ورقة عمل مقدمة لندوة المجتمع والأمن المنعقدة بكلية الملك
فهد الأمنية بالرياض من 21/2 حتى 24/2 من عام 1425هـ
:
د /
عبد الرحمن جيرة
أستاذ مساعد بكلية الشريعة جامعة الملك خالد
الجلسة الثانية/ الاثنين 22/2/1425هـ الساعة 10.45 صباحا
الدور الأمني للمسجد
رئيـــس الجلســــــة
معالي الدكتور/ أحمد بن علي المباركي
عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية
والإفتاء
الورقة الثالثة
مقدمة
الحمد لله وحده.. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. أما بعد..
فعندما قل الوعي الديني لدى الشباب خرج بعضهم بمفاهيم بعيدة عن
الإسلام الصحيح، وبسبب هذه المفاهيم شوهوا العديد من حقائق
الإسلام، وآمنوا بالعنف وسيلة لفرض أفكارهم، وأخلوا بالأمن
الاجتماعي، وبصرف النظر عن نية هؤلاء فإننا لا نرى ثمرة
لأعمالهم سوى ضحايا أبرياء من الذين يصلون صلاتنا ويستقبلون
قبلتنا، ويأكلون ذبيحتنا.
إن ما يفعله هؤلاء لا ينتج إلا عن فكر منحرف وثقافة معوجة،
ولهذا لا ينبغي أن يكون التصدي لهذه الأفعال بالعمل الأمني
فحسب، بل ينبغي أن يسبق ذلك دور التوعية بحرمة دماء المسلمين،
وما يترتب على الإخلال بأمنهم من عقوبة في الدنيا والآخرة،
وهذا الدور يضطلع به المسجد.
ورغم ما نعرفه عن دور المسجد التاريخي في تحقيق الأمن إلا أن
تطور أساليب الجريمة وتعدد دوافعها وتقدم الأنظمة الأمنية
وإخفاقها في بعض الأحيان يجعلنا نتساءل عن إسهامات المسجد في
مجالات الأمن الاجتماعي في هذا العصر. هل من المفيد لأمن
المجتمع تعطيل هذا الدور كما يريد البعض ممن لا يعرفون الإسلام
ولا رسالة المسجد، أم تفعيله وتنشيطه كما يطالب آخرون.؟
تأتي هذه الندوة المباركة بعنوان (المؤسسات المجتمعية
والأمنية: المسئولية المشتركة) في أحضان كلية الملك الفهد
الأمنية لتتناول في محور من محاورها الإجابة على هذا السؤال،
وتأتي هذه الإجابة بينما يمر العالم الإسلامي بفوضى في الفكر
والرأي، فقد خرجت علينا مفاهيم عن الإسلام لم يعرفها السابقون
من علمائنا، وفتحت أبواب النقاش الديني على مصراعيها أمام
كثيرين من جهلة المثقفين، فأفتوا على بعض الفضائيات بتحليل ما
حرمه الله، وبتحريم ما حلله الله I، ولكن ها هي المملكة
العربية السعودية تتصدى لهذه الانحرافات الفكرية والسلوكية،
متسلحة بنور الإيمان، ومستنيرة بالعقل والبرهان، وكيف لا ؟
وفيها البلد الأمين الذي نزل فيه القرآن الكريم فأضاء الدنيا
في كافة جهاتها الأصلية والفرعية..
وقد احتوى هذا البحث على ثلاثة مباحث:-
الأول: المجتمع الإنساني وحاجته إلى الأمن
الثاني: دور المسجد في إرساء قواعد الأمن والاستقرار
الاجتماعي.
الثالث: أعداء الإسلام والدور الذي يلعبه المسجد
هذا.. ولا أشك أن هذا الموضوع يحتاج إلى أكثر مما بذلته في هذه
الدراسة، بل ويحتاج إلى أكثر من دراسة، ولكن حسبي أنني عملت ما
وسعني العمل، ونسأل الله أن يلهمني الصواب، وأن يوفق القائمين
على هذه الندوة وأن يكون فيها خير الإسلام ونفع المسلمين.
د / عبد الرحمن جيرة
10 محرم 1425هـ
المبحث الأول
المجتمع الإنساني وحاجته إلى الأمن
(البلد الأمين) قال الأخفش: (البلد الآمن) ( ) الذي يأمن فيه
الناس على أرواحهم ومساكنهم وأعراضهم وأموالهم وأرزاقهم
ووظائفهم، فالناس في البلد الآمن لا يخافون على شيء، كما لا
يخافون من شيء. والناس في البلد الآمن هم الساكنون فيه بكافة
انتماءاتهم الدينية أو الجنسية أو الثقافية.
وإذا كان الخوف هو توقع المكروه من أمارة مظنونة أو معلومة،
فإن المجتمع الآمن هو المجتمع الذي لا يتوقع أفراده أي نوع من
أنواع المكروه. ويظل كذلك ما لم يكفر بنعم الله عليه،
فبسبب كفر أهل هذه القرية بأنعم الله ذهب الرزق وحل الجوع،
وذهب الأمن وحل الخوف، وهذا يعني أن القرية تظل آمنة ما أمنت
بالله، فإن هي كفرت أذاقها الله لباس الجوع والخوف.
ومن معاني كلمة (أمن) في قواميس اللغة نلحظ ارتباطاً وثيقاً
بين الأمن والإيمان، فالإيمان في اللغة التصديق، مأخوذ من
الأمن، كأن المصدق أمن من المصدق التكذيب والمخالفة ( )، فإذا
ضاع الإيمان ضاع الأمن، وهذا ما يؤكده حديث الرسولصلى الله
عليه وسلم : (والله لا يؤمن .. والله لا يؤمن .. والله لا يؤمن
.. قيل ومن يا رسول الله ؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه) ( )
ولا فوز لعبد لم يأمن جاره بوائقه: (لا يدخل الجنة من لا يأمن
جاره بوائقه)( )
فالاشتقاق اللغوي لكلمة (أمن) وكلمة (إيمان) واحد، فالمؤمن هو
الذي يأمن جاره بوائقه، كما أن كلمة مسلم تؤدي نفس المعني في
مادتها، فـ (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)( )
فالإيمان انطلاقاً من هذه المفاهيم اللغوية يشيع الطمأنينة في
النفس، ويملأ شعابها غبطة ونوراً.. وهذه الطمأنينة زاد لا
يستغنى عنه إنسان؛ بالإضافة إلى ما يترتب على الإيمان من نفع
مادي يعبر عنه فولتير بقوله: (إذا لم يكن الله موجوداً لوجب
اختراعه. يجب أن نؤمن بالله حتى تكون زوجتي أكثر وفاء لي،
وخادمي أقل رغبة في السرقة.. أو هو رأى عريق في القدم من
فولتير بصرف النظر عن تدين أصحابه أو إلحادهم) ( )
حول بيت الله الحرام
بدأت حياة الإنسان على الأرض بعبادة الله وحده، وعاش آدم وبنوه
حول البيت الحرام يعبدون الله I وهذا يعني أن الإنسانية بدأت
مسيرة حياتها من مكة المكرمة، ولهذا أسماها المولي عز وجل أم
القرى:
والبيت الحرام هو أول بيت وضع لعبادة الله I في أرضه
فهذه خصائص بيت الله الحرام:
- أول بيت وضع للناس.
- مباركاً للعالمين.
- فيه مقام إبراهيم
- فيه الأمان لكل من لجأ إليه.
وتشير الآية الكريمة إلى أن للَّه بيوتاً في أرجاء المعمورة
كافة، وهذه البيوت هي المساجد، وأن أولها وأهمها هو الذي ببكة
أي (مكة) فميزة هذا المسجد على مساجد الدنيا أنه يعطي لمن دخل
إليه أماناً ما دام فيه، وهذا يمثل بمفهوم عصرنا (الحصانة)
التي يتمتع به بعض رجال السياسة في بعض دول العالم، ولكن
الحصانة في المسجد الحرام هي حصانة فوق كل حصانة، فهي لا ترفع
برغبة هذا ولا بإرادة ذاك، فكان الرجل يلقى قاتل أخيه أو أبيه
في المسجد الحرام فلا يقترب منه، وهذا الأمان غير محدود بزمن
معين ولا بأناس محددين. ذلك أن اللَّه I أراد أن يشعر الناس
بنعمة الأمن، وأراد أن يعطي ضماناً لحرية كل داخل إلى بيته
ليعبر عما يريد. وهذا الدور هو أهم أدوار المسجد الحرام في
حياة الأمة الأمنية والاجتماعية.
وإذا كان هذا الدور الكبير للمسجد الحرام في الأرض فإن المساجد
الأخرى التي تتجه إليه ينبغي أن يكون لها ذات الدور، فالمسجد
الحرام على صعيد الأمة الإسلامية قاطبة، ومسجد المدينة على
صعيد المدينة، ومسجد الحي على صعيد الحي وهكذا يصبح المسلمون
عوامل آمان في كل مكان على سطح هذه الأرض.
تكاثر بني آدم وضياع الأمن
وبعد عصر حافل بالإيمان والطاعة الكاملة لله تعالى حول بيته
الحرام بدأ أبناء آدم يتكاثرون فانتشروا في الأرض شمالاً
وجنوباً، شرقاً وغرباً، وشيئاً فشيئاً ابتعدوا عن المسجد
الحرام، ومن ثم عن شريعة الله التي تحرم عليهم دماءهم وأموالهم
وأعراضهم، وبدأ الخوف يشكل جانباً من حياتهم، فتارة ظل الإنسان
يخاف من مظاهر الطبيعة، وأخرى من بعض الحيوانات، ولهذا آوى إلى
الكهوف يحتمي بها، واتخذ المنزل ليقيه شر الحيوانات المفترسة،
وليقيه كذلك حرارة النهار وبرودة الليل، وبدأ يتعرف على فكرة
المجتمع الذي يأنس إليه ويحتمي به، ويواسيه في الشداد، ومن ثم
شكلت التجمعات السكنية ما عرف بالقرى والمدن.
