|
الفصل الأول
مقدمة(مشكلة الدراسة وأهميتها)
الإطار النظري للاغتراب
الإطار النظري للاجئين الفلسطينيين
تساؤلات الدراسة
فرضيات الدراسة
متغيرات الدراسة
مقدمة
استقطبت ظاهرة الاغتراب التي يعاني منها الأفراد في الحياة
العامة وما تتركه من انعكاسات سلبية على صحتهم، وحيويتهم،
وتطورهم، العديد من الباحثين في مختلف أنحاء العالم قاطبة (دواني
وأخرون، 1989). وهذا ما يدلل عليه حجم الدراسات التي صدرت
وتصدر عنهم، والتي تناولت موضوع الاغتراب بمختلف أنواعه بالبحث
والدراسة. وذلك نتيجة للتطورات الكثيرة التي تواكب هذا العصر،
والأهداف المتوالية يوماً بعد يوم ولحظة بعد أخرى، حيث أننا في
تسارع مع وتيرة الزمن وارتفاع في مستوى الطموح والتغير
الثقافي.
ويذكر رجب (1986، ص5) أنه لو وجه علماء اللغة أجهزتهم
لرصد ما يكتبه الباحثون والفلاسفة في عصرنا الحاضر فإنه يراهن
على أن كلمة الاغتراب (Alienation
) سوف تحظى بالأولوية من حيث ترددها، هذا القول يبين مدى شيوع
وانتشار ظاهرة الاغتراب في الفكر والدراسات المعاصرة.
يمكن القول أن الاغتراب ظاهرة إنسانية امتد وجودها
ليشمل مختلف أنماط الحياة الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية،
وفي كل الثقافات، حيث تزايدت مشاعر هذا الاغتراب وتعددت نتيجة
لطبيعة العصر الذي يعيشه الإنسان، عصر المتناقضات ، عصر
التنافس والتغيرات المتلاحقة، عصر طغت فيه المادة، مما أدى إلى
إصابة الإنسان بالكثير من المشاكل والاضطرابات، والتي جاء في
مقدمتها ظاهرة الاغتراب التي لفتت انتباه الباحثين والدارسين
وكانت محط اهتمامهم الأول( عويدات، 1995، ص2).
من الناحية التاريخية كان لمصطلح الاغتراب
(Alienation)
استخدامات متنوعة في التراث الديني، الفلسفي، السيكولوجي
والسياسي، فقد ارتكز مفهوم الاغتراب السياسي في أدبيات
الاغتراب على فكرة الفاعلية السياسية، بمعنى شعور الفرد بمدى
قدرته على التأثير في مجريات العملية السياسية، سواء على مستوى
القرار السياسي، أو مستوى الأحداث الناتجة عنه في المجتمع الذي
يعيش فيه، وعلى هذا الأساس اعتبر الفرد الذي يشعر بضآلة الفرص
أمامه للتأثير على هذه العملية في المجتمع بأنه مغترب سياسياً.
ويذكر عزام(1997، ص228) أن أغلب الدراسات التي تناولت موضوع
الاغتراب السياسي دارت في الغالب حول مجال محوري رئيسي هو سلوك
الناخبين واتجاهاتهم نحو الخيارات والفرص المتاحة لهم من قبل
الأنظمة السياسية في مجتمعاتهم، ومدى استعدادهم لمحاولة تبديل
ما لا يرضون عنه من تلك الخيارات والفرص السياسية المطروحة في
تلك المجتمعات.
وتأتي أهمية الاغتراب السياسي بوصفه موضوعاً للبحث ، من أنه
يشكل مشكلة اجتماعية على مستوى الأدوار الاجتماعية المتوقعة من
أفراد المجتمع ، هذا في الوضع الطبيعي، فكيف يكون الحال لدى
أفراد الشعب الفلسطيني عامة ، ولدى سكان المخيمات خاصة، الذين
يعيشون ظروفاً صعبة للغاية، نجمت عن اقتلاعهم من أراضيهم،
الذين ينظرون لحظة بلحظة القرار السياسي الذي سيضمن لهم حق
العودة إلى ديارهم منذ العام 1948م.
