|
الفصل الأول
مقدمة(مشكلة الدراسة وأهميتها)
الإطار النظري للاغتراب
الإطار النظري للاجئين الفلسطينيين
تساؤلات الدراسة
فرضيات الدراسة
متغيرات الدراسة
مقدمة
استقطبت ظاهرة الاغتراب التي يعاني منها الأفراد في الحياة
العامة وما تتركه من انعكاسات سلبية على صحتهم، وحيويتهم،
وتطورهم، العديد من الباحثين في مختلف أنحاء العالم قاطبة (دواني
وأخرون، 1989). وهذا ما يدلل عليه حجم الدراسات التي صدرت
وتصدر عنهم، والتي تناولت موضوع الاغتراب بمختلف أنواعه بالبحث
والدراسة. وذلك نتيجة للتطورات الكثيرة التي تواكب هذا العصر،
والأهداف المتوالية يوماً بعد يوم ولحظة بعد أخرى، حيث أننا في
تسارع مع وتيرة الزمن وارتفاع في مستوى الطموح والتغير
الثقافي.
ويذكر رجب (1986، ص5) أنه لو وجه علماء اللغة أجهزتهم
لرصد ما يكتبه الباحثون والفلاسفة في عصرنا الحاضر فإنه يراهن
على أن كلمة الاغتراب (Alienation
) سوف تحظى بالأولوية من حيث ترددها، هذا القول يبين مدى شيوع
وانتشار ظاهرة الاغتراب في الفكر والدراسات المعاصرة.
يمكن القول أن الاغتراب ظاهرة إنسانية امتد وجودها
ليشمل مختلف أنماط الحياة الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية،
وفي كل الثقافات، حيث تزايدت مشاعر هذا الاغتراب وتعددت نتيجة
لطبيعة العصر الذي يعيشه الإنسان، عصر المتناقضات ، عصر
التنافس والتغيرات المتلاحقة، عصر طغت فيه المادة، مما أدى إلى
إصابة الإنسان بالكثير من المشاكل والاضطرابات، والتي جاء في
مقدمتها ظاهرة الاغتراب التي لفتت انتباه الباحثين والدارسين
وكانت محط اهتمامهم الأول( عويدات، 1995، ص2).
من الناحية التاريخية كان لمصطلح الاغتراب
(Alienation)
استخدامات متنوعة في التراث الديني، الفلسفي، السيكولوجي
والسياسي، فقد ارتكز مفهوم الاغتراب السياسي في أدبيات
الاغتراب على فكرة الفاعلية السياسية، بمعنى شعور الفرد بمدى
قدرته على التأثير في مجريات العملية السياسية، سواء على مستوى
القرار السياسي، أو مستوى الأحداث الناتجة عنه في المجتمع الذي
يعيش فيه، وعلى هذا الأساس اعتبر الفرد الذي يشعر بضآلة الفرص
أمامه للتأثير على هذه العملية في المجتمع بأنه مغترب سياسياً.
ويذكر عزام(1997، ص228) أن أغلب الدراسات التي تناولت موضوع
الاغتراب السياسي دارت في الغالب حول مجال محوري رئيسي هو سلوك
الناخبين واتجاهاتهم نحو الخيارات والفرص المتاحة لهم من قبل
الأنظمة السياسية في مجتمعاتهم، ومدى استعدادهم لمحاولة تبديل
ما لا يرضون عنه من تلك الخيارات والفرص السياسية المطروحة في
تلك المجتمعات.
وتأتي أهمية الاغتراب السياسي بوصفه موضوعاً للبحث ، من أنه
يشكل مشكلة اجتماعية على مستوى الأدوار الاجتماعية المتوقعة من
أفراد المجتمع ، هذا في الوضع الطبيعي، فكيف يكون الحال لدى
أفراد الشعب الفلسطيني عامة ، ولدى سكان المخيمات خاصة، الذين
يعيشون ظروفاً صعبة للغاية، نجمت عن اقتلاعهم من أراضيهم،
الذين ينظرون لحظة بلحظة القرار السياسي الذي سيضمن لهم حق
العودة إلى ديارهم منذ العام 1948م.
يعيش اللاجئون الفلسطينيون مظاهر إنسانية سيئة
للغاية. ويذكر أبو ستة(2000) أنه لا يوجد في التاريخ الحديث
جريمة توازي جريمة تهجير الفلسطينيين من ديارهم عام 1948،
والتي أطلق عليها لاحقاً "نكبة فلسطين". فبعد مرور أربعة
وخمسين عاماً على النكبة، قدم اللاجئون الفلسطينيون الكثير من
التضحيات، وما زالوا يقدمونها، وذلك في سبيل تحقيق أحلامهم على
أرض الواقع، بالعودة الى ديارهم الأصلية، ولكن وبعد أن طال
انتظارهم وتشتتت أحلامهم وأمانيهم، وقعوا فريسة للكثير من
المشاكل والاضطرابات، والتي باعتقادنا كان أهمها الاغتراب
السياسي، وذلك بعد أن سمعوا الكثير عن قرارات سياسية على
المستويين الدولي والمحلي، وذلك بعد مرور أربعة وخمسين عاماً
على النكبة، ولكن دون جدوى.
من هنا تكمن مشكلة الدراسة في التعرف على درجة شيوع ظاهرة
الاغتراب السياسي لدى أهالي مخيم العروب ، وذلك بعد أن تصفح
فريق البحث بعض الدراسات السابقة العربية منها والأجنبية،
والتي ركزت في دراستها لظاهرة الاغتراب السياسي على فئة الشباب
ومدى مشاركتهم في العملية السياسية، ولم تولي أية دراسة
اهتمامها لهذه الفئة من الشعب الفلسطيني، التي تعيش تحت ظروف
قاسية وغير مستقرة دائماً.