ومن تأمل الآثار التي خلفها الإنسان القديم يجد أن (الخوف) شغل
حيزاً كبيراً من تفكيره وهو يبني مسكنه، وحتى مقبرته فكر
الإنسان ومنذ القدم في التمويه على اللصوص وخداعهم بأبواب
وسراديب وهمية ليأمن على جسده بعد مفارقة الحياة. فهذه أولى
وسائل الأمان الأساسية التي عرفها الإنسان القديم.
ويشير قوله تعالي (سورة النحل 80) إلى أنواع المساكن التي
اتخذها الإنسان للحماية أولاً ثم لتحقيق الخصوصية له بعد ذلك،
فيذكر أنها قسمين:
أولاً : بيوت للإقامة الطويلة، وهى ما لا يمكن نقله من مكان
إلى مكان آخر وهى البيوت المتخذة من الحجارة والخشب ونحوهما.
ثانياً : بيوت للإقامة القصيرة من جلود الأنعام، ويمكن نقلها
من مكان إلى آخر، كالخيام،
فالبيوت هذه أو تلك يبيت فيها الإنسان، والسكن ما سكن إليه ..
وما سكن فيه، وكان آدم عليه السلام قد عرف هذين النوعين، وربما
يكون الإنسان القديم قد عرف أول ما عرف من أنواع السكن، النوع
البسيط المصنوع من جلود الأنعام أو الكهوف، ومن الضروري أنه
فهم أن كل ما علاه فأظله فهو سقف وسماء، وأن كل ما أقله فهو
أرض، وكل ما ستره من جهاته الأربع فهو جدار، فإذا انتظمت
واتصلت صار بيتاً يحتمي في داخله، ولم يتأخر فهم الإنسان لهذا
الأمر طويلاً، لأنه بكل يقين كان ينشد الأمن والاستقرار، فعرف
الأسرة التي تحمي أفرادها، والتي يتعاون أفرادها على قضاء
حوائج بعضهم البعض.
ولكن منذ أول جريمة ارتكبها الإنسان في حق أخيه، والإنسان يشعر
بالخطر من جهة من يفترض أنه يتعاون على حمايته وتوفير الأمن
له، فما عاد المنزل يشكل له ما كان يأمله من حماية، وما عاد
قرب منزله من أخيه يشعره بالأنس الذي كان يتطلع إليه، فشعر
بحاجته إلى شريعة تحمي ماله ودمه وعرضه، وتحقق له حاجته، وتلبي
مطالبه. فجاءت الرسالات السماوية لتهتم بقضية الأمن، ففرضت
القصاص، وعملت على تربية الإنسان، وتعويده على عمل الخير، وغرس
قيم الحب والإيثار في نفسه.
وعندما جاء الإسلام آخر تلك الرسالات حرم الفواحش ما ظهر منها
وما بطن، وحرم قتل النفس إلا بالحق، واهتم بالبيت الذي يسكن
فيه الإنسان، وقدم لأصحاب البيوت حق الحماية من العدوان عليها
أو إزالتها ولو كان أصحابها غير مسلمين. فجعل للبيوت حرمة تمنع
المسلم من المساس بها أو دخولها قبل أن يستأنس ويسلم على
أهلها.
ولم يكتف الإسلام بحماية المنزل من الخارج، بل أصر على إصلاحه
من الداخل لما له من دور في تشكيل شخصية الإنسان، ففيه تبدأ
التربية الأولى، ويتجلى فيها دور الأم التي حرص الإسلام منذ
البداية على أن تكون ملتزمة بتعاليم الإسلام، تقدم إلى أولادها
إلى جانب التربية الجسدية التربية الأخلاقية بما تغرسه في
نفوسهم من حب للإسلام ولتعاليمه.
والمعروف أن إجرام المجرمين يحدث في معظم الأحيان بسبب أخطاء
في التربية قد يحسبها المربون بسيطة، ولهذا لا ينبغي أن يتوقف
دور المنزل عند حد دخول الأبناء المدرسة، بل إن الدور يزداد
كلما كبر الطفل فيجب أن نحرص على تزويده بالنصائح التي تدفعه
إلى حب المدرسة واحترام الناس والإحسان إلى المحتاجين، وأن
ندفع به إلى المسجد ليتعلم فقه العبادات عملياً، فالمنزل
المسلم ينجب الأبناء ويرعى طفولتهم ونشأتهم، ثم عليه بعد ذلك
أن يدفع بهم إلى المسجد عندما يشبون ويتجاوزون مرحلة الطفولة
المبكرة.
المنزل المسلم يغرس في نفوس النشء الفضائل والآداب الإسلامية
منذ نعومة أظفارهم، والمسجد يتلقى هذه الأجيال فيصقلها
بالعبادة والخشوع لله، والتدبر والتفكر في ملكوته .( )
وإذا كان المنزل يجمع أفراد الأسرة الواحدة تحت سقف واحد، فإن
المسجد يفعل ذلك عندما يجمع المجتمع تحت سقفه كأسرة واحدة
يتعلم فيه الأخ المسلم كيف يتفقد أخاه إذا غاب عن المسجد،
فيعوده إذا كان مريضاً ويعينه إذا وجده محتاجاً. وبذلك يسود
المجتمع روح التواصل والتواد والتعارف وينمو التآلف والعلاقات
الطيبة بين أفراد المجتمع.
فالمسجد بهذا المفهوم هو محور الوحدة بين المسـلمين، ويجب أن
يكون لعموم المسلمين، لا لأتباع مذهب فقهي معيّن، ولا فرقة
معينة، لا يصح في المنطق الإسلامي أن يستأثر أي شخص أو جهة،
بمساجد الله تعالى، وإنّما هي لله وحده، يعبده فيها جميع
المسلمين .
والمسجد هو خير مكان يمكن أن يلتقي فيه المسلمون لعباداتهم
ولعقد اجتماعاتهم بجدية واحترام، فالنظافة وأخذ الزينة هما ما
ينبغي أن يظهر بهما المسلم وهو ذاهب إلى المسجد، وذلك أدعى
للتقدير والاحترام بين المسلمين.
ومن هنا استحب الإسلام الاهتمام بنظافة المساجد، والاعتناء
بكنسها، والاهتمام بإضاءتها بما يناسب الحاجة. وتزويدها
بالمياه بما ييسر على المصلين. وينبغي أن تصان المساجد عن
الأقوال السيئة، وتنزه عن الروائح الكريهة، وقد نهى النبي صلى
الله عليه وسلم عن تناول بعض الأطعمة ذات الروائح النفاذة
والمزعجة لمن يرتاد المسجد، من ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل البصل والثوم والكراث
فلا يقربنّ مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن
ادم».( )
وإذا كانت العلة في إخراج من أكل الثوم من المسجد أنه يتأذى به
الناس، ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن كان
ذَرِب اللسان، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تَرِيمه - أي لا
تفارقه- لسوء صناعته، أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه، وكل ما
يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة فيه حتى
تزول( )
أليس هذا مجتمع طاهر يجتمع أبناؤه تحت سقف واحد ؟ فهو خليق بأن
يؤدى إلى الثمرة الطيبة، فالمكان الطيب لا يخرج إلا طيباً .
وهكذا فإن دور المسجد الأساسي هو خدمة المجتمع وذلك بالحفاظ
على قيمه وأخلاقه، وربط المجتمع بالعلوم التي ترمى إلى نهضته
وتقدمه. ودفع شبابه إلى السعي في العلم والعمل، وغلق كافة سبل
الإجرام والجريمة أمامهم. فدور المسجد لا ينبغي أن يكون قاصراً
على العبادة، بل يجب أن يظل مع ذلك مدرسة لتربية المسلم وتهذب
أخلاقه.
أمن الأجانب في المجتمع الإسلامي
وإذا كان المسلمون يشكلون أهم عوامل الأمن العالمي انطلاقاً من
تعاليم دينهم فهل ما نسمعه من عدوان على الأجانب المقيمين في
بعض بلاد المسلمين يعتبر من الأعمال التي يبررها الإسلام؟
قد يُتْهَمُ المسلمون الذين يرفضون هذه الأعمال من قبل بعض
المغالين بأنهم متهاونون في الدفاع عن إخوانهم المسلمين الذين
يتعرضون للاضطهاد في بلاد كذا وكذا من العالم.
ولكن إذا كان كل إنسان قد اعتاد أن يميز بالفطرة بين الأجانب
وذويه فإن الإسلام وهو دين الفطرة لم يكن ليتجاهل هذه الدوافع
الفطرية، ولكنه وقاها سوء الاستعمال، ودفع عنها شر التعسف
والمغالاة، والهوى والعصبية، وجعل أتباعه يجمعون بين أمرين على
درجة من الأهمية وهما:
1- الغيرة على دينهم
2- التسامح مع أهل الأديان الأخرى.
والمعروف أن الدولة الإسلامية كانت منذ نشأتها متعددة الأديان،
فقد ضمت في حوزتها منذ عصرها الأول أربعة أديان وهى:
- الإسلام وهو الدين الغالبية العظمى
- اليهودية
- النصرانية، وقد أطلق القرآن الكريم عليهما مصطلح (أهل
الكتاب) باعتبار أن دينهما قائم في الأصل على كتاب سماوي وهو
التوراة بالنسبة لليهود والإنجيل بالنسبة للنصارى وإن حرفوا
فيهما وبدلوا.
