تحديات الأمن الفكري و معوقاته في ضوء الثقافة الدينية

من أبحاث المؤتمر الوطني الأول للأمن الفكري الذي نظمته جامعة الملك سعود للفترة من 23/5 إلى 25/5/1430

ملخص البحث بعنوان:تحديات الأمن الفكري و معوقاته في ضوء الثقافة الدينية
بدر الحسن القاسمي
نائب رئيــس مجمــع الفقــه الإســلامي بالهنـــد

الملخص:
الإسلام دين " السلام" والإيمان مشتق من "الأمن" و لفظ "الأمن" يستخدم نقيضا "للخوف".
يقول الأصفهاني: أصل الأمن طمأنينة النفس و زوال الخوف.( ) و يقول الجرجاني: "الأمن" هو عدم توقع مكروه في الزمن الآتي.( )
و قد ورد في القرآن الكريم لفظ "الأمن" بصيغ مختلفة، والسياق يحدد المعنى في كافة الاستعمالات و مواضع الورود.
و قيل عن "الأمن": أنه تعبير عن سنة إلهية في خلقه و في تدبيره للكون.
قيل: إن الأمن حالة شعورية إذ لا قيمة للأمن إن لم يوجد الإحساس به، ثم إن "الأمن" كما يرتبط بالزمان كذلك يرتبط بالمكان أيضاً كما في قوله تعالى: {إذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَ أمْناً} و قوله سبحانه: و قوله سبحانه: {أوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُّجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِّنْ لَّدُنَّا} (القصص: 57)
إن الشريعة الإسلامية كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:
"مبناها و أساسها مصالح العباد في المعاش والمعاد‘ و هي عدل كلها‘ و رحمة كلها‘ و مصالح كلها‘ و حكمة كلها.( )
و إن "الأمن الفكري" هو أساس الأمن الاجتماعي والأمن السياسي، و به يمكن تحقيق السعادة للبشرية، و إن تحقيق "الأمن الفكري" في المجتمع يتطلب الجهد المتواصل من أجل تنشئة الجيل على سلامة الفكر، و قيمة الأمن، و روح المسامحة والمسالمة‘ و "بالأمن الفكري" فقط يمكن بناء مجتمع متماسك و جيل مبدع و منتج‘ يسعد به الناس و تنهض به الأمة.
إن "الأمن الفكري" يتحقق بصحة الاعتقاد، والتفقه في الدين، والتربية الواعية و بناء الشخصية الإسلامية المتزنة.
و يجب ترسيخ عقيدة التوحيد في النفوس لأنها هي جوهر الإيمان، و أن الإقرار بالعبودية لله وحده و نفيها عن غيره، والإيمان بألوهيته و ربوبيته يحرر الإنسان من الخضوع أمام المظاهر الكونية، و ينقذه من عبادة الطواغيت من الجن والإنس، و يزيل من قلبه خوف انقطاع أسباب الحياة، و مصادر الرزق. يقول الله عز وجل:
{وَ مَنْ يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَّهُ مَخْرَجاً، وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسٍبْ} (الطلاق: 2- 3)
فالمؤمن بالله وحده يبتعد عن عباده الأوثان‘ و عن السجود أمام مظاهر الكون‘ كما يتجنب الخضوع أمام الجماهير والشعوب، أو لتماثيل القومية والوطنية الجامحة، ولا ترعبه السلطات السياسية الطاغية شريطة التزامه بالحق والصدق.
{فأقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّيْنِ حَنِيْفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِيْ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا‘ لا تَبْدِيْلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّيْنُ الْقَيِّمُ} (الروم: 30)
إن الإيمان الصحيح القوي المتدفق يعطي الإنسان الشعور بالأمان و بالطمأنينة والسكينة، و أن الإنسان ما لم يشعر بالهدوء والاستقرار لا يمكن أن يكون عنصرا فعالا في المجتمع و إن القلق والاضطراب والشتات الفكري في الأفراد تنعكس سلبا على صلاح المجتمع و تؤخر خطط التنمية والتطوير.
