|
القسم الخامس
الدعوى الجنائية في جريمة التهريب الجمركي
التعرّف على الإجراءات الجنائية في جريمة التهريب الجمركي يقتضي دراسة
الدعوى الجنائية في هذه الجريمة إذ لها سمات خاصة إذ تخضع الدعوى
الجنائية في جريمة التهريب الجمركي لكافة الأحكام المقررة للدعوى
الجنائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية، فيما عدا أن قانون الجمارك
يوجب تقديم طلب لتحريك الدعوى الجنائية، كما يقرر التصالح والذي يرتب
وجوباً في حالة تحققه انقضاء الدعوى الجنائية ووقف جميع الآثار
المترتبة على الدعوى.
المبحث الأول
وجوب تقديم طلب لتحريك الدعوى الجنائية
نصت المادة 211 من قانون الجمارك رقم 20 لسنة 1998 وتعديلاته على ما
يلي: "لا يجوز تحريك الدعوى في جرائم التهريب إلا بناءً على طلب خطي من
المدير أو من يقوم مقامه عند غيابه" والحكمة التي دعت المشرع إلى إيراد
قيد يحد من حق النيابة العامة الجمركية في تحريك الدعوى الجنائية
تقديره أن هذه الجرائم ذات طبيعة خاصة لاتصالها بمصالح الدولة الجوهرية
حيث تتطلب الموازنة بين اعتبارات تحريك ورفع الدعوى من عدمه تكون فيها
دائرة الجمارك ممثلة بمديرها العام أقدر على إجراء تلك الموازنة ومن ثم
ترك لها تقدير ذلك معلقاً أمر تحريك الدعوى ورفعها على طلب كتابي يصدر
عن مدير عام الجمارك.
وقد استقر الاجتهاد القضائي الجمركي في العديد من القرارات على أنه لا
يجوز تحريك الدعوى العامة في جرائم التهريب الجمركي إلا بناءً على طلب
خطي من مدير عام الجمارك، ويعتبر هذا الأمر من مسائل النظام العام ومن
الأمور الأولية التي ينبغي التحقق منها لصحة الملاحقة والسير بإجراءات
الدعوى وإن عدم إبراز مثل هذا الطلب ينطوي على قصور في الإجراءات.
1-
تعريف
الطلب والحكمة منه
الطلب هو
إجراء يصدر من الإدارة الجمركية معبراً عن إرادتها في تحريك الدعوى
الجنائية ضد المتهم عن جريمة التهريب الجمركي وقد وصفته محكمة النقض
المصرية بأنه عمل إداري "Acte Administratif"
لا يعتمد على إرادة فرد بقدر ما يعتمد على مبادئ موضوعة في الدولة.
والهدف من هذا القيد هو تحقيق المصلحة العامة فجريمة التهريب الجمركي
تحمي مصلحة جمركية مالية كانت أو اقتصادية ونحو ذلك ومن ثم فقد كان من
الطبيعي ترك ملاءمة اتخاذ الإجراءات الجنائية أو عدم اتخاذها إلى تقدير
دائرة الجمارك بوصفها الجهة الوحيدة التي تستطيع تنفيذ السياسة
الجمركية التي تنتهجها الدولة، وبالتالي حماية المصالح الجمركية التي
تستهدف تلك السياسة.
2-
صلاحية
الطلب لرفع الدعوى في جريمة التهريب الجمركي
تشترط في الطلب شروط معينة لكي يحدث أثره في إطلاق حرية النيابة في
تحريك الدعوى الجنائية وهي ستة شروط على النحو التالي:
1.
أن يكون الطلب مكتوباً ويشترط القانون في الطلب أن يكون مكتوباً
والحكمة من ذلك أن يكون موقعاً من صاحب السلطة في إصداره.
ويرى الدكتور أحمد فتحي سرور أنه لا يكفي مجرد
إرسال خطاب يفيد أن الطلب قد أرسل ممن يملكه ما لم يكن المحرر المثبت
لهذا موجوداً بالفعل وموقعاً عليه ممن أصده، وعلى ذلك لا تكفي الإشارة
التليفونية ما لم تعتمد على أصل مكتوب يحمل توقيع المختص بإصدار الطلب().
يتضح مما تقدم عدم جواز الطلب الشفوي بل يتعين أن يكون مكتوباً، فلا
يصح أن يكون شفوياً.
بينما يرى البعض خلافاً لرأي غالبية الفقهاء أنه
يجوز في الطلب أن يكون شفوياً ويكفي حينئذ أن يكتب في صدر المحضر أنه
قد فتح بناءً على طلب الجهة التي يشترط المشرع تقديمها للطلب لأن هذا
القيد إنما وضع لحكمة خاصة هي جعل تقدير أهمية الجريمة لتلك الجهة ومتى
ثبت من أي طريق كان أنها طلبت السير في الإجراءات الجنائية فإنه لا
معنى أن تتعطل الدعوى بحجة أن الطلب لم يكن كتابياً().