- المجوسية في بلاد فارس، ويلحقوا بأهل الكتاب لقوله u (سنوا
بهم سنة أهل الكتاب) ( )
ومن ألوان التسامح مع أتباع هذه الأديان أن الإسلام أباح
للمسلمين أكل طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم مع بقائهن على
دينهن، وأوجب لهم ما أوجبه للمسلمين في المجتمع الإسلامي وأسقط
عنهم واجب حمل السلاح مقابل الضريبة التي يدفعونها، وجعل
الدولة مسئولة مسئولية كاملة عن الدفاع عنهم وحماية أراضيهم
وذراريهم، وحرم إلحاق الأذى بالذمي أو إيقاع أي ظلم عليه، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أذى ذميا فأنا خصمه ومن كنت
خصمه خصمته يوم القيامة)( )
وقد عاش المسلمون على مدى تاريخهم يطبقون هذه الوصية النبوية
ويحترمون أهل الكتاب، مما دفع بالمنصفين منهم إلى الإشادة
بمعاملة المسلمين لهم، بل والدخول في الإسلام في كثير من
الأحيان، وقبل قيام الثورة الفرنسية ودعوتها إلى الإخاء
والمساواة كانت المساجد في المدن والقرى الإسلامية تطبق وبصورة
عملية الوثيقة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم، فالناس
سواسية لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.
وهكذا عاش أهل الملل والأديان الأخرى جنباً إلى جنب مع
المسلمين داخل حدود الدولة الإسلامية، لهم حقوق الحماية
والرعاية.
المبحث الثاني
دور المسجد في تحقيق الأمن الاجتماعي
أسس المجتمع الآمن
جاء ميلاد الدولة الإسلامية ليمثل انطلاقة خير وينبوع بركة
للعالم، فكان صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وكانت أمته
خير أمة أخرجت للناس، ومن الثابت أنه صلى الله عليه وسلم أقام
الدولة الإسلامية على ثلاثة أسس:
الأول: المسجد
الثاني: الأخوة الإسلامية التي عقد أواصرها بين المهاجرين
والأنصار.
الثالث: الوثيقة التي كتبها بين المسلمين مع بعضهم، وبين
المسلمين وغيرهم وليس في هذا بحد ذاته ما يلفت النظر أو يثير
الانتباه، وإنما يلفت النظر حقاً هو أنه صلى الله عليه وسلم
بدأ من هذه الأسس الثلاثة بالمسجد يستعجل في بنائه، ويحثهم على
إتمامه، ولا يلتفت إلى شيء غيره، حتى إذا أتم بناءه عمد إلى
الأساس الثاني وهو عقد آصرة الأخوة الإسلامية بين المسلمين،
حتى إذا نضجت هذه الأخوة وقام سلطان حقيقي في النفوس عمد صلى
الله عليه وسلم إلى الأساس الثالث، ألا وهو وضع الوثيقة
الملزمة، والمبادئ الرئيسية الضابطة والمنظمة لعلاقات المسلمين
مع بعضهم، وعلاقتهم مع الآخرين.
من المسجد إذاً ولد المجتمع الإسلامي المتماسك، وفي حماه قام
كل من الأساسين العظيمين لأول مدنية إنسانية صحيحة، وهي التآلف
القلبي والنظام الدستوري .
ولو تأخر دور المسجد عن مكان الصدارة في البناء والتأسيس لما
استقام المجتمع الإسلامي على نهج، ولعاد أنكاثاً وأشتاتاً لا
يمسكه شريان ولا يضبطه نظام مهما قامت للتآخي والألفة شعارات،
ومهما وضعت للتنظيم والعدالة دساتير وأحكام)( )
وكذلك عن طريق المسجد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم في فترة
وجيزة أن يضع حداً لهذه الحالة المضطربة التي كانت متمثلة في
الحروب والمنازعات الجاهلية التي كانت سائدة في بلاد العرب،
ونجح صلى الله عليه وسلم في أن يجعل من الدين الإسلامي ديناً
ثابت الأركان، راسي البنيان، وأن يوحد العرب مع غيرهم من
الشعوب الأخرى في ظل حكومة إسلامية مركزها المدينة المنورة،
وأن يملأ قلوب معتنقي هذا الدين بمثل عليا كريمة، وعواطف
إنسانية نبيلة، دفعت بهم في مجالات التقدم على مر الأيام.( )
فقد جاء صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وملجأ للضعفاء
والمساكين، ولو أن الكلمة العليا استمرت إلى اليوم للدين الذي
جاء به ما شاهدنا تلك المذابح التي ترتكب يوميا في العديد من
بلدان العالم.
لم يرضخ المجرمون لأحكام الشريعة التي تحمى دماء الضعفاء،
ورفضوا كل ما يعيق سلطانهم وكان لا بد لمثل هؤلاء من قيام
شريعة الإسلام لتضرب على أيديهم، ولكن ها هي أحكام الإسلام قد
عطلت في أغلب دول المسلمين، ولم يبق للضعفاء غير المساجد
الإسلامية تنادي بحقهم في الحياة.
دور المسجد في التوعية بالجرائم الأمنية وخطورتها.
منذ عهد الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسجد كان هو الموجّهَ
لحياة المسلمين، فكان هو المدرسة والجامعة، وكان هو المنارة
التي يسترشد بها المسلمون في حياتهم، ومنه يستمدون مقوّمات
دينهم، ومعرفة أصوله ومبادئه.
وإذا كنا لا نستطيع العيش دون غذاء، فنحن كذلك لا نحي بلا أمن،
ومن هنا يأتي الدور الذي يلعبه المسجد لتحقيق ما نحن بحاجة
إليه، فيقدم لنا الغذاء الروحي، وننعم بالحياة في جو من الأمن
الفردي والجماعي.
فالمصلون من أهل الحي أو القرية يشكلون شريحة اجتماعية واحدة
لها تأثيرها الكبير على الاتجاه العام للمجتمع، ويمكن لهؤلاء
أن يلعبوا دوراً كبيراً في إصلاح العلاقات الأسرية، وإزالة
الخلافات بين بعض من يستهلكون أوقات رجال الأمن بمشاكلهم
المتشعبة، ويمكنهم كذلك بما لهم من تأثير فعال منع المنكرات
والإخلال بالأمن العام من قبل المراهقين والشباب.
ويمكن لهؤلاء أيضاً أن يلعبوا دوراً تحريضياً يستطيعون من
خلاله أن يؤثروا في حركة الاستهلاك، والتنمية، والتوجيه
الإنتاجي بالدعوة إلى إتقان العمل، هذا بالإضافة إلى ما ركز
عليه الإسلام من تضحية وإنفاق وبذل وزهد وإعراض عن الشهوات
والسرف.
فالمساجد انطلاقاً من هذا الدور هي صمام الأمان للمجتمع
الإسلامي، ولا تستقيم حياة مجتمع دون توفر الآمان لأفراده
وجماعاته، ودون أن يكون ثمة تفاهم بين أفراده معتمدين على صفة
البيان، وهذا يقتضى أن يكون كل إنسان إما متحدثاً أو مستمعاً،
وقد كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام جميعاً خطباء،
فالقرآن الكريم يحكى لنا من خطبهم ما كان حجة بالغة على
أقوامهم، فقد دعوا إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً،
ولكن الأقوام كانوا على درجة من العناد تسمح لهم أن يقولوا
للنبي سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين، ومع هذا لم
يتسلل اليأس إلى قلوبهم، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب
الصابرين.
وإذا كانت هذه المواعظ في الماضي تتم كيفما تيسر لقائليها
ولمستمعيها أيضاً فقد جاء الإسلام ونظمها وجعلها واجباً مقرراً
على المسلمين في كل أسبوع مرة على الأقل وحدد لها مكاناً وهو
المسجد. وحدد لها زماناً وهو وقت صلاة الجمعة. وجعل لها
أهدافاً أهمها:
• تحرير العقل البشرى من رق التقليد والعبودية لغير الله.
• تحقيق الوحدة الإسلامية.
• إصلاح الفرد والمجتمع نفسياًّ وخلقياًّ.
إضافة إلى ما يقوم به المسجد من عملية تأمين للمجتمع من
الأفكار والأفعال المنحرفة، ويظهر ذلك في محاربته لآثار هذه
الأفكار الوافدة التي تدعو إلى الشك والإباحية والفساد الخلقي
والاجتماعي.
وفى هذا الإطار يبرز ما امتازت به الشريعة الإسلامية من مبادئ
أساسية في العبادات والمعاملات، وإصلاح الحياة الاجتماعية
بصورة يسود فيها الأمن والعدل بين الناس، وصيانة الحريات
الخاصة بالأفراد والحقوق العامة للجماعة.
على أن الدور الذي لعبه المسجد في توجيه الناس وإرشادهم على
مدي التاريخ الإسلامي لم يكن مستقلاً عن بقية هيئات المجتمع
فكان المسجد يشعّ على كلّ هيئات ومؤسسات المجتمع أنوارَ
الهداية والرّشاد. وحين نستعرض بعض الآثار التي تركها المسجد
على مؤسسات المجتمع فإننا لا نجد مؤسسة من هذه المؤسسات إلا
ولها صلة مباشرة بالآثار الإيجابية للمسجد. فدور المسجد هو
العمل على تلقين النّاس الدّين وتفقيهِهم فيه، ومعلوم أن
الإسلام يشمل جانبين:
الجانب الأول: ما ينظم علاقة الإنسان بخالقه I (العقائد
والعبادات)
والجانب الثاني: ما ينظم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان (الأخلاق
والمعاملات)
والجانب الأخير يؤكد خطأ أولئك الذين يودون فصل المسجد عن
الحياة، فالدور الذي يلعبه المسجد في المجتمع الإسلامي لا
يتعارض مع دور مؤسسات الدولة كما هو شأن بيوت العبادة في
الغرب، إنه دور يتكامل مع دور الدولة ومؤسساتها، بل إنه يمثل
نقطة الانطلاق لتلك المؤسسات، فهو يفقه الناس أفراداً وجماعات
بالشريعة التي تنظم حياتهم، والمخالفات التي يعاقبون عليها في
الدنيا والآخرة. ومن ثم تتنوّع آثار المسجد على جوانب الحياة
كافة، ما بين اجتماعيّة وتربويّة وأمنية واقتصاديّة وسياسيّة
وثقافيّة وعلمية... الخ
وفي هذا تظهر أهمية خطيب المسجد في تثبيت أركان أمن المجتمع
الذي يعيش فيه، وتوعية أبناء الحي بخطورة الإخلال بالأمن العام
والخاص، فهو يختلف عن خطباء الأيدلوجيات الذين لا يعرفون شريعة
الله ولا حدوده التي وضعها لمنع ظلم العباد بعضهم لبعض، فهو
يهدف من خلال دعوته إلى إصلاح حال المجتمع، وتحقيق السعادة
لأفراده وجماعاته برضا الله عنهم في الدنيا والفوز بالجنة في
الآخرة.
