المسئولية الأمنية ودور المؤسسات التعليمية في تحقيقها : الأسرة كنموذج

ورقة عمل مقدمة لندوة المجتمع والأمن المنعقدة بكلية الملك فهد الأمنية بالرياض من 21/2 حتى 24/2 من عام 1425هـ  :

د/ إبراهيم الشافعي إبراهيم ، د . إبراهيم الصايم عثمان

وزارة التربية والتعليم / كلية المعلمين – بمدينة بيشة

الطاولة المستديرة الثانية المؤسسات المجتمعية والأمنية : رؤي مستقبلية

رئيـــس الجلســــــة
سعادة الدكتور/ عوض بنية الردادي
وكيل وزارة العمل والشئون الاجتماعية للشئون الاجتماعية
الورقة الثانية

ملخص الدراسة

هدفت الدراسة الحالية التى بعنوان: المسؤولية الأمنية ودور المؤسسات التعليمية فى تحقيقها –الأسرة كنموذج، إلى إظهار مدى أهمية الأمن بمفهومه الواسع، وبيان هذه الأهمية، على مستوى الفرد والجماعة، فعندما تتكامل الجهود الفردية مع المطالب الجماعية تتكامل المنظومة الأمنية ويعيش المجتمع فى أمن وأمان. بجانب بيان الآثار الإيجابية والسلبية لتحقق أو غياب الأمن، ثم تطرقت الدراسة إلى كيفية بناء الأسرة المسلمة كأهم مؤسسة من المؤسسات التعليمية التربوية، وذكر أهدافها وركائزها التربوية: كالتربية الإيمانية، والتدريب على العبادة، والتربية الخلقية والجسمية والروحانية والعقلية والاجتماعية والعاطفية والجمالية والجنسية وانعكاس كل ذلك إيجاباً على سلوك الشباب.

          ثم تناولت الدراسة أهم العوامل والأسباب التى تؤدى إلى انحراف الشباب داخل الأسرة المسلمة بفعل سوء التربية الأسرية وأثر ذلك سلباً على أمن الفرد والمجتمع.

          واستخدمت الدراسة المنهج الوصفى الذى يهدف إلى دراسة الظواهر والعلاقات كما هى موجودة، وتفسير المشكلات التى تتضمنها، والإجابة على الأسئلة الخاصة بها. ثم توصلت لبعض النتائج، ومن ثم اقترحت الدراسة بعض التوصيات التى تساعد على علاج أسباب انحراف الشباب داخل الأسرة المسلمة كوسيلة لتحقيق الأمن فى المجتمع المسلم.

مقدمة:

الأمن مسئولية يتنازعها الجانب الفردى، والجانب الجماعى؛ فلكل دوره، ولكل واجبه الذى يسأل عنه. وعندما تتكامل الجهود الفردية مع المطالب الجماعية تتكامل المنظومة الأمينة ويعيش المجتمع فى أمن وارف، ومن ثم تتجه جهود أبنائه نحو التقدم والرفاهية. إن نعمة الأمن من أعظم النعم التى أنعم الله بها على البشر. وقد تردد ذلك فى معرض تعداد نعم الله على الناس ولا سيما أهل مكة قبل الإسلام حيث قال تعالى:
( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف* فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) (قريش: 1، 3) فى هذه الآية المكية الكريمة يمتن الله على قريش ويذكرهم بنعمه عليهم ومن هذه النعم نعمتا: الإطعام من جوع، والأمن من الخوف. وقد من الله عليهم مرات أخر، وذكر أنه قد جعل لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شئ فى حين أن الناس من حولهم يتخطفون. بل جعل الله دخول النبي
إلى مكة وأصحابه وهم آمنون دليل على صدق وعد الله لرسوله لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون(الفتح:27). وقد اقترنت نعمة الأمن فى القرآن الكريم بالكثير من الأمور دليلاً على أنها من نعم الله الكبرى وآيته العظمى. وقد تناغمت السنة النبوية المطهرة مع هذا النسق القرآني المعجز حيث قال رسول الله :(من بات معاف فى بدنه، آمناً فى سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها). رواه البخارى.

 ولقد احتل مفهوم الأمن، والأمان مكاناً بارزاً فى الدراسات النفسية والتربوية لارتباطه الوثيق بالشعور بالصحة النفسية والسلامة من الاضطرابات فهو دليل على حالة السواء، والرضا عن الحياة والاستمتاع بها. وتكاد تجمع الدراسات النفسية فى مجال الدوافع النفسية Psychological Motivations على أن دافع الأمن يقع فى المرتبة التالية للدوافع والحاجات الأساسية: وهى دوافع حفظ الحياة: كالأكل والشرب، والتنفس. وقد عبر عن ذلك ماكدوجال Mc Dogal ، ومن بعده ماسلو Maslow فى تنظيمه الهرمى للدوافع حيث تأتى الدوافع الأولية والحاجات الأساسية فى قاعدة الهرم فإذا تم إشباعها تطلع الإنسان إلى تحقيق الأمن والطمأنينة: أى يشعر الفرد بالراحة، والانسجام مع من حوله متحرراً من الخوف، والقلق والصراعات والآلام. فإذا فشل الفرد فى تحقيق دافع الأمن لم ينتقل إلى المستوى التالى من الدوافع حيث تقدير الذات ومن ثم تحقيقها. إن غياب إشباع دافع الأمن يشل حركة الفرد نحو التقدم وتحقيق الكمال الإنسانى النسبى. وعلى مستوى المجتمع يفشل المجتمع فى تحقيق مراده من التقدم والتطور.

 ومن هنا فإن دافع الأمن والحاجة إليه يؤثر على جميع حاجات الإنسان: الجسمية والنفسية والاجتماعية والروحية كما يتأثر هو بها ومن هنا - أيضاً – فإنه بدون الأمن والأمان تضعف النفس وتضطرب ومن ثم يشقى الإنسان بحياته (محمد عودة، وكمال مرسى، 2000). وقد كفل الإسلام لكل فرد من أفراده المحافظة على الكليات الخمس وهى : النفس، والمال، والعرض، والعقل، والدين، وهو عندما منع الفرد من الاعتداء على حرمات الآخرين فهو فى المقابل منع الآخرين من الاعتداء على حرماته وهذا يحقق للفرد الأمن، والأمان اللذين ينشدهما، ويحقق بالضرورة الأمن للمجتمع كله.

 وفى ظل الظروف الحالية نجد أن معظم الدول تعانى من مشكلات تتصل من قريب أو بعيد بالأمن وقد انعكس هذا على كافة الإجراءات التى تتبعها الدول، حتى أعتى الدول فى الديمقراطية نجدها قد اتخذت إجراءات استثنائية تخالف ما اتفق عليه المنظرون فى مجال حقوق الإنسان حرصاً على أمنها ونحن فى مجتمعاتنا العربية جزء من العالم نتأثر بما يحدث فيه، ويصيبنا بعض ما يصيبه ومن هذا الذى أصاب العالم هو الهاجس الأمنى.

 لكن من الواضح أن المشكلات ذات الطابع الأمنى لم تصل بعد إلى مستوى الظاهرة التى تتفشى فى المجتمع إلا أن هذا لا يجعلنا نتغافل عنها حتى تصبح ظاهرة ولكن علينا باستباق الحوادث فى جانبها الوقائى.

إن المتأمل فى المشكلات التى تتصل بالأمن يجد أن هناك قاسماً مشتركاً بينها وهو أن هناك غياب لدور الأسرة المسلمة فى تحصين أبناءها ضد هذه الانحرافات التى هى شكل من أشكال تضييع المسئولية الأمنية. ومن هنا كانت هذه الدراسة.

 مشكلة الدراسة:

نظراً للظروف الأمنية الحالية التى تمر بها دول العالم وبخاصة الدول العربية، فقد أصبح من المهم إعطاء أهمية خاصة للمسئولية الأمنية الفردية والجماعية وبيان دور الأسرة كمؤسسة تعليمية فى مواجهة هذه المشكلة.

 تساؤلات الدراسة:

تسعى الدراسة الحالية إلى الإجابة على التساؤلات التالية:

-         ما مفهوم الأمن؟  وما هى أبعاده ؟ وما موقع الحاجة إلى الأمن كضرورة أساسية للإنسان المسلم؟

-         ما الآثار الإيجابية لتحقيق حاجة الأمن ؟

-         ما الآثار السلبية لغياب الأمن على مستوى الفرد والجماعة ؟

-         ما الأسرة ؟ وما أهم أهدافها وركائزها التربوية ؟

-         ما أهم العوامل والأسباب التى تؤدى إلى انحراف الشباب داخل الأسرة المسلمة ؟

-         كيف يمكن علاج أسباب انحراف الشباب داخل الأسرة المسلمة ؟

 أهداف الدراسة:

          تتحدد أهداف الدراسة فى:

1-     تحديد أهمية الحاجة للأمن بمفهومه الواسع ضمن منظومة الحاجات الإنسانية وبيان هذه الأهمية للفرد والمجتمع.

2-     بيان الآثار الإيجابية والسلبية لتحقق أو غياب هذه الحاجة الإنسانية وهى حاجة الأمن.

3-  بيان أثر بعض المتغيرات الأسرية على إدراك أفرادها لأهمية الحاجة للأمن: كالتنشئة الاجتماعية، وأساليب المعاملة الوالدية.

4-     بيان دور الأسرة المسلمة فى تحقيق الحاجة إلى الأمن.

5-     بيان مسئولية الفرد، والأسرة، والمجتمع نحو تحقيق الأمن.

6-     تحديد أهم السبل التى تساعد فى تحقيق الأمن فى المجتمع المسلم.

 أهمية الدراسة:

1-  تبرز أهمية الدراسة من خلال تصديها لدراسة مشكلة على جانب كبير من الأهمية فى الوقت الحاضر وهى الحاجة للأمن بمفهومه الواسع (الداخلى والخارجى): الأمن الجسمى والنفسى والفكرى، وذلك أن الهاجس الأمنى أصبح هم بلاد العالم أجمع يستوى فى ذلك العالم المتقدم أو العالم المتأخر أو النامى: الدول الفقيرة أو الدول الغنية.

 2-  إن ارتباط الأمن باستقرار المجتمع، وتماسكه جعل الرغبة فى تحديد دور كل فرد وكل مؤسسة فى تحقيق الأمن داخل منظومة متكاملة مطلباً حضارياً: ذلك أن غياب الأمن مؤذن بتفكك المجتمع إلى طرائق وشيع متدابرة فأنى يتحقق له التقدم والرقى؟ إن الرقى والتقدم لمجتمع من المجتمعات مرهون بتضافر جهود أبنائه، وتماسك الأيدى بصلابة وقوة لإعلاء البناء.

 3-  إن دور الأسرة كمؤسسة اجتماعية هى اللبنة الأولى فى البناء الاجتماعى لأى مجتمع. ولذلك فإن صلاح هذه اللبنة - وأخواتها الأسر الأخرى - هو بداية الصلاح للبناء الاجتماعى لأى مجتمع. وقد تضافرت عوامل عديدة فى العصر الحاضر على تقليص دور الأسرة، وتحجيم دورها مما أفرز ظواهر لم تكن معروفة عند سلف هذه الأمة: من قبيل التطرف، والتعصب، وإدمان المخدرات أو على الأقل تعاطيها، وجنوح الأبناء… وغير ذلك من الظواهر السلبية التى لو قامت الأسرة بدورها المنوط بها على الوجه الأكمل لما ظهرت هذه الظواهر السلبية.

ولذلك فالدراسة الحالية تحدد دور الأسرة، وعوامل نجاحها فى دورها، ودورها فى الوقاية من هذه الانحرافات السلوكية أو الفكرية قبل أن تتفاقم الظاهرة، وتصبح مشكلة قد تستعصى على الحل.

 منهج الدراسة:

تتبنى الدراسة الحالية المنهج الوصفى الذى يهدف إلى دراسة الظواهر والمواقف والعلاقات كما هى موجودة، والحصول على وصف دقيق لها يساعد على التعرف عليها وتفسير المشكلات التى تتضمنها، أو الإجابة على الأسئلة الخاصة بها. (محمود ومنسى، 1983، 18) أى المنهج الذى يقوم بوصف ما هو كائن وتفسيره والخروج بالاستنتاجات ذات الدلالة والمغزى بالنسبة إلى المشكلة المطروحة للدراسة. (جابر وكاظم، 1986، 138)

 خطوات الدراسة:

للإجابة على مشكلة الدراسة وتساؤلاتها ستتبع الدراسة الخطوات التالية:

أولاً:    بيان مفهوم الأمن وأبعاده، وتوضيح أهميته كضرورة أساسية للإنسان.

