الأمن الفكري في ظل مبادي حقوق الانسان

من أبحاث المؤتمر الوطني الأول للأمن الفكري الذي نظمته جامعة الملك سعود للفترة من 23/5 إلى 25/5/1430

ملخص بحث:
الأمن الفكري في ظل مبادئ حقوق الإنسان
إعداد: د. خالد بن محمد الشنيبر
قسم الثقافة الإسلامية - جامعة الملك سعود
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
يظهر من خلال الرؤية النقدية الفاحصة للمجتمع المسلم في هذا العصر وجود تيارات متعددة يتمركز حديثها عن أحداث العنف والانحرافات الفكرية التي صاحبت العالم الإسلامي وأرجاء العالم عموما، في ظل غياب واضح عن الحديث حول ثقافة حقوق الإنسان وأهميتها في ترشيد وتوجيه وتفسير تلك الظواهر التي نعدّها نشازا ومخالفة لمبادئ الإسلام الصحيح.
ونجد في نفس الوقت أن بعض الباحثين والمثقفين بدأ يبعث الحديث عن مبادئ حقوق الإنسان "كما هي في المفهوم الغربي" لتكون له منطلقا مهما لجر المجتمع المسلم إلى انحرافات فكرية وعقدية وأخلاقية، مستغلا بذلك العمومية والقوة القانونية لمبادئ حقوق الإنسان.
وهناك العديد من المبادئ في حقوق الإنسان جاء بها الإسلام كما جاءت بها -بعد ذلك- النظم القانونية الدولية، ويظهر أن طَرْقها وتوضيح العلاقة بينها وبين الأمن الفكري من المسائل المهمة التي تحقق هذا الأمن، نظرا لوجود خلل واضح في قراءة مفاهيم حقوق الإنسان، وتطبيقها على الأمن الفكري الذي تريده المجتمعات الإسلامية، أو بالأحرى الشريعة الإسلامية.
وتقوم فكرة هذا البحث على عرض جوانب مهمة في العلاقة بين مبادئ حقوق الإنسان، وبين الأمن الفكري، ومن أهمها:
أولا: تحرير أهم مفاهيم حقوق الإنسان المتعلقة بالفكر، ومعاييرها، ودور هذا في تحقيق المجتمع المسلم لأمن فكريٍ متكامل، ينطلق من المفهوم الشامل للأمن الفكري.
ثانيا: نظرا لاتساع مفهوم الأمن الفكري، ولكثرة البحوث التي تحدثت عن الانحرافات الفكرية نتيجة الغلو في الدين؛ فقد جاء هذا البحث ليبين صورة أخرى من الانحراف الفكري، وهي المتعلقة بالتيارات الجافية عن الإسلام، والتي تتلاعب بمفاهيمه الثابتة ومسلماته اليقينية.
ثالثا: الحديث بطريقة علمية عن الموقف الإسلامي من حقوق الإنسان، وأثر ذلك في انتشار هذه الثقافة بين المسلمين، ودور ذلك في تحقيق الأمن الفكري، وخطورة بعض المفاهيم الموجودة في القوانين الدولية على الأمن الفكري للمجتمع المسلم.
والبحث في مضمونه يمكن أن نقسمه إلى قسمين رئيسيين:
الأول: الإطار المفاهيمي، وهو الذي يدفعنا للتساؤل والبحث عن حقيقة عدد من المفاهيم المتعلقة بحقوق الإنسان والأمن الفكري، وهل يمكن أن نضع لنا مفاهيم محددة وخاصة في ظل وجود العولمة، وكيف لنا أن نتعايش مع هذه التحولات الفكرية في العالم.
القسم الثاني: تحدثت فيه عن إمكانية بناء منظومة للأمن الفكري، ومدى قدرتنا على ذلك من خلال مبادئ حقوق الإنسان. وكان من أبرز ملامح هذا القسم الحديث عن الحريات العامة وهل يمكن من خلال تطبيقها أن نحافظ على مبادئ الأمن الفكري للمجتمع المسلم؟ وهل أصبحت الدعوة لنشر مثل هذه الحريات العامة (وخاصة حرية الرأي والتعبير والفكر، وحرية الاعتقاد) سببا لاستتباب الأمن الفكري للمجتمع أم أنها ستكون معولا ضد خصوصية المجتمع المسلم.
وقد خلصت في هذا البحث إلى عدد من النتائج والتوصيات:
1- حاولت هذه الدراسة أن تركز على الانحرافات الفكرية التي تحاول استغلال بعض المبادئ في حقوق الإنسان، بحيث ركزت على عمليات الانحراف في التعامل مع نصوص الشريعة الإسلامية القائمة على مبادئ الأمن الفكري للمجتمع المسلم.