وحسب خطباء المساجد أن يكون أمامهم وقدوتهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فهم على نهجه سائرون وبأقواله وأفعاله يعظون،
يبشرون تارة وينذرون أخرى لا يتصفون بالقسوة والخشونة، ولا
تتوقف الموضوعات التي يتناولونها على جانب العبادات، بل إنها
تشمل كل ما يهم المجتمع ويمس حياته في الدنيا والآخرة، فمنها:
أ. جانب العقيدة: حيث يعمل المسجد على تثبيت الإيمان، وتقوية
أركانه في نفوس المستمعين بما يعرضه الخطيب من أفكار تجعل
المصلين يتمسكون بما هم عليه من عقيدة، ويصبرون على ما قد يلحق
بهم من أضرار في سبيلها.
ب. جانب العبادات: ويشمل كافة الفرائض المحددة التي كلف الله
بها عباده، من حيث أهميتها كتدريب عملي لهم على الطاعة
والإخلاص لله رب العالمين.
ج. جانب الأخلاق والمعاملات: وهذا الجانب يرسم منهجاً لتعامل
المسلم مع إخوانه في الإسلام، فيدعو إلى التعاون على البر
والتقوى والنهوض بالمجتمع. وإلى نبذ العنف والجرائم بكافة
صورها وأشكالها، ويبين العقاب الذي ينتظر المجرمين في الدنيا
والآخرة،
د. جانب القضايا العامة: فلكل عصر من العصور قضاياه الخاصة،
ومشاكله التي ينشغل بها، ويتفاعل معها، والخطيب في هذا العصر
يجد أمامه موضوعات تختلف عن الموضوعات التي كان يجدها الخطيب
منذ قرن من الزمان.. فعليه متابعة الأحداث السياسية والإقليمية
التي تشغل بال الناس، وبيان سنة الله في معاقبة المجرمين
والدفاع عن المظلومين والانتصار لهم ولو بعد حين..
والعديد من المساجد لا تتعرض للقضايا الهامة، والعديد أيضاً من
المساجد تتجاهل الجوانب الأساسية في حياة المسلمين، فقد تحافظ
على الصلاة في مسجد من المساجد طوال حياتك لكنك لا تسمع خطبة
واحدة عن حوادث المرور التي تذهب بأرواح الأبرياء يومياً.. وقد
لا تجد خطيباً واحداً في بلد بأكمله يحدثك عن تلويث البيئة ..
أو الاستفادة بأوقات الفراغ أو غير ذلك من موضوعات مهمة في
حياتنا..
ومن خلال هذه الجوانب يرسم الخطيب منهجه الذي يهدف إلى التصدي
للجرائم الأخلاقية بصورتيها:
- ما يقع منها بين الإنسان ونفسه
- ما يقع منها بين الإنسان وأخيه.
والناس يلمسون الثاني دون الأول، ويحكمون على أساسه، ويأتي
المسجد ليخاطب الضمائر المركوزة في النفس، فيدعوها إلى إصلاح
ذات البين، والتعاون على عمل الخير وتقديمه للناس في صورة تظهر
عظمة الإسلام.
وإذا كان من المبالغة أن نقول: إن الشر يفوق الخير في هذا
العالم، فإنه يكون من الخطأ أن ننظر إلى الشرور وحدها في
العالم ؛ ونتجاهل هذه العناصر الخيرة التي تفعل الخير لذاته.
وإذا لاحظنا أن الشرير لا يلقى جزاءه في الحياة الدنيا أحياناً
فذلك لأنه سوف يلقاه في الآخرة. ولذا فإن تخويف العصاة
بالآخرة، وعذابها من أهم ما يقدمه المسجد لمن يرهقون قوى
الأمن، ويستنفذون طاقات رجال الشرطة، ويعيقون عمليات التنمية
والبناء.
أساليب محاربة الجريمة
ويعتمد المسجد في محاربة للجريمة على عدد من الأساليب ومنها:
الحرص على ارتباط المسلم بالمسجد
هناك أسباب متعددة جعلت بعض الشباب يخرجون على الأمن العام
للمجتمع، ويعملون على ترويع الآمنين من أبناء المجتمع والأجانب
المقيمين فيه، وأهم هذه الأسباب هو أنهم لم يتغذوا على فكر
يقوي رغبتهم في الحوار، كما أن الظروف العالمية المحيطة بهم
جعلتهم بعد ذلك أكثر تشدداً، وقد يرجع هذا الأمر في الكثير من
الأحوال إلى تقصير بعض المعلمين والخطباء ممن لا يتمتعون
بالكفاءة العلمية والعملية مما أدى إلى إبعاد هؤلاء عن المساجد
ووقوعهم فريسة في يد من يدعون العلم والمعرفة.
وقد جاء الإسلام ليرسم للمسلم منهجه في الحياة، ويجعل علاقته
بالمسجد في اتصال وتواصل دائم، وهذا التواصل كفيل بأن يجعل من
المسلم داعية إلى الخير آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، يدعو
إلى التعاون على البر والتقوى.
لا يعقل أن يكون المسجد وسيلة تدفع بالمسلم إلى حمل السلاح في
وجه أخيه الذي يتجه إلى ذات القبلة، ويرتاد نفس المسجد. ولهذا
حث الإسلام على ارتباط المسلم بالمسجد، حتى يدرك هذه المعاني
الأخوية، وذلك عبر دعوته لإقامة الصلوات الخمس المفروضة في
المسجد، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الرجل
يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» ( )
ورغم أن الإسلام لم يقيد الصلاة بموضع معيّن إلاّ أن إقامة
المساجد في الأرض، والحض على ارتيادها والصلاة فيها، تهدف إلى
تحقيق غايات ثقافية واجتماعية، وأمنية وحضارية لصالح الأمّة
الإسلامية.
فقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وفضائل هي لباب
الإسلام. والمسلم عندما يعتاد المساجد فإنه يعتاد الخير،
ويعتاد الزهد بما يمكنه من مواجهة مصاعب الحياة، كما أنه يعايش
إخوة جمعتهم المساجد، ووحدت صفوفهم الصلاة، فمن نور هؤلاء
يستنير، ومن صلاحهم ينصلح، فتزداد صلته بالله، ويأمنه الناس
على أموالهم ودمائهم.
ويمكننا أن نطلق على رحلة المسلم إلى المسجد للصلاة بأنها رحلة
(الأمن والسلام) فالمسجد يدرب المسلمين على الضبط والانضباط،
فإذا صاح المؤذن (الله أكبر) ترك المسلمون جميعاً كل ما هم فيه
من عمل واتجهوا صوب المسجد، إجابة لدعوة الله I.. فانطلقوا
ونور الإيمان يملأ قلوبهم، والحب الذي غرسه فيهم معلمهم الأول
صلى الله عليه وسلم يؤلف بينهم، وهذا الحب هو الطريق إلى
الجنة، عن أبي هريرة t قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا
أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم)( )
وتطبيقاً لهذا التوجيه النبوي يلقي المسلم بتحية الإسلام على
كل من يقابله وهو في طريقه إلى المسجد ذهاباً وإياباً ..
فإذا وصل المسلم إلى المسجد سلم على من فيه بهذه الصيغة:
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) دون أن يمل من تكرارها.
ثم جلس حيث ينتهي به المجلس، دون إيذاءٍ لأحدٍ من إخوانه
المصلين، فلا يتخطى رقابهم، ولا يضايقهم في المجلس، ولا يرفع
صوته فيشوش عليهم صلاتهم.
ثم عندما يقف ليصلي فإنه يتجه إلى قبلة الأمان وأول بيت وضع
للناس على سطح الأرض.
ثم إذا فرغ من صلاته خرج على الناس بالسلام (السلام عليكم
ورحمة الله) يدور بوجهه ذات اليمين وذات الشمال..
ثم إذا خرج من المسجد يلقي بالسلام على إخوانه حتى يصل إلى
بيته أو عمله..
فالمسلم الذي يقطع هذه الرحلة في اليوم خمس مرات لا يعقل أن
يكون هو نفس المسلم الذي يحمل السلاح ليعتدي به على أخيه الذي
صلى مثل صلاته.
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى صلاتنا واستقبل
قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله، فلا
تخفروا الله في ذمته) ؟ ( )
ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم (سباب المسلم فسوق وقتاله
كفر) ؟ ( )
1.
محاربة النفاق والمنافقين.
كثيراً ما يؤدي النفاق إلى الإخلال بالأمن الاجتماعي، فمن
المنافقين من يدعو إلى فتنة، ومنهم من يحاول إثارة نعرة طائفية
أو تحريك عصبية، قبلية أو حزبية، ومنهم من يحاول إشاعة الفاحشة
في المسلمين بنشر أمراض الأمة والترويج للإباحية والفساد
الخلقي، فالمنافقون في الحقيقة ليست لهم انتماءات عقائدية
محددة، فهم مذبذبون بين كل الطوائف، ويظاهرون كل غالب من أجل
تحقيق أغراضهم الشخصية، ومنهم من له انتماءات باطنة، وأخرى
ظاهرة يستخدمها من أجل الباطن المكنون
وينبغي لخطيب المسجد الذي يتصدى لهؤلاء أن يخرج عما عامل به
الرسول صلى الله عليه وسلم الذين ظهر منهم النفاق في عصر نزول
القرآن الكريم.