كذلك الإسلام يحمى الإنسان من لحوق الضرر والأذى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم و أموالهم( ) و من القواعد الفقهية الأساسية: "لا ضرر ولا ضرار" و بنى عليها الفقهاء القواعد الأخرى مثل: الضرر يزال".
و يحث على تقدير حرمات المسلمين‘ و عدم الاعتداء عليها‘ فيمنع التجسس على المسلم في الحالات الاعتيادية‘ و يحبذ الستر عليه إذا كان خطأه غير متعد على المجتمع كما يمنع من إساءة الظن إلى أحد‘ أو ذكر أحد بسوء في غيابه.
يقول الله سبحانه:
{يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اجْتَنِبُوْا كَثِيْراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوْا وَلا يَغْتَبْ بَّعْضُكُمْ بَعْضاً، أيُحِبُّ أحَدُكُمْ أنْ يَأكُلَ لَحْمَ أخِيْهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوْهُ وَاتَّقُوْا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيْمٌ} (الحجرات: 12)
هذه الآية الكريمة تضع الإنسان المسلم في سياج أمني فلا تتطرق إليه الظنون والأوهام و لا يقوم أحد بالتجسس عليه ولا يذكره أحد بسوء في غيابه.
و فيها تأكيد على تنظيف المشاعر والضمائر فلا يكون الإنسان عرضة الهواجس‘ والشكوك والظنون‘ فيعيش الإنسان آمنا على بيته، آمنا على أسراره، آمنا على عوراته‘ فالحرمات والأنفس مصونة‘ والبيوت‘ والأسرار‘ والعورات مناطق محظورة على العابثين والمتطفلين.( )
يقول الإمام الغزالي رحمه الله:
إن الأمن مقصود به سلامة النفس والمال والعرض والدين والعقل و هي الضروريات الخمس التي لابد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، و قد اتفق الفقهاء على أن أمن الإنسان على نفسه و ماله و عرضه شرط في التكليف بالعبادات.( )
فالأمن نعمة عظيمة من أجل ذلك امتن الله سبحانه على قريش حينما قال:
{وَ آمَنَهُمْ مِّنْ خَوْفٍ} (قريش: 4)
و إن قوله تعالى:
{وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَّأتِيْهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهِ فَأذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوْعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوْا يَصْنَعُوْنَ} (النحل: 112)
يوحى إلى أن نعمة الأمن لا تقل أهمية من نعمة الطعام والشراب للإنسان، فلا تهنأ الحياة ولا يطيب العيش إلا بالأمن، ولا تزدهر الحضارة ولا يحصل التقدم والرقى إلا بالأمن، يقول الإمام الماوردي:
"إذا ساد الأمن واطمأنت النفوس وانصرفت إلى المعمِر المثمر‘ والإنتاج الذي ينشر الرخاء في ربوع الأمة فتتسع الأرزاق و تقل الأزمات والقلاقل.( )
يقول الإمام ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي مبينا حكمة تشريع قوانين المظالم:
إعلم أن أعظم المقاصد التي قصدت ببعثه الأنبياء عليهم السلام دفع المظالم من بين الناس فان نظامهم يفسد حالهم و يضيق عليهم ثم يقول:
والمظالم ثلاثة أقسام: تعد على النفس، و تعد على أعضاء الناس و تعد على أموال الناس فاقتضت حكمة الله أن يزجر عن كل نوع من هذه الأنواع بزواجر قوية تردع الناس عن أن يفعلوا ذلك مرة أخرى.
و يقول: فأعظم المظالم القتل‘ و هو أكبر الكبائر‘ أجمع عليه أهل الملل قاطبتهم‘ و ذلك لأنه طاعة النفس في داعية الغضب، و هو أعظم وجوه الفساد فيما بين الناس، و هو تغيير خلق الله، و هدم بنيان الله و مناقضة ما أراد الحق في عباده من انتشار نوع الإنسان.( )
لقد تنوعت الدراسات حول الأسباب التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب الجرائم و ممارسة العنف أو الإخلال بالأمن كما تنوعت الآراء حول السبل الكفيلة لمنع الجريمة سواء كانت تمس الأفراد أو تلحق الضرر بالمجتمع أو تخل بالأمن العام.