يعيش اللاجئون الفلسطينيون مظاهر إنسانية سيئة
للغاية. ويذكر أبو ستة(2000) أنه لا يوجد في التاريخ الحديث
جريمة توازي جريمة تهجير الفلسطينيين من ديارهم عام 1948،
والتي أطلق عليها لاحقاً "نكبة فلسطين". فبعد مرور أربعة
وخمسين عاماً على النكبة، قدم اللاجئون الفلسطينيون الكثير من
التضحيات، وما زالوا يقدمونها، وذلك في سبيل تحقيق أحلامهم على
أرض الواقع، بالعودة الى ديارهم الأصلية، ولكن وبعد أن طال
انتظارهم وتشتتت أحلامهم وأمانيهم، وقعوا فريسة للكثير من
المشاكل والاضطرابات، والتي باعتقادنا كان أهمها الاغتراب
السياسي، وذلك بعد أن سمعوا الكثير عن قرارات سياسية على
المستويين الدولي والمحلي، وذلك بعد مرور أربعة وخمسين عاماً
على النكبة، ولكن دون جدوى.
من هنا تكمن مشكلة الدراسة في التعرف على درجة شيوع ظاهرة
الاغتراب السياسي لدى أهالي مخيم العروب ، وذلك بعد أن تصفح
فريق البحث بعض الدراسات السابقة العربية منها والأجنبية،
والتي ركزت في دراستها لظاهرة الاغتراب السياسي على فئة الشباب
ومدى مشاركتهم في العملية السياسية، ولم تولي أية دراسة
اهتمامها لهذه الفئة من الشعب الفلسطيني، التي تعيش تحت ظروف
قاسية وغير مستقرة دائماً.
ومساهمة من فريق البحث بتشجيع الأبحاث المتعلقة بموضوع
اللاجئين، وإيمانا منهم بأحياء قضيتهم، أخذوا على عاتقهم إجراء
هذه الدراسة، خصوصاً وان مكتبة اللاجئين تحتاج الى أبحاث
ميدانية عميقة، تتفاعل مع آلامهم وآمالهم، وتضع الأسس العلمية
للارتقاء بقضاياهم وبهم سياسياً، ثقافياً، اجتماعياً
واقتصادياً.
وتنبع أهمية الدراسة الحالية في أنها تبحث موضوعاً
جديداً ومهماً في المخيمات الفلسطينية، حيث يعيش الفلسطينيون
ظروفاً صعبة للغاية، وما زالوا ينتظرون قراراً سياسياً يضع
حداً لآلامهم ومعاناتهم، حيث ستكون هذه الدراسة مرجعاً مهما
للمهتمين في مجال الاغتراب السياسي، وذلك بما ستكشفه من
معلومات حول هذا الموضوع.
من الناحية التاريخية كان لمصطلح الاغتراب
(Alienation)
استخدامات متنوعة في التراث الديني والفلسفي والسيكولوجي، حيث
ظهرت فكرة الاغتراب لأول مرة في الفكر المسيحي خلال العصور
الوسطى، بالذات في اللاهوت البروتستانتي وإلى لوثر وكالفن
بالتحديد. وظهر هذا التنوع في استخدام مصطلح الاغتراب بعد ذلك
كنتيجة مصاحبة لاختلاف الاتجاهات الفلسفية والسيكولوجية
والسوسيولوجية التي اهتمت بتناول هذا المفهوم منذ أول استخدام
فلسفي له في نظرية العقد الاجتماعي. إلاّ أن معظم التحليلات
المعاصرة تكاد تجمع على أن أول استخدام منهجي منظم لمصطلح
الاغتراب جاء به هيجل في الفلسفة المثالية الألمانية في أواخر
القرن الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر. وبعد ذلك استخدم
ماركس مصطلح الاغتراب في (مخطوطات 1844) وفي أجزاء اخرى من
مؤلفه (رأس المال) وذلك في تحليله لطبيعة العلاقات الإجتماعية
في النسق الرأسمالي للإنتاج (الزغل وآخرون 1990، ص 48).