ومساهمة من فريق البحث بتشجيع الأبحاث المتعلقة بموضوع
اللاجئين، وإيمانا منهم بأحياء قضيتهم، أخذوا على عاتقهم إجراء
هذه الدراسة، خصوصاً وان مكتبة اللاجئين تحتاج الى أبحاث
ميدانية عميقة، تتفاعل مع آلامهم وآمالهم، وتضع الأسس العلمية
للارتقاء بقضاياهم وبهم سياسياً، ثقافياً، اجتماعياً
واقتصادياً.
وتنبع أهمية الدراسة الحالية في أنها تبحث موضوعاً
جديداً ومهماً في المخيمات الفلسطينية، حيث يعيش الفلسطينيون
ظروفاً صعبة للغاية، وما زالوا ينتظرون قراراً سياسياً يضع
حداً لآلامهم ومعاناتهم، حيث ستكون هذه الدراسة مرجعاً مهما
للمهتمين في مجال الاغتراب السياسي، وذلك بما ستكشفه من
معلومات حول هذا الموضوع.
من الناحية التاريخية كان لمصطلح الاغتراب
(Alienation)
استخدامات متنوعة في التراث الديني والفلسفي والسيكولوجي، حيث
ظهرت فكرة الاغتراب لأول مرة في الفكر المسيحي خلال العصور
الوسطى، بالذات في اللاهوت البروتستانتي وإلى لوثر وكالفن
بالتحديد. وظهر هذا التنوع في استخدام مصطلح الاغتراب بعد ذلك
كنتيجة مصاحبة لاختلاف الاتجاهات الفلسفية والسيكولوجية
والسوسيولوجية التي اهتمت بتناول هذا المفهوم منذ أول استخدام
فلسفي له في نظرية العقد الاجتماعي. إلاّ أن معظم التحليلات
المعاصرة تكاد تجمع على أن أول استخدام منهجي منظم لمصطلح
الاغتراب جاء به هيجل في الفلسفة المثالية الألمانية في أواخر
القرن الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر. وبعد ذلك استخدم
ماركس مصطلح الاغتراب في (مخطوطات 1844) وفي أجزاء اخرى من
مؤلفه (رأس المال) وذلك في تحليله لطبيعة العلاقات الإجتماعية
في النسق الرأسمالي للإنتاج (الزغل وآخرون 1990، ص 48).
اشتقت كلمة الاغتراب من الكلمة اللاتينية
"Alienation"
والتي تعني نقل ملكية شيء ما إلى آخر، أو تعني الانتزاع أو
الإزالة. وقد استخدمت الكلمة اللاتينية ومشتقاتها في اللغتين
الفرنسية والإنجليزية للدلالة على عدة معاني وهي:-
1)
المعنى القانوني:
يشير إلى تحويل ملكية شيء ما إلى شخص آخر.
2)
المعنى الاجتماعي:
التعبير عن الإحساس الذاتي بالغربة أو الانسلاخ سواء عن الذات
أو عن الآخرين.
3)
المعنى
السيكولوجي: وهو حالة فقدان
الوعي، وعجز أو فقدان القوى العقلية أو الحواس.
4)
المعنى
الديني: وهذا المعنى يتعلق
بانفصال الإنسان عن الله، أي يتعلق بالخطيئة وارتكاب المعصية
(شاخت، 1980، ص64).
يمكن القول أن الاغتراب ظاهرة إنسانية لها وجود في مختلف
أنماط الحياة الاجتماعية. وعلى الرغم من حداثة دراسة الاغتراب
كظاهرة نفسية تعبر عن معاناة الإنسان وصراعه مع ذاته ومجتمعه،
الا أن مفهوم الاغتراب لا يعد جديداً، فقد تناول موضوع
الاغتراب العديد من الباحثين والمفكرين بالبحث والدراسة، فصدرت
عنهم الكثير من المؤلفات والنشرات حول موضوع الاغتراب، وفيما
يلي عرض لأبرز هؤلاء المفكرين:-
تطرق
هوبز في كتاباته إلى موضوع الاغتراب، مشيراً إلى معناه
القانوني، سواء بالتخلي عن الشيء أو بنقله الى الآخرين. فالفرد
في نظر هوبز، لا يستطيع أن يدخل في العقد الاجتماعي إلا إذا
انتزع من نفسه الحق في أن يفعل أي شيء يجب أن يفعله، فينتقل
إلى الأخر صاحب السلطة المطلقة والسيادة الكاملة حقه الطبيعي
في استخدام قوته كما يريد، وذلك من أجل الحفاظ على حياته
الخاصة (رجب، 1986، ص52).
ففي كتابه "التنين" يبين هوبز أن الاغتراب هو فعل إرادي حر، أو
هو تضحية لا بد منها، يقوم بها الفرد من أجل منفعته ومصلحته،
وحسب اعتقاد هوبز يكسب الفرد أكثر مما يخسر عندما يقوم بنقل ما
يمتلكه من حقوق طبيعية إلى إنسان أخر، أو مجلس من الأفراد،
يمثل السلطة والسيادة المطلقة.
وقد
ترددت فكرة الاغتراب عند لوك مماثلة لتلك التي كان يستخدمها
هوبز، ليشير إلى فكرة التخلي عن، أو التسليم إلى، … إلخ من
كلمات تعبر عن نقل الحقوق الطبيعية وتسليمها إلى سلطة المجتمع
(رجب، 1986، ص57).
خلاصة القول أن هوبز ولوك يتفقان على جوهر فحوى الاغتراب، الذي
يتمثل في فكرة التخلي عن الحقوق الطبيعية وتسليمها إلى المجتمع
على أنه فعل إرادي حر، وبمثابة تضحية عن طيب خاطر، وبذلك يكون
الاغتراب بهذا المعنى ايجابياً، حيث يعد شرطاً أساسياً لخروج
الانسان من حالة الطبيعة إلى الحالة الاجتماعية، وذلك لضمان
قيام المجتمع المدني السياسي( الفيومي، 1988، ص75).