إلا أن الباحث يتفق مع غالبية الفقهاء حيث نصت المادة 211 من قانون
الجمارك الأردني النافذ صراحة على أنه لا يجوز رفع الدعوى العمومية أو
اتخاذ أية إجراءات في جريمة التهريب إلا بطلب خطي ولا اجتهاد في مورد
النص.
2.
الطلب يجب أن يكون مؤرخاً وأن يتضمن بياناً كافياً عن الواقعة التي
تقوم بها الجريمة.
والدفع بخلو الطلب من تاريخ صدوره هو من الدفوع
التي يختلط فيها القانون بالواقع مما يستلزم تحقيقاً موضوعياً، ومن ثم
لا تجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض().
3.
يجب أن يكون الطلب قد بوشر بمعرفة الشخص الذي حدده القانون لهذا الغرض،
وأي مباشرة للطلب من غير هذا الشخص أو من ينيبه عندما يسمح القانون
بذلك لا يترتب عليها أي أثر قانوني. فعندما يصدر ممن يملكه قانوناً حق
للنيابة العامة اتخاذ إجراءاته، ويجب أن يتضمن الطلب توقيع الموظف
المختص وذلك لأن التوقيع إجراء جوهري لازم لإثبات صدور الطلب عنه
ولإضفاء الصفة الرسمية على الطلب كون الورقة غير الموقعة من الموظف
المختص تفقد صفتها كورقة رسمية وتقع باطلة. ويجب أن يذكر بالطلب تاريخ
تحريره لبيان أي إجراءات من إجراءات التحقيق التي قد تكون اتخذت في وقت
لاحق على تقديم الطلب.
وكما أشرنا يشترط لصحة الطلب أن يقدم من الشخص الذي منحه القانون هذا
الحق، وهو في قانون الجمارك الأردني "مدير عام دائرة الجمارك أو من
ينيبه" طبقاً لأحكام المادة 211 وهو كذلك مدير عام الجمارك أو من ينيبه
طبقاً لأحكام المادة 124 من قانون الجمارك المصري، وطبقاً للمادة 124
مكرراً هو وزير المالية أو من ينيبه.
ويقول الدكتور محمد فؤاد مهنا أن عبارة "أو من
ينيبه" التي وردت في قانون الجمارك لا تعدو أن تكون مجرد تفويض في
الاختصاص مؤداه أن يعهد صاحب الاختصاص إلى غيره ببعض الاختصاصات
يمارسها عنه().
وقد استقر الاجتهاد القضائي بأنه يجوز لمدير عام
الجمارك تفويض غيره في تقديم الطلب ويتعين على الحكم أن يبين قيام هذا
التفويض حيث أن الحكمة من ذلك تكمن في تمكين المحكمة المختصة من التأكد
من صفة مقدم الطلب والتفويض الصادر إليه ولذلك يتعين على الحكم أن يبين
تلك الصفة لأنه من البيانات الجوهرية التي يجب أن يتضمنها الحكم
لاتصاله بسلامة تحريك الدعوى الجنائية، ومن ثم يترتب على إغفالة بطلان
الحكم حيث أن ثبوت صدور هذا الطلب في الأوراق لا يغني عن النص عليه في
الحكم().
ويرى الدكتور أحمد فتحي سرور أن تقديم الطلب ممن
أناط بهم القانون مهمة تقديمه يقوم مقامه تقديم الطلب ممن سمح القانون
بإنابته في تقديمه. ويكفي بذلك الإنابة العامة ولا تشترط الإنابة
بمناسبة كل جريمة. وإذا صدر الطلب من شخص غير مختص باصدراه وقع باطلاً().
ويقول الدكتور مصطفى أبو زيد فهمي أنه لا يجوز
لمن فوض في تقديم الطلب أن يفوض غيره بل يجب أن يباشر هذا الحق بنفسه
لأن تفويض الاختصاصات المفوضة غير جائز().
4.
يجب أن يكون الطلب معبراً بوضوح عن إرادة الجهة في تحريك ورفع الدعوى
الجنائية وإلا فقد قيمته القانونية فمثلاً إذا انصبت الارادة على
التحقيق فقط دون رفع الدعوى، فإن هذا التحديد يفقد الطلب قيمته
القانونية وعليه فإن الطلب يجب أن يكون: أ- صريحاً في رفع الدعوى
الجنائية عن جريمة التهريب الجمركي. ب- باتاً فلا يصح تعليقه على شرط
وإلا يكون باطلاً حتى لو تحقق الشرط فيما بعد.