فهناك أسباب نفسية و جسدية و وراثية و اقتصادية و اجتماعية و دينية و كل ذلك تؤثر في بناء الإنسان كما تؤثر في تنشئته تنشئة غير سوية إذا نشأ الإنسان في بيئة فاسدة.
إن كوامن النفس الإنسانية لا يعلمها بدقة و إحاطة إلا الله الخالق سبحانه.
{ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيْفُ الْخَبِيْرُ} (الملك: 14)
فهو الذي يطّلع على سرائر القلوب‘ و دقائق النفوس و يعلم خائنة الأعين‘ و يرى ما تخفيه الصدور.
إن النظر في الإحصائيات التي تصدرها جهات الرصد والمتابعة عن الجرائم عموما يؤكد أن الدول غير المسلمة خاصة الدول التي تعتبر راقية و متطورة مازالت في رأس القائمة في معدل الجرائم.
ثم إن الجريمة أصبحت اليوم أكثر قوة و عنفا و انتشارا بفضل العولمة التي وضعت بأيدي المجرمين التقنية الحديثة من الاتصالات والمعلومات تسهل لهم الاستفادة من هذه المعطيات بكل ذكاء و مهارة.
إن إحدى العصابات قد استثمرت حوالي 500 مليون دولار لإنشاء قاعدة تكنولوجية خاصة بها، و إن محاولات العصابات لم تقف على هذا الحد بل عمت إلى وضع برنامج تنصت حديث يمكن عن طريق الإصغاء إلى الأحاديث الهاتفية‘ و رسائل الفاكس‘ بالإضافة إلى التحكم في خطوط الطيران القادمة والمغادرة‘ و يمكن لهذه الأجهزة أن تخزن ملايين المحادثات الهاتفية.( )
والمقصود من العقوبات إصلاح حال البشر لأن الأوامر والنواهي و حدها لا تكفي لحمل الناس على الخير والطاعة دون وجود عقوبات رادعة لنفوس شرسة و قد أوجب الشريعة أنواعا من العقوبات لمصلحة الناس لأن الشارع كمثل الطبيب قد يضطر إلى عمل جراحي لاستئصال المرض من عضو المريض المتآكل لإنقاذ حياته قبل أن يستشرئ في سائر جسده.
و الحدود هي العقوبة المقدرة من الشارع حقا لله تعالى، و أن الجرائم الموجبة للحدود قيل خمسة و هي:
السرقة، الزنا، الشرب، السكر، القذف قيل: ست بإضافة قطع الطريق و قد زاد البعض، البغي، والردة والزندقة، و سب الله، و سب الأنبياء والملائكة، و عمل السحر.
و إنما أوجب الشرع العقوبة لأن النفوس المريضة التي لا تنفع معها جهود التهذيب والتقويم، ولا أساليب التبشير والإنذار يجب أن تعاقب رحمة بالناس من جرائمها.
فالعقاب الشرعي يهدف إلى:
- ردع المجرم عن ارتكاب الجرائم، و عن تكرارها والعودة إليها بعد التوقف.
- تلقين الآخرين درسا حتى لا تتجرأ المجموعات الأخرى على ارتكاب مثل هذه الجرائم.
- إنقاذ المجتمع من الثأر والثأر المضاد كما هو سائد في القبائل البدائية لأن مسلسل الثأر يقضي على الأخضر واليابس.
إن قوة الإنسان على التفكير والتدبر والاستنتاج والاستنباط تميّزه على غيره من الكائنات الحيّة و إن وصف الإنسان بالحيوان الناطق، عند المناطقة ليس إلا لهذا الشعور والإدراك.