تعد
نظرية العقد الاجتماعي المصدر الأساسي الذي استخدم فيه مفهوم
الاغتراب في مجال الفلسفة، وأشار روسو إلى المفهوم القانوني
للاغتراب مؤكداً على مسألة التنازل أو التخلي، حيث يتنازل
الأفراد عن بعض أو كل حقوقهم وحرياتهم للمجتمع، وذلك بحثاً عن
الأمن الاجتماعي في إطار المجتمع، كما أكد ذلك كل من هوبز
ولوك. ويعد روسو من ابرز الفلاسفة المحدثين الذين تحدثوا عن
الاغتراب قبل هيجل، وفي كتابه العقد الاجتماعي يتحدث روسو عن
الاغتراب ليشمل معنيين الأول إيجابي والثاني سلبي.
ففي المعنى الإيجابي قصد روسو بالاغتراب تلك العملية التي من
خلالها يقدم كل شخص ذاته للجماعة لتكون تحت توجيه الإرادة
العامة، وتصبح جزءاً من الكل، وبذلك يكون الاغتراب هنا عاماً،
يضع فيه الإنسان ذاته من أجل هدف كريم للجماعة.
أما المعنى السلبي فينتقد فيه روسو الحضارة والمجتمع، حيث يرى
روسو أن الحضارة قد سلبت الإنسان ذاته وجعلته عبداً للمؤسسات
الاجتماعية، التي هو أنشأها وكونها، وأصبح تابعاً لها. من هنا
يفقد الإنسان التناغم العضوي كما هو الحال في حالة الطبيعة
فتحدث المشاكل بين ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وبين ما
يكون عليه بالفعل وبذلك يحدث الاغتراب (رجب، 1986، ص58).
ومتأثراً بالمعنى السلبي للاغتراب عند روسو، جاء شيلر(1795)،
وتناول موضوع الاغتراب عند الإنسان الحديث الذي يعاني الغربة
والانفصال في ظل ظروف لا إنسانية تلك التي تمخضت عن الثورة
الصناعية وأصبحت تهدد الإنسان كثيراً. ففي هذه الحياة يصبح
الإنسان مجرد صورة مشوهة للعمل الروتيني الذي يؤديه وتعقيدات
هذا العمل.
ويشدد شيلر على انفصال الإنسان ما بين غرائزه الطبيعية،
وملكاته العقلية، الأمر الذي ينعكس في داخل المجتمع، في شكل
فوضى أخلاقية بسبب الحضارة.
ويشير شيلر إلى موضوع آخر، عندما يتحدث عن الاغتراب الإيجابي،
حيث تنفصل الذات عن العالم الخارجي وتتأمله بوصفه موضوعاً
جمالياً، حيث تتحرر الذات من الحضارة لتصير ذاتاً فريدة
متميزة(حماد، 1995، ص47) .
لقد شاع استخدام الاغتراب بمعنى الانفصال في الفلسفة المثالية
الألمانية، التي أصلت حالة الانفصال وأقامت نسقاً من الثنائيات
المتقابلة. ويعد هيجل من أبرز المتحدثين عن الانفصال المتأصل
في وجود الإنسان كفاعل وكموضوع لأفعال الآخرين. فالإنسان
المغترب بالمفهوم التاريخي لدى هيجل هو ذاك الإنسان الذي يعيش
في عالم ميت لا إنساني، عالم وصفه هيجل: "بأنه حياة متحركة
للأموات". ومن ثم أكد ضرورة سلب هذا الوضع السائد، وقد ميز
هيجل بين أنواع الاغتراب العديدة على مستوى الشخصية والنظم
الاجتماعية والثقافة. وأثار قضية جوهرية وهي أن اغتراب
الشخصية يكمن في الصدام بين ما هو ذاتي وما هو واقعي كما هو
الحال بالنسبة لاغتراب العبودية.
بالإضافة إلى اغتراب الصدام بين الذاتي والموضوعي مما يترتب
عليه من فقدان للسيطرة الفردية، وكذلك الاغتراب الفكري أو
العقلاني نتيجة القهر الناجم عن خضوع شخص لشخص آخر يمارس قواه
وسلطته الكاملة على تلك الشخصية. والتاريخ البشري لدى هيجل
تاريخ صراع من اجل اعتراف الآخرين بحرية الذات واستقلالها،
والصراع الذي يتحدث عنه على مستوى الشخصية هو صراع من اجل
إثبات الذات او الحصول على اعتراف الآخر بالأنا دون أن يكون في
وسع الأنا إنكار حق الآخر في الوجود والبقاء(اليمامة، 2001).
بتحليل أعمال هيجل المتعلقة بالاغتراب يتبين أن استخدامه
لمفهوم الاغتراب ذو طابع مزدوج. أي استخدامه يشير إلى سلب
المعرفة وسلب الحرية. وقد كان هيجل أول من استخدم المفهوم
بهذا المعنى المزدوج وذلك عندما تحدث عن الوعي قائلاً:
"عندما يكبح الوعي الذاتي ملاذه أو لا يبالي بها يكشف عن
الحرية البسيطة لذاته، فالروح المغتربة هي التي يكون وعيها ذا
طبيعة منقسمة ومزدوجة ومجرد كائن متضاد" (اليمامة، 2001).
وإذا كان هدف الإنسان على نحو ما ذهب إليه هيجل هو الحرية.
فلأنها الحالة التي تكون الذات راغبة فيها والتي سوف تسترجع
بها نفسها.
ففي فكرة الاعتماد عند هيجل يرى أن أول شكل يتخذه الوعي في
التاريخ ليس شكل وعي مفرد بل وعي كلي (جماعي) وير ما يمثله هو
وعي جماعة بدائية والتي تندمج فيها كفردية داخل المجتمع
المشترك، فالمشاعر والأحاسيس والمفاهيم لا تنتمي في واقع الأمر
إلى الأفراد بل يتقاسمها الكل بحيث نجد أن ما يتحكم في الوعي
هو العنصر المشترك لا الخالص.
