شروط الواقفين بين الوضوح والغموض



(1)

ينشأ النـزاع وتقوم الخصومة لو قال الواقف : وقفت وقفي هذا على أولادي ثم على أولادهم ثم على أولاد أولادهم ثم على أولاد أولاد أولاد أولادهم نسلاً بعد نسل وجيلاً بعد جيل وطبقة بعد طبقة أولاد الظهور وأولاد البطون في الاستحقاق سواء ثم وثم على جهة بر لا ينقطع . ولم يذكر الواقف أيلولة استحقاق من يموت من الأولاد ، فإذا مات الواقف وترك ولدين وبنتاً هم محمد وخالد وصالحة ثم مات محمد عن ولده حسن ومات خالد عن سعيد وماتت صالحة عن فوزية ثم مات حسن عن أولاده ومات سعيد عن أولاده وبقيت فوزية فإلى من يؤول استحقاق الميتان حسن وسعيد؟   كما في الجدول رقم (1) :

 

الواقف

 

 

 

            ماتت

محمد

خالد

ط (1)

صالحة

 

        مات

 

            ماتت

حسن

سعيد

ط (2)

فوزية

 

        مات

 

 

له أولاد

له أولاد

 

 

جدول رقم (1)

وحيث يوجد في الوقت الحاضر أهل الطبقة الثانية وان شرط الوقف تضمن أن الوقف مرتب الطبقات بحرف (ثم) وأن الترتيب بحرف (ثم) يقتضي حصر الوقف في أصول أهل الطبقة الثانية ولا يستحق البطن الثالث شيئا ما بقي من البطن الثاني أحد ، وأن أيلولة استحقاق الميت من أهل الطبقة يعود إلى أهل طبقته ولا يؤول إلى ولده ، هذا ما تشير إليه متون فقه المذهب وهو المفتى به .

وأستميح القراء أن أذكر بإيجاز نبذة عن الوقوف بشكل عام وشروط الواقفين لعلها تساهم في إيضاح رسوم صورة الشرط وكل شرط مماثل .

التمهيد عن الوقوف عامة :

قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين:  " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ، صدقة جارية أو علم نافع أو ولد صالح يدعو له " .

ويقول العلامة الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (محاضرات في الوقف) : (وان الوقف الذي يكون فيه حبس العين على حكم الله تعالى والتصدق بالثمرة على جهة من جهات البر ، هو من أنواع الصدقات الجارية بعد وفاة المتصدق، يعم خيرها ، ويكثر برها ، وتتضافر بها الجماعات في مد ذوي الحاجات ، واقامة المعالم وإنشاء دور الخير من مستشفى جامع يطب لادواء الناس ونزل يؤوي أبناء السبيل وملاجئ تؤوي اليتامى وتقي الأحداث شر الضياع فيكونون قوة عاملة ولا يكونون قوة هادمة .

ولذا تكاثرت أبواب البر بأوقاف الصحابة ثم التابعين ثم من جاءوا من بعدهم واتبعوا هديهم بإحسان ، وان البلاد الإسلامية في شتى أجزائها كان الوقف فيها مصدر بر يهدي به الفقراء وتقام به دور الخير وخصوصا المساجد فما كانت بيوت الله لتعمر بغير الوقف وما كانت تنشأ إلا بفكرته ولا تقام فيها الشعائر إلا بصدقته ) ( وبعض الذين وقفوا اتخذوه ذريعة لمحاربة الميراث وحرموا البنات أو جعلوه قسمة ضيزى بين الذكور والإناث ، يطففون للبنات ويزيدون للبنين عن طريقه أو طريقهم الآثم ، ولقد كثرت هذه المآثم حتى شوهت الأوقاف وأخفت في كثير من الأحيان خيراتها ولكن من الحق أن نقول أنه كان بجوار ذلك الإثم بعض الخير ) .

فمن الناس من كانوا يخشون على أنفسهم الضياع وعلى أولادهم فيحصنون أموالهم بالوقف على أنفسهم ومن بعدهم على أولادهم أو على جهة بر لا ينقطع ) .

لذلك اتجه بعض المصلحين إلى إصلاح قانون الوقف واتجهت بعض الدول إلى إلغاء الوقف الأهلي أو الذري كما يسمى في غير مصر وهو ما يكون ابتداء على الواقف أو على من يحب ثم يكون انتهاء على جهة بر لا ينقطع . ثم ألحقوا وقوفهم على شروط – وكانت شروطهم محل نظر - .