5.
يجب أن يكون الطلب متضمناً الاتهام بوقائع معينة، ولا يلزم أن تكون
الوقائع موصوفة بالوصف القانوني الصحيح، فالعبرة بالوصف للنيابة العامة
تحت رقابة المحكمة الجمركية، ومن ثم يكفي أن تكون الوقائع الواردة
بالطلب حاملة بين طياتها عناصر جريمة جمركية يستلزم فيها المشرع طلباً
لتحريك الدعوى فيها.
6.
يلزم أن يكون المتهم محدداً تحديداً نافياً
للجهالة في طلب تحريك الدعوى، وقد حدث خلاف بين الفقهاء في هذا الشرط:
فمثلاً يرى البعض أنه لا يلزم تحديد اسم المتهم أو شخصيته في الطلب()
ويرى البعض الآخر أنه إن لم يعين المتهم في الدعوى واكتفى بمجرد
الواقعة كان ذلك مجرد بلاغ وليس طلباً().
3-
الطلب في
حالة تعدد المتهمين
وهنا يثور التساؤل التالي: في حالة تعدد
المتهمين في جريمة التهريب الجمركي. فهل تقديم الطلب ضد واحد منهم يجعل
النيابة العامة الجمركية في حل من مباشرة الدعوى في مواجهة الآخرين؟
وللإجابة على هذا السؤال ثار خلاف بين الفقهاء حول هذا الموضوع فالبعض
يرى ضرورة تقديم طلب مستقل بالنسبة لكل واحد من المتهمين()
والبعض الآخر يرى عكس ذلك بأن تقديم طلب ضد أحد المتهمين يجيز للنيابة
العامة تحريك الدعوى العمومية ضد الباقين، وحجتهم في ذلك أن حكمة
التشريع في التسوية بين المتهمين في جريمة التهريب أنه لا اعتبار لشخص
المتهم وإنما العبرة بطبيعة المصلحة محل الاعتداء.
4-
التنازل عن
الطلب
التنازل عن الطلب "عبارة عن إسقاط الحق بإرادة صاحبه وحدها دون توقف
على إرادة المتهم".
وقد أجازت المادة 214 من قانون الجمارك الأردني النافذ إسقاط الدعوى
عند إجراء المصالحة عليها وهذا يعني أن لمقدم الطلب أن يتنازل عنه في
أي وقت إلى أن يصدر في الدعوى حكماً بدائياً وليس حكماً نهائياً كما هو
الحال بقانون الجمارك المصري هو الحكم البات الذي استنفذ كافة طرق
الطعن العادية بما في ذلك الطعن بالنقض "التمييز".
إن واقع الحال يشير إلى أن التصالح قبل صدور حكم بدائي وحده الذي يمكن
النظر إليه أنه تنازل (بعوض) عن الطلب. أما بعد الحكم البدائي فلا
يتصور اعتباره كذلك وقد انقضت الدعوى العمومية بالفصل فيها أمام محكمة
الجمارك البدائية، ولم يعد هنالك محل للتنازل عن الطلب الذي استنفذ
غرضه بصدور الحكم البدائي.
وعلى كل الأحوال فإنه كما يخضع تقديم الطلب لتقدير مصلحة دائرة الجمارك
وفقاً لما تقتضيه المصلحة العامة فإن التنازل عن الطلب هو الآخر متروك
لتقديرها وفقاً لظروف كل دعوى. ويتعين في التنازل عن الطلب كما هو
الحال في تقديمه أن يكون مكتوباً ومع ذلك فإن الباحث يرى جواز التنازل
عن الطلب شفاهة – صراحة أو ضمناً لأن القانون لم يشترط الكتابة للتنازل
عن الطلب.
5-
أثر عدم
تقديم الطلب.
إذا قامت النيابة العامة الجمركية برفع الدعوى الجنائية قبل صدور الطلب
بذلك من قبل مدير عام الجمارك أو من ينيبه فيكون إجراء النيابة باطلاً
بطلاناً مطلقاً كونه كما أسلفنا متعلق بالنظام العام ولاتصاله بشرط
أصيل يجب اتخاذه ولا يصححه طلب لاحق وعلى محكمة الموضوع أن تقضي به من
تلقاء نفسها، ويكون حكم المحكمة في هذه الحالة بعدم قبول الدعوى لرفعها
على غير الأوضاع المقررة في القانون حيث يمتنع عليها التعرض لموضوعها.
وذات الحكم يترتب إذا صدر الطلب ممن لم يسبغ القانون عليه صفة في
تقديمه، أي انتفت صفة مصدر الطلب، إذ لا يرتب القانون على مثل هذا
الطلب أي أثر.