و "الفكر" كما يقول السيد الشريف الجرجاني هو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى المجهول".( )
و يقول الأصفهاني: إن الفكرة قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر، جَوَلان تلك القوة بحسب نظر العقل( ) و ذلك للإنسان دون الحيوان.
و إن القرآن الكريم يحث على إعمال الفكر، أو التفكر في الكون و في آيات الله المبثوثة في السموات والأرض.
فقد تكرر تعبير: {لعلكم تعقلون} (البقرة: 73, الأنعام: 151، يوسف: 2، النور: 61)
و {لقوم يتفكرن} (يونس: 24، الرعد: 3، النحل: 11، 61، الروم: 21، الزمر: 42، الجاثية: 13)
و {لقوم يفقهون} (الأنعام: 98)
إن المحافظة على الأمن تتطلب إجراءات وقائية لمنع الجريمة قبل وقوعها و ذلك ليعم الصلاح بين الناس ولا يكون الفساد في الأرض.
قال تعالى: {وَ لا تُفْسِدُوْا فِيْ الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا} (الأعراف: 85)
يقول الإمام الماوردي عن الجرائم:
(هي) محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزير ولها عند التهمة حالة استبراء تقتضيه السياسة الدينية، و لها عند ثبوتها و صحتها حال استيفاء توجه الأحكام الشرعية.( )
إن اصطلاح منع الجريمة بمعناه الواسع يشمل كل ما من شأنه أن يمنع وقوع الجريمة فهو يشمل إزالة عوامل الجريمة و أسبابها سواء كانت هذه العوامل والأسباب فردية أو اجتماعية، و سواء كانت هذه الأدلة تقتضي علاج الخصائص البدنية والعقلية أو تقتضي علاج البيئة التي يعيش فيها الفرد، والمجتمع الذي يعمل في محيطه.( )
إن "الأمن الفكري" إنما يتحقق بإزالة الأسباب التي تؤدي إلى العنف والتطرف و هذه العوامل كثيرة منها:
- انحراف الفطرة، ضعف الإيمان، إتباع هوى النفس، الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد، عدم إقامة الحدود والعقوبات الشرعية، وجود إعلام مفسد و مؤثر تأثيراً سلبياً، وجود رفاق السوء.
و هناك عوامل ذاتية في الإنسان تدفعها إلى حياة غير مستقيمة مثل:
- الوراثة، الذكاء، الأمراض النفسية، الأمراض الجسدية، الأمراض العقلية، إدمان الخمور والمخدرات.
أما العوامل الخارجية التي لها تأثير على حياة الإنسان فهي:
- نظام الدولة، الأسرة، المدرسة، الرفاق.
كما أن العوامل الثقافية أيضاً لا يستهان بها في تكوين الإنسان وهي:
- التعليم، وسائل الإعلام، الوضع الاقتصادي.
أما معالجة الوضع أو إصلاح الأمر فيمكن بالاهتمام بالعلم قبل كل شيء لأن العلم النافع هو ضمان "الأمن الفكري" و كما هو معلوم أنه رغم وفرة أدوات تبادل المعلومات في هذا العصر يوجد الشح في مجال العلم الشرعي الدقيق و مع كثرة المنتسبين إلى العلم هناك نقص حاد في صفوف الفقهاء النابغين.
و قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض ما يحصل في آخر الزمان حيث روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم و يثبت الجهل".( )
و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"يتقارب الزمان‘ و يقبض العلم‘ و تظهر الفتن‘ و يلقي الشح‘ و يكثر الهرج‘ قالوا: و ما الهرج؟ قال: القتل".( )
كما ورد من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فافتوا بغير علم فضلّوا و أضلّوا".( )
أن ما يشاهد اليوم من كثرة المتشددين من الشباب المتدينين يرجع في الغالب إلى أخذهم المعلومات الدينية من الكتب مباشرة عن غير مصادرها‘ و عدم اهتمامهم بالتفقه في الدين لدى المشايخ المعتمدين و إن مجرد حفظ النصوص من الكتاب والسنة من غير توفر أدوات الفهم الصحيح لا يجعل الإنسان فقيها ولا يؤهله لأن يكون مرجعا للفتوى.
