من أبحاث المؤتمر الوطني الأول للأمن الفكري الذي نظمته جامعة الملك سعود للفترة من 23/5 إلى 25/5/1430
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا محمد وآله وصحبة وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد : فأجدني في غناء تام عن إعادة ما جاء في البحث في نسخته الكاملة ، كما أن الحضور الكرام في غناء أيضا عن أن أقرأ له البحث كله أو بعضه مع وجوده بين أيدهم ، ولذا سأسلك في عرض البحث طريقة مختصرة بتوصيف الموضوع ، وبيان أهدافه ، ثم إلماحة عن منهج البحث ، ثم أتجاوز صفحات البحث ومباحثه ، منتقلا إلى الخاتمة لأستعرض أهم نتائج البحث ، مضيفا إلى ذلك ما يؤيد هذه النتائج ، بذكر مآخذها ، وما يدل عليها ، وذلك كله من ورد في البحث ، وبهذا أكون قد عرضت البحث من غير إملال ، ولا مشاحة في الاصطلاح لو زعمت أن ذلك تلخيصا .
توصيف الموضوع :
يتناول البحث قضية النصوص الشرعية المتشابهة تشابها نسبيا ، التي فيها شيء من الغموض على العامة ، لكونها متعارضة ،أو مشكلة ، أو منسوخة ، أو عامة مخصوصة ، مما يشكل على غير الراسخين في العلم ،وكيف أن التعامل مع هذه النصوص الشرعية الكريمة له قواعده وأصوله عند الراسخين في العلم ،تضمن بإذن الله الوصول للفهم السديد لها ،وتوجب بتوفيق الله الفقه الصحيح لها ، ومن تجرأ على هذه النصوص بغير طريقة الراسخين في العلم فقد تعرض للزلل ، والخطل ،وركب مركب الضلال ، الذي قد يقذف به بعيدا حيث المعتقد السوء ، والفكر المنحرف ، ومشاقة المؤمنين ، ومعادتهم .
فيناقش البحث كيف كانت هذه النصوص ابتلاء من الله واختبارا للعباد ، وكيف سلك أهل الأهواء فيها مسلك التأويل الخاطئ ، فأورث ذلك خلالا في الفكر والسلوك ، ثم بعد ذلك يناقش سبيل السلامة والأمن في التعامل مع هذه النصوص .
ثم يتناول الباحث بعض النصوص الشرعية المتشابهة المتعلقة بالجهاد في سبيل الله ، لتكون محل دراسة تطبيقية ، ببيان كيف أخطأ في فهمها أناس، وغلط في تفسيرها فئات ، فكانت سببا لانحرافهم الفكري ، ثم اتخذوها وسيلة لزعزعة الأمن الفكري للمجتمع ، بمحاولة تضليل أفرادة ، حيث يتلون هذه النصوص مقرونة بفهم الذي توهموه ، ثم يبين الباحث وجه الغلط والخطأ ببيان طريقة الراسخين في العلم في فهم هذه النصوص الذي يمثل مسلك الأمن والسلامة في تفسير النصوص المتشابهة، ليتضح أن منشأ الخطأ والضلال هو مخالفة طريق الراسخين في العلم من أئمة الإسلام ، ويتضح أيضا عظم المسؤولية على علماء الشريعة ، وباحثيها وأكاديمييها ، في مواجهة الفكر المنحرف ، وصون شباب المجتمع ببيان الحق والصواب فهم النصوص الشرعية المتشابهة . وأحسب أن هذا الدور لا يطيقه غير العلماء ، وطلاب العلم والباحثين الذين أتقنوا علوم الشريعة ومسلك البحث فيها .
أهداف الموضوع:
يطمع الباحث الوصول إلى الأهداف التالية :
1- كشف وسيلة من الوسائل التى اتخذها أصحاب الفكر المنحرف للتغرير بالشباب المسلم ، ولزعزعة الأمن الفكري للمجتمع المسلم .
2- بيان الوجه الشرعي الصحيح في التعامل مع النصوص المشتبهة في مسائل الجهاد .
3- تجلية الدور المهم للعلماء الراسخين في مواجهة الفكر المنحرف ، ومن ثم دورهم في حفظ الأمن الفكري .
منهج البحث :
سلك الباحث المنهج العلمي الأكاديمي المقرر في البحث في المسائل الشرعية ، وأحب أن أبين هنا أنه عند نتاول آراء منظري الفكر المنحرف في باب الجهاد فإني ألتزم بتوثيق ما ينسب إليهم من رأي أو فهم أو تفسير للنص الشرعي ، وأشير إلى شيء من كتبهم ، لا للدلالة عليها ، ولا للدعوة للاطلاع عليها لغير الباحثين ، وإنما التزاما بأول البحث العلمي ، وعند مناقشة هذه الآراء أو التفسيرات أبين وجه البطلان من جهة الخطأ في الاستدلال بالنصوص الشرعية ، وإلا فإن أوجه بطلانها كثيرة .