ميعاد تقديم الطلب
يبقى حق مدير عام الجمارك أو من ينيبه في تقديم الطلب قائماً حتى تسقط
الدعوى الجنائية بمضي المدة حيث نصت المادة 247/أ على ما يلي "تسقط
دعوى الحق العام في الجرائم والمخالفات المنصوص عليها في هذا القانون
بمضي ثلاث سنوات من تاريخ وقوع الفعل إذا لم تجر ملاحقة بشأنها.
المبحث الثاني
التصالح في جريمة التهريب الجمركي
الأصل في الدعوى العمومية أنها تنقضي وفقاً للقواعد العامة المقررة في
قانون أصول المحاكمات المدنية، وذلك بأحد الأسباب العامة التي نص عليها
وهي الوفاة ومضي المدة (التقادم) والعفو عن الجريمة وليس من بينها
لتصالح، وذلك لتعلقها بالنظام العام. ولكن على العكس من ذلك فقد أجاز
القانون الجمركي انقضاء الدعوى العمومية في جريمة التهريب الجمركي
بالتصالح إذ تنص المادة 212 من قانون الجمارك الأردني رقم 20 لسنة 1998
على ما يلي "للوزير أو من يفوضه عقد التسوية الصلحية في جرائم التهريب
أو ما في حكمه سواء قبل إقامة الدعوى أو خلال النظر فيها وقبل صدور
الحكم البدائي وذلك مع جميع المسؤولين عن التهريب أو بعضهم عن كامل
الجرم وضمن الشروط الواردة في عقد المصالحة" وتنص المادة 214 من قانون
الجمارك على أن الدعوى الجنائية تسقط عند إجراء المصالحة عليها.
ويعد التصالح بمثابة نزول من الهيئة الاجتماعية عن حقها في الدعوى
الجنائية مقابل الجعل الذي قام عليه الصلح.
والتصالح في كل الأحوال ليس حقاً للمتهم بل هو أمر جوازي متروك تقديره
لمدير عام الجمارك.
وقد عرّف البعض التصالح بأنه "إجراء يؤديه
المتهم في الدعوى الجنائية بدفع مبلغ معين إلى خزانة الدولة كي يتمكن
من عدم رفع الدعوى ضده"().
إلا أن الصلح مع المتهم مقابل التنازل عن سلطة العقاب نظام يدعو إلى
الشك في سلامته، ذلك أن مظهره يومي أن المتهم يستطيع أن يدفع مقابلاً
لوقوفه موقف الاتهام. فهذا النظام لا يحقق المساواة بين الناس، إذ
يستطيع الأثرياء دفع ثمن حريتهم ولا يكون للفقراء من وسيلة من تجنب ألم
العقوبة. وهو لا يكفل احترام الناس للقوانين الاقتصادية، فإن الردع
الخاص يقتضي أن يقف المتهم علناً في موقف الاتهام وأن يصدر ضده حكم في
صحيفة السوابق، والردع العام لا يتحقق إذا انقضت الدعوى باتفاق يتم
بعيداً عن بصر الجمهور وسمعته وللجمهور كل العذر إذن إذا تكون لديه
عقيدة بأن الجرائم الاقتصادية التي تنتهي على هذا الوجه ليست من
الجرائم الخطيرة التي يجدر تجنبها.
أولاً :
شروط التصالح الجمركي
إن عقد المصالحة هو :عقد يحسم به الفريقان النزاع القائم بينهما أو
يمنعان حصوله بالتساهل المتبادل وقد نصت المادة 647 من القانون المدني
الأردني لسنة 1976 على أن الصلح عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة بين
المتصالحين بالتراضي.
ولكي يقوم التصالح الجمركي صحيحاً منتجاً لإثارة بين الإدارة الجمركية
والمتهم، فإنه ينبغي أن يتوفر فيه شرطان: أحدهما: اتفاق طرفي التصالح
"الجمارك والمتهم". وثانيهما: سداد مبلغ التصالح الذي حدده القانون.
1-
اتفاق طرفي التصالح
يشترط لقيام التصالح قيام رضاء متبادل بين المتهم والإدارة الجمركية،
إذ يتعين أن يتفق الطرفان وقد استقر الاجتهاد القضائي المصري أنه لا
يكفي أن تكون الطاعنة أبدت الرغبة في التصالح مع مصلحة الجمارك أثناء
التحقيق وطوال فترة المحاكمة فلا بد من تمامه وقد استقر الاجتهاد
القضائي الأردني على أنه لا يعتبر طلب المصالحة الذي لم يستوفي
البيانات الأساسية ولم يتم اعتماده من قبل دائرة الجمارك ملزماً
للمستأنف وجاء في قرار آخر أنه يستبعد طلب المصالحة إذا لم يوقعه
المستأنف عليه مختاراً وما لم يتم قبول المصالحة من دائرة الجمارك.
