حوادث المرور : الأبعاد الكمية، والانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية بالمجتمع الليبي

أ. عبدالله أحمد المصراتي

أمين قسم علم الاجتماع بجامعة قاريونس بكلية الآداب والعلوم رع المرج(ليبيا)

لا ينتابنا أدنى شك في أن المجتمعات الإنسانية بدأت منذ زمن في دفع ضريبة التقدم التي تسعى لاهثة وراءه دافعة بنفسها في اتجاهه بكل قوى تمتلكها اقتصادية أكانت أو اجتماعية أوبشرية، وعل من بين أبرز ما تدفعه هذه المجتمعات إثر تقدمها ما يسمى بآثار حوادث المرور وانعكاساتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية على المجتمع. والمجتمع الجماهيري الليبي واحد من المجتمعات الآخذ في النمو والتقدم منذ اكتشاف البترول به إذ زاد عدد المركبات الآلية المستخدمة في المجتمع الليبي من حوالي 18 ألف مركبة(سيارة) عام 1960 إلى حوالي 101 ألف مركبة عام 1970، ثم زادت لنحو 265 ألف مركبة عام 1975[1] .

     ولقد زادت دون ريب كمية المركبات الآلية أضعاف مضعفة في ظل التأكيدات الإيديولوجية على ضرورية المركوب للأسرة تجنبا لاحتكار حاجتها للمركوب في واقع المجتمع الديمقراطي.

 

    ولقد كانت نتيجة هذه الزيادة الهائلة في المركبات الآلية هو ارتفاع معدلات الحوادث المرورية وزيادة تكلفة هذه الحوادث الإنسانية والاقتصادية وترتب عليها العديد من المشاكل الاجتماعية والتي من أبرزها ترمل العوائل وفقدان الأبناء آباءهم، إما كلية أو جزئيا عند إصابته بعاهة أجلسته أو أنهت على نصفه السفلي . والجدول الآتي يوضح معدلات حوادث المرور والمترتب عنها من إصابات ووفيات في المجتمع الأفريقي الليبي:

 

الأبعاد الكمية لمشكلة حوادث المرور بالمجتمع الجماهيري :

 

الجدول الآتي يوضح معدلات حوادث المرور ونسبة الوفيات من تلك الحوادث ومعدلات تلك الوفيات من إجمالي السكان فوق 15 سنة :

الأعوام

معدل الحوادث لكل 100 ألف من السكان

نسبة

الوفيات من الحوادث

معدل وفيات حوادث المرور لكل 100 ألف نسمة من السكان

نسبة الإصابات الناتجة عن الحوادث المرورية

1992

210

17.0

35.5

37.8

1993

220

16.0

34.7

44.1

1994

200

14.0

27.6

44.4

1995

190

15.4

29.5

43.1

1996

190

12.8

23.9

43.4

1997

200

12.1

24.1

42.8

1998

200

13.0

25.7

43.4

1999

200

12.0

23.7

43.4

المصدر: الهيئة الوطنية للمعلومات والتوثيق، ليبيا، " تقرير التنمية البشرية" 1999 ، ص 102 .

 

     إن مقارنة هذه المعدلات بما في باقي دول العالم نجد أن المجتمع الليبي من بين الدول التي ترتفع فيها معدلات الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق، أو المرور، فعلى سبل التوضيح، بلغ معدل وفيات حوادث المرور في الدول الاسكندنافية حوالي 14 لكل 100 ألف نسمة، وفي دول أوربا الشرقية بلغت 23 لنفس المعدل، أما في المجتمع الليبي فقد بلغ هذا المعدل في الأعوام الأخيرة ما بين 23-25 حالة وفاة لكل 100 ألف من السكان [2]. في حين بلغ مقدار هذا المعدل  في المجتمع السعودي 23 حالة لكل 100 ألف نسمة من السكان[3]، ولابد من الإشارة هنا إلى أن معدل الحوادث في المجتمع السعودي أكثر بكثير مما في المجتمع الليبي، غير أن نسبة الوفيات بالمجتمع السعودي لم تصل إلى ربع ما يوجد في المجتمع الليبي، الأمر الذي قد يجعلنا نتساءل عن الأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع بنسبة الوفيات رغم انخفاض معدل حوادث المرور بالمجتمع الليبي( أنظر جدول 2)، وقد تتضح هذه الفروق أكثر إذا ما عرفنا أن نسبة الوفيات من إجمالي حوادث المرور في السعودية عام 99 (268 ألف حادث) لم تتعد عن 2 %، أما في المجتمع الليبي فقد بلغت ما يعادل 43 % من إجمالي حوادث مرورية بلغ (9000) حادث مرور تقريبا4.