شروط الواقفين :

لقد اختلف الفقهاء في مدى الشروط التي تدخل في منطقة الإباحة ومدى الشروط التي تدخل في موضع النهي ، فالحنابلة بالنسبة للشروط في العقود عامة لا في الوقف خاصة قرروا أن كل شرط لم يكن فيه نهي عنه فهو شرط صحيح يجب احترامه وكل شرط فيه نص على التحريم فهو محرم وما ليس كذلك فهو مباح .

وقال الظاهرية : كل شرط ورد أمر الشارع بالالتزام به فهو واجب الوفاء وما لم يرد أمر الشارع بوجوب الوفاء به فهو باطل وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى ، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط ) .

والأئمة الثلاثة مالك وأبو حنيفة وأحمد توسطوا بين الحنابلة والظاهرية فقالوا أن كل شرط يكون لازما إذا ورد به نص أو كان موافقا لمقتضى العقد ويكون باطلا إذا كان غير موافق لمقتضى العقد ولم يرد به أثر ولم يجد به عرف وان كان الشافعي خالف في الجزء الأخير ، ولقد قسم الشاطبي الشروط المقترنة بالعقود عامة تقسيما حسنا فقال : الشروط مع مشروطاتها على ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكون الشرط مكملا لحكمة المشروط وعاضدا لها بحيث لا يكون فيه منافاة لها على كل حال .

والثاني : أن يكون الشرط غير ملائم للمقصود شرعا من الشروط ولا مكمل لحكمته بل هو على الضد من الأول .

والثالث : ألا يظهر في الشرط منافاة لشروطه ولا ملاءمة ،   - وهذا محل نظر – كتاب الموافقات .

هذه قواعد عامة للشروط التي يشترطها العاقدون في تصرفاتهم وتلك اختلافات فقهاء الأمصار فيها ما بين مطلق ومقيد – وقد اتفقت كلمة الفقهاء على أن كل شرط ينهى عنه يكون باطلا وان اختلفوا من بعد في مدى النهي .

وانه في ضوء هذه التفرقة كان الاختلاف في شأن الشروط في الوقف بين الفقهاء ، فمن الفقهاء من نظر إلى معنى العبادة فيه فلم يشترط إلا ما يكون قريبا من القربة أو مؤكدا لمعناها ، ومن الفقهاء وهم الحنفية والمالكية من طبق شروط المعاملات .

وانه يلاحظ أن الحنابلة مع أنهم يطلقون الشروط في عامة العقود إلا إذا كان قد ورد نص صريح بالنهي ، ويقرر ذلك ابن تيمية في كتابه . العقود ، ويقيم الأدلة الكثيرة ، نجد بعضهم ومنهم ابن تيمية ذاته يمنع الإطلاق في شروط الواقفين باعتبار أن الوقف في أصل شرعته قربة ، فلا يحترم منه إلا ما يكون متفقا مع معنى القربة ولذلك جاء في فتاويه فيما يتعلق بشروط الواقفين ما نصه :_

الأعمال المشروطة في الوقف تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

أحدها : عمل يتقرب به إلى الله تعالى وهو الواجبات والمستحبات التي رغب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحض على تحصيلها ، فمثل هذا الشرط يجب الوفاء به ويجب استحقاق الوقف على جهة حصوله في الجملة .

والثاني : عمل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه فاشتراط مثل هذا العمل باطل باتفاق العلماء، لما قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب على منبره فقال : ( ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ،كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط ، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ) .

والقسم الثالث : عمل ليس بمكروه في الشرع ولا مستحب ، بل هو مباح بمستوى الطرفين ، فبهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به وجمهور العلماء من أصحاب المذاهب المشهورة وغيرهم على أنه شرط باطل ، فلا يصح عندهم إلا ما كان قربة إلى الله تعالى ، وذلك لأن الإنسان ليس له أن يبذل ماله إلا لما فيه منفعة في الدين والدنيا ، فما دام الإنسان حيا فله أن يبذل ماله في تحصيل الأغراض المباحة ، لأنه ينتفع بذلك ، فأما الميت فما بقي بعد الموت ينتفع به من أعمال الأحياء إلا عمل صالح قد أمر به وأعان عليه أو هدى إليه ونحو ذلك فإن الأعمال التي ليست طاعة لله ورسوله لا ينتفع فيها الميت بحال فإذا اشترط الموصى أو الواقف عملا أو صفة لا ثواب فيها كان السعي في تحصيلها سعيا فيما لا ينتفع به في دنياه ولا آخرته . ومثل هذا لا يجوز وهذا لأن مقصوده في الوقف التقرب .