كما يشير هيجل إلى انفصال الإنسان من ماهيته، ويرجع هذا
الانفصال لالتزام الإنسان بحالتين تبدوان بنظر هيجل متلازمتين
للعالم الإنساني وهما، الضرورة و الاغتراب.
حيث تعني الضرورة عند هيجل الاعتماد على الطبيعة ورضوخ الإنسان
مما تفرضه عليه من حدود. فالإرادة والضرورة كلاهما يقعان داخل
الخبرة الفردية كعامل عقلاني. بذلك تكون ضرورته الخاصة بقدر ما
تكون الإرادة إرادته الخاصة.
وإذا أمعنا النظر في تناول هيجل لقضية الضرورة نجده ينتقد
بشكل مباشر نزعة اللذة بكافة أشكالها. فهو يرى انه عندما يكبح
الوعي الذاتي ملاذه أو لا يأبه بها، فانه يكتشف عن حرية ذاته
وذلك لأن نوع الموضوع الذي تعيه الذات والذي تنظر إليه
باعتباره حقيقتها الصادقة يمثل في نظر هيجل ما يعنيه
بالضرورة. والحرية والتي تمثل البعد الثاني لقضية الاغتراب
لدى هيجل، فهمها من خلال العلاقة الجدلية التي تجمع مفهوم
الحرية من ناحية ومفهوم الضرورة والاغتراب من ناحية أخرى.
حرية الذات الواعي لا تتعارض مع الطبيعة الخارجية ولا مع
الطبيعة الداخلية للفرد. إذ أن مفهوم الحرية لا يوجد في
الحرية ذاتها. كما أن فعل الفرد سوف يكشف عن فاعلية ذاته
الخاصة، وذلك لأن وعي الفرد سوف ينفي المحتوى كوجود خارجي أو
غريب، عن طريق التوحيد كما بين العوامل الداخلية والعوامل
الخارجية الأمر الذي يترتب عليه عدم شعور الفرد بالالتزام.
ومن ثم يدخل مفهوم المعرفة باعتبارها عنصر ذا علاقة وطيدة
بمفهوم الحرية من ناحية وتعبير عن الاغتراب الكامل من ناحية
أخرى.
وعند هيجل نجد أن المعرفة تساعد الذات الواعية لأن تجد حقيقتها
الأساسية، ليس على أنها شيء آخر اكثر من ذاتها، ولا التجريد
النظري للأنا، ولكن الأنا الذي داخله الآخر، الأمر الذي يترتب
عليه حرية الذات الواعية التي لا تتمايز عن الوجود الخارجي،
والتي تعمل دون التعارض معه.
ويؤكد هيجل على ان الإنسان لا يتطور ولا يتقى مؤكداً الحرية،
إلا في علاقته بذاك الآخر الذي يحمله في صميم وجوده. كما يذهب
في عرضه لفكرة الحرية إلى أنها تتمثل في قدرة المرء على تحقيقه
لذاته وليس الذات انا محضة، وإنما من الوجهة العينية، شخصية
ذات ميول وقدرات مجردة، وتتوقف هذه الميول والقدرات على ما
يتلقاه الفرد من المجتمع الذي يعيش فيه من تدريب وتعلم.
كما ذهب هيجل إلى ان اول خطوة نحو معرفة الإنسان لذاته
وتثقيفها هي اعتراف من الإنسان بانتمائه لمجتمع متطور
تاريخياً. وبهذه الصورة يرى هيجل أن الإنسان يهتدي لذاته بوصفه
كائناً بشرياً متكاملاً، وعليه يهتم بجانبين للحرية: يتمثل
الأول في علاقة الحرية بالضرورة حيث ينظر لطاعة الواجبات التي
يفرضها المجتمع على أنها مجرد مظهر واحد لتثقيف الذات أو
التربية الذاتي بالعقل الموضوعي الذي يتجسم في النظم
الاجتماعية وهنا يتقن مفهوم الاعتماد. ولم يكن هذا الجانب
الموضوعي الواحد في نظر هيجل بل ان المظاهر البشرية للروح
المطلقة في نظره تتمثل في الفن والفلسفة والدين لأنها تمثل
مجالات الحياة الروحية (رجب، 1986،ص109-115) .
نخلص إلى القول انه هيجل استمد فكرة الاغتراب من وجود الإنسان
في العالم، ففي مؤلفاته في فترة الشباب ركز هيجل على قضيتين
أساسيتين هما: الحرية والاغتراب، وقصد بالحرية امتلاك الإنسان
لذاته، في حين قصد بالاغتراب انفصال الإنسان عن ذاته وأفعاله
وعن الآخرين.
وعند مناقشة هيجل للحرية والاغتراب تعرض لنقد الديانات بالذات
المسيحية واليهودية، والتي أدت إلى تغريب الإنسان عن ذاته، حيث
الإيمان بإله متعال عن عالم الإنسان أدى الى اغتراب الإنسان عن
ذاته وأفقد حريته وكرامته.
وقد تحدث هيجل عن الاغتراب في فلسفة الواقع بجانبه السلبي
والإيجابي، حيث يركز هيجل في مفهومه للاغتراب كعملية واحدة
يفقد فيها الإنسان جزءا من ذاته في الوجود الخارجي، وفي هذا
الفقد إما ان تعثر الذات على نفسها في العالم الذي أنتجته
فتتكامل مع ذاتها، وإما أن يكون العالم الذي أنتجته الذات
غريباً عليها ولا ينتمي لها ويقف عدواً لها، فيحدث الاغتراب.