وهو بذلك ليس حقاً لأي منهما فلا تملك الإدارة أن تفرضه على المتهم
بقرار منها، كما أنها غير ملتزمة بقبوله إذا طلبه المتهم ولها قبوله أو
رفضه وفقاً لما تقتضيه مصلحة كل منهما.
ويرى بعض الفقهاء أنه يجب أن يكون الشخص الذي
يباشر الصلح نيابة عن الإدارة الجمركية موظفاً يشغل وظيفة عامة بطريقة
مشروعة ويباشر في ذلك سلطة فعلية خولها له القانون أو فوض في مباشرتها
من سلطة ذات اختصاص، ويترتب على ذلك أن العمل الذي يقوم به شخص لم يعين
في الوظيفة أو تجاوز سلطته لا يترتب عليه أي آثار ملزمة للإدارة().
ونظراً لأهمية الصلح وما يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية ووقف تنفيذ
العقوبة فإن المشرع يسند الاختصاص في مباشرته لشخص معين بمقتضى
القوانين واللوائح التي منحته هذا الحق وقد منح قانون الجمارك الأردني
هذا الحق لوزير المالية أو من يفوضه. وفي جميع الأحوال فإنه يتعين
اتفاق كل من المتهم والإدارة الجمركية على إجراء التصالح وقد استقر
الاجتهاد القضائي المصري على أن مجرد عرض الصلح دون أن يصادف ذلك
قبولاً من مدير عام الجمارك لا يرتب الأثر الذي قدره القانون.
2-
أداء مقابل التصالح
يتعين لإتمام التصالح الجمركي أن يقوم المتهم بأداء المبلغ الذي تم
التصالح عليه بينه وبين الإدارة الجمركية. فقد حددت المادة 213 من
قانون الجمارك الأردني النافذ مبلغ التعويض حيث نصت على أنه للوزير أو
من يفوضه عند عقد التسوية الصلحية الاستعاضة عن الجزاءات والغرامات
الجمركية المنصوص عليها في المادة 206 من هذا القانون بما يلي:
1.
غرامة جمركية لا تقل عن 50% من الحد الأدنى للتعويض المدني.
2.
مصادرة البضائع الممنوعة المعينة والبضائع الممنوع استيرادها أو
تصديرها.
3.
يجوز أن يتضمن عقد التسوية الصلحية إعادة البضاعة المحجوزة واستيفاء
الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى المتوجبة عن البضائع المسموح
استيرادها أو تصديرها أو البضائع المحصور استيرادها شريطة موافقة جهة
الحصر.
4.
يجوز أن يتضمن عقد التسوية الصلحية إعادة وسائط النقل والمواد التي
استخدمت في التهريب لقاء غرامة لا تقل عن 20% من قيمة البضاعة المهربة
ولا تزيد على 50% من قيمة واسطة النقل.
ثانياً
: نتائج عقد التسوية
1-
انقضاء الدعوى العمومية إذا كان لم يحكم فيها بعد وتقوم دائرة الجمارك
ممثلة بمديرها العام أو من يفوضه بإخطار النيابة العامة الجمركية
لإيقاف السير في الدعوى الجنائية.
2-
رد المضبوطات إلى صاحبها بعد دفع الرسوم والتعويض المستحقين عنها ولكن
يجب أن نلاحظ أن رد المضبوطات أمر جوازي وليس وجوبياً فيشترط ألا تكون
من السلع الممنوعة، فليس كل السلع مما يجوز رده، كما يجوز رد وسائط
النقل وأدوات التهريب.
3-
رغم انتهاء القضية بالصلح فإن الواقعة تقيد سابقة جمركية ضد المتهم.
ثالثاً
: مزايا نظام التصالح وعيوبه
من مزايا نظام التصالح تقليل المنازعات الضريبية وتفادي التقاضي
ومشاكله والحصول على حقوق الخزانة العامة بالطرق الودية ولكن يعاب على
هذا النظام أنه يشجع على عدم احترام القوانين الضريبية ويؤدي إلى
مخالفتها طالما أن هناك مجال للصلح. كما أنه يتعارض مع مبدأ المساواة
أمام القانون لأن المهرب الغني يستطيع دفع ثمن الصلح أي التعويض بينما
يعجز على ذلك المهرب الفقير الذي قد تدفعه الحاجة إلى التهريب لا الجشع
أو الطمع.