اشتقت كلمة الاغتراب من الكلمة اللاتينية
"Alienation"
والتي تعني نقل ملكية شيء ما إلى آخر، أو تعني الانتزاع أو
الإزالة. وقد استخدمت الكلمة اللاتينية ومشتقاتها في اللغتين
الفرنسية والإنجليزية للدلالة على عدة معاني وهي:-
1)
المعنى القانوني:
يشير إلى تحويل ملكية شيء ما إلى شخص آخر.
2)
المعنى الاجتماعي:
التعبير عن الإحساس الذاتي بالغربة أو الانسلاخ سواء عن الذات
أو عن الآخرين.
3)
المعنى
السيكولوجي: وهو حالة فقدان
الوعي، وعجز أو فقدان القوى العقلية أو الحواس.
4)
المعنى
الديني: وهذا المعنى يتعلق
بانفصال الإنسان عن الله، أي يتعلق بالخطيئة وارتكاب المعصية
(شاخت، 1980، ص64).
يمكن القول أن الاغتراب ظاهرة إنسانية لها وجود في مختلف
أنماط الحياة الاجتماعية. وعلى الرغم من حداثة دراسة الاغتراب
كظاهرة نفسية تعبر عن معاناة الإنسان وصراعه مع ذاته ومجتمعه،
الا أن مفهوم الاغتراب لا يعد جديداً، فقد تناول موضوع
الاغتراب العديد من الباحثين والمفكرين بالبحث والدراسة، فصدرت
عنهم الكثير من المؤلفات والنشرات حول موضوع الاغتراب، وفيما
يلي عرض لأبرز هؤلاء المفكرين:-
تطرق
هوبز في كتاباته إلى موضوع الاغتراب، مشيراً إلى معناه
القانوني، سواء بالتخلي عن الشيء أو بنقله الى الآخرين. فالفرد
في نظر هوبز، لا يستطيع أن يدخل في العقد الاجتماعي إلا إذا
انتزع من نفسه الحق في أن يفعل أي شيء يجب أن يفعله، فينتقل
إلى الأخر صاحب السلطة المطلقة والسيادة الكاملة حقه الطبيعي
في استخدام قوته كما يريد، وذلك من أجل الحفاظ على حياته
الخاصة (رجب، 1986، ص52).
ففي كتابه "التنين" يبين هوبز أن الاغتراب هو فعل إرادي حر، أو
هو تضحية لا بد منها، يقوم بها الفرد من أجل منفعته ومصلحته،
وحسب اعتقاد هوبز يكسب الفرد أكثر مما يخسر عندما يقوم بنقل ما
يمتلكه من حقوق طبيعية إلى إنسان أخر، أو مجلس من الأفراد،
يمثل السلطة والسيادة المطلقة.
وقد
ترددت فكرة الاغتراب عند لوك مماثلة لتلك التي كان يستخدمها
هوبز، ليشير إلى فكرة التخلي عن، أو التسليم إلى، … إلخ من
كلمات تعبر عن نقل الحقوق الطبيعية وتسليمها إلى سلطة المجتمع
(رجب، 1986، ص57).
خلاصة القول أن هوبز ولوك يتفقان على جوهر فحوى الاغتراب، الذي
يتمثل في فكرة التخلي عن الحقوق الطبيعية وتسليمها إلى المجتمع
على أنه فعل إرادي حر، وبمثابة تضحية عن طيب خاطر، وبذلك يكون
الاغتراب بهذا المعنى ايجابياً، حيث يعد شرطاً أساسياً لخروج
الانسان من حالة الطبيعة إلى الحالة الاجتماعية، وذلك لضمان
قيام المجتمع المدني السياسي( الفيومي، 1988، ص75).