ونجد هنا أن ابن تيمية يتجه إلى معنى القربة في الوقف فيبطل كل الشروط التي لا تكون قربة مقصوده ويبنى ذلك على أمرين :

أحدهما : أن الوقف ينفذ بعد الوفاة في أكثر مقاصده وإذا كانت الأشياء والأعمال مباحة للشخص ينتفع بها في الحياة فانه بعد الوفاة لا نفع له إلا فيما يكون قربة مقصوده مطلوبة من الشرع أما على جهة الندب أو إما على جهة الاستحباب وأما ما يكون مباحا فانه وان كانت له فائدة في حياته فلا فائدة منه بعد وفاته .

الأمر الثاني : انه اعتبر في الوقف والوصايا جهة القربة مما لا قربة فيه لا يجب الوفاء به .

ويقول ابن القيم رحمه الله : ( الإثم مرفوع عمن بطل من شروط الواقفين ما لم يكن إصلاحاً .. وما كان فيه حيف أو   آثم .. ) ويقسم الشروط إلى أربعة أقسام فيقول رضي الله عنه : وبالجملة فشروط الواقفين أربعة : شروط محرمة في الشرع وشروط مكروهة لله سبحانه وتعالى وشروط تتضمن ترك ما هو أحب إلى الله ورسوله وشروط تتضمن فعل ما هو أحب إلى الله ورسوله فالأقسام الثلاثة الأولى لا حرمة لها ولا اعتبار والقسم الرابع هو الشرط الواجب الاعتبار .

وقد سئل رحمه الله : أن الواقف إنما وقف ماله على أشخاص ارتضاهم ولم يرض بنقله لغيرهم وان كان الإنفاق عليهم أفضل من الإنفاق على الموقوف عليهم ، فأجاب بقوله (إن الله سبحانه وتعالى ملكه ( الواقف ) المال لينتفع به في حياته وأذن له أن يحبسه لينتفع به في حياته بل حجر عليه وملكه ثلثه يوصى به بما يسوغ أن يوصى به حتى إن حاف أو جار أو أثم في وصيته وجب على الوصي والورثة رد ذلك الجور والحيف والاثم ، ورفع الله سبحانه الإثم عمن يرد ذلك الحيف والاثم من الورثة والأوصياء وهو سبحانه وتعالى لم يملكه أن يتصرف في تحبيس ماله بعده إلا على وجه يقربه إليه ويرضاه لا على أي وجه أراد فلم يأذن الله ورسوله للمكلف أن يتصرف في تحبيس ماله بعده على أي وجه أراده  أبدا فأين في كلام الله ورسوله أو أحد من الصحابة ما يدل على أن لصاحب المال أن يقف ما أراد على من أراد ويشترط ما أراد ويجب على الحكام والمفتين أن ينفذوا شرطه ؟

هذه نبذة مختصرة عن الوقف عامة وشروط الواقفين وأقوال العلماء وآراء الفقهاء .

ولا خلاف بأن الوقف مرتب الطبقات ولفظ الواقف في شرطه جاء مطلقا من غير إيضاح عن استحقاق الميت من أهل الطبقة – وكتب القفه تنص بأن المطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن قرينة يحمل على المطلق من كلام الله ويفسر بما يفسر به .

وتنص القاعدة الفقهية أيضا بأن ( المطلق يثبت له حكم العرف ) وفي هذا الوقف العرف فيه أن يرث الولد والده وان ينتقل استحقاق الأصل إلى الفرع وقد يكون الترتيب في شرط الواقف من قبل المجاز المرسل كما في قوله تعالى :(( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون )) الآية .

وقد أطلق لفظ البيع ( وذروا البيع ) وقصد به جميع أنواع المعاملة من بيع وشراء واجارة وغيرها من المعاملات المتعلقة بمصالح الناس فيما بينهم فهو على سبيل المجاز المرسل .