رابعاً :
ميعاد التصالح الجمركي
الأصل أن الاتفاق على التصالح جائز في أي وقت،
فلا يلزم لذلك وقت معين سواء قبل رفع الدعوى أو أثناء نظرها أو حتى بعد
صدور الحكم فيها()
إلا أن التشريعات الجمركية اختلفت في الميعاد الذي يجوز الصلح فيه فبعض
التشريعات الجمركية تشترط أن يكون الصلح قبل الحكم النهائي في الدعوى
الجنائية مثل تشريع الجمارك السوري في المادة 204 التي تنص على "أنه
يجوز الصلح قبل الدعوى أو خلال النظر فيها أو بعد صدور الحكم البدائي
وقبل اكتساب الحكم الدرجة القطعية".
وبعض التشريعات الجمركية تجيز التصالح في أي وقت قبل وبعد الحكم في
الدعوى الجنائية فلا يتقيد الطرفين بمواعيد معينة للصلح إذ تجيز هذه
التشريعات الصلح بعد ارتكاب الجريمة وحتى بعد الحكم النهائي في الدعوى
الجنائية.
وبعض التشريعات الجمركية تنص على جواز الصلح قبل إحالة الدعوى الجنائية
إلى المحكمة أو قبل بدء المحاكمة ولكن المشرع الأردني في المادة 212 من
قانون الجمارك الأردني رقم 20 لسنة 1998 وتعديلاته أجاز الصلح قبل صدور
الحكم البدائي وعند وجود أسباب مبررة.
خامساً :
العود والصلح الجمركي
يرى بعض الفقهاء بجواز الصلح في الجرائم
الاقتصادية مع حرمان مرتكب هذه الجرائم من الانتفاع بنظام الصلح إذا
كان قد أدين بجرائم اقتصادية سابقة().
بينما يرى البعض الآخر منهم جواز التصالح في حالة العود وذلك لزيادة
الموارد المالية للدولة()
والقانون الجمركي الأردني لم يمنع التصالح في حالة العود.
ويرى بعض الفقهاء أن زيادة الموارد المالية للدولة تكون أكبر في حالة
عدم ارتكاب الجرائم التي تضر بالمصالح الاقتصادية للدولة، ولا ينبغي أن
تكون زيادة الموارد المالية للدولة نتيجة ارتكاب جرائم تهريب إذ أن هذه
الجرائم تؤثر على النظام الاقتصادي للدولة.
ويتفق الباحث مع جمهور الفقهاء الذين يرون أنه طالما أن المتهم مصر على
الإضرار بمصالح الدولة الاقتصادية بالعود لارتكاب الجريمة يجب أن لا
يستفيد من نظام الصلح ويجب أن ترفع ضده الدعوى الجنائية حتى تكون
رادعاً له ولتحقيق ذلك يجب تعديل المادة 212 من قانون الجمارك بحيث تنص
على عدم جواز التصالح في حالة العود.
المبحث الثالث
النيابة العامة المختصة
أ-
مقدمة عامة
لقد عبر المؤتمر الدولي التاسع لقانون العقوبات المنعقد في لاهاي عام
1964 عن دور النيابة العامة فقرر بأن "الوظيفة التي تقوم بها النيابة
العامة تنطوي على مسؤولية اجتماعية كبيرة، وهي حماية النظام الاجتماعي
والقانوني الذي أخل به بارتكاب الواقعة الإجرامية ويجب عليها أن تباشر
واجبها في موضوعية وحيادية مع مراعاة حماية حقوق الإنسان".
كما يجب عليها أثناء ممارسة وظائفها أن تستهدف إعادة تهذيب المجرم وعبر
البعض عن وظيفة النيابة العامة بأنها أداة للسياسة القانونية في أفضل
معانيها وأبلغ صور التعبير عنها، وذلك بوصفها جهاز يهدف إلى تحقيق غاية
معينة هي خدمة السياسة القانونية في كل مناسبة معينة بل عن طريق مباشرة
الدعوى الجنائية وفقاً لخطة معينة تهدف إلى تحقيق الصالح العام. فإذا
كان دور المحكمة ينتهي بمجرد تطبيق القانون، فإن دور النيابة العامة لا
يقتصر على ذلك وإنما عليها مهمة أكثر بعداً وهي مكافحة الجريمة
واستقرار النظام.