ثانياً:    الآثار الإيجابية لتحقيق حاجة الأمن.

ثالثاً:    الآثار السلبية لغياب الأمن على مستوى الفرد والجماعة.

رابعاً:   تعريف مفهوم الأسرة المسلمة وأهدافها وركائزها التربوية.

خامساً: تناول العوامل والأسباب التى تؤدى إلى انحراف الشباب داخل الأسرة المسلمة.

سادساً: نتائج الدراسة.

سابعاً: توصيات الدراسة.

ثامناً: قائمة المراجع.

 أولاً: بيان مفهوم الأمن وأبعاده، وتوضيح أهميته كضرورة أساسية للإنسان.

إن الحاجة إلى الأمن حاجة إنسانية تميز الإنسان عن غيره من الكائنات، وتأتى فى المرتبة التالية للحاجات البيولوجية: كالأكل والشراب ونحوهما. بل إن تحقق الحاجات الأساسية البيولوجية قد لا يتأتى فى غياب شعور الفرد بالأمن والأمان.

 إن تمتع الفرد بالصحة النفسية يتطلب فى جانب منه أن يشعر الفرد بالأمان، والأمن على حاضره ومستقبله، وأن يشعر بالود مع المحيطين به، وأن يبادلهم شعوراً بشعور، وحباً بحب.

وقد تعددت وجهات نظر الباحثين حول تعريف الشعور بالأمن
Feeling of Security تعدداً هائلاً؛ فمنهم من يرى أنه: الشعور بالبيئة الاجتماعية على أنها بيئة صديقة وشعور الفرد بأن الآخرين يحترمونه ويتقبلونه داخل الجماعة (حامد زهران، 1984) فى حين يرى محمد إبراهيم كاظم(1986): أن الشعور بالأمن يعنى: انعدام الشعور بالألم من أى نوع من الخوف أو الخطر. إلاّ أن أمانى عبد المقصود
(1999) ترى أنه شعور الفرد بالتواد، والتقبل، والحب من قبل الآخرين مع قلة شعور بالخطر، والقلق،والاضطراب.

ومن الملاحظ أن معظم التعريفات تؤكد على أمرين: الجانب الإيجابى أو المظاهر الإيجابية المعبرة عن الشعور بالأمن: كالطمأنينة، والتقبل من قبل الآخرين، والتواد مع أعضاء جماعته (حامد زهران، 1984، أمانى عبد المقصود، 1999). أما الجانب السلبى أو المظاهر السالبة المعبرة عن فقدان الشعور بالأمن فهى: الخوف، والتوتر، والقلق، والشعور بالألم (أمانى عبد المقصود، 1999، محمد إبراهيم كاظم).

ويتفق مع هذا التوجه وهو الجمع بين المظاهر السالبة والموجبة لمفهوم الأمن كثير من الباحثين مثل (كمال إبراهيم مرسى، 2000، بشير الرشيدى، 1999، مغاورى عبد الحميد، 1984).

ويرى الباحثان أن مفهوم الأمن يعبر عن مدى وعى الفرد وإدراكه لدوره فى محيطه الاجتماعى، وما عليه من واجبات بما ينعكس إيجاباً على حياته النفسية من رضا، وطمأنينه وشعور بالسعادة والاستقرار النفسى.

هذا على مستوى الأمن الفردى. إلاّ أن الأمن الجماعى أو الوطنى، أو القومى مفهوم آخر يرتبط بالأمن الفردى حيث لا تكتمل منظومة الأمن إلاّ بالتكامل بينهما كما أن أى قصور فى أحدهما ينعكس سلباً على المفهوم الآخر.

والأمن الوطنى National Security يقصد به الإجراءات التى تتخذها الدولة – فى حدود طاقتها – للحفاظ على كيانها ومصالحها فى الحاضر والمستقبل مع مراعاة التغيرات الإقليمية والدولية (أمين هويدى، 1991). وهو بذلك مفهوم أعم وأشمل من الأمن العسكرى إلاّ أنه ليس بديلاً عنه.

فالمجتمع الآمن هو المجتمع الذى يحظى فيه كل فرد بكامل حقوقه بلا تمييز بسبب لون أو جنس أو عقيدة فى مقابل قيامه بكامل واجباته فى إطار من سيادة العدالة.

ويرى الباحثان أن مفهوم الأمن الوطنى هو شعور المواطن بالطمأنينة، والاستقرار على حاضره، ومستقبله فى تكامل مع غيره ممن ينتمون إلى هذا الوطن.

والباحثان يؤمنان على أهمية كل من مفهوم الأمن الوطنى ومفهوم الأمن القومى، ذلك لأن مفهوم الأمن القومى يتجاوز حدود الدولة إلى مجال أرحب حيث يراد به تمتع جملة من الدول بالأمن يوجد بينها روابط وقواسم من تاريخ، أو لغة، أو عقيدة، أو كل ما سبق.

 علاقة الأمن بإشباع الحاجات الأساسية للفرد:

لن نكون مبالغين إذا قلنا أن الحاجات الفسيولوجية ذاتها لا يمكن أن تشبع على النحو الكامل والصحيح دون إشباع الحاجة إلى الأمن، وبدون قدرة المواطن على إشباع حاجاته.. لا نتصور وجود استقرار داخلى أو تقدم مجتمعى (بشير صالح الرشيدى، 1999، 565).

 علاقة الأمن الوطنى بالأمن النفسى:

يعتبر الأمن النفسى والأمن الوطنى امتدادين متداخلين فى العمق والمكونات، كما أنهما فى الوقت نفسه فى إطار تبادلى (بشير صالح الرشيدى، 568).

 مكونات الأمن النفسى:

1-     الأمن الاجتماعى: ويتضمن شعور الفرد بإشباع حاجاته الاجتماعية فى محيطه الاجتماعى حيث يشعر الفرد بأنه له ذات لها دور في محيطها، وتفتقد حيث تغيب، وإن الفرد يدرك أن لها دوراً اجتماعياً مؤثراً يدفعه الشعور بالحاجة إلى الانتماء للتمسك بتقاليد الجماعة ومعاييرها حيث يتمثلها الفرد كما لو كانت معاييره هو الذاتية.

2-     الأمن الجسمى: حيث يشير إلى مدى إشباع الفرد لحاجاته البدنية والجسمية. إن المجتمع الذى يوفر لأفراده حاجاتهم الأساسية يضمن مستو من الأمن يتناسب مع مقدار ما وفره لأفراده.

إلاّ أنه فى أوقات الأزمات يضطرب شعور الفرد بالانتماء لمجتمع لا يوفر الحد الأدنى من الحاجات الأساسية إلاّ أن المجتمع عندما لا يستطيع توفير الحاجات الأساسية لأفراده قد لا يؤدى ذلك إلى اضطراب فى شعور الأمن عند أفراده عندما يتساوى الجميع فى تحمل هذه الظروف الطارئة مما يجعل الأفراد يتجاوزون هذه المحنة وتصهرهم الظروف فى بوتقة واحدة. ولعل ما حدث فى عام المجاعة فى عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه ما يؤكد هذا المعنى حيث تساوى الجميع فى تحمل هذه الظروف بما فيهم بيت أمير المؤمنين.

3-     الأمن الفكرى والعقدى: وهو أن يأمن الفرد على فكره، وعقيدته من أن يتم قهره على ما يخالف ما يعتقده: إن حرية التدين تحكم كل مقومات المجتمع المسلم إلاّ أن هناك مطلباً يجب أن يوضع فى الاعتبار عند الحديث عن حرية التدين فى المجتمع المسلم وهى أنه كل دين غير دين الإسلام مكفول لاتباعه حرية ممارسة عقائدهم شريطة ألاّ يناصروا أحداً علىالمسلمين، ولا يحاربوا المسلمين فى عقيدتهم.

 ثانياً: الآثار الإيجابية لتحقيق حاجة الأمن:

إن شعور الفرد بالأمان يجعله يعمم هذا الشعور؛ فيرى فى الناس الخير، والحب، ومن ثم يتعاون معهم ويكون عطوفاً على الآخرين، مستقلاً فى شخصيته، ولديه القدرة على احتمال الشدائد. ولذلك نراه يترقى فى مدارج الطموحات الإنسانية. فى حين أن فقدانه لهذا الشعور سوف يعمم على الأحداث والأشخاص المحيطين به، وسوف ينفر منهم، ويراهم جحيماً لا يطاق، وتقل فترات استمتاعه بالحياة، ومن ثم يضعف الانتماء لديه لجماعته المحيطة، ومن ثم مجتمعه المحيط، ولذلك نراه يؤثر الجنوح، والجريمة وكأنه شخص موتور ينتقم من المجتمع كله بلا ضابط من خلق أو دين أو صلة رحم.

إن توافر الحاجات الأساسية للفرد والتى ترتبط ببقائه كفرد، وكذلك تلك التى ترتبط ببقائه كنوع هو حجر الزاوية فى البناء النفسى الآمن. إن الفرد عندما تتوافر له هذه الحاجات يشعر بالأمن والأمان. والمجتمع المسلم حض الأغنياء على تحمل مسئولياتهم عن الفقراء والذين فى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم (المعارج: 25). ونفى النبي الجنة عمن لا يأمن جاره بوائقه. لا يدخل الجنة من لم يأمن جاره بوائقه (راه مسلم)

إن التغيرات الاجتماعية السريعة وغير المتوازنة: حيث يسيطر على العصر الحديث سمة التطور السريع والمتلاحق وحدوث فجوات بين الدول المتقدمة والدول النامية، وعلى مستوى المجتمع الواحد توجد فجوات واسعة بين الطبقات فى المال،والمكانة، والشهرة. هذه التغيرات السريعة لا مكان فيها لمتخاذل، أو متغافل، أو جاهل. وهنا يقع العبء على كاهل البناء النفسى للفرد الذى يشعر بالقلق على يومه، ومستقبله ومستقبل أولاده من بعده مما يجعله يشعر بفقدان الأمان. ولذلك نجد ظواهر متعددة يسعى الناس من خلالها إلى خفض الشعور بفقدان الأمان: كالسعى لامتلاك أكبر ثروة من حلال أو من حرام، أو تحصيل أعلى مكانه اجتماعية تجعلهم بمأمن من الخوف من المستقبل. إلاّ أن كل ذلك يسحب من رصيد الشعور بالأمن والأمان والطمأنينة والسكينة التى تجعل الفرد يشعر بالسعادة والرضا.

كما أن العدالة فى تطبيق القوانين بلا تفرقة بسبب لون، أو جنس ، أو طبقة فالكل سواء أمام العدالة. عندما تطبق العدالة كما هى يشعر كل فرد بأنه سوف يحصل على حقه كاملاً فتطمئن نفسه، ويهدأ خاطره. وهذا أصل جاءت الشريعة الإسلامية لتأكيده: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى* وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به…. (الأنعام : 152)

وما حدث مع حادثة السرقة على عهده عندما سرقت المخزومية خير شاهد على عدالة الإسلام التى لا تفرق بين قوى وضعيف.

ثالثاً: الآثار السلبية لغياب الأمن على مستوى الفرد والجماعة:

أشارت الدراسات المتعددة التى أجريت على شعور الفرد بالأمن إلى أن من أهم هذه العوامل التنشئة الاجتماعية والرعاية الوالدية فى إحدى المؤسسات التربوية البالغة الأهمية وهى الأسرة ذلك أن الطفل يتلقى أولى مشاعر الأمن من خلال التفاعل بين أفراد الأسرة ولا سيما الأبوين.

فإن المعاملة الوالدية العطوفة والحنونة فى غير تضييع لمعايير الجدّ مع الزمن، وعدم التذبذب فى المعاملة، وتقبل الأبناء من قبل الأبوين بلا تفريق بينهم يساهم فى ترسيخ شعور الطفل بالثبات، والاتساق مما ينعكس على شعوره بالأمن والطمأنينة. كما أن المعاملة الوالدية القاسية أو المدللة، والاهمال، والتذبذب فى المعاملة ينعكس سلباً على البناء النفسى للطفل فيكثر الشعور باليأس، والقنوط، والسخط، والغضب على نفسه ويعيش الفرد وهو يشعر بأنه وحيد، ومعزول، ولا يثق فى الناس، ولا يرتاح للتعامل معهم (عبد الرحمن العيسوى، 1985)، وقد أكد أحمد عبد العزيز سلامة وعبد السلام عبد الغفار على أن الطفل الذى يعيش بين والدين كثيرى الخلاف لديه مستو مرتفع من التوتر، والقلق، وعدم الشعور بالأمن(أحمد عبد العزيز سلامة، وعبد السلام عبد الغفار، 1980).

