأُصَيْفِر ما نلتمْ بمكركمُ
وما رجعتمْ بأسرى خاب سعيكمُ
قلْ للمولّين كفوا الطرفَ من جبنٍ

 

 

 

 

 

سلّوا الظبى تحت غاباتٍ من الأسلِ
والمكرُ في كُلَّ إنسانٍ أخو الفشلِ
غير الأصاغرِ والأتباع والسَّفلِ
عند اللقاء وغضُّوا الطّرفَ من خَجَلِ

 

متولّد من قول المتنبي:

قُلْ للدمستق إنَّ المسلمين لكمْ
ضَعْفى تعفّ الأيادي عن مثالهمُ
لا تحسبوا من أسرتمْ كان ذا رمقٍ
هلاَّ على عقب الوادي وقد طلعت

 

 

خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
من الأعادي وإن همّوا بهم نزعوا
فليس تأكل إلاَّ الميتة الضبّعُ
أسدٌ تمرّ فرادى ليس تجتمعُ

 

وقد أربى ابن الدهّان على المتنبي في تلمّس أوجه الاعتذار عن الهزيمة ، فالسّابق اكتفى بالحديث عن ضعف المنهزمين وجبنهم ، في حين تجاوزه اللاحق ،  ونفذ إلى معانٍ جديدة سبقت الإشارة إليها في الدراسة الموضوعية.

 

الإحالات والتعليقات: 

 

 

 


 

 


 

(1)انظر ترجمته في: الحافظ بن عساكر  ، تهذيب تاريخ دمشق الكبير ، هذّبـه عبد القادر بدران (دار المسيرة ، بيروت ، ط2 ، 1979) 2 : 295. العماد الأصفهانيّ محمد بن حامد ، خريدة القصر وجريدة العصر ، قسم شعراء الشام ، تحقيـق شكـري فيصل (المجمع العلمي العربي ، دمشق ، 1955)       2 : 279. القفطي جمال الدين أبو الحسن علي ، إنباه الرواة على أنباء الرواة ، تحقيق محمد  أبو الفضل إبراهيم (دار الفكر العربي ومؤسسة الكتب الثقافية ، القاهرة وبيروت ، ، 1986 ، 2 : 103. ياقوت الحموي ، معجم الأدباء ، تحقيق إحسان عبّاس (دار صادر ، بيروت ، 1968) 4: 57. الذهبي محمد ابن أحمد ، العبر في خبر من غبر ، تحقيق صلاح الدين المنجد وفؤاد السيد (دائرة المطبوعـات والنشـر ، الكويت ، 1963) 4: 81. الذهبي ، سير أعـلام النبـلاء ، تحقيـق بشار معروف ومحيي هلال سرحان (مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1984) 21 : 176. السبكيّ تاج الدين أبو نصر علي، طبقـات الشافعيـة الكبرى ، تحقيق عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي (دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، ؟ ) 7 : 120. الإسنوي جمال الدين عبد الرحيم ، طبقات الشافعية ، تحقيق كمال الحوت (مركز الأبحاث والخدمات الثقافية ، بيروت، 1987) 2 : 241. ابن كثير الدمشقي ، البداية والنهاية ، تحقيق احمد أبو ملحم وآخرين (دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط3 ، 1987) 12 : 338. ابن تغـري بردي أبو المحاسن يوسف ، النجوم الزاهرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة ، (دار الكتب المصرية ، القاهرة ، 1936) 5 : 365. ابن العماد الحنبلي أبو الفلاح عبد الحي ، شذرات الذهب في أخبار من ذهب (مكتبة القدسي ، القاهرة ، 1350هـ) 4 : 270.

(2) الإسنوي ، طبقات الشافعية 2 : 241.

(3) ابن عساكر ، تهذيب تاريخ دمشق 7 : 295.

(4) ابن خلكان ، وفيات الأعيان 3 : 57.

(5) العماد الأصفهانيّ ، خريدة القصر – قسم شعراء الشام 2 : 281.

(6) ابن الدهّان الموصلي أبو الفرج عبد الله بن سعد ، ديوانه ، تحقيق عبد الله الجبوري ، (مطبعة المعارف ، بغداد ، 1968) 223.