وكنتيجة لذلك، فقد ذهب هذا الرأي إلى أن النيابة
العامة جهاز استراتيجي لـه سياسة قضائية عليا وليس مجرد إدارة تكنيكية
ذات مصالح سياسية ثانوية أو غير ثانوية في هذا المعنى يقول الأستاذ
جرافن "إن النيابة العامة هي حارس المصالح العامة والضامن للتطبيق
الصحيح للقوانين، ويجب عليها أن تبحث لا عن تحقيق الإدانة، وإنما عن
الوصول إلى الحقيقة وحسن إدارة العدالة()
وإن النيابة العامة لا تعرف كسب الدعوى الجنائية أو خسارتها وإنما تعرف
واجبها، فهي ليست أداة للاتهام. على أنه يلاحظ أن قيام النيابة العامة
بوظيفتها كطرف في الدعوى الجنائية يتم من خلال دورها كخصم إجرائي في
هذه الدعوى، ويترتب على إصباغ هذه الصفة عليها ضرورة العمل على تحقيق
قدر من الموازنة بين سلطات النيابة العامة في الاتهام من جهة وبين حقوق
المتهم من جهة أخرى()
ومع ذلك فقد ذهب اتجاه في الفقه الفرنسي إلى اعتبار النيابة العامة
خصماً موضوعياً عند تحريك الدعوى الجنائية قولاً بأن أعضاء النيابة
العامة يباشرون عملهم بوصفهم موظفين يخضعون لرغبات الحكومة وليس بنـاءً
علـى اعتبارات القانون دفاعاً عن المجتمع وهو اتجاه منتقد.
ب-
النيابة
العامة الجمركية
1-
تشكيل النيابة الجمركية في ظل قانون الجمارك رقم (16) لسنة 1983
ورد النص عليها بالمادة (256) حيث نجد بأنها تشكل من مدعي عام أو أكثر
يعينه الوزير من موظفي الدائرة الحقوقيين ولم يشترط أي شرط آخر سوى أن
يكون حاملاً لشهادة الحقوق وأن يكون موظف بدائرة الجمارك.
2-
تشكيل النيابة الجمركية في ظل قانون الجمارك الأردني رقم (20) لسنة
1998
و رد النص عليها بالمادة (227) حيث اشترط قانون الجمارك رقم (20) لسنة
1998 ثلاثة شروط لتعيين المدعي العام وهي:
1.
أن يكون من موظفي دائرة الجمارك.
2.
أن يكون حقوقياً.
3.
أن يكون له خدمة في دائرة الجمارك لمدة خمسة سنوات.
ويرى الباحث ضرورة الاستغناء عن هذه النصوص واستبدالها بالشرطين
التاليين:
1- أن يكون مجاز في مهنة المحاماة. 2- أن تنطبق عليه جميع الشروط
المنصوص عليها في المادة العاشرة من قانون استقلال القضاء الأردني
النافذ.
وظائف
المدعي العام الجمركي
ورد النص على وظائف المدعي العام في المادة (256) من قانون الجمارك
الأردني رقم (16) لسنة 1983 والمادة (217) من قانون رقم (20) لسنة 1998
وهذه الوظائف على النحو التالي:
1)
التحقيق
حيث يتولى المدعون العامون – أعضاء النيابة العامة الجمركية – التحقيق
في جرائم التهريب والمخالفات الجمركية بكافة صورها وأشكالها (والتي
تحال إليهم بناءً على تنسيب من عطوفة مدير عام الجمارك للتحقيق
بالموضوع) وإعداد التنسيبات اللازمة بنهاية التحقيق لتقوم الجهات
الإدارة بدائرة الجمارك بتنفيذها كل مديرية حسب اختصاصها.
2)
المرافعة أمام المحاكم واستئناف وتمييز الأحكام والقرارات الصادرة عن
محكمتي بداية الجمارك واستئناف الجمارك.
أ-
حيث يتولى المدعون العامون حضور جلسات محكمة الجمارك البدائية في
الدعاوى الحقوقية والجزائية وتقديم البيانات ومناقشة الشهود وإعداد
المرافعات الخطية وتنظيم لوائح الاتهام وقرارات الظن بحق المتهمين
بجرائم التهريب وإعداد اللوائح الجوابية على لوائح الدعاوى الحقوقية
المرفوعة ضد الخزينة بالإضافة إلى جلب البينات واستكمال النواقص في
ببينات أية قضية تحول إلى النيابة العامة الجمركية.
ب-
كذلك يتولى المدعون العامون إعداد اللوائح الاستئنافية للأحكام
والقرارات الحقوقية والجزائية الصادرة عن محكمة الجمـارك البدائيـة في
غير مصلحة الخزينة وإعداد اللوائح الجوابية على لوائح الاستئناف
للأحكام والقرارات الصادرة لصالح الخزينة وحضور جلسات محكمة استئناف
الجمارك في كافة القضايا التي تنظرها مرافعة.