و إلى هذه الحقيقة قد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيده على أن يبلغ الشاهد الغائب لأن "رب حامل فقه غير فقيه" أو رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
و هناك تأكيد على تلقي العلم من العلماء و أخذه عنهم لا كما يفعله بعض طلبة العلم اليوم من الاكتفاء بقراءة الكتب ثم الخروج بالآراء الشاذة والأفكار المنحرفة، فالواجب على الجميع أن يأخذ العلم من العلماء الراسخين لأن الجهل من أعظم الأسباب المؤدية إلى الغلو والاختلاف والتفرق.
و قد ينشأ الجهل عن سوء الفهم كما قال شارح العقيدة الطحاوية:
بل سوء الفهم عن الله عز وجل و رسوله صلى الله عليه وسلم أصل كل بدعة و ضلالة نشأت في الإسلام وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول لاسيما إن أضيف إليه سوء القصد.( )
فلا يمكن تحقيق "الأمن الفكري" ما دام كل واحد يفتي، و ما لم يكن هناك اهتمام بالتأهيل الشرعي والتأصيل الفكري من أجل إعداد جيل يتمتع بوسطية الفهم و يتجنب الغلو والاندفاع و لديه من ضوابط لفهم النصوص والتعامل مع الأدلة المتعارضة.
و من الملاحظ في العقود الأخيرة كثرة اهتمام الشباب بمسألة تصحيح و تضعيف الأحاديث والآثار و هذا مؤشر ايجابي فان الإسناد من الدين و لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، و ان وجود علم الجرح والتعديل و فن أسماء الرجال من مفاخر الأمة الإسلامية و قد شهد بذلك الأعداء أيضا، يقول المستشرق لويس شبرنغر (S PRENGER) في مقدمة كتاب "الإصابة في تمييز أحوال الصحابة" باللغة الإنكليزية:
"لم يشهد العالم في الأزمان الغابرة ولا الراهنة قوما أوجدوا فنا عظيما ذا شأن كبير مثل ما اوجد المسلمون فن "أسماء الرجال".والذي نتمكن بفضله من معرفة أحوال و أخبار خمسمائة ألف شخص"( ) فالاهتمام بالإسناد و علم أسماء الرجال أمر مهم للغاية و لا اعتراض على ذلك و لكن هناك جانب آخر و هو أكثر أهمية بل هو الهدف الرئيس من هذه العلوم و هو فهم ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث فهما دقيقا و به يظهر التفاضل بين العلماء.
إن الإمام الخطابي‘ والإمام بن دقيق العيد‘ والإمام ابن تيمية و تلميذه الإمام ابن القيم والإمام ابن الهمام لهم تميز واضح في فهم النصوص و ربط بعضها ببعض و تنزيلها على الواقع فينبغي أن يكون الاهتمام بهذا الجانب أكبر لأن معظم الفتن تحدث بسبب التركيز على بعض الأحاديث مع الإغفال عن الأحاديث الأخرى أو عدم إعطاء الآيات القرآنية مكانها من الاستدلال.
و من الناس من يفقد التوازن فيقع في إفراط و تفريط في تقييم الأمور فيبالغ و يشدد و يتقوقع و يأتي بأفكار و أعمال هي غريبة و بعيدة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد منع من الغلو، و من التنطع، و من انتهاج منهج التشدد في الدين.
قال رسول الله صلى عليه وسلم:
هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون. يقول الإمام النووي في شرحه: أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم و أفعالهم.( )
و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
إن الدين يسر و لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا و قاربوا و أبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة و شيء من الدلجة.في شرح هذا الحديث.
نقل الإمام ابن حجر عن ابن المنير: أن هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد رأينا و رأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، و ليس المراد منع طلب الكمال والأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل.( )
و قال: و إياكم والغلو في الدين.( )
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله:
و هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال.( )
بين العقل والنقل:
يقول الإمام الشاطبي:
إن الله جعل للعقول في إدراكها حدا تنتهي إليه لا تتعداه ولم يجعل لها سبيل الإدراك في كل مطلوب.( )
و يقول ابن خلدون:
العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور الآخرة، و حقيقة النبوة، و مثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال.