لقد حددت هذه الآيات صفات جماعة النفاق، ومن ثم حددت الأسلوب
الذي اتبعه النبي صلى الله عليه وسلم معهم، فهو لم يسلم بما
يحلفون عليه من إرادتهم للإحسان، فالله وحده هو الذي يعلم ما
في قلوبهم من النفاق، ومن اتخاذ أيمانهم وقاية لهم.
وعلى ذلك حددت الآيات النهج الذي كان على الرسول أن يسلكه مع
هؤلاء ويتلخص في :
- الإعراض عنهم.
- وعظهم.
- القول البليغ المؤثر في نفوسهم.
والموعظة ثقيلة على السمع، مُحرِّجة للنفس، بعيدة عن القبول
لاعتراضها الشهوة، ومضادتها الهوى، ولهذا فمجرد الوعظ قد لا
يفيد في هؤلاء، بل لا بد من القول البليغ المؤثر، القول البليغ
الذي يهز أوتار قلوبهم الجامدة، ولن يكون ذلك إلا بالإلقاء
المؤثر، والقول البليغ المؤثر.
والواجب أن تكون الدعوة بالحكمة، وأن يقدر الخطيب كلامه قبل أن
يقوله. وأن يكون في كل الأحوال باللين .. لا يطعن في أحد من
الأحياء .. ولا من الأموات.
2.
محاربة الجهل بالجرائم.
وإذا كانت الجرائم الأخلاقية تتكاثر في ظل سيطرة الجهل فقد رغب
الإسلام في العلم وحض عليه، وربط التعليم بالمسجد، عن أبى
هريرة t قال: قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع
قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما
بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة
)( )
فالمجتمع الذي تتنزل عليه السكينة وتغشاه الرحمة لا شك أنه هو
المجتمع الذي ينعم بالأمن والاستقرار، ولهذا حارب الإسلام
الجرائم بدعوته إلى العلم، وأول آية نزلت في القرآن الكريم هي
وهذه البداية انفرد بها القرآن الكريم دون سائر الكتب
السماوية، فقبل نزول الشريعة التي تعاقب المجرمين كان الإسلام
قد افتتح مشروعاً ضخماً بتحويل المسلمين بكافة أعمارهم إلى
طلاب علم، ولم يقتصر هذا الدور التعليمي على الرجال بل نافست
عليه النساء، وفتحت المساجد أبوابها منذ فجر الحضارة الإسلامية
للمرأة لتشهد دروس العلم وليتأكد حقها في تحصيل العلم ومشاركة
الرجل في الحياة .
ومن هنا عرفت المدرسة أول ما عرفت في الدولة الإسلامية في إطار
وظيفة المسجد، ثم أقيمت المدارس المستقلة عن المسجد، والمدارس
الإسلامية الأولـى التي نمت وترعرعت في أحضان المساجد كانت
علومها تدور حول تلاوة كتاب الله وتفسير أحكامه، فقد كان
المعلم يجلس ومن حوله تلاميذه يلقى عليهم الدروس في تفسير
القرآن والحديث وعلوم الدين، فليست المساجد ساحة للعبادة فحسب،
بل هي ركيزة الإصلاح .. وقطب الرحى في عملية التوجيه. وندوة
للأدب ومدرسة للعلم، يتعلم فيها الكبير والصغير، الغنى
والفقير، الرجال والنساء .. مدرسة إسلامية عامة، منهجها القرآن
الكريم وسنة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. والمجتمع الذي
يحتضن المساجد يأمن الجرائم بكافة صورها.
3.
الدعوة إلى وحدة المسلمين
ووحدة المسلمين هي الهدف السياسي الذي يلعبه المسجد.، فهي من
صميم رسالته خصوصاً وأنه مركز ممارسة الشورى بين المسلمين،
والمقصود بأمرهم هو شأنهم العام الذي
تعود أثاره على الجماعة المؤمنة مجتمعة، وفي هذا ما يؤكد وحدة
القرار الجماعي بما يحقق صالح المجتمع وأمنه.
إن دور المسجد بشكل عام هو أنه ملتقى المسلمين، يؤدون قيه
صلاتهم جماعة واحدة وراء إمام واحد، وفيه يتشاورون في مختلف
أمورهم وقضاياهم، وينظمون شؤونهم ويحلّون مشاكلهم ويتعاونون
فيه على البر والتقوى.
وإذا كانت الأخوة الإسلامية التي جعلها الإسلام إحدى ركائز
المجتمع المسلم وأوجب في عنق المسلم نحو أخيه الشيء الكثير،
إذا كانت هذه الأخوة قد تفتر بالتباعد حيناً وبالانشغال بأمور
المعاش حيناً آخر، فإن المسجد يحتم على المسلم أن يلقى أخاه
المسلم خمس مرات في اليوم والليلة، يلتقي معه على عبادة الله
والوقوف بين يديه، تجمعه وإخوته المسلمين القبلة الواحدة،
والإمام الواحد والآمال الواحدة)( )
وإذا كان المسجد في المدينة يجمع أبناء المجتمع تحت سقف واحد
فإن بيت الله الحرام يجمع المسلمين في شتى أنحاء المعمورة في
مكان واحد، فالبيت الحرام هو عاصمة العالم الإسلامي، يتجه
إليها أبناؤه في اليوم خمس مرات، وهو البلد الأمين الذي أقسم
به المولى عز وجل في كتابه العزيز:
وأجاب الله دعاء إبراهيم عليه
السلام، وجعل I العذاب الأليم عقوبة لمن يخل بالأمن فيه سواء
كان مقيم أو غير مقيم.
ويلفت القرآن الكريم نظر العرب إلى ما يتمتعون به من أمن وآمان
بسبب إقامتهم حول بيته الحرام، وإلى ما يعانيه الناس من حولهم
من خوف وهلاك بسبب بعدهم عن بيته الحرام.
ولا شك أن أهل مكة قد لمسوا ذلك أثناء رحلاتهم إلى الشام
واليمن، ففي كل عام كان لهم رحلتان، رحلة الشتاء وكانت إلى
اليمن في الجنوب، ورحلة الصيف وكانت إلى الشام في الشمال،
فساروا في الرحلتين آمنين لأنهم أهل بيت الله، ولولا البيت ما
خرجوا من ديارهم، ولولا التجارة لأصابهم الجوع لعدم الزرع
بمكة، ولهذا امتن الله عليهم بالنعمتين: (أطعمهم من جوع)
(وآمنهم من خوف).
القضاء على الفتن وحقن الدماء
ودور المسجد في القضاء على الفتن وحقن الدماء لا يمكن تجاهله،
وقديماً كان المسجد يمنع ثورات وينهي اضطرابات فكرية وأمنية،
ولا ينسى التاريخ ما فعله الحجاج في العراق، وبصرف النظر عن
رأينا في الحجاج فقد استطاع هذا الرجل عن طريق المسجد أن يوطد
لبني أميه حكمهم في العراق، فقد وفر المسجد وسيلة إعلامية لم
يعرف لها العالم مثيلاً حتى ذلك الوقت.
وفى العهد الأموي وجه عتبة بن أبى سفيان ابن أخي أبى الأعور
السلمي إلى مصر فمنعوه الخراج، فقدم عليهم عتبة، فقام خطيباً
فقال:
(يا أهل مصر قد كنتم تعتذرون لبعض المنع منكم ببعض الجور
عليكم، فقد وليكم من يقول ويفعل، ويفعل ويقول، فإن رددتم
ردَّكم بيده، وإن استعصيتم ردكم بسيفه، ثم رجا في الآخِر ما
أمل في الأول، إن البيعة مشايعة، فلنا عليكم السمع والطاعة،
ولكم علينا العدل، فأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه، والله ما
انطلقت بها ألسنتنا حتى عُقِدتْ عليها قلوبنا، ولا طلبناها
منكم حتى بذلناها لكم ناجزاً بناجزٍ، ومن حذر كمن بشر.
قال فنادوه: سمعاً سمعاً.
فناداهم: عدلاً عدلاً.( )
وبذلك عاد المصريون إلى الطاعة ونادوا عتبة من جنبات المسجد
رداً على خطبته القصيرة: سمعاً سمعاً، وناداهم عتبة: عدلاً
عدلاً، فتأمل كم نحتاج اليوم من قوى الأمن بفروعها المختلفة
لتحقيق ما حققته هذه الخطبة القصيرة. وكم يترتب على تدخل قوى
الأمن من قتل وتدمير.
حماية الأمن الخارجي للمجتمع الإسلامي
ولم يكن دور المسجد ليقتصر على التعليم والإرشاد، فكثيراً ما
انطلقت الجيوش الإسلامية من المسجد، وأدت المساجد دورها
القيادي في مواجهة الطامعين في بلاد المسلمين. فلم يكن المسجد
عبر التاريخ الإسلامي داراً للعبادة فحسب بل مركزاً للإعداد
النفسي والجسدي، وتحول إلى محرك اجتماعي وسياسي لا يمس عواطف
الجماهير فحسب بل يتعدى ذلك إلى تلمس المشكلات المعاصرة
وانطلقت منه الحضارة الإسلامية، وما كان العالم ليكون على ما
هو عليه الآن لولا دور المسجد.