كما أن عملية الضبط والتهذيب القائمة على درجة من الشدة والقسوة تؤدى إلى انعدام الاستقرار والأمن النفسى، وقد أشارت دراسة قام بها محمد على حسن(1990) إلى أن الجانحين قد تعرضوا لأساليب من المعاملة الوالدية الخاطئة: حيث العقاب الشديد، والنبذ، والإهمال مما أفقد المراهق الشعور بالأمن مما دفعه إلى السلوك الجانح. كما تناغمت نتائج دراسة قام بها كلٌ من ويلر، وليشتر Willer & Luchter, 1983 مع نتائج الدراسة السابقة، حيث أشارت إلى أنه توجد علاقة ارتباطية موجبة بين الشعور بالاضطراب النفسى والسلوك العدوانى الناتج عن انعدام الشعور بالأمن النفسى لدى الأبناء وبين أساليب المعاملة الوالدية، والجو الأسرى. كما أشارت دراسة جبر محمد جبر (1996) إلى أن مستوى الأمن النفسى يرتفع بالتقدم فى العمر، كما يرتفع لدى المتزوجين مقارنة بالعزاب، ولدى المتعلمين عن غير المتعلمين فى حين لا توجد اختلافات بين الجنسين ذات دلالة فى الشعور بالأمن. وفى دراسة أجرتها أمانى عبد المقصود (1999) على الأطفال أشارت نتائجها إلى أنه توجد علاقة ارتباطية موجبة بين الشعور بالأمن النفسى، وأساليب المعاملة الوالدية.

وفى منحى آخر أشارت دراسة هشام عبد الله (1996) إلى أن هناك علاقة ارتباطية سالبة بين الاتجاه السوى نحو التطرف، وإشباع الحاجة للأمن النفسى.

 رابعاً: مفهوم الأسرة المسلمة وأهدافها وركائزها التربوية:

الأسرة هى الوحدة الاجتماعية الأولى التى تهدف إلى المحافظة على النوع الإنسانى، وتقوم على المقتضيات التى يرتضيها العقل الجمعى والقواعد التى تقررها المجتمعات المختلفة(بدوى،1982).

 الأسرة فى اللغة هى أهل الرجل وعشيرته، وفى الاصطلاح الشرعى هى الجماعة المعتبرة نواة المجتمع، والتى تنشأ برابطة زوجية بين رجل وامرأة، ثم يتفرع عنها الأولاد، وتظل ذات صلة وثيقة بأصول الزوجين من أجداد وجدات.

 والأسرة مظلة إنسانية ضرورية لبناء النفس، وممارسة المعيشة الهانئة فى الحياة. أما بناء النفس الإنسانية المتكاملة للرجل أو المرأة فيتم عن طريق الزواج الذى يشبع النزعات الفطرية، والميول الغريزية، ويلبى المطالب النفسية والروحية والعاطفية والجسدية، وذلك من أجل التوصل إلى تحقيق منهج الوسطية والاعتدال، دون حرمان من الاشباع الجنسى، ودون إباحية تؤدى إلى الانحلال من الفضيلة.

 وأما ممارسة المعيشة الهانئة فى الحياة فتحصل من خلال الأسرة التى توجد تجمعاً صغيراً يبنى أصول حياته ومعيشته بهدوء، ويحقق تعاوناً بناء وقوياً فى التغلب على مشكلات المعيشة والمكاسب، وتخيم فيها أجواء المحبة والود والأنس والطمأنينة والسلامة.

 إن الأسرة المسلمة هى المعقل الأول الذى ينشأ فيه الطفل فى جو التربية الإسلامية، وإن أهم أهداف تكوين الأسرة هى:(النحلاوى، 1996، 135)

-    إقامة حدود الله: أى تحقيق شرع الله ومرضاته فى كل شؤونهما وعلاقاتهما الزوجية، وهذا معناه إقامة البيت المسلم الذى يبنى حياته على تحقيق عبادة الله، أى على تحقيق الهدف الأسمى للتربية الإسلامية. وهكذا ينشأ الطفل فى بيت أقيم على تقوى الله فيقتدى بذلك إذ يمتص ويكتسب تلك العادات الأبوية السمحة من خلال المعايشة اليومية، ومن ثم يقتنع بعقيدتهما الإسلامية حين يصبح واعياً.

-    تحقيق السكون النفسى والطمأنينة: فالحق سبحانه وتعالى يقول: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزوجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة (سورة الروم: آية21)، فإذا اجتمع الزوجان على أساس من الرحمة والاطمئنان النفسى المتبادل فحينئذ يتربى الناشئ فى جو سعيد يهبه الثقة والاطمئنان والعطف والمودة، بعيداً عن القلق وعن العقد والأمراض النفسية التى تضعف شخصيته.

-    تحقيق أمر الرسول بإنجاب النسل المؤمن الصالح ليباهى بنا الأمم يوم القيامة، فى قوله : (تنكاحوا تناسلوا تكثروا فإنى مباه بكم الأمم يوم القيامة).

 والحديث دليل واضح على أن البيت المسلم يجب عليه أن يربى أبناءه تربية تحقق هدف الإسلام، وأركان الإيمان فى نفوسهم وسلوكهم، لأن المباهاة إنما تكون بكثرة النسل الصالح.

 فعلى الأبوين تقع مسؤولية تربية الأبناء ووقايتهم من الخسران والشر والنار، التى تنتظر كل إنسان لا يؤمن بالله، أو يتبع غير سبيل المؤمنين. قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة (سورة التحريم: آية 6 ).

 ولقد جاء لفظ أهليكم بالجمع ليشمل الزوجة والولد، وهذه المسؤولية تزداد أهمية فى أيامنا هذه لأن بعض مظاهر الحياة الاجتماعية خارج الأسرة والمسجد ليست فى كل الأحيان متوافقة مع هدف التربية الإسلامية، كالمذياع والتليفزيون والإنترنت والمجلات الخليعة والقصص الماجنة التى تتسرب إلى أيدى الأطفال، الأمر الذى يتطلب من الأبوين الحذر واليقظة.

-    إرواء الحاجة إلىالمحبة عند الأطفال: وتتحمل الأسرة وقوامها الأبوان، مسؤولية رحمة الأولاد ومحبتهم والعطف عليهم، لأن هذا من أهم أسس نشأتهم، ومقومات نموهم النفسى والاجتماعى، نمواً قوياً سوياً. فإذا لم يتحقق المحبة للأولاد بالشكل الكافى المتزن، نشأ الطفل منحرفاً فى مجتمعه لا يحسن التآلف مع الآخرين، ولا يستطيع التعاون أوتقديم الخدمات والتضحيات، وقد يكبر فلا يستطيع أن يكون أباً رحيماً أو زوجاً متزناً حسن المعشر.

 لقد جاءت التجارب العلمية مؤيدة ضرورة محبة الأطفال ورحمتهم والصبر على مداعبتهم وهو أمر تربوى أقره الرسول ، حيث ثبت أن الطفل الرضيع لا ينمو على الغذاء فحسب، بل على عطف الأم الذى لا يقل أهمية عن الغذاء، بل هو أهم منه فى تربية شخصيته الناشئ، وأن قوام الأسرة هو الحب المتبادل، حتى إذا شب الطفل استطاع نقل هذا الحب معه إلى خارج الأسرة، إلى المجتمع الإسلامى الواسع، فيتراحم المسلمون ويتحاب أفراد المجتمع المسلم.

 -    صون فطرة الطفل من الزلل والانحراف: اعتبر الإسلام الأسرة مسؤولة عن فطرة الطفل، واعتبر كل انحراف يصيبها مصدره الأول الأبوان. ذلك أن الطفل يولد صافى السريرة، سليم الفطرة، وفى هذا المعنى يقول الرسول :(ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). ثم يقول أبو هريرة رضى الله عنه : فطرة الله التى فطر الناس عليها* لا تبديل لخلق الله* ذلك الدين القيم (رواه البخارى، ج 1، 162) وقد فهم الصحابى الجليل أبو هريرة رضى الله عنه أن الفطرة هى استعداد المولود للدين القيم، دين التوحيد، وأن سنة الله لا تتغير فى جميع المواليد البشرية فساق الآية لايضاح معنى الحديث.

 والحديث ليس محصوراً فى اليهود والنصارى والمجوس وأعيانهم، بل إن كل أبوين مسلمين يقلدان اليهود والنصارى فى ضلالاتهم وأمور حياتهم، بما ينافى الآداب الإسلامية، مسؤولون عن انحراف أطفالهم عن الفطرة نتيجة لتقليد آبائهم، أو لأن آباءهم عرَّضوهم لأسباب الانحراف التى تروج لها معظم الفضائيات فى عالم اليوم.

 إن من ركائز بناء البيت المسلم والحفاظ على هويته وكيانه العناية الفائقة بتربية الأولاد وتعليمهم. فالتربية هى تنشئة الولد حتى يبلغ حد التمام والكمال شيئاً فشيئاً، وتشمل التربية تنمية جميع جوانب الشخصية الجسمية والعقلية والاجتماعية والنفسية والروحية والوجدانية والسلوكية… إلخ.

 فالتربية هى مجموع الآثار التى نوقعها على كائن ما لنيسر له سبيل بلوغ الغايات التى هو مخلوق لها.(أوبير، عبد الله عبد الدايم، 1982، 47) أى أن التربية نقل مجموعة من الأفكار والعواطف وتشكيل الكائن اجتماعياً، وإدخاله فى المجتمع من الوجهة الصناعية الفنية والوجهة الروحية فى آن واحد.(أوبير، 67) أما التربية الإسلامية فهى تعنى إعداد المسلم إعداداً كاملاً من جميع النواحى فى جميع مراحل نموه للحياة الدنيا والآخرة فى ضوء المبادئ والقيم وطرق التربية التى جاء بها الإسلام.(يالجين، 1409، 20).

وكل من التربية والتعليم ضرورى لتنمية الولد، لأنه أمانة عند والديه، قال رسول الله :(ما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن) (أخرجه الترمذى)، وقال الإمام الغزالى رحمه الله: أعلم أن الطريق فى رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبى أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفسية ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل لكل ما يمال به وإليه، فإن عُوَّد الخير نشأ عليه، وسعد فى الدنيا والآخرة، وشاركه فى ثوابه أبواه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عُوَّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقى وهلك، وكان الوزر فى رقبة القيم عليه والوالى له. (إحياء علوم الدين، 1289، 3/62).

ولعل من أهم ركائز الأسرة التربوية ما يلى:(الزحيلى، 1420، 26)

أولاً:    التربية الإيمانية: إن جوهر رسالة الإسلام، صحة العقيدة أو الإيمان بغرس أركان الإيمان وأصوله فى النفس أو القلب، وهى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى. ويركز المربى أولاً على إثبات وجود الله وتوحيده، ثم على حبه وشكر نعمه وأفضاله، ثم على تفرده بالسلطان المطلق فى الدنيا والآخرة. ثم يعرف المربى ولده بالقرآن الكريم وعظمته، وأنه كلام الله ويعلمه إياه نطقاً أولاً ثم يرشده لحفظه ثانياً. ثم يرسخ المربى فى قلب الطفل حب الرسول ، والإيمان بأنه خاتم الرسل، وأنه تجب العناية بسنته الشريفة وحفظ ما تيسر من أحاديثه لينشأ الطفل نشأة سليمة.

 ثانياً:    التدريب على العبادة: العبادة فى الإسلام ترجمان العقيدة، ودليل صحتها وثوبتها، فالولد قبل البلوغ غير مكلف بالتكاليف الشرعية لقوله :(رفع القلم عن ثلاثة: المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم).(أخرجه أبو داود) ولكن إعداد الطفل لمرحلة البلوغ وما يليها يتطلب تربوياً وشرعياً تدريبه على ممارسة العبادة لتصبح جزءاً حيوياً وعادة متأصلة من حياته وعلمه. ويبدأ التدريب على الصلاة والصيام فى سن السابعة ويتأكد فى سن العاشرة لقوله :(مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، وأضربوهم عليها وهم أبناء عشر)(أخرجه أبو دواد)

 ثالثاً:    التربية البدنية: إن سلامة البنية الإنسانية والقوة الجسدية دعامتان أساسيتان لبناء الولد بناء سليماً، لأن العقل السليم فى الجسم السليم.

وتحمل أعباء الحياة كلها يتطلب قوة فىالجسد. يقول النبى :(المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير) (أخرجه مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه)، وتكون هذه التربية ناجحة بممارسة أنواع الرياضة من تمارين سويدية وسباحة ورماية وركوب خيل وإقامة معسكرات تدريبية ونحو ذلك.