و هذا لا يدل أن الميزان في أحكامه غير صادق لكن العقل قد يقف عند حده ولا يتعدي طوره حتى يكون له أن يحيط بالله و بصفاته فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه.( )
و إن الأمن الفكري كما يحتاج إلى ضبط المتشددين والغلاة من المتدينين كذلك يتطلب الأمر إلى وضع الحد لتطرف العلمانيين والوجوديين والحداثييين فان نزعة العقلانية الزائدة تؤدي إلى التشكيك في النصوص الثابتة و تأويلها تأويلا لا يرضى بها قائلها.
و هناك ميزان دقيق لوضع الأمور في حدودها و قد أبدع في إيضاحها الإمام ابن تيمية رحمه الله في كتابه موافقة "صريح المعقول بصحيح المنقول" أو درأ تعارض العقل والنقل، فالعقل هو أساس التكليف في الإنسان فلا تكليف على مجنون فقد عقله، ولا صبي لم يكتمل عقله، لكن الوحي هو أساس العلم و إن ما جاء به القرآن الكريم هو تنزيل من حكيم حميد الذي لا يعزب عن علمه شيءفلا شأن للعقل من إنكار ما جاء به الوحي و ما ثبت من الدين بالضرورة.
لقد أضرت "الفلسفة اليونانية" في الإلهيات‘ المسلمين كثيرا لأنها فتحت بابا واسعا للجدال في الغيبيات و كانت مصداق:
{وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُّجَادِلُ فِيْ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَّ لا هُدىً وَّ لا كِتَابٍ مُّنِيْرٍ} (الحج: 8)
و ان ترجمتها إلى اللغة العربية في عصر الخليفة العباسي "المأمون" أشعلت معارك عقدية بين المعتزلة و أهل السنة، كما عمقت الخلافات بين الطوائف المنحرفة من القدرية والجبرية والجهمية والمرجئة والكرامية إضافة إلى الشيعة والخوارج.
و كان هذا الأثر مقدّرا من أعداء الإسلام فمن القصص المعروفة أن المأمون حينما طلب تلك الكتب من ملك الروم فرفض و بعد إصراره استشار الكاهن المسئول عن المكتبة فحبذ الفكرة و شجع الملك على إرسال الكتب إلى خليفة المسلمين قائلا:
"ما تدخل هذه الكتب في أمة إلا و تفسد عقيدتها"
و قد ظهر هذا التأثير عيانا في المناقشات التي جرت بين المتكلمين من الفرق المختلفة.
إن الإسلام دين العلم، ولا يمانع من الاستفادة من ثقافة أية أمة بل يعتبر "الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها" لكن مجال العقيدة‘ مصون بالوحي فلا مجال لترقيع العقيدة من أفكار أمم وثنية وغيرها.
إن الدين عند الله هو الإسلام و قد أكمله الله سبحانه على خاتم النبيين وضمن له الحفاظ من أي تغيير أو تبديل أو تحريف.
إن الأديان السماوية السابقة كانت تحمل العقيدة الأساسية نفسها لكن أتباعها قد غيروا و بدلوا فلا مجال للاستقاء منها ولا جديد لديها يمكن الاستفادة منها.
إنما مجال الاستفادة من الأمم الأخرى هي علوم الطبيعة عموما، والعلوم التجريبية والعلوم الصناعية الأخرى فلا حظر عنها في الشريعة الإسلامية ولا خير في التراث الروحي والإيماني والأخلاقي للأمم الأخرى فقد جاء الإسلام بما هو الأعلى والأفضل والأصلح والأوفق بالفطرة الإنسانية.