ويعتبر كارل ماركس أول من تناول الاغتراب باعتباره ظاهرة
اجتماعية تاريخية سواء من حيث نشأتها أو تطورها، وباعتباره
مفهوماً علمانياً مادياً. فقد استقى ماركس مفهوم الاغتراب من
أعمال هيجل، حيث كانت نقطة الانطلاق في تفكيره السياسي
والاجتماعي هي فكرة اغتراب الإنسان عن الدولة كمواطن: وقد
تدرج حتى وصل إلى فكرته الأساسية عن الاغتراب، وهي اغتراب
الإنسان عن العمل من خلال فهمه للنظام الاقتصادي، حيث اهتم
ماركس في دراسته للمجتمع بالواقعية والشمولية، وأن الإنسان أهم
محور بالذات في العمليات الاقتصادية، وقد تناول ماركس الاغتراب
الذي يصاحب العمليات الإنتاجية من أربعة زوايا هي:
1-اغتراب العامل عن ناتج عمله 2-اغتراب العامل عن
عمله
3-اغتراب العامل عن نفسه 4-اغتراب
العامل عن الآخرين
من
هذا المنطلق ركز ماركس على الاغتراب كظاهرة تاريخية تتعلق
بوجود الإنسان في العالم، حيث إن مصدر الاغتراب عنده هو
الإنسان وليس التكنولوجيا، فالإنسان هو الذي يصنع ويضع الجهد
لإنتاج الأشياء التي لا يملكها فعلاً، الأمر الذي يسبب
الاغتراب لديه، وأن الحل المناسب لهذا الموضوع يتمثل في
الاشتراكية والتي يتحرر فيها الإنسان من تبعية المال والملكية
الفردية (حماد، 1995، ص58-59).
أما بالنسبة لفروم، فقد تحدث عن الاغتراب بشكل عام، واستخدم
في شرحه لهذا المفهوم مصطلحات عديدة، ويقر فروم أن هيجل هو
الذي صاغ مفهوم الاغتراب، وأن هيجل وماركس قاما بإرساء أساس
فهم مشكلة الاغتراب، وأنه يحاول تطبيق مفهوم ماركس عن الاغتراب
على الموقف المعاصر(شاخت، 1980، ص175).
ففي كتابه المجتمع السوي يقول "المقصود بالاغتراب نمط من
التجربة يعيش فيها الإنسان نفسه كغريب، ولم يعد الإنسان كمركز
لعالمه وكخالق لأفعاله، بل إن أفعاله ونتائجها تصبح سادته
الذين يطيعهم أو الذين حتى قد يعبدهم"(حماد، 1995، ص37). يمكن
ارجاع ظاهرة الاغتراب عند فروم الى جذورها التاريخية في أفكار
العهد القديم وخاصة في سفر التكوين منذ بداية الخلق، حيث يشير
فروم الى الشقاق الذي يحدث بين الله والإنسان نتيجة السقوط في
الخطيئة أو التردي في المعصية، وبالتالي يحدث الاغتراب لدى
الإنسان، وهو ما قصد به فروم اغتراب الانسان عن الله.
وقد استخدم فروم اصطلاح الاغتراب في كافة مجالات الحياة
المعاصرة بصورة فعلية، حيث تناول الاغتراب في علاقة الانسان
بالطبيعة، بالآخرين، بالمجتمع، بذاته، وكذلك يتناول هذا
الموضوع في علاقة الانسان بعمله وبالأشياء.
ففي علاقة الانسان بالطبيعة يرى فروم أن الانسان قادر على
تجاوز الطبيعة، وذلك بما يملكه من ناصية للعقل ووعي للذات،
وتؤدي عملية الانفصال عن الطبيعة إلى اغتراب الانسان عنها، وعن
الأخرين، بحيث يجد الانسان نفسه عارياً(شاخت، 1980، ص180).
أما عن اغتراب الانسان عن المجتمع، فقد قصد فروم أن هيكل
المجتمع قد أسس على نحو يجعل معه الأفراد مغتربين بطرق مختلفة،
وفي هذا يحذو فروم حذو ماركس الذي رد اغتراب الانسان إلى
الهيكل الاقتصادي السياسي المعاصر، وان الاغتراب أثر تتركه
الرأسمالية عل الشخصية. وقد اتفق فروم مع ماركس في أن قهر
الاغتراب يكون من خلال إجراء التغييرات اللازمة في كافة جوانب
النظام الاجتماعي، الاقتصادي، السياسي، والثقافي(شاخت، 1980،
ص186).
وقد ركز فروم في مناقشته لمفهوم الاغتراب على قضية اغتراب
الانسان عن ذاته، مع العلم أن مفهوم فروم عن الذات مشابه
لمفهوم ماركس وهيجل، وذلك من خلال التركيز على معاني الخصوصية،
الارادة والاستقلال عن التوجيه الخارجي، ولكن يشدد فروم على
ضرورة تطوير الذات والقضاء على أي شيء يحول دون ذلك. ويتمثل
الاغتراب عن الذات على نحو ما يتصوره فروم في شيء مماثل
لانعدام أو افتقاد الشعور بالذات وبالعفوية والفردية(شاخت،
1980، ص188).
وفي مناقشته لمفهوم الاغتراب، تحدث فروم عن أشكال أخرى
للاغتراب مثل: الاغتراب عن العمل، الصداقات المغتربة، اغتراب
اللغة، واغتراب الفكر.
أما اميل دوركايم فقد تناول الاغتراب في سياق تحليله لما سماه
بظاهرة (الانومي) أو تحلل المعايير. فهو يعتقد أن سعادة
الإنسان لا يمكن تحقيقها بصورة مرضية ما لم تكن حاجاته متناسبة
أو متوازية مع الوسائل التي يملكها لإشباعها. فإذا كانت
الحالة تتطلب أكثر مما يستطيع ان ينال، أو أنها تشبع بطريقة
متناقضة لما يحقق قناعته، فإنه يحس بألم وخيبة وإحباط وقد ذكر
مايو أن الهدف الذي شغل دوركايم هو: أن يظهر أن الحضارة
الصناعية وهي تمضي في تطورها السريع تعاني من مرض يطلق عليه
الانومي "فقدان المعايير".إن الدعوى التي يرتكز عليها دوركايم
"ان المجتمع البسيط يعيش بنظام معين تخضع فيه مصالح أفراده
لصالح المجموع إلا أن التطور الحديث قد قضى على هذه الحياة
التي تتسم بالعمل المرضي من أجل الفرد والمجموع.