وفي البحر المحيط يقول أبو حيان : وإنما ذكر البيع من بين سائر المعاملات ، لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق إذ يكثر الوافدون من القرى إلى الأمصار ويجتمعون للتجارة إذا تعالى النهار ، فأمروا بالبدار إلى تجارة الآخرة ونهو عن تجارة الدنيا حتى الفراغ من الصلاة .

والمعروف شرعا أن كل موضع ذكر الله فيه الولد دخل فيه ولد البنين بدليل قوله تعـــالى :(( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين … )) .

ولأن ولد ولده ولد له بدليل قوله تعالى :(( يا بني آدم )) .

فهل تحققت القربة للواقف بحصر وقفه هذا في شخص واحد من أولاد البطون وهو من أولاد الأباعد ويحرم الكثير من أولاده لصلبه والحق سبحانه وتعالى يقول :(( يوصيكم الله في أولادكم .. )) .

ويقول الحق سبحانه وتعالى :(( واضرب لهم مثلا .. )) ويقول المثل : " العطاء جواد " .

وصدق الله العظيم :(( وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون .. )) .

شروط الواقفين بين الوضوح والغموض

(2)

أقوال العلماء وآراء الفقهاء :

جاء في كتاب ( العقود الدرية ) لابن عابدين الجزء الأول ، نقلا عن الأشباه والنظائر في قاعدة العادة محكمة نقلا عن وقف فتح القدير ( إن ألفاظ الواقفين تبنى على عرفهم ..) وفي الأشباه من قاعدة أعمال الكلام أولى من إهماله :( إذا تعارض الأمرين إعطاء بعض الذرية وحرمانهم تعارضا لا ترجيح فيه فالإعطاء أولى لأنه لا شك أنه أقرب إلى غرض الواقفين .. ) ويقول أيضا ( والأقرب الى مقاصد الواقفين أنهم لا يقصدون حرمان أحد من ذريتـهم .. ) .

وفي كتاب ( شرح منتهى الإرادات ) : أن الإطلاق إذا كان له عرف صح وحمل عليه وعرف المصرف هنا أولى الجهات به وورثته أحق الناس ببره .. ) .

وفي كتاب الفتاوى الكبرى الجزء الرابــع ( ولا يلزم الوفاء بشرط الواقف إلا إذا كان مستحبا خاصة وهو ظاهر المذهب أخذا من قول أحمد في اعتبار القربة في أصل الجهة الموقـوف عليها .. ) . أ هـ ، ولا يوجد أصلا في نص شرط الواقف أيلولة استحقاق الميت إلى اخوته .

ويقول أيضا : ( إن لفظ الواقف والموصى والناذر والحالف وكل عاقد يحمل على مذهبه وعادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها وافق لغة العرب أو لغة الشرع أولا والعادة المستمرة والعرف المستقر في الوقف يدل على شرط الواقف أكثر مما يدل لفظ الاستفاضة ..) . أ هـ .

فهل لو سئل الواقف أن سكوته عن أيلولة استحقاق الميت من أولاده لا ينتقل إلى ولده لصلبه و إنما يعود إلى اخوته وهم أولاد بطون فهل كان يوافق على ذلك ويحرم أولاده لصلبه، وقد قال الشاعر :

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا          بنوهن أبناء الرجال الأباعد

  والظاهر أن سكوته مبني على العرف الشرعي بأن من مات يعود نصيبه إلى ولده وجاء أيضا في كتاب ( الفتاوى الكبرى ) الجزء الرابـع ، ( ألا ظهر فيمن وقف على ولديه نصفين ثم على أولادهما وأولاد أولادهما وعقبهما بعدهما بطن بعد بطن، انه ينتقل نصيب كل إلى ولده وان لم ينقرض جميع البطن الأول وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد ) .

وذكر هذا أيضا كتاب الإنصاف وكتاب حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع .

وجاء في كتاب الإنصاف الجزء السابع ( لو وقف على أولاده ثم على أولادهم ثم على الفقراء فالصحيح من المذهب : أن هذا ترتيب جملة على مثلها ، لا يستحق البطن الثاني شيئا قبل انقراض الأول ، قدمه في الفروع والفائق – ثم قال في القاعدة الثالثة عشر بعد المائة : هذا المعروف عند الأصحاب وهو الذي ذكره القاضي وأصحابه ومن اتبعهم فيكون من باب توزيع الجملة .