وقد لوحظ أن للمسجد دوراً بارزاً في أيام الحروب والدفاع عن
الوطن، فالخطابة في الحروب تؤثر تأثيراً إيجابياً في شحذ
النفوس وتقوية العزائم. ولهذا غيرت الحروب الصليبية نمط خطب
الدواوين فترة من الزمن، ولكنها سرعان ما عادت إلى سابق عهدها
عندما جاء عصر المماليك ثم العصر العثماني، وضعف اللسان
العربي، ودخل العربية العديد من الألفاظ الأجنبية، وأخذ
التدهور يلحق بالخَطَـابَة شيئاً فشيئاً إلى أن بدأ الاستعمار
الأوربي، وبدأت الخَطَـابَة تجد ما يدفع إلى نهوضها حيث قام
الوطنيون يخطبون منادين بمقاومة الاحتلال. وقد أثرت
الخَطَـابَة الوطنية على خطباء المساجد، فأخذوا يغيرون شيئاً
فشيئاً من نمط خطبهم التقليدي.
ومع بداية الاحتلال الإنجليزي لمصر 1882م تنبه بعض الوطنيين
إلى أهمية المساجد، كأداة للإصلاح، وتنبيه الشعور القومي. وكان
من هؤلاء عبد الله النديم الذي قام بتدريب تلاميذه على
الخَطَـابَة، وعلمهم كيف يخطبون في المحافل، ودعا إلى الاهتمام
بالخَطَـابَة، ويقول : إن من أسباب غفلة الشرق ضعف الخَطَـابَة
فيه، وانحصارها في خطب المساجد التي لا تمس الحياة الواقعية.
وكتب مقالاً بعنوان (أَلْـسُن الخطباء تحيى وتميت) طالب فيه أن
تكتب خطب المساجد بشكل جديد بحيث تعالج شئون الحياة، وتشرح
الموقف الحاضر، وتبين الأخطار المحيطة بالأمة( )
ولا شك أن كثيرين من أمثال عبد الله النديم قد أدركوا أن
الطريق إلى القضاء على الاستعمار وأعوانه لن يتم إلا إذا مر عن
طريق المساجد، فهي السلاح الذي استعان به صلاح الدين الأيوبي
لطرد الصليبيين، وسيظل هذا سلاحاً في أيدينا ندفع به كيد
الطامعين في خيرات وبلاد المسلمين.
حماية الأمن الفكري والثقافي.
يأتي دور المسجد ليشكل المصل الواقي من الأفكار المنحرفة والتي
تدفع بشبابنا إلى الإجرام، فهو من أهم الأسلحة التي نملكها،
ونتصدى بها للتكنولوجيا الإعلامية المتطورة التي لا نملكها،
والتي تؤثر على شبابنا فتجعله يجنح إلى التقصير تارة وإلى
الغلو تارة أخرى. والمسجد في طريق دفاعه عن الإسلام يواجه
مواجهة صريحة جماعتين:
الأولـى: جماعة تحمل الفكر المعادى وتؤمن به، وقد تتخذ من حقوق
الإنسان ذريعة لمهاجمة تعاليم الإسلام بضراوة. وهذه عداوتها
للإسلام ظاهرة، وقد جاء القرآن الكريم بالمنهج الذي يوضح كيفية
التعامل معها.
الثانـية: جماعة تحمل صورة مشوهة عن الإسلام. ومن هؤلاء الجهلة
والمبتدعة، والبدع المستحدثة في الدين نوعان: بدع بالغلو وبدع
بالتقصير
وكلا النوعين الإفراط والتفريط ذمه الإسلام، وحاربه الرسول صلى
الله عليه وسلم، وجعله شر الأمور، والخطيب هنا عليه أن يسلك
النهج الذي يؤدى إلى إقامة الحجة على هؤلاء وهؤلاء، فإذا كانت
البدعة بالغلو مال إلى جانب البشارة، وإذا كانت بالتقصير مال
إلى جانب الإنذار، ويستخدم الجدل كلما دعت إلى ذلك ضرورة، لكنه
يعود إلى البشارة والنذارة، يتردد بينهما إلى أن يقيم الحجة،
وتنقطع المحجة.
أما المبتدعة بالغلو فهم في عصرنا كثيرون، منهم من يقوم
بعمليات تستهدف أرواح الأبرياء من المسلمين ومن غيرهم، ومنهم
من يبرر هذه الأفعال بأقوال وفتاوى لا سند لها، وأول من سن
دعوة هؤلاء بالمجادلة إلى الحق على بن أبى طالب t، إذ بعث ابن
عباس رضي الله عنهما إلى الخوارج فكلمهم فرجع منهم إلى الطاعة
ألفـان..
والمغالي يمكن أن يزول اعتقاده باللطف في أسرع زمان، إلا إذا
كان نشؤه في بلد يظهر فيها الجدل والتعصب، فإنه لو اجتمع عليه
الأولون والآخرون - كما يقول الإمام الغزالي- لم يقدروا على
نزع البدعة من صدره.. حتى لو قيل له: هل تريد أن يكشف الله
تعالى لك الغطاء، ويعرفك بالعيان، أن الحق مع خصمك، لكره ذلك
خيفة من أن يفرح به خصمه، وهذا هو الداء العضال، الذي استطار
في البلاد والعباد.( ).
وأما المبتدعة بالتقصير فهم أهل الانحراف في الفهم والتساهل في
العمل، وتعتبر العلمانية التي تمثل هذا الاتجاه انعكاساً
لاستبداد الكنيسة ورجالها في العصور الوسطي، فلكي يستريح الشعب
والعلماء من هذا الاستبداد فكروا في الفصل بين الدين والحياة،
وقد وجدوا في أناجيلهم ما أصبح شعاراً لهم (أعطوا ما لقيصر
لقيصر وما لله لله).
ومن أسف أن ينتقل هذا الفكر إلى بلادنا، ويحاول أن يصبح منهجاً
للحكم، ومنطلقاً للحديث بغير حياء ولا خجل ممن يحملون أسماء
إسلامية، ويسخرون أقلامهم وصحفهم لغرض فصل الإسلام عن الحياة
ومحاربة الشريعة الإسلامية، ومحاولة التهكم على العصور
الإسلامية وعلى التاريخ الإسلامي، وبالجملة التنكر لكل ما هو
إسلامي، والإشادة بكل ما هو غير إسلامي.
إن تثبيت أقدام هؤلاء في بلادنا كان نتيجةً طبيعية، لضعف عملية
المقاومة، وضعف الدور الذي ظل يلعبه المسجد في التصدي
والمقاومة، والمسجد لكي يقوم بهذا الدور لابد له من القيام
بعملية رصد لهذه الشبهات الوافدة إلينا من الخارج، فلا زال
العلمانيون يعتمدون على الأفكار الخارجية في كل ما يكتب ضد
الدين جملة في الغرب. ثم يقومون بدورهم بتوجيه هذه المطاعن إلى
الإسلام.
وقد كان هؤلاء سبباَ في تقوية وفي بعض الأحيان في ظهور اتجاه
الغلو كما أصبحت مقاومة جماعة الغلو سببا في تقوية الاتجاه
العلماني، وهناك من الخطباء من تحملهم الشدة في وعظ هؤلاء
لدرجة أنهم قد يصلون إلى حد تكفيرهم والعياذ بالله. وهذه النهج
قد يضر بالدعوة، لا أقول أكثر مما يفيد. لأني لا أرى أنه يفيد،
فكيف تطمع في هداية إنسان وأنت تصفه بالكفر، مع أنه يرى أن من
حقه أن يفكر، وليس من حقك أنت أن تكفر !!
إن الأسلوب الهادئ والكلمات العذبة والصدر الرحب كل هذا قد
يساعدك على أن تضم هؤلاء إلى الكتيبة الفاهمة للإسلام.
وليس من مصلحة الإسلام أن يتخذ الخطيب الدعوة إلى العنف
أسلوباً أو يجعل القوة وسيلة لتغيير المنكرات، وليس في صالح
الإسلام كذلك إعلان الحرب على السلطات من أجل قضية قد يدور
حولها خلاف أهل الحل والعقد. فهذا كله لا شك سوف يعود على
الدعوة بالآثار السيئة، فيضيق الخناق على الدعوة ورجالها.
ويخفت صوتها وتمحى آثارها كلما زادت أساليب الدعوة إلى العنف.
ثم العلمانيون لا يتوانون في استغلال مثل هذه الفرص.
فيتساءلون: هل هذا هو الإسلام الذي يريدون تطبيقه ؟ وبدلاً من
الطعن في أسلوب الدعوة البعيد عن المفهوم الصحيح للإسلام،
ينتهزون الفرصة فيطعنون عن قصد في الإسلام نفسه.
المبحث الثالث
أعداء الإسلام والدور الذي يلعبه المسجد
ولأجل أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي، نال من حرب أعداء
الإسلام وتخطيطهم نصيباً كبيراً وقد تمنوا لو تمكنوا من القضاء
على المساجد في المجتمعات الإسلامية، ولما حالت الصعوبات دون
ذلك فكروا في تعطيل دور المسجد عن رسالته ومهامه، فلم يعد
المسجد يؤدِّي دوره في طريق الإصلاح، ونفع الناس ..
وسوف يظل أعداء الإسلام يحاربون المسجد بمؤسساتهم المختلفة من
مسارح ونوادي وملاعب ودور سينما وكافة وسائل تسلية أو تلهية
للشباب، فبفضل هذه المؤسسات استطاعوا أن يجتذبوا إليهم عدداً
كبيراً من السذج الغافلين من المسلمين، فدسوا لهم السم في هذه
المؤسسات وشابوها بهذه الخدمات التي يقدمونها للفقراء وأهل
الحاجة.
وقد ظهرت النتيجة المؤلمة لحروبهم المستمرة على المسجد، ظهر
ذلك في إهمال المسجد من بين مرافق الدولة. إهمال مبناه. وإهمال
القائمين على العمل فيه، وإهمال خطبائه والدعاة فيه.. لذا ظل
خطباء المساجد حتى وقت قريب في أغلب البلدان الإسلامية يقومون
بهذا العمل الجليل دون أن يكون لهم أدنى خبرة أو علم بما
تتطلبه وظيفة خطيب المسجد. بل إن كثيرين منهم كانوا أميين لا
يقرءون ولا يكتبون.