2- الأمن الفكري منظومة متكاملة، لها معنى واسع وعميق، فلا بد أن تكون الدراسات المتعلقة به مهتمة بصيانة الفكر من الخلل أيا كان نوعه، سواء كان في وادي الغلو الزائد في الدين، والمنحرف عن طريق الوسط، أو الانحراف المعاكس له، والذي يظهر فيه عدم الاكتراث بدين المجتمع المسلم، أو من ناحية استبعاد دور الدين في المجتمع المسلم.
3- هنا خلل عند البعض في مقابلته بين مصطلح "الأمن الفكري" ومصطلح "الإرهاب"، بجعلهما مصطلحين متقابلين، والحقيقة أن مصطلح الأمن الفكري مفهوم شامل لكل ما يهدد كيان وفكر وثقافة المجتمع، ومقاومة الإرهاب والعنف جزء من المراد بالأمن الفكري.
4- هناك إشكال في الربط بين مبادئ حقوق الإنسان في القانون الدولي، وجعلها مماثلة لما في الشريعة الإسلامية، نظرا لوجود عدد من النقاط الخلافية بين المنهجين. فمبادئ حقوق الإنسان صيغت من وجهة النظر الغربية الناقمة على الكنيسة، ولذا فقد يشكل هذا خطرا على الأمن الفكري للمجتمع المسلم.
5- مفاهيم الأمن الفكري -في عدد من الأحيان- مختلفة في الأولويات والمضامين بين المجتمعات العالمية بحسب توجهاتها السياسية والاجتماعية والدينية، فما يُعد في المجتمع المسلم من مسلمات الأمن الفكري (كحفظ الدين)، هو في أنظمة أخرى يُعد أمرا ثانويا لا اعتبار له.
6- مع كون حرية الرأي والفكر إحدى المطالب الشرعية في استصلاح المجتمع المسلم، إلا أن الخطر على الأمن الفكري في المجتمعات الإسلامية يكمن في المفهوم الغربي لحرية الرأي والفكر؛ حيث أن هذه المفاهيم تم استغلالها في البلاد الإسلامية لترويج آراء وأفكار منافية ومتصادمة مع منهج الإسلام، وهي في نفس الوقت مستمدة من مناهج غربية في دراسة النصوص التاريخية، حتى أضحى المسلمون يجدون بين أظهرهم من يشكك في مسلمات القرآن والسنة النبوية، بل وفي ثبوت نصوصها.
7- تعد الضروريات الخمس من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وهي في نفس الوقت تشكل لبنة أساسية لتكريس مبادئ حقوق الإنسان في الإسلام، وأساسا مهما من أساسيات تحقيق الأمن الفكري، وخاصة ما يتعلق بحفظ الدين، والعقل، والنفس.
8- مصطلح حرية الاعتقاد مصطلح متفق عليه بين الأنظمة الدولية والشريعة الإسلامية، لكن يبقى أن هناك اختلاف في تفاصيل هذا الحق، إذ الإسلام يُجرّم الردة ويمنع مظاهر الوثنية، عكس الأنظمة الدولية، وهنا يكون المدخل الخطير على الأمن الفكري العقدي للشعوب الإسلامية.
9- توصي هذه الدراسة بالاستعجال في تفعيل حقوق الإنسان في الإسلام، وجعلها أصلا مهما في الثقافة الإسلامية، والإكثار من إبراز معالم الاهتمام بالفكر والعقل، وكيف وازن الإسلام بين الحرية في ذلك، وحفاظ المسلم على دينه وعقيدته.
10- توصي هذه الدراسة القيام ببحوث متعددة عن دور نشر ثقافة حقوق الإنسان في الإسلام لتجنيب المجتمعات الإسلامية من الانحرافات الفكرية، والتي من ثمارها ما يحدث من عمليات العنف التي تحصل فيها، سواء كانت مع غير المسلمين أو مع المسلمين، ومحاولة استكشاف العلاقة بين تكريس مبادئ حقوق الإنسان في عقول الفرد المسلم، وبين احترام الأرواح والحريات.
11- لا تزال الحاجة ملحة في تأصيل الكثير من المسائل الحادثة والمعاصرة وفق نصوص الوحي، لا وفق كتابات بعض الكتاب الذين ينحون فيها نحو العقل تحت ضغط الواقع كثيرا، فالاندماج الدولي يحتاج إلى تخطيط يحافظ فيه المجتمع المسلم على خصوصيته، مع قدرته في نفس الوقت في التعامل مع التغيرات الدولية المعاصرة، وهذا ما يدفع إلى حث العلماء والمثقفين للقيام بمثل هذه الدراسات المحافظة.
12- توصي الدراسة بتوسيع هذا البحث ليربط بين المبادئ المتعددة في حقوق الإنسان وبين الأمن الفكري في المجتمع المسلم، وتبيين نقاط التأثير في حقوق الإنسان والتي يمكن من خلالها بناء حصانة فكرية؛ سواء من خلال الواجبات المنوطة بالشخص، أو من خلال معرفته للحقوق التي له.