 رابعاً:   التربية الخلقية: فإن الآداب الحميدة والأخلاق الإسلامية هى وعاء الدين :(الخلق وعاء الدين) (أخرجه الترمذى عن أنس). وأساس تقويم الطباع والعادات وتكامل الشخصية، ودليل الانتماء الصحيح لشريعة القرآن الكريم. ومن أهم الآداب: الصدق والصراحة فى القول، والأمانة والحلم والأناة وعفة اللسان، وصفاء النفس من الأحقاد. قال عليه الصلاة والسلام :(أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم) (أخرجه ابن ماجه).

وبركة حسن الخلق تلازم الإنسان طوال الحياة، وتدفع إلى كل فضيلة، وهى عون على كمال الدين والمروة والشخصية. وليهنأ ذو الخلق بالبشارة النبوية :(إن أحبكم إلى أحاسنكم أخلاقاً، الموطؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون. وإن أبغضكم إلى المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العيب)(أخرجه الطبرانى عن أبى هريرة).

وركائز الأخلاق: بر الوالدين واحترامهم، والأدب مع الأسرة، والإخوة والجيران والأصدقاء، ثم مع الناس فى المركب والعمل والوظيفة.

 خامساً: التربية الروحانية: على الأب والأم العناية بهذه التربية، فإنها سبب تنمية مشاعر الطفل وتهذيبه، وشفافية حواسه وعواطفه، وتكون هذه التربية سبباً فى توافر خشية الله والخوف منه، والتأمل فى عظمته، وإدراك أسرار الكون، والانصياع لأوامر الله. قال تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون (سورة الأنفال: الآية 2).

 سادساً: تعليم الولد اللغة العربية: اللغة العربية هى مفتاح تعلم القرآن والسنة وفهمها. فإذا تقوى الولد فى اللغة العربية وأتقنها، كان قوياً فى فهم الشريعة وإدراك مقاصدها وغاياتها. وقد اعتبر (أبو الحسن العامرى) علوم اللغة العربية: النحو والصرف والعروض والثقافة وآدابها بمنزلة الأداة للعلوم الإسلامية، وأن لهذه الأداة فضيلة تسهيلها،وتيسير تعلمها وتعليمها (أبو عراد ، 1424، 124).

 سابعاً:   التربية الاجتماعية: أى التكيف مع الوسط الاجتماعى المحيط بالإنسان، سواء الصغار أو الكبار، أو الاصدقاء أو الجيران. فيكون لدى الولد الجرأة الأدبية لاثبات الذات دون خجل أو تردد، ويتم تحقيق المراد بتعويد الولد حضور مجالس الكبار ليعرف كيفية قضاء الحاجات من بيع وشراء وإعارة واستعارة ونحوها، والبدء بتحية الإسلام، وكيفية الرد عليها، ومؤانسة الطفل ورعايته وعيادته إذا مرض، والتعرف على أسس اختيار الرفاق والاصدقاء، وباختصار تهدف هذه التربية إلى حب الناس وحب الخير والمعروف ورحمة الآخرين والتعاون على البر والتقوى.

ثامناً:    التربية العاطفية: وتشمل معاملة الطفل بالرأفة والرحمة والمداعبة، والتقبيل ومسح الرأس، وتقديم الهدايا، والبشاشة فى الاستقبال والوداع، والعناية بالطفل والبحث عنه من غير تمييز بين الأولاد فىالمعاملة والحب، مع الاعتدال فى الحب والكره حتى لا تتعقد نفسية الطفل. وهكذا يكون البناء العاطفى والنفسى باحترام الذات، وإشعار الولد بالمحبة والرعاية والأهمية، والتركيز على بناء المستقبل.

 تاسعاً:   التربية العقلية: إن العناية بتنمية العقل لدى الولد أمر فى غاية الأهمية، فالله سبحانه وتعالى ميز الإنسان عن الحيوان بالعقل، وجعله أداة المعرفة ومناط التكليف، وسبيل الرشد والهداية. وينبغى أن تهدف التربية إلى استخدام العقل والتفكير فى حدود توجيهات القرآن الكريم الداعية إلى التأمل فى خلق السماوات والأرض، والتوصل بذلك إلى إثبات وجود الله وتوحيده. وكل هذا معروف ومعلوم من القرآن الداعى لإعمال العقل فى مئات الآيات كما فى قوله تعالى: إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون (سورة الروم: الآية 24).

 عاشراً:           التربية الجمالية: المراد بالتربية الجمالية: المحافظة على مواضع الجمال والزينة، وترك كل أنواع الفساد والتشويه، والعناية بالأجسام والمنازل، ونظافة الشوارع والحدائق والمرافق العامة، والتخلص من النفايات واتلافها بحيث لا تضر الإنسان والحيوان والنبات من أجل حماية البيئة. بمعنى ضرورة تربية الأولاد على حماية البيئة والمحافظة عليها باعتبارها نعمة ربانية خلقها الله سبحانه وتعالى من أجل إسعاد الإنسان وتهيئة الحياة الطيبة له باعتباره المكلف بعمارة الأرض وعبادة الله سبحانه وتعالى.

الحادى عشر: التربية الجنسية: ينبغى أن يتدرج الأبوان فى لمس هذه الناحية عند الولد بحسب مراحل عمره حتى الزواج، فينتقل من المجاز إلى التلميح، ثم التصريح بعد البلوغ، ويحرصان على تعويد الطفل على آداب الاستئذان فى البيت وغيره، وعلى غض البصر، والتحذير من المخاطر والأخطار والمثيرات الجنسية، وصرف نشاط الولد وفراغه إلى الأعمال المفيدة كالعلم والرياضة والسباحة والرماية وركوب الخيل… إلخ. وعند توافر المقدرة المالية يعد التبكير بالزواج عصمة من الانحراف، وتحصين للجنسين، وتحقيق للعفة والصون.

 خامساً: أهم العوامل والأسباب التى تؤدى إلى انحراف الشباب داخل الأسرة المسلمة:

ما أكثر العوامل والأسباب التى تؤدى إلى انحراف الشباب، وإلى زيغهم وفساد أخلاقهم، وسوء تربيتهم فى الوقت الحاضر. وما أكثر نوازع الشر، وبواعث الفساد التى تحيط بهم وتكتنفهم من كل جانب.

الأولاد أمانة فى أعناق الوالدين، والوالدان مسؤولان عن تلك الأمانة، والتقصير فى تربية الأولاد خلل واضح وخطأ فادح، والولد قبل أن تربيه المدرسة والمجتمع- يربيه البيت والأسرة، وهو مدين لأبويه فى سلوكه الاجتماعى المستقيم، كما أن أبواه مسؤولان إلى حد كبير عن انحرافه الخلقى (الصباغ، 145)

قال ابن القيم رحمه الله وكم ممن أشقى ولده، وفلذة كبده فى الدنيا والاخرة باهماله، وترك تأديبه، واعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوت عليه حظه فى الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد فى الأولاد – رأيت عامته من قبل الآباء (ابن القيم الجوزية، 146 (

فإذا لم يكن المربون على مستوى المسؤولية والأمانة، وعلى علم بأسباب الانحراف وبواعثه، وعلى صيرة فى الأخذ بأسباب العلاج وطرق الوقاية، فإن الأولاد لا شك سيكونون فى المجتمع جيل الضياع والشقاء، وعصبة الفساد والجريمة.

ولعل من أهم أسباب انحراف الشباب ما يلى: (علوان،  1976، 122)

1-       الفقر الذى يخيم على بعض البيوت: فالشاب حين لا يجد فىالبيت ما يكفيه من غذاء وكساء، فإنه لا شك سيلجأ إلى مغادرة البيت بحثاً عن الأسباب وسعياً وراء الرزق فتتلقفه أيدى السوء والجريمة، وتحيط به هالة الشر والانحراف فينشأ فى المجتمع مجرماً.

2-       النزاع والشقاق بين الأباء والأمهات: من الأسباب الأساسية التى تؤدى إلى انحراف الشباب احتدام النزاع واستمرار الشقاق ما بين الأب والأم، فعندما يرى الشاب ظاهرة الخصومة أمام ناظريه، سيترك حتماً جو البيت القائم ليبحث عن رفاق يقضى معهم جل وقته، فهؤلاء إن كانوا قرناء سوء فإن انحرافه سيتأكد، وإن إجرامه سيتحقق، ليصبح أداة خطر وبلاء على البلاد والعباد.

3-       حالات الطلاق: ومن الأسباب الأساسية التى تؤدى غالباً إلى انحراف الشباب، حالات الطلاق وما يصحبها من تشرد وضياع، وما يعقبها من تشتت وفراق. إن الولد عندما لا يجد الأم التى تحنو عليه، ولا الأب الذى يقوم على أمره ورعايته، فإنه لا شك سيندفع نحو الجريمة، ويتربى على الفساد والانحراف.

4-       وقت الفراغ: من العوامل الأساسية التى تؤدى غالباً إلى انحراف الشباب عدم الاستفادة من وقت الفراغ الذى يتحكم فى الأحداث والمراهقين. ومن المعلوم أن الولد منذ نشأته مولع باللعب، ميال إلى المغامرة، محب للفسحة والتمتع بالمناظر الطبيعية، فيجب على المربين أن يستغلوا هذه الظاهرة فى الأطفال، وإلا فإنهم سيختلطون غالباً بقرناء سوء، ورفاق شر، ويؤدى حتماً إلى شقائهم وانحرافهم. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول :نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ (البخارى فى صحيحه 5/2375، كتاب الرقاق، 1407).

5-       الخلطة الفاسدة ورفاق السوء: من العوامل الكبيرة التى تؤدى إلى انحراف الشباب رفاق السوء والخلطة الفاسدة، ولا سيما إذا كان الشاب ضعيف العقيدة، متميع الخلق. فسرعان ما يتأثر بمصاحبة الأشرار ومرافقة الفجار، وسرعان ما يكتسب منهم أحط العادات، وأقبح الأخلاق، بل يسير معهم فى طريق الشقاوة بخطى سريعة، حتى يصبح الإجرام طبعاً من طباعهم، والانحراف عادة متأصلة من عاداتهم، ويصعب بعد ذلك رده إلى الجادة المستقيمة.

6-       سوء معاملة الوالدين للولد: من الأمور التى يكاد يجمع علماء التربية عليها، أن الولد إذا عومل من قبل أبويه المعاملة القاسية، وأدب من قبلهم بالضرب الشديد، والتوبيخ القارع، والتشهير والسخرية، فإن ردود الفعل ستظهر فى سلوكه وخلقه، وإن ظاهرة الخوف والانكماش ستبدو فى تصرفاته وافعاله، الأمر الذى قد يؤدى به إلى ترك المنزل نهائياً تخلصاً مما يعانيه من المعاملة الأليمة، وهكذا قد يتعرض إلى حياة التشرد والجريمة.

7-       مشاهدة أفلام الجريمة والجنس: ومن العوامل الخطيرة التى تؤدى إلى انحراف الشاب ما يشاهده فى دور السينما وعلى شاشات التلفاز من روايات بوليسية، وأفلام خليعة، وما يشاهده من صور فاضحة، ومجلات ماجنة، وقصص مثيرة، وهى بجملتها تشجع على الانحراف والإجرام، وهى كذلك تفسد أخلاق الكبار، فكيف بالمراهقين والأطفال الصغار؟! ومما لا يختلف فيه إثنان أن لمثل هذه الأجواء الفاسدة، والمشاهد الآثمة، أثراً بالغاً فى نفوس الشباب المراهقين، بحيث يتوجهوا نحو الرزيلة والفساد.

8-       انتشار البطالة فى المجتمع: ومن العوامل الأساسية التى تؤدى إلى انحراف الشباب، انتشار البطالة بين أفراد الأمة، وطبقات المجتمع. فالأب العاطل الذى لا يعمل ولا يجد من المال ما يسد به حاجة الأسرة، ويؤمن لهم حاجاتهم الضرورية، ومطالبهم الحيوية، فإن الأسرة بأفرادها ستتعرض للتشرد والضياع، وإن الأولاد سينزلقون نحو الانحراف والإجرام، وربما دفع ذلك أفراد الأسرة إلى التفكير فى الحصول على المال بأية وسيلة غير شريفة أو مشروعة كالسرقة والاغتصاب والرشوة… إلخ.