إن عزلة الإنسان عن روابطه التقليدية وبعده عن التضامن
الاجتماعي هي مصدر اغترابه في المجتمع الحديث. ويشير دوركايم
إلى أن التصنيع والديموقراطية الجماهيرية والنزعة العلمانية قد
أدت إلى النزعة الفردية التي سادت التاريخ الحديث والتي بدت
مظاهرها في اليأس والوحدة وخوف الذات واكتئابها وقلقها الزائد
والتي هي مظاهر الاغتراب (عويدات، 1995).
وقد عالج فيورباخ موضوع الاغتراب على أساس نقده للدين، حيث
يتناول هذا الموضوع من جانبه السلبي ويؤكد أن الاغتراب حالة من
فقدان الوجود الأصيل أو الغربة. وعلى الرغم من أن هيجل قد
سبقه في هذا، إلا أن فكرة أن الدين تتمثل في اغتراب الإنسان عن
جوهره الحقيقي هي فكرة تنتمي أصلاً إلى فيورباخ، حيث أن
الاغتراب لدى فيورباخ يتمثل في الاغتراب الديني بين الإنسان
والخالق، والذي هو أساس كل شيء سواء أكان نفسي أو اجتماعي أو
فلسفي، فالخالق بخصائصه وقدراته مستقل عن الإنسان، مع العلم أن
الحل من وجهة نظر فيورباخ تكمن في التصور الأنثروبولوجي للدين،
حيث تعود للذات خصائصها ووجودها (حماد،1995، ص57).
ويجب علينا في هذا المقام أن لا ننسى الوجوديون، حيث تعود
جذور مفهوم الاغتراب في جزء كبير منها إلى الفكر الوجودي،
خصوصاً عند كيركيجارد، رائد الوجودية الأول. ففي كتابه العصر
الحالي يتعرض لقضية اغتراب الإنسان الحديث من خلال نقده لضياع
الفرد داخل الحشد وفقدانه لتفرده وحريته، ويؤكد أن الإنسان
الحديث عندما يضحي بحريته مقابل الطمأنينة الزائفة للجمهور
يفقد ذاته كإنسان، أي أن الاغتراب ضياع لذات الإنسان في داخل
المجموع (حماد، 1995، ص63).
وقد سار هيدجر على خطى كيركيجارد في مفهومه للاغتراب وعدائه
للحشد، وأن وجود الإنسان في هذا الحشد وجود زائف، حيث يفقد
الإنسان فيه حريته واستقلاله، ويعيش على غرار الآخرين ويقيس
الأمور بمقاييسهم، وفي هذا إهدار لقيمة الإنسان الحقيقية
(حماد،1995،ص64).
وقد أشار العديد من المفكرين إلى موضوع الاغتراب وتناولوه
بالبحث والدراسة، فقد ذهب المفكر المعاصر دانيال الى أن
الاغتراب له معنى مزدوج هو الغربة والتشيؤ، والغربة هي حالة
اجتماعية نفسية يستشعر خلالها الانسان بوجود مساحة عن مجتمعه
فينفصل عنه، والتشيؤء هو مقولة فلسفية تعني أن الفرد يتفاعل
كشيء ويتحول الى شيء أخر وتنتزع عنه شخصيته (مجاهد، 1985،
ص47).
وقد أكد شنيدر (Shneider, 1957)
أن الاغتراب يعود الى فقدان الانسان لروابطه الأولية وعزلته،
ويقصد بهذه الروابط علاقة الانسان بمجتمعه المصغر من الأهل
والأصدقاء، والتي يتحول بدونها الى جماعة ثانوية. أما سكوت ((Scott,
1964
فقد أرجع الاغتراب الى عدم الالتزام بالقيم، وعدم الامتثال الى
المعايير الاجتماعية والافتقاد الى تحديد المسؤولية، وعدم
القدرة على السيطرة أو التحكم في الامكانات المتاحة (القريطي
وأخرون، 1991).
هكذا تبين لنا أن مفهوم الاغتراب قديم قدم الانسان نفسه، حيث
لازمه في جميع العصور والأزمنة، فالأديان السماوية الثلاث:
الاسلام، اليهودية والمسيحية تلتقي على مفهوم أساسي للاغتراب،
بمعنى الانفصال عن الله(النووي، 1979، ص 110).
وإذا
ما بحثنا في موضوع الاغتراب في الاسلام، نجد أنه لم ترد كلمة
الاغتراب في القرآن الكريم وان كانت قد ذكرت في أشعار
الجاهليين قبل الاسلام ، وذلك بمعنى النوى والبعد عن الوطن.
وحسب التصور القرآني فقد اغترب الانسان عن الله، حينما عصى
أمره وأكل من الشجرة المحرمة، فهبط من السماء وصار موجوداً على
الأرض يعيش في أزمة، داعياً ربه أن يرحمه ويعينه الى يوم
القيامة(رجب، 1986، ص181).
هكذا
تطور مفهوم الاغتراب وكثرت المجالات التي استخدم فيها، وانتهى
الحديث عنه كظاهرة نفسية تنتشر بين الأفراد فتجعلهم يشعرون
بالانفصال النسبي عن أنفسهم ومجتمعاتهم، وقد دفع هذا الباحثين
إلى اخضاع هذه الظاهرة للبحث العلمي لتحديد نسبة انتشارها،
وتوضيح علاقتها ببعض المتغيرات. وقد حمل لواء هذا الاتجاه بعض
علماء علم الاجتماع مثل ملفن سيمان، انطواني داندن وبلونر، حيث
اهتم أنصار هذا الاتجاه وخاصة سيمان بتطوير العريفات الواردة
في التراث السوسيولوجي، السيكولوجي والفلسفي لموضوع الاغتراب
بهدف تطويعها للعمل التجريبي، وقد تناول سيمان مفهوم الاغتراب
من الناحية الاجتماعية، وظهر في بحثه المعروف حول معنى
الاغتراب، خمسة معان أو أبعاد للاغتراب وهي:-
أولاً : فقدان السيطرة أو حالة اللاقدرة
(Power lessness)
وهذا المعنى للاغتراب يشير إلى شعور الفرد بأنه لا يستطيع
التأثير على المواقف الاجتماعية التي يتفاعل معها. فالفرد
المغترب هنا لا يتمكن من تقرير مصيره أو التأثير في مجرى
الأحداث الكبرى أو في صنع القرارات المهمة التي تتناول حياته
ومصيره فيعجز بذلك عن تحقيق ذاته.