وقيل : ترتيب أفراد فيستحق الولد نصيب أبيه بعده فهو من ترتيب الأفراد بين كل شخص وأبيه ، اختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله وصاحب الفائق .

قال في الانتصار ، عند شهادة الواحد بالهلال : إذا قوبل جمع بجمع ، اقتضى مقابلة الفرد منه بالفرد لغة .

قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : فعلى هذا الأظهر استحقاق الولد وان لم يستحق أبوه ، وقال رحمه الله أيضا – فيما إذا قال بطنا بعد بطن " ولم يزد شيئا – هذه المسألة فيها نزاع والأظهر أن نصيب كل واحد ينتقل إلى ولده ثم إلى ولد ولده ولا مشاركة – انتهى .

وقال أيضا – ( والشروط إنما يلزم الوفاء بها إذا لم تفض إلى الإخلال بالمقصود الشرعي ولا تجوز المحافظة على بعضها مع فوات المقصود .

وقال العلامة الشيخ محمد أبو زهرة ( ولا شك أن قيام الفرع مقام أصله أقرب إلى العدالة والمصلحة وأقرب إلى أغراض الواقفين ومقاصد الشارع في البر والمصلحة ومن يتتبع كتيب الواقفين ، وما ذكروا من الشروط تأكيدا لحصر الوقف في الذرية يتبين له جليا أنه ليس من مقاصدهم أن يكون شيء من أوقافهم منقطع المصرف ومستحقا للفقراء ، ولا أن يصرف نصيب من مات عن ولد إلى غيره إلا إذا كان من قصده ذلك ونص عليه نصا صريحا .

(ولهذا عدل عن مذهب الحنفية الذين يرون أن الترتيب عن الطبقات ترتيب جملة على جملة لا ترتيب أفراد على أفراد ، وان الفرع يقوم مقام أصله ، شرط الواقف أم لم يشرطه فلا يحجب أصل فرع غيره من الموقوف عليهم .

   وأخذ في هذا بالأظهر من مذهب الحنابلة وما ذكره الحنابلة على أنه رأى أهل التحقيق عندهم ، وهو أن الترتيب ترتيب أفراد على أفراد وأن الفرع يقوم مقام اصله شرط الواقف أم لم يشرطه فلا يحجب أصل فرع غيره من الموقوف عليهم .

وما يستحقه الميت يكون لولده والمراد بالاستحقاق المستحق بالفعل سواء كان أصليا أم آل إليه عن استحقاق موقوف آخرين وإذا كان الأصل قد مات قبل الاستحقاق فمتى آل الاستحقاق لطبقته فان فرعه يحل إذ ذاك محله ويستحق ما كان يستحقه أصلا لو كان حيا ) . أ هـ ،

والقانون المصري المستنبط من أقوال الفقهاء الصادر برقم 48 لسنة 1946م فنص المادة (32) منه ما يلي :

( إذا كان الوقف على الذرية مرتب الطبقات لا يحجب أصل فرع غيره ومن مات صرف ما استحقه أو كان يستحقه إلى فرعه ، ولو لم يذكر الواقف أن الفرع يقوم مقام أصله ) .

       وتنص المادة (40) من القانون اللبناني أيضا ما يلي :

( إذا كان الوقف الذري مرتب الطبقات لا يحجب الأصل فرع غيره ومن مات صرف ما استحقه أو ما كان يستحقه إلى فرعه ، وإذا مات مستحق عن حصته وليس له فرع يليه في الاستحقاق عادت حصته إلى غلة الوقف الذي كان يستحق فيه وإذا لم يوجد أحد في طبقته صرف الريع إلى الطبقات التي تليها إلى أن يوجد أحد من أهل تلك الطبقة فيعود الاستحقاق إليها وإذا بطل استحقاق طبقة صرف الريع للطبقة التي تليها ) .

وجاء في كتاب أحكام الأوقاف للخـصاف ( قلت فان جعلها صدقة موقوفة على المساكين فاحتاج ولده أو قرابته هل يعطون من غلته ؟ قال : نعم .. من قبل أن هؤلاء الذين افتقروا من المساكين ، ألا ترى أنه جاء في الحديث .. لا تقبل صدقة ذي رحم محتاجة فولد الواقف أحق أن يعطوا من غيرهم ) .