9-       تخلى الأبوين عن تربية الولد: من العوامل الرئيسة التى تؤدى إلى انحراف الولد تهاون الأبوين وتخليهم عن تربيته التربية الصحيحة. ينبغى ألا نغفل دور الأم فى حمل أمانة التربية، والقيام بواجب المسؤولية تجاه من ترعاهم، وتقوم على تربيتهم. وإذا قصرت الأم فى واجبها التربوى لانشغالها مع معارفها أو صديقاتها وخروجها من بيتها، وإذا أهمل الأب مسؤولية التوجيه والتربية نحو أولاده لانشغاله بمطالب الحياة أو غيابه المستمر عن المنزل أو لانصرافه وقت الفراغ إلى اللهو والسهر مع الأصحاب، فلا شك أن الأولاد سينشؤون نشأة اليتامى، ويعيشون عيشة المتشردين، بل سيكونون سبب فساد وأداة إجرام للمجتمع بأسره. (الحمد، 1414، 27)

10-     تعاطى المخدرات: تعد مشكلة تعاطى المخدرات من أهم المشكلات التى تسبب خطراً بالغاً يهدد أمن المجتمع لما يترتب عليها من أضرار بالغة ينعكس أثرها على الفرد والمجتمع، فالخمور والمسكرات والمخدرات تسبب مخاطر ومشكلات عديدة فى أنحاء العالم، وتكلف البشرية فاقداً مادياً وبشرياً يفوق ما تفقده أثناء الحروب المدمرة. وتحاول الصهوينة العالمية إغراق الكثير من الدول الإسلامية والعربية بالمخدرات وذلك عن طريق المنظمات السرية، والعملاء المجندين الذين تضعف نفوسهم أمام الإغراءات المادية (الشنتوت، 1994، 63).    وقد قال (أحمد فتحى سرور) عندما تنهار عوامل التربية السليمة، يتخلف النموذج الاجتماعى الواقى من الانحراف، ويجد الشباب فى المخدرات باباً خلفياً لدخول حياة مصطنعة وهمية يحيكها لهم وهم زائف، يقوم على أسرار العقاقير المخدرة.(عيد، 1981، 287) ولعل السبب الرئيس وراء تعاطى المخدرات ضعف الوازع الدينى، فعندما ينشأ الأولاد على غير التقوى والإيمان تنمو نفوسهم مشوهة على غير أصلها، ضعيفة لا تصمد أمام تقلبات الحياة العادية. وهذا ما أكده الدكتور أحمد العواجى –وكيل وزارة الداخلية السعودى حيث قال إن مأساة عالمنا نتاج تخليه عن قيمه الروحية، فإذا به اليوم يدفع ضريبة تخليه عن كل وازع دينى أو ضابط أخلاقى، بعد أن فصل العلم عن الأخلاق، والمادة عن الروح، ووصل بالحرية إلى مهاوى الانحلال والإباحية فوقع فريسة شهواته وملذاته، ضياع فى عالم المخدرات. ذلك أن الحصانة الحقيقية هى العودة إلى المبادئ السماوية فى الإيمان (العواجى، 1987).

وقد يتعجب كثير من الآباء من وجود ضعف الوازع الدينى عند أبنائهم ويتساءلون عن كيفية تسلل ذلك إلى عقول أولادهم وقلوبهم؟ وجواب ذلك: أن المدرسة المعاصرة وما بها من مناهج لا تخلو من أفكار علمانية في بعض البلاد الإسلامية، ووسائل الإعلام وما تبثه للمشاهدين من أفلام هابطة، ومناظر مثيرة، لا تراعى حرمة الدين، ولا قيم المجتمع وتراثه، بجانب الغزو الثقافى عبر القنوات الفضائية، ذلك الغزو الجديد الذى يفعل ما لا تفعله القنابل والمتفجرات. إنه يهدم العقائد الصحيحة، والأخلاق الكريمة، والعادات الحسنة، والشيم الحميدة، إنه غزو الشهوات والكأس والمخدرات. هذه الأسباب وغيرها هى أهم أبواب تسرب ضعف الوازع الدينى إلى أولادنا(الشنتوت، 1994، 70).

تعتبر الأسرة من أهم العوامل المسببة للإدمان، فالأسرة مسؤولة عن تكوين أخلاقيات الفرد بوجه عام. فالأسرة التى تكفل المأوى الصالح للفرد، وتغذى طفولته بالأمن والطمأنينة، وتبعد عنه عوامل القلق والاضطراب، وتمكنه من الحصول على حاجاته تضمن للطفل النشأة الطيبة السوية الخالية من آفة الإدمان. أما الأسرة التى يغيب فيها دور البيت، وضياع السلطة الأبوية بفقدان الأبوين أو أحدهما بالموت أو السجن أو المرض أو الطلاق، كثيراً ما يؤدى إلى نتائج سيئة تهيئ للانحراف والإدمان.(غبارى، 1999، 53)

كما أن العلاقات السيئة بين الوالدين والأبناء وما ينتج عنها من خلافات ومشاجرات مستمرة تؤدى إلى سوء تكيف الصغار وإلى كثير من ألوان السلوك الخاطئ للكبار، غالباً ما يدفع كلاً منهما إلى الانحراف والإدمان.

ويعد الانحراف الخلقى فى الأسرة فى مقدمة العوامل البيئية التى تدفع للمخدرات، حيث أن أخطر عوامل الانهيار الأخلاقى داخل الأسرة هو انحراف الوالدين أو أحدهما، أو انحراف أكبر الأبناء أو أكبر البنات. والمقصود بالانهيار الخلقى هو انعدام القيم الروحية والخلقية، وفقدان المثل العليا، واختلال المعايير الاجتماعية داخل جدران المنزل، مما يجعل الحياة داخل الأسرة مجردة من معانى الشرف والفضيلة، وتصبح فيها الجريمة والانحراف والإدمان وسوء الخلق أمراً عادياً، لا يرى فيه أفراد الأسرة غضاضة، ولا يحسون فيه معنى الخطيئة.(غبارى، 1999، 55)

كما إن إغراق الولد بالمال من دواعى اللجوء إلى عالم المخدرات، فبعض الآباء يدفع لولده مصروفاً كثيراً بدون حساب، وقد يكون هذا الأب مدفوعاً بعاطفته وحبه لولده، أو للمباهاة والمفاخرة أمام الناس. وعندما يجد الولد مالاً كثيراً يلتف حوله زملاء السوء من أجل ماله، ومن ثم يندفع نحو الشهوات مثل التدخين بدافع حب الاستطلاع، ثم يتناول الخمور ليدلل لزملائه أنه أكثر مالاً منهم، ومتى ولج الخمر أوصلته إلى المخدرات لأنها أكبر الكبائر.

والأب الحصيف هو الذى يعطى المال بقدر حاجته، ثم يسأله عن أوجه الصرف ليعود إبنه على أنه سيسأل يوم القيامة عن هذا المال وأين انفقه ليعتاد الولد على صرف المال فى الأوجه الصحيحة منذ صغره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن عمله ما فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه (أخرجه الترمذى عن أبى برزة، وهو حديث صحيح).

واتضح من دراسة (سلوى على سليم) أن 71% من الشباب المتعاطين للمخدرات فى مصر تعاطوها للمرة الأولى لمجرد حب الاستطلاع، ولم يعرفوا أن مجرد التجربة ستجعلهم متعاطين دائمين، ووجود المال الوفير معه هو الذى أغراه لذلك (سليم، 1989، 202).

ومن أسباب تعاطى الشباب للمخدرات سفرهم للخارج –بلاد الكفر- حيث يجد الشاب المسلم المحافظ على دينه الشهوات مبثوثة فى كل مكان: فى الفندق والشارع والمطعم، بل يجد سمسارة الرذيلة يتلقونه فى المطار وأينما حل يعرضون عليه خدماتهم فى تأمين ما يريد مما حرم الله ورسوله. وقد يجد هذا الشاب عملاء الصهيونية ينتظرونه بفارغ الصبر، ليؤدوا مهتهم فى إفساد شبابنا، وإدخال سموم المخدرات إلى مجتمعاتنا. والحل أن نمنع أولادنا من السفر لبلاد الكفر للسياحة. أما للضرورة فلا بد من وجود الرفقة الصالحة.

إن الاصدقاء والرفقاء الذين يرتبطون ببعضهم وجدانياً لهم تأثير قوى وخطير على بعضهم وخاصة إذا كانوا من المنحرفين. ولقد اتضح من الكثير من الدراسات أن الكثير من الشباب الذين أدمنوا المخدرات، كان وراءهم أصدقاء السوء، فالرغبة فى التقليد ومجاملة الأصدقاء، أو المجاراة، أو المباهاة، أو التفاخر بالرجولة، أو التظاهر بالشجاعة والجرأة، كل ذلك يزيد طريق المخدرات، ويدفع الكثير من الشباب إلى الانزلاق إلى هاوية الإدمان.

قال تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلاً، يا ويلتى ليتنى لم اتخذ فلاناً خليلاً، لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان للإنسان خذولاً سورة الفرقان(27 29).

وعن أبى موسى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير: فحامل المسك إما أن يحذيك –يعطيك مجاناً- وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة (أخرجه البخارى)

قال ابن حجر وفى الحديث النهى عن مجالسة من يتأذى بمجالسته فى الدين والدنيا، والترغيب فى مجالسة من ينتفع بمجالسته فيهما.

والجليس صيغة مبالغة من كثرة المجالسة والملازمة، ولاشك أن للجليس أثراً تراكمياً متدرجاً على شخصية المرء وأخلاقه (النغيمى، 1411هـ، 70).

وتدخل هذه الآثار التراكمية إلى نفس القرين دون أن يشعر، فإذا كان أحد القرناء يدخن والآخر لا يدخن، ويظن فى نفسه أنه لن يتأثر بقرينه، ولن يعتاد على التدخين، لكن تعوده على رائحة الدخان من قرينه، ثم الرغبة اللاشعورية فى التوحد مع قرينه تدفعه –دون أن يشعر- للتدخين (الشنتوت، 1994، 48).

يرى أساتذة علم الاجتماع أن التغير الاقتصادى السريع سواء أكان هذا التغيير إلى الرخاء أو إلى الكساد يؤدى إلى زيادة حجم ظاهرة المخدرات، وتعليل ذلك أن الرخاء المفاجئ قد يؤدى إلى وفرة المال وزيادة وقت الفراغ، الأمر الذى قد يؤدى بدوره إلى الاقبال على تعاطى المخدرات. كما أن هذه الثروات قد تصبح هدفاً لمهربى المخدرات الذين يحاولون فتح أسواق جديدة لها فى الدول الغنية، كما تجتذب عمليات التنمية والانفتاح التى تصاحب الرخاء الأيدى العاملة التى تأتى محملة بخبراتها وسلبياتها، ومن بين هذه السلبيات تعاطى المخدرات (غبارى، 1999، 64)

لقد أشار الدكتور حسن إبراهيم عبد العال بأن دول الخليج عرفت تعاطى المخدرات على أيدى العمال الذين هاجروا إليها. كما أضاف بأن حجم ظاهرة المخدرات فى مصر قد زاد مع التغير الاقتصادى الذى شهدته البلاد مع سياسة الانفتاح الاقتصادى، حيث دخلت المخدرات سوق الاستيراد أو التجارة كسلعة تحقق أكبر عائد من الأرباح فى أقل وقت ممكن (عيد، 1981، 480).

الكثير من الرجال والشباب يعتقدون بفائدة المخدر فى تنشيط الناحية الجنسية، ولقد ثبت علمياً بأنه اعتقاد خاطئ تكذبه الحقائق العلمية التى اثبتت مدى الضرر الذى يصاب به المدمن وأهم هذه الأضرار الضعف الجنسى (غبارى، 1999، 52).

لقد بينت نتائج أبحاث ظاهرة تعاطى الحشيش بمدينة القاهرة أن 25% من أفراد العينة قرروا أنهم قد بدأوا تعاطى الحشيش سعياً وراء تحقيق اللذة الجنسية، كما قرر 66% من أفراد عينة البحث الذى أجرته الجمعية المركزية لمنع المسكرات ومكافحة المخدرات أن الرغبة الجنسية من بين العوامل الرئيسة التى دفعتهم لتعاطى المخدرات (عيد ، 1981، 468). ومن الجدير بالذكر أن كل الدراسات اتفقت على أن المخدرات لا علاقة لها بالجنس ، بل تعمل على عكس ما هو شائع بين الناس (شوقى، 1985، 35). ومثل هذه الحقائق العلمية يجب أن تصل إلى أذهان الشباب من خلال أجهزة الإعلام المتعددة.