تعد
نظرية العقد الاجتماعي المصدر الأساسي الذي استخدم فيه مفهوم
الاغتراب في مجال الفلسفة، وأشار روسو إلى المفهوم القانوني
للاغتراب مؤكداً على مسألة التنازل أو التخلي، حيث يتنازل
الأفراد عن بعض أو كل حقوقهم وحرياتهم للمجتمع، وذلك بحثاً عن
الأمن الاجتماعي في إطار المجتمع، كما أكد ذلك كل من هوبز
ولوك. ويعد روسو من ابرز الفلاسفة المحدثين الذين تحدثوا عن
الاغتراب قبل هيجل، وفي كتابه العقد الاجتماعي يتحدث روسو عن
الاغتراب ليشمل معنيين الأول إيجابي والثاني سلبي.
ففي المعنى الإيجابي قصد روسو بالاغتراب تلك العملية التي من
خلالها يقدم كل شخص ذاته للجماعة لتكون تحت توجيه الإرادة
العامة، وتصبح جزءاً من الكل، وبذلك يكون الاغتراب هنا عاماً،
يضع فيه الإنسان ذاته من أجل هدف كريم للجماعة.
أما المعنى السلبي فينتقد فيه روسو الحضارة والمجتمع، حيث يرى
روسو أن الحضارة قد سلبت الإنسان ذاته وجعلته عبداً للمؤسسات
الاجتماعية، التي هو أنشأها وكونها، وأصبح تابعاً لها. من هنا
يفقد الإنسان التناغم العضوي كما هو الحال في حالة الطبيعة
فتحدث المشاكل بين ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وبين ما
يكون عليه بالفعل وبذلك يحدث الاغتراب (رجب، 1986، ص58).
ومتأثراً بالمعنى السلبي للاغتراب عند روسو، جاء شيلر(1795)،
وتناول موضوع الاغتراب عند الإنسان الحديث الذي يعاني الغربة
والانفصال في ظل ظروف لا إنسانية تلك التي تمخضت عن الثورة
الصناعية وأصبحت تهدد الإنسان كثيراً. ففي هذه الحياة يصبح
الإنسان مجرد صورة مشوهة للعمل الروتيني الذي يؤديه وتعقيدات
هذا العمل.
ويشدد شيلر على انفصال الإنسان ما بين غرائزه الطبيعية،
وملكاته العقلية، الأمر الذي ينعكس في داخل المجتمع، في شكل
فوضى أخلاقية بسبب الحضارة.
ويشير شيلر إلى موضوع آخر، عندما يتحدث عن الاغتراب الإيجابي،
حيث تنفصل الذات عن العالم الخارجي وتتأمله بوصفه موضوعاً
جمالياً، حيث تتحرر الذات من الحضارة لتصير ذاتاً فريدة
متميزة(حماد، 1995، ص47) .
لقد شاع استخدام الاغتراب بمعنى الانفصال في الفلسفة المثالية
الألمانية، التي أصلت حالة الانفصال وأقامت نسقاً من الثنائيات
المتقابلة. ويعد هيجل من أبرز المتحدثين عن الانفصال المتأصل
في وجود الإنسان كفاعل وكموضوع لأفعال الآخرين. فالإنسان
المغترب بالمفهوم التاريخي لدى هيجل هو ذاك الإنسان الذي يعيش
في عالم ميت لا إنساني، عالم وصفه هيجل: "بأنه حياة متحركة
للأموات". ومن ثم أكد ضرورة سلب هذا الوضع السائد، وقد ميز
هيجل بين أنواع الاغتراب العديدة على مستوى الشخصية والنظم
الاجتماعية والثقافة. وأثار قضية جوهرية وهي أن اغتراب
الشخصية يكمن في الصدام بين ما هو ذاتي وما هو واقعي كما هو
الحال بالنسبة لاغتراب العبودية.
بالإضافة إلى اغتراب الصدام بين الذاتي والموضوعي مما يترتب
عليه من فقدان للسيطرة الفردية، وكذلك الاغتراب الفكري أو
العقلاني نتيجة القهر الناجم عن خضوع شخص لشخص آخر يمارس قواه
وسلطته الكاملة على تلك الشخصية. والتاريخ البشري لدى هيجل
تاريخ صراع من اجل اعتراف الآخرين بحرية الذات واستقلالها،
و |