ثانياً : اللامعنى أو فقدان المعنى
(Meaning lessness)
وهنا يعني الاغتراب شعور الفرد بأنه يفتقر إلى مرشد أو موجه
للسلوك والاعتقاد. والفرد المغترب هنا يشعر بالفراغ الهائل
نتيجة لعدم توفر أهداف أساسية تعطي معنى لحياته وتحدد اتجاهاته
وتستقطب نشاطاته.
ثالثاًً : اللامعيارية (Anomie)
أو (Normlessness)
وهنا يعني الاغتراب شعور الفرد بأن الوسائل غير المشروعة
مطلوبة، وأنه بحاجة لها لإنجاز الأهداف. وهذه الحالة تنشأ
عندما تتفكك القيم والمعايير الاجتماعية وتفشل في السيطرة على
السلوك الفردي وضبطه.
رابعاً : الانعزال الاجتماعي أو حالة العزلة واللاانتماء(Social
Isolation )
والاغتراب هنا يشير إلي شعور الفرد بالغربة والانعزال عن
الأهداف الثقافية للمجتمع. وفي هذه الحالة لا يشعر الفرد
بالانتماء إلى المجتمع أو الأمة.
خامساً : الاغتراب الذاتي أو النفور من الذات
(Self-Estrangement)
وهنا يشير الاغتراب لشعور الفرد بعدم القدرة على إيجاد الأنشطة
المكافئة ذاتياً. بمعنى أن الإنسان لا يستمد الكثير من العزاء
والرضى والاكتفاء الذاتي من نشاطاته ويفقد صلته بذاته الحقيقية
ويصبح مع الزمن مجموعة من الأدوار والسلع والأقنعة، ولا يتمكن
من أن يشعر بذاته ووجوده إلا في حالات نادرة. (الزغل وآخرون،
1990، ص48-49).
وحسب هذا المفهوم السوسيولوجي المتعدد الأبعاد لظاهرة الاغتراب
فإنه يمكن النظر إلى الإنسان المغترب على أساس أنه الشخص الذي
لا يحس بفاعليته ولا أهميته ولا وزنه في الحياة. ويشعر تبعاً
لذلك بانعدام تأثيره على المواقف الاجتماعية التي يتفاعل
معها. والإنسان المغترب يشعر بأنه يفتقر إلى مرشد أو موجه
للسلوك والاعتقاد ويشعر كذلك بأن اتساق القيم التي يخضع
لتأثيرها أصبحت نسبية ومتناقضة وغامضة ومتغيرة باستمرار
وبسرعة. وفي علاقاته ونشاطاته الاجتماعية يشعر الإنسان
المغترب بأنه لا يحقق ذاته ولا يشعر بسعادة فيها ويتجه تبعاً
لذلك إلى العزلة والنفور من الذات.
تبين لنا من خلال الاطار النظري أن الاغتراب مفهوم فلسفي،
أسهمت فيه العلوم المختلفة، كعلم الاجتماع، علم النفس، السياسة
والاقتصاد.
بالنسبة
للاغتراب السياسي توصل العديد من الدارسين إلى أن المغتربين
سياسياً لا يميلون عادة الى المشاركة السياسية، لأن مشاعر
اللاقوة السياسية تشكل لديهم موانع نفسية تردعهم عن محاولة بذل
أي مجهود من شأنه أن يدعم تكاملهم مع المجتمع ومشاركتهم
بنشاطاته كما أنهم لا يميلون إلى الانضمام لعضوية الأحزاب
السياسية كشكل من أشكال المشاركة السياسية، ففكرة الحزب قد
تبدو مرفوضة لديهم وأكثر من ذلك فهم لا يميلون إلى المشاركة
بمختلف البرامج الاجتماعية مقارنة بغير المغتربين وأنهم لا
يملكون علاوة على ذلك، حتى الرغبة في أن يصبحوا قادة سياسيين .
ويفسر Eckhardt
رفض المغتربين للمشاركة السياسية في النظام السياسي، بأنه يمثل
الطريقة الوحيدة التي قد تكون متاحة أمامهم ليعبروا بها عن
مشاعرهم باللاقوة السياسية لديهم، وذلك في المجتمعات التي
يتمتع بها النظام السياسي عادة بقوة الردع للسلوك المخالف لكن
هذا الموقف يتغير في ظل التعددية السياسية حيث تصبح هذه
المشاركة هي الوسيلة المناسبة للتعبير عن الرفض أكثر من وسيلة
الرفض نفسها وقد خلص إلى نتيجة أن اللاإبالية السياسية وعدم
المشاركة في الانتخابات من قبل المغتربين ما هي إلا موقف يقصد
به التأثير في البناء السياسي القائم .
وتشير بعض الدراسات إلى نتائج تتجاوز هذا المدى حول علاقة
الاغتراب السياسي بالمشاركة السياسية، إذ بينت أن العلاقة بين
هذين المتغيرين تكون أكثر وضوحاً في حالة تدني مستوى المكانة
الاجتماعية والاقتصادية للمغتربين سياسياً، فالمغتربون من ذوي
مستويات التعليم المنخفضة نسبياً، يكونون أقل ميلاً للمشاركة
بالانتخابات العامة كشكل من أشكال المشاركة السياسية، إذا ما
قورنوا بغير المغتربين ذوي المستويات التعليمية الأعلى .