 

     وفي اعتقاد الباحث أن هنالك مجموعة من العوامل التي قد تلعب دورا مباشرا في هذه الفروق من أهمها عدم توافر أساليب للأنقاض والإسعاف لمن يتعرضوا لحوادث مرور بخاصة في الاماكن النائية أو الطرق السريعة، كذلك لقلة توافر دوريات مرور مستمرة العمل على الطرقات العامة الرئيسة للحد من سرعة بعض المتهورين، ومراقبة حركة السير في الطرقات السريعة والتي الحوادث فيها لن تكون بذات التكلفة التي عليها حوادث المدينة، أضف إلى ذلك التدهور الذي بداء يشهده النظام الصحي في العديد من مدن الجماهيرية الأمر الذي قد يسهم في ارتفاع نسبة الوفيات إثر حوادث المرور، هذا ناهيك عن غلاء ثمن قطع غيار السيارات نظرا لظروف الحصار الجائر المفروض على ليبيا في الفترة الأخيرة الأمر الذي يدفع بالبعض إلى تجاهل بعض الأعطال في السيارات وعد علاجها جذريا أو إيجاد بدائل وحلول تلفيقية .

 

    كما قد يسهم انخفاض التدقيق في صلاحية المركبات الآلية في ارتفاع حوادث المرور بالطرقات لاسيما السريعة، خاصة تلك التي صممت بشكل لا يستوعب الزخم الهائل في المركبات الآلية أو التي تحتوى عددا من المنعطفات الخطير غير المشار إليها بلوحات مرور واضحة بخاصة في الليل .

 

      والملاحظ من الجدول السابق، أيضا، أنه في الوقت الذي انخفضت فيه قليلا نسبة الوفيات الناتجة عن حوادث المرور عبر الأعوام المذكورة أعلاه بالمجتمع الليبي، نجد ارتفاع ملحوظ في  نسبة الإصابات الناتجة عن حوادث المرور، ففي الوقت الذي وصلت فيه نسبة الوفيات عام 1992 لما يقارب17% حالة في حوادث المرور انخفضت هذه النسبة عام 1999 إلى 12 %، في الوقت نفسه، نجد ارتفاع في نسبة الإصابات البليغة الناتجة عن حوادث المرور ففي عام 1992 لم تتعد عن 38%، وقد زادت عبر الأعوام لتصل إلى 43.4% عام 1999 . وبالمنظور الاقتصادي الصرف نجد أن الإصابات التي يتعرض لها الأفراد إثر الحوادث عموما بما فيها حوادث المرور هي أكثر تكلفة اقتصادية للمجتمع الذي هو في أمس الحاجة إلى كل يد ودرهم للمضي قدما في مسير التطور الاجتماعي والاقتصادي، لأن مثل هذه الإصابات في الوقت الذي تخرج عدد ممن ينبغي أن يكونوا في إطار القوى البشرية المعيلة، في الوقت نفسه، تكلف هذه الفئة المجتمع ثمن الإنفاق عليهم ورعايتهم ضمن فئة العجزة أو المرضى  ولابد أن لهذا تكلفة اقتصادية قد تعوق تقدم المجتمع .  

 

   هذا ولا يفوت الباحث الإشارة إلى ما يسمى (بغضب الطرق) وهو عبارة عن انفعالات عصبية تنتاب قادة المركبات الآلية نتيجة لحدث مروري معين كاعتراض أحد السائقين طريقه، أو المرور قبله، أو اجتيازه عن اليمين، أو لقيادة أحد السائقين لمركبته في الطريق السريع ببطء، أو انحراف إحدى المركبات الآلية عن اليمن سهوا، وهذا ما قد يؤدى إلى ارتباك ذلك السائق الأمر الذي قد يدعو لحدوث حادث مرور خطير تكون نتائجه جسيمة .

 

    هذا ولا ننسى أن يشير إلى ظاهرة خطيرة أخرى تتمثل في احتمال تعاطي بعض السائقين لمواد مخدرة ومذهبة للعقل أثناء قيادتهم للمركبات الآلية، إما لغرض تقصير زمن الرحلة أو لاستجلاب السعادة في الرحلة، على حد اعتقادهم، أو لمقاومة النعاس، ولا ريب أن لمثل هذه الظاهرة مساوئ قد لا يتسنى لنا حصرها، والمهم، هو أن الكثير من هذه المواد مؤثرة على الجهاز العصبي الأمر الذي قد يُفقد السائق القدرة على التحكم في المركبة إذا ما تعرض لأبسط الحوادث المرورية .