ولا أبالغ حين أقول .. أو حين أنقل عمن يقول: إن هؤلاء الأعداء
من أصحاب الحضارة الغربية ومن يتعاونون معهم من المسلمين كانوا
يتعمدون إهمال المسجد والزراية بالعمل الذي يقوم به في المجتمع
عن طريق التشهير بمن أسموهم رجال الدين، برسم صور ساخرة لهم،
والتندر بأزيائهم، بل إن بعض هذا التندر والسخرية لا يزال
قائماً إلى يومنا هذا في المسرحيات والأفلام السينمائية التي
تقدم للناس في كثير من بلدان العالم الإسلامي ( )
ومن الصعب علينا الآن أن نقرر أيهما بدأ أولاً تدهور الدور
الذي يقوم به المسجد أم تدهور الدولة الإسلامية، وربما حدث
الاثنان معاً، فلم نعرف أيهما أسبق، وأيهما كان سبباً في
الآخر، ففي الوقت الذي أخذت فيه الدولة الإسلامية في التفكك،
أخذت الخطابة في التدهور، ولم يظهر تدهور الدولة إلا بهجمات
المغول والصليبيين، في الوقت الذي كانت فيه الخطابة في أشد
حالات التدهور.
وعندما أخذ المسلمون في الضعف الفكري قل الذين يجيدون صياغة
خطب الجمع، ومن ثم وجدت كتب أو دواوين للخطابة يستعملها خطباء
المساجد في القرى والأمصار، واشتهر منها ديوان ابن نباته الذي
ظل يحاكى بإخراج دواوين على نسقه في بعض البلاد إلى يومنا هذا.
وهكذا نجح أعداؤنا إلى الحد الذي زاد من ضعف المسلمين، وزاد من
تسلط عدوهم عليهم وجعلهم من الإسلام على الصورة التي نشاهدها
اليوم .
لقد أرادوا أن يصبح المسجد كالكنيسة عندهم والبيعة عند اليهود
لا تفتح أبوابهما إلا بميعاد ولا يرتادها الناس إلا في
المناسبات الدينية – كما يقولون – فنجحوا في مسعاهم ذاك
وأعنَّاهم بأنفسنا على أنفسنا ومساجدنا، فأصبحت المساجد تغلق
أبوابها في مختلف بلاد المسلمين أغلب النهار وكل الليل ما عدا
دقائق تؤدى فيها الصلوات.
وقد أراد أعداء الإسلام أن يحولوا بين الشباب المسلم وبين
المساجد فأعنّاهم بأنفسنا على أنفسنا ومساجدنا، ففرغنا المساجد
من كل ما يهم أو يجيب عن تساؤلات المرحلة التي يعيشون فيها،
فنجح أعداؤنا بمعونتنا في أن يصرفوا الشباب عن المسجد ليجروه
إلى الملهي أو السينما والمسرح وكل ما يدمر الشباب.
وأراد أعداؤنا أن يشوهوا الكلمة التي تسمع في المسجد، ويباعدوا
بينها وبين حياة الناس فأعنّاهم على ذلك بأنفسنا فلم نهتم
بإعداد الرجال الذين يشرفون على الكلمة المسموعة أو يسهمون في
إسماعها للشباب، فتولى العمل الجليل في المساجد من لا يصلحون
له في غالب الأحوال، فنجح أعداء الإسلام في مسعاهم وشاهت صورة
الكلمة التي تسمع في المسجد إلا في القليل النادر من
الأحوال.)( )
فإذا لم يؤد المسجد دوره لهؤلاء الشباب فماذا ننتظر منهم ؟
إنّ مساجد المسلمين اليوم، وفي بلدان كثيرة من بلاد المسلمين
تمر بأزمات شديدة تخرجها عن مهامها، وتحول بينها وبين تحقيق
أهدافها، ومن هذه الأزمات والعقبات نذكر ما يلي :
سيطرة الجهلة من الوعاظ على المساجد.
وهذا مرض قديم، ولكن الفرق بين الأمس واليوم أن أعداء الأمس ما
كان لهم قدرة التأثير في فكرنا وفي عقائدنا، ولكن اليوم اختلفت
الصورة وأصبح بإمكان الأعداء أن يحاربوننا فكرياً واقتصادياً،
بينما ينشغل بعض خطباء مساجدنا بالإسرائيليات والقصص الموضوعة،
ومن ثم تقتصر ثقافة المسلمين على أمور شكلية تجعلهم فريسة سهلة
بعد ذلك للوقوع في الأفكار المنحرفة.
إنّ كثيرين من هؤلاء يشكلون ضرراً للإسلام وإن لم يقصدوا ذلك،
خصوصاً إذا أصبحوا سبباً في صدّ الناس عن المساجد، وإبعادهم
عنها بسبب جهلهم، وعدم نفعهم للمسلمين بما يطرحـون من أفكار
فجّة، ومفاهيم بعـيدة عن ذوق الناس، وتطوّرات الحياة، خصوصاً
بالنسبة للشباب اليافع الذي يتطلّع إلى المفاهيم التي تملأ
نفسه بالرضا، والقناعة لا المفاهيم البائدة المشككة بجدارة
الإسلام الحنيف، وقدرته على مسايرة تطوّرات الحياة.
جعله قاصراً على الصلاة.
فقد أصبحنا نسمع في كل مكان من يقول أن وظيفة المسجد هي
الصلاة، وأما توعية المسلمين وإرشادهم إلى ما يحقق أمنهم
وسلامتهم فلم يعد كثيرون من المسلمين يحسبونه من وظائف المسجد.
وهكذا تقلص ظل المسجد عن المجتمع، وانعزل عن حياة الناس،
وفارقته معظم الوظائف التي كان يضطلع بها، فكانت النتيجة أن
فارقت روح المسجد كل تلك العلوم والمعارف التي كانت تدرس فيه..
خرج القضاء عن المسجد ففارقته روح المسجد.
وخرج العلم والتعليم عن المسجد ففارقته روح المسجد.
وخرج التشاور والتناصح بين المسلمين عن المسجد ففارقته روح
المسجد..
وخرج إعداد الجيوش المحاربة في سبيل الله عن المسجد ففارقته
روح المسجد.
وإذا فارقت روح المسجد عملاً من الأعمال فماذا بقي لهذا العمل
من أسباب النجاح والفلاح)؟ ( )
إن تخريب دور المساجد قد يأخذ وجوهاً كثيرة لكننا نعتقد أن
أكبرها هو تحول بعض شباب المسلمين إلى حملة للسلاح ضد بعضهم
البعض. وقد أدى هذا في السابق إلى ضعف قوة المسلمين وذهاب
ريحهم.
لقد بين المولى U أنه ليس هناك أظلم ممن عمل على تعطيل دور
المسجد ومنعه من القيام برسالته ودوره، واعتبر هذا المنع
تخريباً للمساجد، فالمساجد بدون دورها ورسالتها أماكن خربة
مهما كان حال بنيانها،
فما بالنا إذا كانت المساجد تتحول إلى أماكن لترصد المسلمين
وحمل السلاح في وجوههم وقتلهم في عمليات غاشمة لا تميز بين
صغير وكبير، ولا تفرق بين رجل وامرأة؟ لا شك أن هذا يضعف من
سمعة الدعوة إعلامياً، كما أنه ذريعة يتخذها بعض المتربصين
بالإسلام والمسلمين لتشويه الحضارة الإسلامية بصفة عامة.
إن التعبير عما يستحقه هؤلاء من العذاب بأنه خزيٌ في الدنيا
وعذاب عظيم في الآخرة، لهو دليل على عظيم جرمهم وفظاعة دورهم.
لكن ألسنا مقصرين في حق هؤلاء بإغلاق المساجد إلا في أوقات
الصلاة. ؟
على طريق النهوض بدور المسجد.
والسؤال الآن هو لماذا لم يحدث الخطباء الأثر الكافي في تغيير
المفاهيم الخاطئة عن الإسلام..؟ بل إن هناك أعرافاً خاطئة ترسخ
في أذهان هؤلاء الشباب يوماً بعد يوم ؟
إن هذا قد يرجع إلى أخطاء بعض الخطباء، فما زال بعضهم جامداً
على الأساليب العتيقة المنفرة للسامعين، مع سطحية في التفكير،
وجمود على طرائق مملة لم يعد يحتملها أهل هذا الجيل المتمرد
المتعجل.
ولا يعنى ذلك أننا ننكر صلاح الصالحين. أو نتجاهل جهود العلماء
العاملين، وإنما المقصود أن ينشأ جيل من دعاة الإسلام يسيرون
على مبادئ علمية ثابتة، لا هم لهم إلا نشر الدعوة الصحيحة
ابتغاء وجه الله تعالى.( )
ولا بد أن نعترف بأن مهمة هذا الجيل شاقة وعسيرة، لأنه
بالإضافة إلى العلوم والمعارف الإسلامية يطالب الخطيب بالوقوف
على أنواع الثقافات المتعددة، لأن مهمته الأساسية هي الوقوف في
وجه الثقافة الاستعمارية التي أصبحت تلون أفكار الناس وعاداتهم
بل وعقائدهم. فمنذ أن رحل الاستعمار ونحن نتصارع مع أشياعه
وأنصار ثقافته، الذين ينادون دائماً بالتحرر من القيم الدينية،
ومن القيود الأخلاقية. والتقدم في نظرهم لن يتحقق إلا إذا
فهمنا الإسلام هنا كما فهمت أوربا النصرانية هناك.
وفشل الخطيب في التصدي لهذه الأفكار يؤدي بالضرورة إلى ترسخ
أفكار الغلو والتطرف في نفس الشباب، والخطيب بإمكانه أن يتصدى
لمثل هذه الدعاوى لو أحسن إعداده، وعوامل نجاحه متوفرة، فهناك
الحوافز النفسية التي تحمله على القيام بهذا العمل متحملاً
كافة الصعاب، حتى ولو لم ينل تكريماً من مجتمعه، فقد كرمه رب
العزة
فالخَطَـابَة أشرف عمل يقوم به عامل في مجتمعه، والخَطَـابَة
الإسلامية هي أشرف أنواع الخَطَـابَة، لأن بها الدعوة إلى
الدين الصحيح، والطريق المستقيم.