وصدق الرسول الصادق الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم القائل ( صدقتك على غير ذي رحم صدقة وصدقتك على ذي رحمك صـدقة وصلة ) .

وقال عليه الصلاة والسلام ( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) ولأنهم أولى الناس بصدقات النوافل والمفروضات فكذا صدقته المنقولة ..

ومتون كتب الفقه المفتى به في المذهب تذكر أن الوقف مرتب بحرف (ثم) التي تفيد الترتيب ويقتضي الترتيب أن البطن الثالث لا يستحق شيئا ما بقي من البطن الثاني أحد – وهو حكم مبني على قول اجتهادي لا مدلول له من القران ولا سند له من السنة ، وهو اجتهاد يخضع لقاعدة الاجتهاد ، وما يصدر بالاجتهاد قد يكون صالحا ومناسبا لزمانه ولكن ليس بالضرورة أن يكون صالحا لكل زمان ومكان ، والقران الكريم فيه الناسخ والمنسوخ ، المنسوخ لأحكام كانت مناسبة في وقتها وناسخا بأحكام صالحة لزمانها – يقول صاحب كتاب روائع البيان في تفسير آيات الأحكام ( ومن المعلوم أن الأحكام ما شرعت إلا لمصلحة الناس وهذه المصلحة تختلف باختلاف الزمان والمكان فإذا شرع حكم في وقت من الأوقات كانت الحاجة ملحة إليه ثم زالت تلك الحاجة فمن الحكمة نسخه وتبديله بحكم يوافق الوقت الآخر فيكون هذا التبديل والتغير أقرب للمصلحة وأنفع للعباد ) .

أفلا يحق لنا في الوقت الحاضر أن نحمل لفظ شرط الوقف إلى الحسن المناسب وكأنه قال – ومن مات عن ولد فنصيبه لولده – فيكون أنفع وأصلح لذرية الواقف وعلى الرغم من كل ذلك فان حرف (ثم) لها عدة احتمالات نوضحها فيما يلي:

المعنى الوارد في حرف ( ثم ) :

   جاء في كتاب الصحاح للجوهري الجزء الخامس ما يلي :

( ثم ) حرف عطف يدل على الترتيب والتراخي ، وتكون بمعنى واو العطف نحو قوله تعالى ( فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ) .

وتكون بمعنى التعجب كقوله تعالى ( ثم يطمع أن أزيد كلا ..) .

وجاء في القاموس المحيط تأليف – مجد الدين الفيروز أبادي المتوفى سنة 817هـ ما يلي :

(ثم ) حرف يقتضي ثلاثة أمور :_

الأول : التشريك في الحكم أو قد يتخلف بأن تقع زائدة كما في قوله تعالى ( أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ) .

الثاني : الترتيب أولا تقتضيه كقوله عز وجــل (( وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله .. )) الآية .

الثالث : المهلة أو قد تتخلف كقولك : أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجــب – لأن ( ثم ) فيه لترتيب الأخبار ولا تراخي بين الاخبارين . أ هـ .

وقال المبرد : (على) بمعنى (في) كما أن (في) بمعنى (على) كما في قوله تعالى :(( لأصلبنكم في جذوع النخل ))  أي على جذوع النخل .

وحين قال الواقف ( ثم عـلى أولاد أولادهم ) أي ( وفي أولاد أولادهم ) وحيث تبين أن حرف (ثم) يقتضي عدة حالات، وان القاعدة الفقهية الأصولية تنص بأن ( ما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال ) .

وبما أن سببية عدم أيلولة استحقاق الميت إلى فرعه (ثم) فان (ثم) التي تطرق إليها الاحتمال لا بعتد بها في الاستدلال .