إن تحقيق "الأمن الفكري" يتطلب إقامة سياج أمني لتكوين جيل من خلال إعداد منهج تعليمي و تربوي ضامن لحمايته من الانزلاق الفكري أو الحركي و ذلك:
- بتأهيل الشباب تأهيلا شرعيا يمكنه من التعامل مع النصوص الشرعية والترجيح بين الأدلة المتعارضة عن كفاءة.
ثم إن مصطلحات الجهاد، الموالاة، التكفير أصبحت مصطلحات ذات حساسية و خطورة لما وقع في شرحها من إفراط و تفريط فيجب إيجاد شرح دقيق و متوازن لهذه المصطلحات لا يلغي مكانتها في قلوب الناس ولا تقضي على أهميتها كما لا يجعلها أداة في أيدي الشباب الغر من المتدينين لإثارة الفتنة بين المسلمين و إزهاق أرواح الأبرياء من أبناءهم بدفعهم إلى معارك لم تتوفر فيها الشروط الشرعية اللازمة.
- إن المسلمين يتميزون بإيجاد علمين مهمّين من بين العلوم الكثيرة التي أوجدوها لخدمة الكتاب والسنة و هما:
1- علم مصطلح الحديث
2- علم أصول الفقه.
الأول منهما يعطي للإنسان المسلم الذي يمارسه و ينتفع به منهجا عادلا، و ميزانا دقيقاً للتمييز بين المقبول و غير المقبول من العلم المأثور، فيجعل جميع ما يصله من أحاديث و آثار و أخبار على ذلك الميزان ليميّز بين الصحيح والضعيف والمقبول و غير المقبول منه.
ثم نظام تقسيم الأخبار والأحاديث إلى متواتر و آحاد و عزيز و غريب و صحيح و ضعيف يمكّنه من وضع كل حديث في مكانه.
أما "علم أصول الفقه" فيعطي ميزانا دقيقا آخر لفهم النصوص دون وكس ولا شطط و يعلّمه طريقة تحقيق المناط، و تخريجه، و تنقيحه، والتفريق بين المفهوم والمنطوق، و بين ما هو الثابت بعبارة النص و إشارة النص، أو اقتضاء النص.
فإذا أخضع الإنسان ما لديه من معلومات شرعية لهذين العلمين و ما فيهما من ضوابط لقبول النص و فهمه فلا يقع في الإفراط والتفريط في الأفكار الدينية والمفاهيم الشرعية بإذن الله.
أما المنهجية في إيضاح الحقائق، و بناء العقول السليمة في التعامل مع الآخرين فيحتاج الأمر إلى:
- إزالة التوحش لدى البعض من التعامل مع غير المسلمين في شئون الحياة و ذلك ببيان أن المشاركة مع غير المسلمين في الأمور التجارية والمعاملات المالية من البيع والشراء والإيجار والرهن أمر مباح و شائع و مأثور منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمنع من التعامل إلا ما هو محرم مثل التعامل بالربا والمخدرات والخمر و لحم الخنزير و ما شابه ذلك.
أما الضابط العام للتعامل مع غير المسلمين وبيان حدوده فهو ما أوضحه بعض الفقهاء المحققين وعلماء الدين الأعلام بدقة وبراعة.
يقول الإمام العلامة الفقيه الشيخ أشرف على التهانوي رحمه الله كما نقل عنه العلامة المحدث الشيخ ظفر أحمد العثماني رحمه الله في أحكام القرآن:
المعاملة مع الكفار على ثلاثة أنحاء:
أحدها: الموالاة أي الموادة وهي غير جائزة اطلاقا.
والثاني: المداراة أي إظهار حسن الخلق لهم وهي جائزة إما لدفع الضرر أو برجاء هداية الكافر أو باعتباره ضيفا و وافدا وجيها.
والثالث: المواساة أي إيصال النفع إليهم بإعطاء المال ونحوه وهي جائزة مع الذميين و من لا ضرر فيهم.
أما الاستعانة بغير المسلمين فقد:
• استعان الرسول صلى الله عليه وسلم بصفوان بن أميه وهو مشرك يوم حنين.
