التلفيق بين المذاهب الفقهية وعلاقته بتيسير الفتوى

من أبحاث مؤتمر الفتوى وضوابطها لتي ينظمها المجمع الفقهي الإسلامي

التلفيق مصطلح ظهر في القرون المتأخرة, وكثر الحديث عنه في القرن العاشر وما بعده, وهو فرع من فروع التقليد, والمراد به: التقليد المركب من مذهبين فأكثر في مسألة عملية واحدة.
وقد فسره بعض الباحثين بمراعاة الخلاف, وجعله بعضهم بمعنى تتبع الرخص, وخرجه بعضهم على مسألة إحداث قول ثالث, وقد بينت وجه الشبه بينه وبين هذه الثلاثة, وذكرت الفروق الدقيقة التي تميزه عنها.
ثم عرضت أقوال الفقهاء في حكمه وأدلتهم والمناقشات الواردة عليها, وخلصت بعد ذلك إلى رأي مختار, وهو:
أن التلفيق لا يجوز للمجتهد قصده من غير نظر في الأدلة المعتبرة, بل يجب عليه أن ينظر فيها, فما أداه اجتهاده إليه عمل وأفتى به, وإذا توصل إلى رأي فيه تلفيق بين
قولين أو أكثر فلا تثريب عليه; لأن التلفيق حصل تبعا لا بالقصد الأول.
وإذا عجز عن معرفة حكم المسألة إما لعدم وقوفه على الأدلة, وإما لتعارضها في نظره; فإنه يلجأ إلى التقليد الذي لا تلفيق فيه.
والعامي يجب عليه سؤال أهل الذكر, ولا يجوز له التلفيق; لأنه لا يرجح قولاً على آخر, أو يلفق بين قولين إلا تبع ً ا لهواه وشهوته, ولو قيل بجواز التلفيق له لكان ذلك فتحا للإباحية من أوسع أبوابها.
ولما كان من أبرز ما يعتمد عليه بعض َ من أجاز التلفيق أنه سبب للتيسير الذي هو من أعظم المقاصد الشرعية, وذلك من خلال مراعاة ضرورة المستفتي وحاجته, أو ضعف دينه وحاله, أو سعي المفتي في تصحيح عبادة المستفتي أو معاملته; فقد ناقشت ذلك, وبينت أن التيسير مقصود شرعي يجب على المفتي أن يراعيه في حدود الضوابط التي دلت عليها الشريعة بأدلتها الجزئية أو الكلية, وأن المكلف لا يقع في أمر يقتضي التيسير إلا وفي الشريعة الرحبة ما يدل على التوسعة فيه من غير حاجة إلى تلفيق أو غيره, ولهذا لم يحتج الفقهاء خلال قرون متطاولة إلى التلفيق مع كثرة النوازل والوقائع التي حدثت في زمانهم, وبالله التوفيق.