أهم نتائج البحث :
1 - أهمية العناية بالنصوص الشرعية المتشابهة ، بالشرح والبيان والتوضيح ، وخصوصاً تلك النصوص التي تجرأ عليها أصحاب الأفكار الباطلة .
2 - التشابه واقع في النصوص الشرعية المتعلقة بالعقائد ، والأحكام كما أنه واقع في الكتاب والسنة .
3 - هناك أسباب تجعل بعض النصوص تشكل وتلتبس على غير الراسخين في العلم ، وقد اعتنى علماء أصول الفقه بهذه الأسباب ، وهذا دليل على أهمية علم أصول الفقه في استنباط الأحكام ، والاستدلال بالنصوص .
4 - وجود التشابه في بعض النصوص الشرعية هو مقتضى حكمة إلهية عظيمة .
5 - طريقة السلف الصالح في التعامل مع النصوص المتشابهة ، وفهمها تمثل طريقة السلامة والأمن والهدى في هذا الباب .
6 - طريقة أهل الأهواء تمثل طريق الانحراف والزيغ في التعامل مع النصوص الشرعية المتشابهة ، وتلك الطريقة تمثل خطراً على الأمن الفكري .
7 - خطورة الغلط في تفسير النصوص المتشابهة على الأمن الفكري ، فإن ذلك سبب رئيس من أسباب زعزعة الأمن الفكري ، حيث إن الذين غلطوا ضلوا في أنفسهم و انحرفوا ، ثم إنهم ينشرون هذا الضلال، والانحراف وينسبونه إلى النصوص الشرعية ليروج في الناس ، فينتج عن ذلك تلبيس وتشويش على الناس مما يعرض الأمن الفكري للاضطراب .
8 - أول انحراف فكري وقع في الأمة الإسلامية كان سببه الغلط في تفسير النصوص الشرعية المتشابهة ، ويمثل ذلك الخوارج .
9 - قوة الحجة والبيان مهمة في مواجهة الأقكار المنحرفة التي تتمسك باشتباه متوهم في النصوص ، وهذه مهمة أهل العلم .
10- استغلت كثير من التنظيمات المنحرفة التي تتسمى بالجهاد لكثير من النصوص الشرعية المتشابهة المتعلقة بالجهاد .
11- تلك النصوص ليست متشابهة في نفسها ، وإنما هم أدخلوا التشابه على أنفسهم إما لغلبة الهوى ، أو الجهل .
12- يتضح أن منهج تلك التنظيمات : أنهم يعمدون إلى نصوص ظاهرها العموم ، فيتمسكون بذلك العموم من غير التفات إلى الخصوص الذي عرض له ،كما تدل عليه أدلة أخرى ؛ لكون تلك العمومات مؤيدة لمنهجهم وفكرهم الذي رسموه لأنفسهم .
13- ينتقون بعد ذلك كلاماً مشتبهاً لبعض أهل العلم حول تلك النصوص ، مقطوعاً عن سياقاته ، ليعضدوا به تفسيرهم .
14- يحرص منظروا تلك التنظيمات على تبرير أعمالهم التخريبية بالاستدلال لها بالمعنى الذي توهموه في النصوص الشرعية المتشابهة ليكسبوا تأييد عدد من أفراد المجتمع .
15- فهم بعض منظري التنظيمات المنحرفة من النصوص الآمرة بقتال المشركين كافة عمومات غير مرادة لله ولرسوله ، وهي عند الراسخين في العلم مخصوصة من عدة جهات .
16 -النصوص الآمرة بإخراج المشركين من جزيرة العرب ، كثيراً ما تردد وتساق ؛ للاستدلال بها على أفكار وأعمال مخالفة للشرع ، وفهم الراسخين في العلم يبطل كل تلك الاستدلالات ، ويقطع الطريق على أصحابها ، والغلط ناشئ من فههم العموم في ثلاث قضايا هي : المراد بجزيرة العرب ، والمراد بالإخراج ، والذي يتولى الإخراج .
17- مسألتي البيات و التترس التي تكلم عنها الفقهاء ، هي غير مسألتي البيات و التترس التي ينظر لها زعماء تلك التنظيمات المنحرفة ، وصورة المسألتين عند علماء الإسلام غير صورتها عند هؤلاء ، والحاجة ماسة لبيان ذلك لعموم المسلمين حتى لا يخدعوا باستدلال أؤلئك بكلام أئمة الإسلام .
18- قصة انتقاض صلح الحديبية ، والاشتباه الذي أدخله عليها منظروا تلك التنظيمات المنحرفة ،من أهم أدلة أصحاب الضلال على التبرير لأعمال التفجير واستهداف المستأمنين في بلاد الإسلام ، وغلطهم ناشي من عدم فهم طبيعة عقد الأمان الخاص في الشريعة .
وفي الختام أسأل الله عز وجل للجميع السداد والرشاد ، ولبلدنا وأهله الأمن والإيمان والسلامة والإسلام .
وصلى الله وسلم على نيبنا محمد وآله وصحبة .