• واستعان بيهود بنى قينقاع وجعل لهم نصيبا من الغنيمة.
• واستعان برجل من خزاعة ليكون عينا على قريش.
بين الدين والسياسة:
- إن "السياسة" من الدين و لكن "الدين" كله لا يقتصر على "السياسة" فيجب إيضاح هذه الحقيقة حتى لا يقع الشباب في أخطاء وقع فيها بعض المفكرين الإسلاميين و زعماء الحركات الدينية فأدى تركيزهم على الجانب السياسي إلى عكس القضية في تحديد مهمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام حيث يقول السيد أبو الأعلى المودودي مثلا:
"فغاية مهمتهم في الدنيا إقامة الحكومة الإلهية وتنفيذ نظام الحياة بجميع أجزائه كما جاؤا به من عند الله، وهذه هي الغاية التي فرض الإسلام من أجلها العبادات: الصلاة والزكاة والصوم، والحج، والتعبير عنها بالعبادة لا يعني انها هي العبادة وحدها بل معنى ذلك انها تعد الإنسان لتلك العبادة: (إقامة الحكومة الإلهية) فكأنها مقررات تدريبيه لازمة لها.( )
فهنا يلاحظ بعض الناقدين من أهل العلم بأن الوسيلة تحولت إلى الغاية والغاية أصبحت وسيلة.
يقول العلامة سليمان الندوي الذي يعتبر الحكم في الإسلام أعظم نعمة من الله بعد الوحي والشرائع دون أن يذكر إسم المودودي:
"لا يوجد حرف واحد في سائر تعاليم الإسلام يدل على أن قيام الحكومة هو الهدف الأساسي لهذه الدعوة وان العقائد والأعمال والشرائع والأحكام والحقوق والواجبات كلها تمهيد لتحقيق هذا الهدف‘ بل الصحيح الثابت ان الشرائع والحقوق والواجبات هي الغاية وقيام الحكومة الصالحة ضمان لاستمرار هذه الأمور وسهولة أدائها وعدم ضياعها فالحكومة مطلوبة في الدين عرضا لهذا السبب"( )
إن تغليب الجانب السياسي في الفكر الإسلامي قد أثر في العديد من المفكرين العرب من زعماء الحركات الإسلامية كما أثر في توجيه بعض الشباب إلى أن لا همّ لهم غير استعادة المجد السياسي والاحتكاك الدائم مع السلطات القائمة و ما نتج عنه من مآسي لا يحتاج إلى بيان.
و في ضوء ما سبق تعين أن من أسباب الخلل في جانب "الأمن الفكري":
ــ الشحن العاطفي للجيل الصاعد مع فقد أو ضعف التأصيل الشرعي.
ــ تأثر الناس من برامج وأنشطة الحركات السياسية غير المأصّلة تأصيلا شرعيا صحيحاً.
ــ عدم وضوح الرؤية حول مفهوم الجهاد، والولاء والبراء وعدم التميز بين الموالاة والمداراة والمؤاساة لدى كثير من الدعاة والمفكرين.
ــ ثقافة الأخذ بظاهر النصوص من غير الالتفات إلى ضوابط فهم النصوص لدى سلف الأمة.
و من أجل بناء سياج "الأمن الفكري" و حماية البلاد والعباد من الفتن والكوارث المتلاحقة ينبغي اتخاذ الخطوات التالية:
ــ إعداد برامج تربوية لإعداد جيل محصن من الإنفعالات غير المنضبطة والتأثيرات الخارجية.
ــ إعداد الفقه الوقائي أو (فقه الحالات الخاصة) للتعامل مع الأوضاع العالمية الراهنة.
ــ بيان الأحكام الشرعية في شناعة قتل الأنفس و إثارة الفتن في المجتمعات الآمنة.
هذه وغيرها من التدابير الواقية سوف تساعد بإذن الله في نشر ثقافة "الأمن الفكري" والله ولي التوفيق،،،
*****
بدر الحسن القاسمي
نائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي بالهند
(المقيم بدولة الكويت)