 11-    الغلو فى الدين (التطرف): الغلو لغة مجاوزة الحد، يقال غلا فلان فى الدين غلواً بمعنى تشدد فيه وجاوز الحد وأفرط فهو غال (المعجم الوسيط، 1972، 660).

 والغلو شرعاً: هو مجاوزة الحد بأن يزاد فى الشئ فى حمده أو ذمه على ما يستحق. والحد المقصود هو النص الشرعى، من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. وجاء فى فتح البارى: أن الغلو هو المبالغة فى الشئ والتشديد فيه بتجاوز الحد.(فتح البارى لابن حجر، 1380، 278)

 وقد دعا الإسلام إلى الوسطية وهى من أبرز خصائص الإسلام. قال تعالى :وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً (سورة البقرة، 143) فالإسلام يقدم المنهج الوسط فى كل شأن من شئون الحياة، ويحذر من المصير إلى الانحرافين: الغلو أو التقصير. وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى   قال:(إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)(رواه البخارى، 1/16 كتاب الإيمان)

 وقد خرجت بعض الفرق منذ القديم عن هذا المنهج الوسط، منهج أهل السنة والجماعة خلال القرون الأولى المفضلة، ومن أبرز هذه الفرق: الشيعة والروافض والخوراج والمعتزلة، وسائر أهل الأهواء.

 لقد ظهرت بعض جماعات الغلو (التطرف) فى بعض أقطار المسلمين خلال السنوات الأخيرة من هذا القرن، ولعل أبرز الأسباب التى أدت إلى هذه الظاهرة هى:

 1-  التحاكم إلى الأنظمة والقوانين الوضعية: كانت مسألة الحكم بغير ما أنزل الله هى السبب الرئيس للغلو المعاصر، حيث كانت الشكاية الكبرى للتيارات الإسلامية إبعاد الشريعة عن واقع حياة المسلمين مما يناقض الإسلام صراحة. ومن رد شرع الله ورضى بالأحكام والقوانين الوضعية فقد كفر بالذى أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وارتد عن دينه (الناصر، 1995، 104). قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (سورة المائدة، 44).

2-  العنف السياسى: إن الكبت والتسلط والقهر لا يمكن إلا أن يؤدى إلى قتل إنسانية الشعوب والقضاء على كرامتها. لقد كان التعذيب فى بعض البلاد الإسلامية التى لا تحتكم بشرع الله يمزق الأجساد، ويهدر الكرامة، ويهتك الأعراض بسبب الاختلاف السياسى مع السلطة الحاكمة. لقد كان استخدام القوة والعنف داخل السجون وخارجها أول جذور الغلو، حيث نشأة فكرة محاربة الأنظمة ورد الاعتداء بالقوة. لقد تم التضييق على التيار الإسلامى فى بعض البلاد الإسلامية التى لاتحكم بشرع الله وفتح المجال أمام الاتجاه العلمانى، فقد صودرت حرية الدعوة إلى الله فى تلك البلاد الإسلامية، بينما أفلت العنان فى المقابل لدعاة العلمانية والتغريب. وكانت لهذه المصادرة أثر كبير على الدعاة حيث اندفع بعضهم إلى العمل السرى ثم اتخذوا العنف منهجاً لهم.(الناصر، 1995، 106)

3-  الجهل بالعلوم الشرعية: إن الجهل وعدم معرفة حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، مع اندفاع الإنسان وراء عاطفته، قد يوقعه فى الغلو فى كثير من الأحيان. فإذا رأى المتحمس إنساناً يعصى الله ولو كانت معصيته صغيرة، لم يطق أو يتصور أن يكون العاصى مسلماً، أو مغفوراً له لشدة غيرته، فيؤدى ذلك إلى نوع من أنواع الغلو.

والجهل يزول عادة بالعلم، ولهذا رجع كثير من الخوارج الأوائل عن بدعتهم بالمناظرة، فقد رجع على يد عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أكثر من أربعة آلاف إنسان –فى مجلس واحد – لما ناقشهم (الناصر، 1995، 107).

وأبرز جوانب الجهل التى كان لها أثرها فى الغلاة الجدد: الجهل بالكتاب والسنة وبمقاصد الشريعة، والجهل بأدوات الاستنباط وأقوال العلماء وآثارهم، وبالواقع وملابساته. ولعل أبرز جوانب الخلل فى منهجهم: الحرفية فى فهم النصوص، وكثرة التأويل، وانعدام النظرة الشمولية، والتلقى المباشر من النصوص، وعدم الجمع بين الأدلة والاجتهاد من غير أهلية، وانعدام الموضوعية واتباع الهوى (اللويحق، 1412هـ، 113). وهذه أمور كثيرة لابد للشباب المسلم من التنبه لأهميتها فى مجال الدعوة.

4-      الفساد العقدى فى حياة الأمة المسلمة: لقد ضمرت العقيدة فى النفوس على توالى العصور، ثم بدأ الانسلاخ من أركان هذا الدين رويداً رويداً، فعطلت الأحكام الشرعية فى بعض البلاد، وتهاون بعض الناس فى الصلاة والصيام والحج والزكاة، حتى تحولت الشهادة نفسها إلى ألفاظ مجردة.

    وحينما تفسد العقيدة، وتفرغ كلمة التوحيد من محتواها الكامل، ويحصر الإسلام فى التلفظ بالشهادتين فقط، ويبعد الدين كله فى جانب قصى من الحياة، ويعيش المسلمون حينئذ فى وهن وذل وخضوع وانهزام نفسى أمام الطغيان المادى، وبهرج الحياة الزائف، تظهر تلك الجماعة المنحرفة كردود أفعال عنيفة، ومحاولة التمرد على الواقع المنحرف بجرعات قوية، تؤدى إلى الغلو والتطرف (الناصر، 1995، 108).

5-      الفساد الخلقى فى المجتمع المسلم:إن انتشار مظاهر الرذيلة فى البيت والمدرسة والجامعة والشارع والمتجر والحديقة والشاطئ والشاشة والإذاعة، إذا أقرها المجتمع وسكت عليها، يجب عليه أن يتوقع أنماطاً كثيرة من الغلو والتطرف. فما بالك إذا كان دور المجتمع هو تشجيع مظاهر الانحراف ودعمها وتبنيها؟

 وينسحب ذلك على أجهزة الإعلام والثقافة التى أصبحت حكراً لاتجاه معين، أو مذهب خاص، أو طائفة محدودة. فقد صودرت فى بعض البلاد الآراء النزيهة المعتدلة، فضلاً عن الآراء المتطرفة الغالية، ومثل هذا الوضع لابد أن يولد آلاف الأمراض فى المجتمعات (الناصر، 1995، 109).

 يضاف إلى ذلك هجمة التيار التغريبى على ديار المسلمين، وشدة وطأة الغزو الفكرى مع ضعف فى الولاء للمؤمنين، وتعلق بالغزاة وأفكارهم مما جعل التحلل يزداد، والفواحش تنتشر، وبات الصالحون لا يملكون القدرة على تغيير ذلك، مما دفع البعض إلى اليأس من إصلاح هذه المجتمعات، ومن ثم الاندفاع بقوة وعنف لإصلاحها.. والعنف لا يؤدى إلا إلى عنف مثله. ولابد من عودة الأمة إلى منابع دينها الصافية بلا إفراط ولا تفريط (الناصر، 1995، 110).

 6-      الجهاد بغير بصيرة: طالب معالى الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوازن عضو اللجنة الدائمة للبحوث والفتوى، وعضو هيئة كبار العلماء، بالحذر من مخاطر التشدد أو التساهل عند عرض مفهوم الجهاد فى الإسلام، مؤكداً أن الجهاد بمعناه الصحيح وضوابطه الشرعية فريضة عظيمة، وهو قوام الدين، والمسلمون مأمورون به، حتى إن بعض العلماء يعدونه ركناً سادساً من أركان الإسلام لكثرة ما جاء فى شأنه من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة.

 وقد أضاف د. الفوزان فى محاضرة له بعنوان: الجهاد ضوابطه وشروطه ألقاها ضمن برنامج العناية بالمساجد بجامع الإمام تركى بن عبد الله بمدينة الرياض أن قضية الجهاد تعرضت فى الآونة الأخيرة للكثير من اللغط من قبل أناس لا يمتلكون القدر الكافى من العلم، وهو ما أعطى الفرصة لأعداء الإسلام لمحاولة تشويه هذه الفريضة العظيمة.

لقد ذكر المحاضر أن الجهاد فى سبيل الله فريضة عظيمة، وهو قوام الدين كما قال صلى الله عليه وسلم :(رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله). وأضاف معاليه قائلاً: ولكن فى وقتنا هذا كثر القيل والقال فى هذه المسألة العظيمة، وتناولها أناس ليس لهم بصيرة ولا علم فتكلموا فى الجهاد ما بين متشدد وغال فيه، وما بين جاف ومتساهل فى أمر الجهاد، حتى إن بعض الجهال والمغرضين من أعداء الإسلام يصفون الجهاد فى الإسلام بأنه وحشية ! وأنه إكراه على الدين، والله جل وعلا يقول : لا إكراه فى الدين ويزعمون أن الإسلام ليس فيه قتال وليس فيه جهاد… هذا جانب، والجانب الآخر متشدد فيه ويتكلم بغير علم وبصيرة ولا ضوابط شرعية. (الفوزان، 1424، 26)

بعد ذلك عرَّف معاليه الجهاد وقال: الجهاد مصدر جاهد جهاداً والمراد به بذل الجهد فى طاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته ومن ذلك قتال الكفار. لقد قسم معاليه الجهاد إلى خمسة أنواع:

الأول: جهاد النفس فى طاعة الله عز وجل، فيأمرها بطاعة الله وينهاها عن معصيته.

الثانى: جهاد الشيطان الذى يدعوه إلى الكفر والشرك والمعاصى.

الثالث: جهاد العصاة والمخالفين وذلك بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

الرابع: جهاد المنافقين الذين يظهرون الإيمان والإسلام ويبطنون الكفر.

الخامس: جهاد الكفار وذلك بحمل السلاح والقتال وخوض المعارك والغزو فى سبيل الله عز وجل.

وأبان معاليه أن الذى يأمر بالقتال هو إمام المسلمين، ومن صلاحيات الإمام إقامة الجهاد وتنظيم الجيوش وقيادتها أو يولى من يقودها، ولا يجوز للمسلمين القتال بدون إذن الإمام، فالله سبحانه نهانا عن التفرق، بل الاجتماع تحت الإمامة والقيادة، حتى تقوى ريحنا، وحتى يبقى جمعنا متكاتفاً.

وأضاف معاليه إن الجهاد إذا صار على ما رسمه الله جل وعلا صار جهاداً نافعاً للأمة، أما إذا كان فوضى وبغير بصيرة وبغير علم، يصبح نكسة على المسلمين. فكم من المسلمين يقتلون بسبب مغامرة جاهل غامر بنفسه حتى أغضب الكفار وهم أقوى منه، فانقضوا على المسلمين تقتيلاً وتشريداً وخراباً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويسمون هذا جهاداً، وهذا ليس هو الجهاد لأنه لم تتوافر شروطه، ولم تتحقق أركانه، فهو ليس جهاداً وإنما هو عدوان لا يأمر الله جل وعلا به.

 سادساً: نتائج الدراسة:

1-  بالرغم من عظم مسؤولية تربية الأولاد فى الإسلام، إلا أن كثيراً من الناس قد فرط بها، واستهان بأمرها، ولم يرعها حق رعايتها، فأضاعوا أولادهم وأهملوا تربيتهم، فلا يسألون عنهم ولا يوجهونهم، وإذا رأوا منهم تمرداً أو انحرافاً بدأوا يتذمرون ويشكون من ذلك، وما علموا أنهم هم السبب فى ذلك التمرد والانحراف.

2-  أن التقصير فى تربية الأولاد، يأخذ صوراً شتى، ومظاهر عديدة، تتسبب فى انحراف الشباب وتمردهم، وارتيادهم عالم الجريمة، فمن ذلك النزاع والشقاق بين الأباء والأمهات، انفصال الأبوين بفعل الطلاق، سوء معاملة الوالدين للولد، الخلطة الفاسدة ورفاق السوء، مشاهدة أفلام الجريمة والجنس، تخلى الأبوين عن تربية الولد بدعوى الانشغال بأمور الحياة، ضعف الرقابة الوالدية، وسفر الشباب لبلاد الكفر.