خاتمة البحث :

1_ يتضح مما تقدم أقوال العلماء وآراء الفقهاء حيال شرط الواقف والعمل بما كان فيه أحب إلى الله ورسوله ونحن هنا لا نطلب إلغاء نص ولا نريد إبطال شرط و إنما نلتمس أن تفهم عبارة الواقف على النحو الذي عقلوه وفهموه فالعادة والعرف والمفهوم السائد في حياة الواقف أغنته عن اللفظ الصريح في قيام الفرع مقام الأصل بعد وفاته بدليل أن الواقف أشرك أولاد بناته مع أولاده لصلبه وساوى بينهم في قسمة غلة الوقف بدون تفاضل حبا منه في صلة الرحم ورغبة منه في تعميم صدقته على جميع ذريته وإيمانا منه بأن شمولية الصدقة أفضل من حصرها ، فإعطاء الصدقة لعشرة أنفس خير وأفضل من حصرها في نفس واحدة ، وهو ما يتفق ويتمشى مع غاية الوقف وبر الصدقة ، فإذا اتضح هذا فأولى بنا أن نبرز المفهوم الذي قصد بحكم العادة والعرف ونصحح اللفظ الذي غمض في هذا الوقف بحكم تفاوت المفاهيم ونؤكد مقاصد الواقفين من حيث القربة والصدقة الجارية بقيام الفرع مقام الأصل ، فيكون ومن مات عن ولد فنصيبه لولده – فتعم الفائدة وتشمل الصدقة جميع ذرية الواقف عاجلا وآجلا .

2_ إن حرمان الفرع بوفاة الأصل وحصر الوقف في شخص واحد مدعاة للعداوة والبغضاء والحقد والكراهية بين الأهل والأولاد والأرحام فتنقطع صلة الرحم التي أمر الله بها أن توصل ، ويظل الفروع ينظرون إلى الأصول من أهل الطبقة نظرة حقد وبغضاء وينتظرون موتهم بفارغ الصبر ، وأولى بنا كما أمر الإسلام أن نضع المحبة مكان الحقد والمودة مكان البغضاء فتعيش النفوس في وفاق ووئام راضية مطمئنة ويتحقق للواقف الأجر والثواب .

3_ إن حصر الوقف في أهل الطبقة وعدم أيلولة استحقاق من يموت منهم إلى ولده مدعاة لإهمال الوقف وعدم تنمية ورعاية مصالحه ذلك لأن أهل الطبقة يرغبون تحقيق أكبر قدر من الاستفادة حال حياتهم لأنهم يدركون أن مردود الوقف إن نما لا يكون لأولادهم .

4_ لنتصور لو أن الله سبحانه وتعالى أمد في عمر الشخص صاحب الطبقة وعاش إلى الأمام خمسين عاما ، هل يظل الفروع وهم كثرة ينتظرون صدقة جدهم طيلة هذه المدة ومنهم الفقراء والمحتاجين والأرامل والأيتام ومنهم من يتكفف ولا يسألون الناس إلحافا ، هل هذا مما يحبه الله ويرضى به رسوله ؟ حاشا لله .

واقتبس من قول الشاعر :

نعيب زماننا والعيب فينا          وليس في زماننا عيب يعاب

وقد قال ابن القيم رحمه الله : ( الإثم مرفوع عمن بطل من شروط الواقفين ما لم يكن إصلاحا وما كان فيه حيف أو إثم ) .

إنني ألتمس من أصحاب الفضيلة علماءنا ومشايخنا الأفاضل ومن مجلس الأوقاف النظر في مثل هذه الشروط وكل شرط غامض بما حباهم الله من علم ودراية وأن يرعوها حق رعايتها ويقرروا فيها بما هو أحب إلى الله ورسوله ، فهل يبقى ويظل أولاد حسن وأولاد سعيد محرومين من هذا الوقف وتحوزه بمفردها عمتهما (فوزية) ، وهل يظل هؤلاء المحرومين ينتظرون بفارغ الصبر متى تموت عمتهم (فوزية) أليس هذا موجب لقطع الرحم وإيجاد الحقد والضغائن .

إني أخشى على أصحاب هذا الوقف غائلة الزمن وصدقة جدهم بين عينيهم وفي متناول يديهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وأختم قولي بما قاله الحق سبحانه وتعالى :(( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله )) ، وقوله تعالى :(( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ))  .

 

لأفضل مشاهدة استخدم متصفح مايكروسوفت ودقة600×800
  دقة شاشتك الآن

جميع الحقوق محفوظة © 2003-2004 لموقع المنشاوي للدراسات و البحوث

copyright © 2002-2003 www.minshawi.com All Rights Reserved
تصميم و تطوير : نعمان دوت كوم