ويربط Schnieder
بين السلبية السياسية Political
negativism
وانسحاب المغتربين من المشاركة السياسية من جهة، وبين
تصوراتهم للموقف السياسي من جهة أخرى فهو يرى أن التصورات
والمطالب المثالية المبالغ فيها لدى الأفراد تعمق بنظرهم
الفجوة بين النموذج السياسي المثالي،والواقع السياسي القائم،
مما يدفع بهم نحو الشعور بالعزلة عن هذا الواقع،والميل بالتالي
إلى رفضه وهي الفكرة الى أشار إليها
Barakat
ذاتها .
ويرى آخرون أن عجز المغتربين سياسياً عن أي فعل سياسي، عجزا
حقيقيا، بل يعكس الإيمان الراسخ بأن لا فائدة ترجى من أي فعل .
وعلى العكس من النتائج السابقة، توصلت العديد من الدراسات إلى
نتائج مغايرة لها فقد بينت بعد الدراسات أن المغتربين سياسياً
قد اظهروا قدرا أكبر من المبادرة والميل إلى المشاركة السياسية
من خلال الانتخابات وبشكل أكبر مما كان متوقعاً، ليس رديفا
بالضرورة للسلبية وعدم المشاركة السياسية كما يعتقد البعض،
فالمشاركة السياسية قد تكون وسيلة للتعبير عن الرفض يستغلها
المتغربون سياسياً بمعنى أنهم قد يشاركون لكي يرفضوا و بإسلوب
إيجابي ويغيروا ما لا يرضون عنه من أوضاع اجتماعية وسياسية .
وحول المشاركة بعضوية الأحزاب السياسية، توصل
Takei
إلى نتائج مغايرة لما توصل إليه Levin
and Eden
إذا بين أن المغتربين سياسياً يميلون إلى الانضمام لعضوية
الجماعات والأحزاب ذات المكانة الخاصة والمناوئة للنظام
السياسي القائم كما عارضة Bollock
الزعم بوجود علاقات بين المستويات الاقتصادية والاجتماعية
للمغتربين سياسياً من جهة،وبين مشاركتهم السياسية من جهة أخرى
كما يرى Kedlley
.
كما نفت نتائج أخرى حتمية العلاقة بين الاغتراب السياسي وبين
عدم المشاركة السياسية لذلك النظام السياسي القائم لكي يعملوا
في صفوف المعارضة السياسية لذلك النظام، بهدف تغيره فهم
يمتازون عادة بالنشاط والمبادرة إلى المشاركة في كل المناسبات
لتحقيق هذا الهدف.
وحول البعد المعرفي أو المعلومات السياسية للمغتربين سياسياً،
أشارت بعض الدراسات إلى العلاقة بين هذا النوع من الاغتراب
وبين النقص في المعلومات والمعارف المتوفرة لدى الأفراد حول
أساليب التحكم بالظروف المحيطة، والسيطرة عليها .
فكما أن أكثر الناس عرضة للمرض هم اقلهم معرفة بأساليب التحكم
والوقاية الصحية، فإن أكثر الناس عرضة للاغتراب السياسي وهذا
ما توصل إليه كل من ‘Mcieod”; Holians”
‘Seeman”.
وعن العلاقة بين الاغتراب السياسي والمشكلات النفسية أشارت
الدراسات إلى أن المغتربين سياسياً هم أكثر معاناة من الاكتئاب
من غير المغتربين كما أنهم أقل ثقة بالآخرين عموماً،مما دع
البعض إلى الاستنتاج بأن أصول الاغتراب قد تكون نفسية ..
ويعارض هذا الاستنتاج كل من Tavisr
و
Baracat
كما أشار آخرون إلى علاقة الاغتراب السياسي بالشعور بعدم الرضى،
وبعدم الإنجاز وباللاقوة الاجتماعية عموماً كما أشير إلى
علاقته بنقص الفرص وحرية الاختيار المتاحة لأفراد المجتمع،
وعلاقته بالهوة الواصلة بين الأفراد ومراكز القوة في المجتمع
الناتجة عن التنظيم البيروقراطي المتعاظم، وتزداد متطلبات
التدرج الوظيفي .
وكشف البعض عن علاقة الاغتراب السياسي بضعف قنوات الاتصال بين
الأفراد وبين النسق السياسي وربطه آخرون بالسياسات الحكومية
التمييزية في علاقتها بإفراد المجتمع مما يخلق لديهم ميولاً
سياسية مناوئة .
وحول علاقة الاغتراب السياسي بالفروق النوعية، توصل
Zighler
إلى أن الرجال عموماً اكثر عرضة للشعور بالاغتراب السياسي من
الإناث وهذا ما توصل إليه بركات ايضاً . هذا ما طرحته بعض
الأدبيات حول الاغتراب السياسي وارتباطه ببعض المتغيرات .
اللاجئون الفلسطينيون
لا يوجد في التاريخ الحديث جريمة توازي جريمة تهجير
الفلسطينيين من ديارهم عام 1948م، والتي أطلق عليها لاحقاً
"نكبة فلسطين"، فبعد حر ب عام 1948م والتي أسفرت عن تأسيس ما
يسمى دولة إسرائيل على 77% من ارض فلسطين، واقتلاع الفلسطينيين
من نحو عشرين مدينة وأربعمائة قرية ، باب 700 ألف فلسطيني
تقريباً، أي ما يعادل 66% من سكان فلسطين آنذاك مشردين بلا
مأوى، وذلك بتخطيط مسبق ودعم على أيدي العصابات اليهودية،
وبدعم سياسي وعسكري ومالي من الغرب، حيث أدى كل هذا الى انهيار
المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته، مما أسفر عن وجود ظاهرة جديدة
في المجتمع الفلسطيني، هي ظاهرة " مخيمات اللاجئين " . |