3-     أن سوء التربية يؤدى إلى ارتياد الشباب لعالم المخدرات، ومن العوامل الرئيسة لذلك:

أولاً:    ضعف الوازع الدينى: بسبب عدم ربط الولد بالمسجد منذ نعومة إظفاره، واصطحابه إليه منذ الصغر أثناء الصلوات الخمس، وتحبيب المسجد إليه من خلال الالتقاء بجماعة الرفاق، والاستماع إلى الدروس الدينية والوعظ والإرشاد، وقراءة القرآن الكريم وحفظه.

ثانياً:    العوامل الأسرية إذ إن الأسرة التى يغيب فيها دور البيت، وضياع السلطة الأبوية بفقدان الأبوين أو أحدهما بالموت أو السجن أو المرض أو الطلاق غالباً ما يؤدى إلى انحراف الشباب ثم الادمان.

4-  أن غياب الرقابة الوالدية، وعدم تربية الشباب على هدى من القرآن والسنة، وعدم تمكينهم من أخذ أمور العقيدة من العلماء الثقات فى مجال العقيدة الإسلامية، غالباً ما يؤدى إلى الغلو والتطرف، وأن وراء الغلو والتطرف أسباب كثيرة هى:

¨    التحاكم إلى الأنظمة والقوانين الوضعية.

¨    العنف السياسى.

¨    الجهل بالعلوم الشرعية.

¨    الفساد العقدى فى حياة الأمة المسلمة.

¨    الفساد الخلقى فى المجتمع المسلم.

5-  الجهاد أمر عظيم، وإذا صار على ما رسمه الله عز وجل صار جهاداً نافعاً للأمة. أما إذا كان فوضى وبغير علم ولا بصيرة فإنه يصبح نكسة على المسلمين وسبباً من أسباب بلائهم كما أشار إلى ذلك معالى الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان.

 سابعاً: توصيات الدراسة:

إن الأمن بمفهومه الواسع مسئولية جماعية يشارك فيها كل فرد من أفراد المجتمع بنصيب كبير أو صغير كل حسب موقعه، وحسب إمكاناته. إذاً فالأمن ليس مسئولية رجال الأمن وحدهم أو الشرطة أو المسئولين عن المجتمع حكاماً ووزراء. إن جميع الفئات والطوائف والأفراد معنيون بالأمن وهم شركاء فى تحمل المسئولية الجماعية.

إن استقرار أى مجتمع من المجتمعات يحتاج إلى تضافر جهود أبنائه لتحقيق الأمن بمفهومه الواسع ولذلك فكل مؤسسات المجتمع مدعوة للمساهمة فى توفير الأمن بدءاً من الأسرة والمسجد والمدرسة، ووسائل الإعلام.

ومن ثم فإن المسئولية الأمنية يجب أن تتحول إلى أدوار محددة تساهم فيها المؤسسات فى تكامل وتآزر، وتنسيق حتى تؤتى ثمارها. ولكى يتحقق الأمن بمفهومه العام نحتاج إلى:

1-  تحديد مكونات المنظومة الأمنية وأبعادها، ومستوياتها بشكل منهجى وإجرائى وتوزيع هذه المهام والأدوار على كل مؤسسة وهيئة داخل المجتمع لتقوم بدورها.

2-  توفير مقومات الحياة الأساسية فى المجتمع لكافة الطبقات، وتقليل التفاوت بينهما بقدر الإمكان. فكما أن الله خلق الناس متفاوتين فما الذين فضلوا برادى رزقهم على ما ملكت إيمانهم فهم فيه سواء (النحل: 71) إلا أن الفجوة الكبيرة توغر الصدور. وفى حديثه فى افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة الثالثة لمجلس الشورى تحدث خادم الحرمين الشريفين عن إن الإصلاح الاقصادى عملية مستمرة طيلة الوقت وهى عملية بالغة الأهمية يتوقف على نجاحها نجاح التنمية الاقتصادية وتحسن أوضاع المواطن العيشية… وفيما يتعلق بمشكلة الفقر فقد قامت الدولة بمبادرة رائدة سلطت الأضواء على المشكلة. وهناك الآن دراسات عميقة لظاهرة الفقر يقوم بها نخبة من الخبراء السعوديين نأمل أن تصل إلى توصيات فعالة يلمس المواطنون بإذن الله آثارها الإيجابية فى كل مكان.

3-  تفعيل دور الأسرة المسلمة لتقوم بدورها فى تحصين الأبناء ضد الفكر المتطرف أو الانحراف، والعداوة، والعدوانية، وأساليب التوافق غير السوية. وذلك بنشر الوعى الأسرى، وتنمية روح المسئولية نحو الأبناء لدى الأباء والأمهات. وتوطيد أواصر الصلة بين أفراد الأسرة لتعود قوية كما كانت. فالأسرى هى حائط الصد الأول لحماية الجيل الجديد من أى انحراف.

4-  كما أن المؤسسات التربوية: المدرسة، الجامعة عليها عبء كبير فى إتاحة الفرص المناسبة لتلاميذها وطلابها للنقاش والحوار، وتقديم المثل والقدوة من جانب المعلمين وأعضاء هيئة التدريس فى التسامح، والتقبل، ورحابة الصدر فى النقاش… إن المؤسسات التربوية هى رأس الحربة لمقاومة كل انحراف فى المجتمع.

5-  إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو أحد أهم الأعمدة التى تقوم عليها أمة الإسلام وبه فضلت على سائر الأمم. ولذلك فإذا تواصى الناس بالخير، وكان كل مسلم مرآة لأخيه وفتحت القلوب لاستقبال النصح والمشورة بدافع دينى شرعى فإننا نجنى من ذلك لم الشعث ورأب الصدع، وثم توقى أسباب الهلاك، ورفعت البلايا عن البشر. إنه بذلك صمام أمان المجتمعات الإسلامية. وقد نعى القرآن على بنى إسرائيل إهمالهم التواصى بالخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم * ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون* كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (المائدة: 78 – 79 ) .  وهؤلاء اليهود لم يكونوا قد تركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بصورة كلية ونهائية بل إنهم كانوا يفعلون كلاً من الأمرين ولكنهم لم يكونوا يقاطعون الفاعلين للمنكر فقد كان أحدهم يرى الرجل على منكر محرم فيقول له يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض (رواه أبو داود).

6-  تنمية الشعور بالوحدة الوطنية باعتبارها صمام أمان للمحافظة على نسيج المجتمع وتماسكه. وهذا يتطلب وأد كل الفتن والشائعات التى تفت فى عضد الأمة، والتصدى لكل محاولات إحياء الفتن، والعصبيات أو التحزب أو التعصب. إن التعصب آفة تهدد كيان أى مجتمع فهو داء نود مخلصين لو نقهت منه البشرية. وفى ذلك يقول خادم الحرمين الشريفين فى افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة الثالثة لمجلس الشورى إن مسيرة الإصلاح لا يمكن أن تثمر إلا فى جو من الوئام الاجتماعى القائم على الوحدة الوطنية وهنا لابد من التنبيه إلى أن الوحدة الوطنية تتعارض مع الطروحات المتطرفة وتتطلب أجواء صافية من الحوار الأخوى الهادئ.

إن قصر مفهوم الوحدة الوطنية على ذلك الفهم الشائع والذى يقول أن الوحدة الوطنية هى الروح التى يجب أن تسود فى البلاد ذات الأديان المتعددة من تسامح وتحمل تتحلى بها أبناء كل دين فى مواجهة أبناء الدين أو الأديان الأخرى. هذا مفهوم قاصر، بل إن الوحدة الوطنية تتسع لتشمل العلاقات بين أبناء الوطن الواحد من المنتمين لدين واحد سواء أكانوا يعتنقون مذهباً واحداً أم مذاهب شتى فى إطار الدين نفسه بل يتسع المفهوم ليشمل ذوى المذاهب الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية المتباينة من أبناء الوطن الواحد (محمد سليم العوا، 1992).

7-  نشر الوعى بأهمية وقت الفراغ فى حياة الناس ولا سيما الشباب من الأمرين اللذين يغبن فيهما كثير من الناس. وقد أشارت الدراسات المتعددة عن أن معظم المشكلات التى تصب فى مجال الانحرافات السلوكية ولا سيما التعصب والتطرف مصدرها غياب الوعى باستغلال الوقت وشغل الوقت بما يفيد ثم يأتى بعد ذلك الرفاق. (إبراهيم الشافعى، 1998، 2003)

 8-  نشر الوعى الدينى الجوهرى Internal Religious بين الأطفال والشباب والراشدين والتأكيد على أن جوهر الإسلام هو الرحمة، وحسن الخلق، والتعاطف بين البشر ما لم يقاتلونا فى الدين. إن التدين إذا مس شغاف القلب، وكان جزءاً من حياة المسلم تراه يسير على الأرض هيناً ليناً شفيقاً بكل البشر، بل حتى بالحيوان والجماد. وقد فرق القرآن الكريم بين الإيمان والإسلام فى سورة الحجرات قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم. (الحجرات:14) وقد حدد القرآن أوصاف عباد الرحمن فى سورة الفرقان وحدد منها صفات وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. (الفرقان: 63)

إن قصر التدين على المظاهر الدالة على التدين فقط أمر يجافى حقيقة الإيمان. إلاّ أننا لا نقصد من ذلك نفى مظاهر التدين الخارجية، إذ إنها عنوان على هوية الأمة وتميزها إلاّ أن قصر التدين على هذه المظاهر هو خطأ فى الفهم يحتاج إلى التصحيح. وفى دراسة لأحد الباحثين الحاليين وجد أن هناك علاقة ارتباطية بين التدين الظاهرى External Religious وبين الاتجاه التعصبى Prejudical Attitude حيث أن التعصب والتمسك بالرأى على نحو من الجزم والقطع Dogmatism ونفى الآخر مرتبط بمن تدين تديناً ظاهرياً.

وهنا يحتاج الأمر إلى نشر الوعى الدينى على يد أئمة المساجد أو العلماء أو المعلمين وعقد الندوات والمؤتمرات، وحلقات النقاش لتصحيح هذا التوجه لدى الشباب.

9-  تنمية الشعور بالانتماء وإدراك أهمية الجماعة ونبذ الفرقة والاختلاف فإن لزوم الجماعة عبادة، والخروج عليها باب من أبواب الفتن وقد أكد القرآن أن التفرق هو سبب الفشل فى غير موضع منه ومن هذه المواضع قوله تعالى : ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ولن يتأتى شعور الفرد بالانتماء لجماعته إلاّ إذا كانت هذه الجماعة مشبعة لحاجاته النفسية والاجتماعية وأحياناً المادية.

 10-حسن اختيار الزوجين على أساس الدين من أجل الفهم الحقيقى للإسلام، والتطبيق العملى السلوكى لكل فضائله السامية، وآدابه الرفيعة. ولقد أرشد النبى صلوات الله وسلامه عليه راغبى الزواج بأن يظفروا بذات الدين، لتقوم الزوجة بواجبها الأكمل فى أداء حق الزوج، وأداء حق الأولاد، وأداء حق البيت على النحو الذى أمر به الإسلام، وحض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم. عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك) رواه البخارى ومسلم. وبالمقابل أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم أولياء المخطوبة بأن يبحثوا عن الخاطب ذى الدين والخلق، ليقوم بالواجب الأكمل فى رعاية الأسرة، وأداء حقوق الزوجية، وتربية الأولاد. روى الترمذى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد عريض). إذن الاختيار على أساس الدين والأخلاق من أهم ما يحقق للزوجين سعادتهما الكاملة المؤمنة، وللأولاد تربيتهم الإسلامية الفاضلة، وللأسرة شرفها الثابت، واستقرارها المنشود.

 11-ضرورة توعية الجماهير ومدهم بأحدث أساليب التنشئة الأسرية، خاصة وأن الدراسات الحديثة قد أثبتت أن أساليب التنشئة الأسرية السوية لها أثرها الواضح الذى ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية والعقلية والبدنية للطفل، والعكس صحيح فإن التنشئة غير السوية للأبناء تؤدى بهم إلى الاضطرابات النفسية والشخصية، وتدفعهم إلى الانحرافات السلوكية، والاتجاه نحو عالم الجريمة.

 12-أن تعمل وزارات التربية والتعليم على إقرار تدريس مادة التربية الأسرية ضمن المناهج الدراسية بالمرحلة الثانوية والجامعية لكل من الجنسين، حتى يكتسب الطلاب المقبلين على الزواج معرفة أفضل شروط وأسس اختيار شريك الحياة، وكيفية إقامة حدود الله فى تكوين الأسرة حتى تتسم بالطمأنينة والمودة والسكون كما فى قوله تعالى : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة (الروم: 21). يضاف إلى ذلك معرفة كيفية رعاية الأبناء وتنشئتهم تنشئة إسلامية صحيحة جسمياً وعقلياً واجتماعياً وانفعالياً ودينياً وخلقياً..إلخ.