ج-
كذلك يتولى المدعون العامون إعداد اللوائح التمييزية للأحكام والقرارات
الحقوقية والجزائية الصادرة عن محكمة استئناف الجمارك في غير مصلحة
الخزينة وإعداد اللوائح الجوابية على لوائح التمييز للأحكام والقرارات
الصـادرة لصالح الخزينة.
3)
ويطبق مدعي عام الجمارك في كافة الإجراءات التي يقوم بها الأصول
الجزائية والحقوقية المنصوص عليها في قانون الجمارك، كما يطبق الأصول
الجزائية الحقوقية المنصوص عليها في قانون المحاكمات الجزائية والمدنية
فيما لم يرد عليه نص خاص في قانون الجمارك المادة (229) من القانون رقم
(27) لسنة 2000 قانون معدل لقانون الجمارك رقم (20) لسنة 1998 حيث أن
هذا النص لم يكن موجوداً في قانون الجمارك رقم (16) لسنة 1983 في قانون
الجمارك رقم (20) لسنة 1998.
4)
التحقيق في المخالفات التي يرتكبها موظفو الجمارك أثناء قيامهم
بأعمالهم:
وفي كثير من الأحيان يسند إلى مدعي عام الجمارك مهمة التحقيق في
المخالفات التي يرتكبها موظفو الجمارك أثناء قيامهم بأعمالهم.
5)
اعتباراً من تاريخ 1/5/2000 وحيث أصبحت دائرة الضريبة العامة على
المبيعات دائرة مستقلة عن دائرة الجمارك وذلك بموجب القانون رقم (18)
لسنة 2000 حيث تم تفويض كافة المدعين العامين المترافعين بمحكمة
الجمارك لمتابعة حضور جلسات المحاكمة وكتابة القضايا الحقوقية
والجزائية لقضايا الضريبة العامة على المبيعات.
هذا فقد نصت المادة 227/ب من قانون الجمارك على ما يلي:
"بالرغم مما ورد في أي قانون آخر، تعتبر خدمة كل من أشغل عضو محكمة
جمركية أو مدعي عام لدى النيابة العامة الجمركية لمدة سنتين متتاليتين
قبل أو بعد نفاذ أحكام هذا القانون خدمة قضائية كاملة لغايات قانون
نقابة المحامين النظاميين وقانون استقلال القضاء".
المبحث
الرابع
المحكمة المختصة بنظر الجرائم الجمركية
تشكل لهذه الغاية محكمة خاصة تسمى "محكمة
الجمارك البدائية" وقد نصت المادة 223 من قانون الجمارك النافذ على ما
يلي: بالرغم مما ورد في أي قانون آخر تتولى محكمة الجمارك البدائية
الاختصاصات التالية():
أ-
النظر في جميع جرائم التهريب وما يدخل في حكمه وفقاً لأحكام هذا
القانون.
ب-
النظر في جميع الجرائم والمخالفات التي ترتكب خلافاً لأحكام هذا
القانون وقوانين وأنظمة المكوس والإنتاج المحلي والاستيراد والتصدير
وقانون تشجيع الاستثمار وقانون الضريبة العامة على المبيعات والأنظمة
والتعليمات الصادرة بموجبها.
ج-
النظر في الخلافات الناجمة عن تطبيق الاتفاقيات التجارية الدولية التي
ترتبط بها المملكة وفي أي خلاف يقع مهما كان نوعه يتعلق بتطبيق
القوانين والأنظمة المذكورة في الفقرة (ب) من هذه المادة.
د-
النظر في الاعتراضات على قرارات التحصيل عملاً بأحكام المادة (208) من
هذا القانون.
هـ-
النظر في الطعون المقدمة على قرارات التغريم وفقاً لأحكام المادة (210)
من هذا القانون.
و-
التوقيف والتخلية في هذه الجرائم والمخالفات حسب القواعد المنصوص عليها
في قانون أصول المحاكمات الجزائية وفي الحالات التي لم تكن القضية قد
وردت إلى المحكمة بعد، يجوز لرئيس المحكمة أن يطلب لأي شخص اتهم بموجب
هذا القانون أن يقدم كفيلاً يضمن حضوره للمحكمة وألا يقرر توقيفه حتى
تنتهي القضية أو يقدم تلك الكفالة.
وحيث أن المقصود بالاختصاص هو تحديد القانون للسلطة المختصة في نظر
الدعاوى أي ولاية الفصل في المنازعات القضائية الناجمة عن مخالفة قانون
الجمارك والمكوس ... ومن أجل الوصول لتحديد الاختصاص فإن المشرع حدد أن
محكمة الجمارك هي صاحبة الولاية في الفصل في المنازعات القضائية التي
تقع على قانون الجمارك والقوانين والأنظمة الأخرى المنصوص عليها في
المادة 223 من قانون الجمارك الأردني النافذ.
|