فإذا أردنا الآن أن نحدث تطوراً فيها فلنهتم بالخطيب، والخطيب
في حاجة إلى أن يتعلم أمرين يتعلقان بالدعوة إلى الإسلام.
الأمر الأول : الإسلام نفسه بما فيه من مبادئ، بعيداً عن أفكار
الغلو والتقصير، ولكثرة الأفكار المعروضة حول مفهوم الإسلام في
هذا العصر أصبح المسلم في حيرة. ماذا يأخذ ؟ وماذا يدع ؟
فينبغي للخطيب أن لا يأخذ الإسلام إلا من مصادره الأصلية.
الأمر الثاني: أن يتعلم كيف يدعو إلى الإسلام. فلا يكفي الخطيب
أن نعلمه ما يقول، بل ينبغي أن نعلمه كيف يقول؟ ونمده بالمنهج
الذي يسير عليه، بل وندربه على السير على هذا المنهج حتى لا
تزل قدمه فينفر في وقت يحتاج إلى التبشير، ألم يقل رَسُول الله
e لمن أطال الصلاة بالضعفاء: إن منكم منفرين. من أم بالناس
فليخفف، فإن من ورائه الضعيف والكبير وذا الحاجة.
إن للفكر الإسلامي أهدافه التي يجب أن تؤدى إلى ضبط أخلاق
المجتمع وفق منهج واضح هو المسلك الإسلامي، فهل يا ترى هذا
المنهج واضح في ذهن كل خطيب؟
دعونا نعترف بالحقيقة.. ثم دعونا نقدم التصور المعقول لشخصية
الخطيب والمواصفات المطلوبة فيه لبناء المجتمع الإسلامي.
إنه ليس مطلوباً من الخطيب أن يعد خطبته كيفما تيسر له هو دون
اعتبار لمن يستمعون لهذه الخطبة. بل المفروض أن تأتى كل خطبة
من خطبه منتظمة وفق منهج واضح يهدف من خلاله إلى إقناع المجتمع
بحتمية المنهج الإلهي.
إن ما كان مقبولاً من صفات في خطيب الماضي لم يعد بالضرورة هو
المطلوب في الخطيب اليوم، ففي الماضي كان الخطيب يستبيح - بل
ويعتبر ذلك من دلائل نجاحه - الاستعانة بالإسرائيليات والآثار
الضعيفة السند وفي بعض الأحيان كان يصل به الأمر إلى استعمال
الموضوع في فضائل الأعمال وغيرها، والإسلام هو دعوة الحق، يجب
أن لا يشاب بباطل، وأن لا يُخلط به شيء من نسج الخيال، وهذا هو
أهم ما يميز دعوتنا عن غيرها من الدعوات التي تتخذ من القصص
المخترع والأفكار المدسوسة سنداً ودليلاً على صحتها.
إن الدعوة الإسلامية اليوم في حاجة ماسة إلى الخطيب الذي يحسن
عرض أفكاره بأسلوب شيق، وعبارة عذبة، يحبب الناس في الإسلام،
ويبسط لهم أفكاره ومبادئه، في حاجة إلى الداعية الذي يضع في
اعتباره الظروف والمنعطفات التي تمر بها الأمة الإسلامية، لقد
بدأ أعداؤنا يعملون على إضعاف قوتنا، وبدأ يظهر للعيان ثمرة
مكرهم، فترى العديد من الدعوات الهدامة التي تنشق عن دعوة
الإسلام الأصلية، جماعات عديدة تدعى أنها تمثل الإسلام الصحيح،
وهي في أصلها دعوات هدامة تشبه القديانية والبهائية، ولكن
بأسماء مختلفة، ومبادئ جديدة أو هي السبئية في ثياب عصرية.
فباسم الدفاع عن الإسلام تراق دماء المسلمين.
وباسم الدفاع عن الإسلام تنتهك حرمات المسلمين.
لقد خرج علينا جماعات دينية تتفاوت في أفكارها ولكنها تتوحد
حول هدف الإخلال بأمن المجتمع، فمن قال لهؤلاء : إن هذا هو
الإسلام؟
والواقع أن كل ما يمكن أن يقدمه الخطيب في حالة عدم وضوح هذا
المنهج وعدم رؤية الهدف لا يعدو أن يكون قسطاً من الثقافة
العامة، أو مجموعة توجيهات خلقية دون القدرة على صياغة المجتمع
المسلم الصياغة المنشودة، كما أن إدراك الخطيب لهدفه يوفر عليه
الجهد والوقت، ويجعل وعظه على بصيرة فلا يخبط خبط عشواء، دونما
تحسب للنتائج، وقد أمرنا الله تعالى أن نكون على وعى ونحن
نمارس الدعوة إليه
إن مفهوم الدعوة على بصيرة هنا يتنافى مع عفوية اختيار
الموضوع، وعدم الالتزام بخطة واضحة، وكل هذا يجعل الخطيب يدخل
في موضوعات جانـبية، ومشاكل جزئية، لا تتصل بالمفهوم العام
للإسلام كفكرة يجب إبراز معالمها وتوضيح أركانها، وأفضل ما
توصف به هذه الأمور الجانبية أنها للتسلية غير جديرة بغرس فكرة
واضحة، وتكرار مثل هذه الأمور إساءة إلى الدعوة، وليس بمفيد
للحياة، وبعيد عن حاجة الناس ومشاكلهم.
وهذا ينقلنا إلى الحديث عن مكتبة الخطيب، إذ من المفروض فيها
تبعاً لما سبق أن تكون متنوعة الموضوعات الإسلامية، حتى يستطيع
الخطيب أن يقدم للمجتمع ما هو في حاجة إليه، وليس ما تيسر
للخطيب أن يطلع عليه فيفرض على مجتمعه نمطاً جامداً من الفكر
والثقافة قد لا يتقبله المجتمع ولا يقبل على سماعه.
إن مكتبة الخطيب هي بكل صراحة المؤشر الحقيقي على قيمة ثقافته
وفكره. فإذا كانت تحتوى على الضحل من الفكر والثقافة فإن
الدعوة سوف تكون هي الخاسرة من جانبين:
الأول: إصابة المجتمع بالجمود وعدم النمو الفكري.. وبالتالي
يكون هناك قصور في فهم الإسلام، وتظل المفاهيم والأفكار
الخاطئة كما هي دون تغير، ثابتة في الواقع والفهم معاً.
الثاني: إعطاء فرصة لأعداء الإسلام لبث الأفكار والتعاليم
المخالفة لمبادئ الإسلام، والادعاء بأنها هي التعاليم الصحيحة
للإسلام. ونخشى أن تحل المؤلفات والمقالات التي تحمل صورة غير
دقيقة للإسلام، محل الكتب الأصلية، فيصبح كل ما لدينا عن
الإسلام لا يبعد كثيراً عما لدى أعدائنا عنه، خليط من أفكار
المستشرقين والمستنيرين من أبناء الشرق الذين يتميز تفكيرهم
بالبعد عن الأصالة وعن الروح الحقيقية للإسلام.
والخطيب بصفة خاصة ينبغي أن يتسع مفهوم التربية المتعلق به،
لأنه سوف يواجه المؤسسات الإعلامية والثقافية التي تسعى إلى
تسميم أفكار الشباب بما لديها من بضاعة مستوردة تهدف إلى
انحراف السلوك وضلال العقيدة، وعدم الالتزام بالقيم والضوابط
الأخلاقية
خاتمة
وهكذا نخلص إلى أن دور المسجد الأساسي هو خدمة المجتمع وذلك
بالحفاظ على أمنه وقيمه وأخلاقه، ولا ينبغي أن يكون هذا الدور
قاصراً على الصلاة، بل يجب أن يظل مع ذلك مدرسة لتربية المسلم
وتهذب أخلاقه.
وقد ترسخ لدينا عدد من الأفكار والتوصيات من خلال هذا البحث،
ونود أن نشير إلى بعضها:
أولاً: بالنسبة للجهات المختصة بالإشراف على المساجد ينبغي على
هذه الجهات أن تعمل على فتح أبواب المساجد ليلاً ونهاراً، وليس
في أوقات الصلاة فحسب، بل وتخصص موظفين يداومون الحضور لإفتاء
الناس وتعليمهم القرآن الكريم والفقه الإسلامي .
ثانياً: ينبغي على المسلمين أن يدفعوا بأبنائهم إلى المساجد
حتى يعتادوا على عمل الخير والتعاون على البر والتقوى، وأن لا
يتركوهم ليقعوا فريسة للأفكار المنحرفة.
ثالثاً: في سبيل الإعداد الجيد لخطباء المساجد ينبغي إنشاء
أكاديمية لهذا الغرض، تقبل خريجي الجامعات المتخصصين في
الدراسات الإسلامية، وتعتمد تدريس مناهج متقدمة في العلوم
الإسلامية وكيفية نقلها للآخرين.
ملحوظة مهمة جدا: تضمن البحث
ايات جليلة من كتاب الله، ولكن ولظروف فنية بحتة صعب اظهار
الايات حيث كانت تظهر كمربعات ولم نستطع الاستدلال علي تلك
الايات لكتابتها يدويا، ولذلك لم نجد بدا من حذفها صيانة لها
وتعظيما لشأنها، وان كان هذا سيحدث خللا بهذا البحث القيم ولكن
ما لا يدرك كله لا يترك جله، ولعل في فطنة القارئ الكريم ما
يغنى عن ذلك وبامكان من يريد الرجوع الى النسخة المكتوبة
لمعرفة اي خلل او قصور قد صاحب البحث نتيجة نشره هنا.