 13-ضرورة مشاركة وسائل الاتصال الجماهيرية من إذاعة وتليفزيون وصحافة فى توعية الجماهير من خلال عرض برامج تعليمية خاصة بالتربية الأسرية، بجانب حث المرشدين والدعاة وخطباء المساجد على المشاركة فى هذا المشروع.

 14-العمل على تقوية الوازع الدينى لدى الأولاد منذ الصغر وتحصينهم من الانحراف بكل أشكاله وخاصة تعاطى المخدرات، وذلك من خلال:

-    ربط الولد بالقرآن الكريم منذ صغره، وغرس محبة الله عز وجل فى قلبه، وأيضاً محبة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

-     ربط الولد بالمسجد وبجماعة المسجد لتفادى أصدقاء السوء.

-    وضع الولد وسط مجموعة صالحة من رفاق الخير من خلال الإقامة والسكن فى بيئة صالحة لأن العامل الجغرافى هو العامل الأول فى انتقاء الأقران.

-    القدوة الحسنة باعتبارها سبيلاً من أساليب التربية الإسلامية، وكلنا مأمورون بالاقتداء برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة .

-     مراقبة الشباب عند السفر للخارج وضرورة وجود الرفقة الصالحة فى السفر.

 15-    قيام الجهات المعنية برعاية الشباب بوضع خطة شاملة لمتابعة مشكلات الشباب المعاصرة ومحاولة حلها فى ضوء أحكام الإسلام، على أن تتولى تلك الجهات مسؤولية توعية الشباب من خلال أجهزة الإعلام ودور العلم، عن كيفية قضاء وقت الفراغ بالأنشطة المفيدة، والسعى على تزويد المدارس والأندية وأماكن تواجد الشباب بالنشرات التوجيهية والأفلام التعليمية وبالخطب الدينية التى تتناول مختلف مشكلات الشباب من حيث أسبابها ودوافعها وآثارها السلبية المؤدية إلى الانحراف وسوء السلوك ثم الجريمة.

 16-    بما أن ظاهرة الغلو والتطرف نتاج طبيعى لمجموعة من العوامل والأسباب فإن علاجها يكمن وراء تفادى الأسباب التى أدت إلى ظهورها، ولعل أهم الأساليب لتفادى هذه الظاهرة ما يلى:

       ‌أ.        الاعتصام بالكتاب والسنة: فالله سبحانه وتعالى قد أمر هذه الأمة بالاعتصام بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن يتأمل فى مظاهر الغلو الموجودة فى العصر الحديث يتبين له أن تلك المظاهر خارجة عن مذهب أهل السنة والجماعة، وعن المعتقد الشرعى الصحيح. وعليه فإن نشر العقيدة الصحيحة وتدريسها فى المدارس والجامعات والمساجد، وتدارس أهل الدعوة لها ووضعها فى مناهجهم، سيحقق للمجتمع المسلم الحصانة من الغلو والتطرف بإذن الله.

      ‌ب.          نشر العلم الشرعى: يتميز دعاة الغلو بقصور باعهم فى مجال العلوم الشرعية، وينصب اهتمامهم على الدعوة، وذخيرتهم فيها الحماس والغيرة، دون علم شرعى. لذا يجب نشر العلوم الشرعية، ومعرفة الدليل بين الشباب، وأن تعقد لهم دورات خاصة لهذا الغرض، يشرف عليها علماء أكفاء ذوو علم وإخلاص.

      ‌ج.        تحكيم شرع الله ونبذ القوانين الوضعية: إن إبعاد الإسلام عن الساحة – فى معظم بلاد الإسلام- وحصره فى جانب العبادات والأحوال الشخصية، والخضوع إلى الأحكام العلمانية، من أهم أسباب فساد العقائد والتصورات، وظهور كثير من البدع والمخالفات. إن الغلو المعاصر كان بسبب تحكيم القوانين الوضعية، وما عليه المسلمون اليوم من ذل وتمزق لا يمكن أن يزول إلا بالرجوع لشرع الله سبحانه وتعالى. وقد جاء فى الأثر عن الإمام مالك رحمه الله حيث قال لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وهو الإسلام.

       ‌د.        محاورة أهل الغلو: أشار عبد الرحمن اللويحق فى كتابه (الغلو فى الدين فى حياة المسلمين) إلى ضرورة إقامة الحوار البناء مع الغلاة على أسس شرعية، فقد سن الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوب المحاورة مع الغلاة، ودحض شبهاتهم إذ رد على ذى الخويصرة بقوله (ويحك من يعدل إن لم أعدل)، كما حاور على رضى الله عنه الخوارج، وهو أسلوب ناجح لأن نور الحق ساطع.

 17-    ينبغى توعية الشباب بأن الجهاد فريضة عظيمة، وأن للجهاد شروطه الشرعية وأحكامه، وله تفاصيل نص عليها العلماء، وهو عبادة لأنه دفاع عن الحق ورد للمعتدين، واعلاء لكلمة الله، ومن أحكامه أنه لابد أن يدعو له الإمام ولى الأمر، لأنه هو المخاطب بإقامة الجهاد الشرعى، أما آحاد الناس فلا يصح منهم الجهاد مع وجود الحاكم ولى الأمر. وأدلة هذا فى الشريعة كثيرة. قال تعالى وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والخطاب هنا للنبى صلى الله عليه وسلم والخلفاء وولاة الأمر يقومون مقامه فى ذلك. وكان الصحابة يستأذنون النبى صلى الله عليه وسلم فى الجهاد، ولربما ردهم عن الجهاد إلى نوع آخر من العبادة، فمصلحة الجهاد وظروفها راجعة إلى الدولة، أى إلى ولى الأمر فهو أدرى بذلك، وهو المرجع فى ذلك شرعاً. وهذا ما أكده معالى الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد .

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الباحثان

قائمة المراجع:

1- القرآن الكريم.
2- إبراهيم الشافعى إبراهيم(1998): أثر برنامجين مقترحين على الاتجاهات التعصبية دراسة عاملية، تشخيصية، إرشادية، دكتوراة غير منشورة، كلية التربية جامعة طنطا.
3- ـــــــــــــ(2003): بعض المحددات الشخصية لذوى الاتجاه التعصبى من طلاب الجامعة. المؤتمر الدولى الثالث للعلوم الاجتماعية، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، 6-ديسمبر.
4- إبراهيم العواجى(1987): بحث ألقاه فى مؤتمر عالمى لمكافحة المخدرات، فيينا؛ نقلاً عن خالد أحمد الشنتوت.
5- إبراهيم وجيه محمود ومحمود عبد الحليم منسى(1983): البحوث النفسية والتربوية، القاهرة دار المعارف.
6- ابن حجر العسقلانى( 1380هـ):فتح البارى على صحيح البخارى، القاهرة، المطبعة السلفية، الطبعة الأولى.
7- ابن القيم(بدون): تحفة المودود فى أحكام المولود؛ نقلاً عن محمد بن إبراهيم الحمد، التقصير فى تربية الأولاد.
8- أحمد زكى بدوى(1982): معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، بيروت، مكتبة لبنان.
9- أحمد عبد العزيز سلامة وعبد السلام عبد الغفار(1980): علم النفس الاجتماعى، القاهرة، دار النهضة العربية.
10- الإمام البخارى(1407هـ): صحيح البخارى، تحقيق مصطفى البغا، بيروت، دار ابن كثير باليمامة.
11- الإمام الغزالى(1289هـ):إحياء علوم الدين، الطبعة الأميرية.
12- أمانى عبد المقصود (1999): الشعور بالأمن النفسى وعلاقته بأساليب المعاملة الوالدية لدى تلاميذ المدرسة الابتدائية، المؤتمر الدولى السادس لمركز الإرشاد النفسى، جامعة عين شمس، القاهرة691- 760.
13- جابر عبد الحميد جابر، وأحمد خيرى كاظم(1986): مناهج البحث فى التربية وعلم النفس، القاهرة، دار النهضة العربية.
14- جبر محمد جبر(1996): بعض المتغيرات الديمجرافية المرتبطة بالأمن النفسى، مجلة علم النفس، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة السنة (80-93)
15- حامد عبد السلام زهران(1984): علم النفس الاجتماعى، القاهرة، عالم الكتب، ط4 .
16- خالد أحمد الشنتوت(1994): كيف نحمى أولادنا من رفاق السوء والمخدرات، المدينة المنورة، مطابع الرشيد.
17- ونيه أوبير( 1982): التربية العامة، ترجمة عبد الله عبد الدايم، بيروت، دار العلم للملايين، ط5 .
18- صالح الفوزان(1424هـ): الجهاد إذا كان فوضى وبغير بصيرة وعلم يصبح نكسة على المسلمين، الإدارة العامة للعلاقات العامة بوزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد السعودية.
19- عبد الرحمن بن معلا اللويحق(1412هـ): الغلو فى الدين فى حياة المسلمين المعاصرة، مؤسسة الرسالة.
20- عبد الرحمن العيسوى(1985): سيكولوجية التنشئة الاجتماعية، الإسكندرية، دار الفكر الجامعى.
21- عبد الله ناصح علوان(1986): تربية الأولاد فى الإسلام، القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر، ج1 .
22- عبد الرحمن النحلاوى(1996): أصول التربية الإسلامية وأساليبها فى البيت والمدرسة والمجتمع، دمشق، دار الفكر.
23- كمال إبراهيم مرسى(2000): السعادة وتنمية الصحة النفسية، مسئولية الفرد فى الإسلام وعلم النفس، الكويت، دار النشر للجامعات، ج1 .
24- محمد إبراهيم الحمد(1414هـ): التقصير فى تربية الأولاد، مطبوعات المكتب التعاونى للدعوة والإرشاد، محافظة القويعية.
25- محمد إبراهيم كاظم(1986): التطور فى قيم الطلبة، دارسة تتبعية لقيم الطلاب فى خمس سنوات، القاهرة، الأنجلو المصرية.
26- محمد حامد الناصر(1995): بدع الاعتقاد، جدة، مكتبة السوداى.
27- محمد سليم العوا(1992): الانتماء الدينى والوحدة الوطنية، مجلة العربى،
العدد 398 .
28- محمد سلامة غبارى (1999): الإدمان: أسبابه، ونتائجه وعلاجه، الإسكندرية، المكتب الجامعى الحديث.
29- محمد الصاغ (بدون): نظرات فى الأسرة المسلمة.
30- محمد على حسن ( 1970): علاقة الوالدين بالطفل وأثرها على جناح الأحداث (دراسة تطبيقية لمشكلة الأحداث الجانحين فى الجمهورية العربية المتحدة)، القاهرة، الأنجلو المصرية.
31- محمد عودة وكمال إبراهيم مرسى ( 2000): الصحة النفسية فى ضوء الإسلام وعلم النفس، الكويت، دار القلم.
32- مقداد يالجن (1409هـ):أهداف التربية الإسلامية وغاياتها، الرياض، دار الهدى للنشر والتوزيع، ط2 .
33- هشام عبد الله (1996): الاتجاه نحو التطرف وعلاقته بالحاجة للأمن النفسى لدى عينة من العاملين وغير العاملين. مجلة الإرشاد النفسى، مركز الإرشاد النفسى، جامعة عين شمس، القاهرة، العدد 5 (21-88 ).
34- سلوى على سليم (1989): الإسلام والمخدرات دراسة سوشيولوجية لأثر التغير الاجتماعى على تعاطى الشباب للمخدرات ، القاهرة، مكتبة وهبة.
35- صالح على أبو عراد (1424): مقدمة فى التربية الإسلامية، الرياض، الدار الصولتية للتربية.
36- عبد العزيز النعيمى (1411هـ): المراهقون، الرياض، دار طيبة.
37- محمد فتحى محمد عيد (1981): جريمة تعاطى المخدرات فى القانون المصرى والقانون المقارن، رسالة دكتوراة، جامعة القاهرة.
38- مدحت عزيز شوقى (1985): أسطورة المخدرات والجنس، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
34- Weller, L. & Luchter, E (1983): Family relationship problems and promising youth. Adolescence, vol. 18, PP: 312-322.
أي أسئلة حول الدراسات الرجاء طرحها في المنتدى

لأفضل مشاهدة استخدم متصفح مايكروسوفت ودقة600×800
  دقة شاشتك الآن

جميع الحقوق محفوظة © 2003-2004 لموقع المنشاوي للدراسات و البحوث

copyright © 2002-2003 www.minshawi.com All Rights Reserved