(7) أبو شامة المقدسيّ ، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية (دار الجيل ، بيروت ، ؟)          1 : 127.

(8)  انظر: ابن الدهّان ، ديوانَّه 70.

(9)  ابن عساكر ـ تهذيب تاريخ دمشق 7 : 295 ، القفطي، إنباه الرواة 2 : 104.

(10) أبو شامة ، الروضتين 1 : 128.

(11) العماد الأصفهانيّ ، خريدة القصر قسم شعراء الشام ، 2 : 285.

(12) ابن كثير ، البداية والنهاية 12 : 338. وانظر ابن واصل جمال الدين محمد ، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ، تحقيق جمال الدين الشيّال (دار إحياء التراث القديم ، القاهرة ، 1953) 1 : 284.

(13) ابن خلكان ، وفيات الأعيان 3 : 58 ، وانظر العماد الأصفهانيّ ، خريدة القصر – قسم شعراء الشام 2 : 284.

(14) ابن خلكان ، وفيات الأعيان 3 : 60 ، الذهبي ، العبر 4 : 81 ، ابن كثير ، البداية والنهاية 12 : 338. وانفرد ابن تغري بردي برواية غريبة حيث جعل وفاته سنة 559هـ. انظر: النجوم الزاهرة. 5: 365.

(15) ابن العماد الحنبلي ، شذرات الذهب 4 : 270 ، وانظر الذهبي ، العبر 3 : 82.

(16) الإسنوي ، طبقات الشافعية 2 : 242 ، وانظر ابن خلكان ، وفيات الأعيان 3 : 57.

(17) العماد الأصفهانيّ الخريدة ، قسم شعراء الشام 2 : 281.

(18) خير الدين الزركلي ، الأعلام لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين ، (دار العلم للملايين ، بيروت ، 1986) 4 : 72.

(19) العماد الأصفهانيّ ، الخريدة ، قسم شعراء الشام 2 : 281.

(20)  ابن الدّهان الموصلّي، ديوانه 238.

(21) المصدر السّابق 68.

(22) المصدر السّابق 212.

(23) ابن خلكان ، وفيات الأعيان 3 : 57.

(24) انظر: د. ناظم رشيد ، ابن الدهّان الموصليّ: الشّاعر الوشّاح ، مجلة المورد ، بغداد (المجلد 14 ، العدد الأول ، 1985) 66.

(25) ابن الدهّان الموصليّ ، ديوانه 35.

(26) انظر المصدر السّابق 25 ، 48 ، 107 ، 109 ، 112 ، 125 ، 148 ، 156 ، 158 ، 225.

(27) المصدر السابق 55.

(28) المصدر السابق 146.

* ورد في الأصل الكتب.

(29) المصدر السابق 114.

(30) المصدر السابق 125.

(31) المصدر السابق 225.

(32) المصدر السابق 226.

(33) انظر المصدر السابق 131 ، 224.

(34) انظر المصدر السابق 97 ، 138 ، 224.

(35) المصدر السابق 203.

(36) المصدر السابق 138.

(37) المصدر السابق 97.

* ما بين العكوفتين ساقط في الأصل والزيادة من عندنا

*  في الأصل [الحلم].

 

(38) المصدر السابق 99.

(39) المصدر السابق 141.

(40) المصدر السابق 234.

(41) المصدر السابق 177.

(42) المصدر السابق 219.

* في الأصل [فيهم]

(43) المصدر السابق 61.

(44) المصدر السابق 78.

(45) المصدر السابق 86.

(46) انظر تفصيـل ذلك في: ابن القلانسي حمزة بن أسد ، تاريخ دمشق ، تحقيق سهيل زكار (دار حسان ، دمشق ، 1983) 506. ابن شاكر الكتبي ، عيون التواريخ ، تحقيق فيصل السامر ونبيله عبد المنعم (وزارة الإعلام ، بغداد ، 1977) 12 : 484.

(47) ديوان ابن الدهّان ، ديوانه 229.

(48) أنظر عمارة اليمني ، النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية ، عمارة اليمني ، نجم الدين أبو محمد عمارة ، اعتنى بتصحيحه هرتويغ درنبورغ ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، ط2 ، 1991) 113.