جدول (2) يوضع توزيع كمية حوادث المرور والإصابات المترتبة عليها والوفيات في السعودية عام1999:

الحالة

الكمية

 

المعدلات لكل 100 ألف من السكان

 

عدد الحوادث

267772

1275.1

عدد الإصابات

32361

154.1

عدد الوفيات

4848

23.08

المصدر: .  اللجنة الوطنية لسلامة المرور 2001 . تقرير من شبكة الانترنت www.Traffficsafety.org

خاتمة :

    إن لحوادث المرور ثمنا بشريا واقتصاديا باهظا يدفعه المجتمع جراء بحثه على التطور والتقدم المادي دون الاهتمام بالتطور الاجتماعي والمتمثل في بناء الشخصية الواعية والمدركة لأبعاد ما تفعل، والمجتمع الجماهيري هو واحد من المجتمعات التي ترتفع فيها معدلات حوادث المرور بشكل يدعو للريب، خاصة إذا ما عرفنا أن نسبة الوفيات والإصابات الجسيمة الناتجة عن حوادث المرور مرتفعة جدا مقارنة بمجتمعات عربية وغير عربية سجلت معدلات حوادث مرور أعلى بكثير مما في المجتمع الليبي ولكنها سجلت نسب أقل بكثير في الوفيات والإصابات إثر حوادث المرور .

 

       ومن هنا تساءل الباحث عن العوامل الكامنة وراء هذه المشكلة، ومن بين ما تبين له هو أن النظام الصحي قد يلعب دورا جليا في ارتفاع معدل ضحايا حوادث المرور، إضافة إلى أن النظام الأمني وعلاقات الوجه للوجه هي الأخرى قد تسهم في هذه المشكل، هذا ولا يمكن إنكار دور ظاهرة استعمال مركبات قد انتهى عمرها الافتراضي على الطرقات السريعة، والحقيقة أن هنالك العديد من العوامل التي تتداخل مع بعضها البعض وتجعل من مجتمعنا الأخذ في التقدم يدفع هذا الثمن العظيم من أرواح وأجساد أبنائه ذخيرة المستقبل . 

 

     وفي نهاية هذه الورقة لا يسع الباحث إلا أن يستنفر همم المسؤولين ويرجوهم حمل المسؤولية التي أوكلت لهم، بأن يشددوا في تعاملهم مع قضايا المرور ومنح تراخيص القيادة وسحبها ممن يثيب أنه يفتقد أخلاق القياد ومبادئها والتي تحوى في جوهرها حماية الروح الإنسانية والممتلكات المادية لأفراد المجتمع الجماهيري الأفريقي، إضافة إلى تكثيف دوريات المرور في الطرقات العامة آناء الليل والنهار داعيا الله السلامة لعامة أبناء المجتمع الإسلامي والليبي بوجه الخصوص والله من ووراء القصد والسلام عليكم . 

                                                                     

الباحث

ليبيا- المرج/ 28/04/2003 .

E- almsrty23@yahoo.com

 الهوامش :

1.د. عبدالله عامر الهمالي، التحديث الاجتماعي، معالمه ونماذج من تطبيقاته، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، 1986 .

2.  اللجنة الوطنية لسلامة المرور 2001 . تقرير من شبكة الانترنت www.Traffficsafety.org

3. الهيئة القومية المعلومات وللتوثيق، ليبيا " تقرير التنمية البشرية" 1999 .

 

 


 

[1]  د. عبدالله عامر الهمالي، التحديث الاجتماعي، معالمه ونماذج من تطبيقاته، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع،1986، ص65 .

[2]  الهيئة القومية المعلومات وللتوثيق، ليبيا " تقرير التنمية البشرية"1999 ص 102 .

[3]   اللجنة الوطنية لسلامة المرور 2001 . تقرير من شبكة الانترنت www. Traffficsafety.org

4  تم قلب المعدل إلى رقم صحيح من خلال ضرب حاصل قسمة عدد السكان في نفس العام على مائة أللف في المعدل (200) .

لمخاطبة الباحث
أي أسئلة حول الدراسات الرجاء طرحها في المنتدى
 

لأفضل مشاهدة استخدم متصفح مايكروسوفت ودقة600×800
  دقة شاشتك الآن

جميع الحقوق محفوظة © 2003-2004 لموقع المنشاوي للدراسات و البحوث

copyright © 2002-2003 www.minshawi.com All Rights Reserved