(49) ابن الدهّان ، ديوانه 128.

(50) المصدر السابق 135.

(51) أنظر تفصيل ذلك في: عز الدين بن الأثير ، التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل ، تحقيق عبد القادر طليمات (دار الكتب الحديثة ومكتبة المثنى ، القاهرة وبغداد ، 1963) 208 – 211.

(52) ابن الدهّان ، ديوانه 70.

(53) المصدر السابق 30.

(54) المصدر السابق 39.

(55) المصدر السابق 52.

*ورد في الأصل (وقد) ولا يستقيم المعنى به.

(56) المصدر السابق 64.

(57) المصدر السابق 53.

(58) أنظر أخبار هذه الغزوة في: الحنبلي ، شفاء القلوب 108.

(59)  ابن الدهّان، ديوانه 43.

(60) المصدر السابق 42.

(61) المصدر السّابق 32.

(62) العماد الأصفهانيّ ، خريدة القصر ، قسم شعراء الشام 2 : 280.

(63) المصدر السّابق 281.

(64) الذهبي ، سير أعلام النبلاء 21 : 176.

(65) ابن خلكان ، وفيات الأعيان 3 :57.

(66) ابن الدهّان ، ديوانه 128.

(67) المصدر السابق 148.

(68) المصدر السّابق 222.

(69) المصدر السّابق 206.

(70) المصدر السّابق 39.

(71) انظر المصدر السّابق 29 ، 30 ، 33 ، 39 ، 116 ، 168.

(72) انظر المصدر السّابق 26 ، 29 ، 37 ، 87.

(73) انظر المصدر السّابق 178.

(74) انظر المصدر السّابق 31 ، 15 ، 120.

(75) انظر المصدر السّابق 26 ، 29 ، 35 ، 37 ، 38 ، 48 ، 49 ، 80 ، 161.

(76) انظر المصدر السّابق29 ، 31 ، 41 ، 67 ، 82 ، 170 ، 172 ، 186.

(77) انظر المصدر السّابق 45 ، 69.

(78) انظر المصدر السّابق 21 ، 51 ، 66 ، 77.

(79) انظر المصدر السّابق 45 ، 51 ، 54 ، 74 ، 99 ، 113 ، 186 ، 210 ، 235.

(80) انظر المصدر السّابق 29 ، 54 ، 68 ، 128 ، 129 ، 226 ، 233.

(81) انظر المصدر السّابق 99 ، 126 ،131 ، 162.

(82) انظر المصدر السّابق 27 ، 162 ، 166 ، 213 ، 215 ، 234.

(83) العماد الأصفهانيّ خريدة القصر - قسم شعراء الشام 1 : 575.

(84) ابن الدهّان ، ديوانه 38.

(85) المصدر السّابق 158.

(86) المصدر السّابق 130.

(87) المصدر السّابق 203.

(88) المصدر السّابق 160.

(89) المصدر السّابق 26.

(90) المصدر السّابق 150.

(91) المصدر السّابق 237.

(92) المصدر السّابق 235.

(93) المصدر السّابق 45.

(95) المصدر السّابق 206.

(96) أبو الطيب المتنبّي، العرف الطيّب في شرح ديوان أبي الطيب، شرح ناصيف اليازجي (د.ن، د.ت)، 66.

(97) ابن الدهَّان، ديوانه 152.

(98) أبو الطيب المتنبي، العرف الطيّب 342.

(99) ابن الدهّان ، ديوانه 180.

(100) أبو الطيب المتنبي ، العرف الطيب 357.

(101) ابن الدهَّان، ديوانه 34.

(102) المصدر السّابق 133.

(103) أبو الطيب المتنبي ، العرف الطيب 548.

(104) المصدر السابق 319.

(105) أبو شامة المقدسي ، كتاب الروضتين 1 : 129

لمخاطبة الباحث
أي أسئلة حول الدراسات الرجاء طرحها في المنتدى
 

لأفضل مشاهدة استخدم متصفح مايكروسوفت ودقة600×800
  دقة شاشتك الآن

جميع الحقوق محفوظة © 2003-2004 لموقع المنشاوي للدراسات و البحوث

copyright © 2002-2003 www.minshawi.com All Rights Reserved