من الآثار الإيمانية لتعليم وتعلم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع

من الآثار الإيمانية لتعليم وتعلم القرآن الكريم على الفرد والمجتمع
إن المسلم مطالب دائماً أبداً بالمنهج الذي جاءه من عند الله ـ سبحانه وتعالى ـ حق التمسك، وتطبيق هذا المنهج في حياته كلها، وبدهي أن تكون بداية التمسك والتطبيق بالتعليم والتعلم.
ولكن الملاحظ - وبخاصة في عصرنا الحاضر - انصراف كثير من المسلمين عن تعليم هذا المنهج وتعلمه، وإن أظهروا حبهم وتقديسهم له، إلا أن واقعهم المعيشي يغاير ذلك، ومن هنا يبدو الخلل واضحًا في حياة المسلمين أفراداً ومجتمعات، الأمر الذي جعلهم غثاءً كغثاء السيل، وجعل الأمم تتداعى عليهم، وجعل الوهن يتمكن من قلوبهم، ونزعت مهابتهم ـ بأمر الله ـ من قلوب عدوهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
كما أن كثيرًا من الأقطار الإسلامية ابتعدت في منهجها وقوانين حكمها عن هذا الدستور السماوي، الأمر الذي جعلها تتخبط في حياتها ونظم شؤونها، وأصبحت قريبة من المعيشة الضنك التي هي جزاء من أعرض عن منهج القرآن.
وما من شك في أن أولى آيات القرآن نزولاً كانت دعوة صريحة للقراءة والعلم والتعلم، وما يستتبع ذلك من تطبيق لما نتعلمه ونتوصل إليه، وآثار ذلك على الفرد والمجتمع.
ومن هنا كان الدافع للكتابة في هذا الموضوع الدعوي القرآني الهام.
أهداف البحث :
يهدف البحث إلى الإجابة عن التساؤلات التالية :
أولاً: ما المقصود بالقرآن الكريم، وما معنى الآثار الإيمانية؟ وما مفهوم تعليم وتعلم القرآن؟
ثانياً: ما أهمية الدعوة والعودة إلى تعليم وتعلم القرآن الكريم، وما كيفية ذلك ؟
ثالثاً : ما الآثار الإيمانية التي تعود على الفرد المسلم والمجتمع المسلم من تعليم وتعلم القرآن الكريم؟
وانطلاقًا من هذه التساؤلات يحاول الباحث في هذه الدراسة التركيز على التوصل إلى إبراز الآثار الإيمانية، التي تعود على الفرد والمجتمع من تعليم وتعلم القرآن الكريم، فيصدر البحث بمقدمة، ثم ينتظم البحث ـ بمشيئة الله ـ في ثلاثة فصول وخاتمة
أما المقدمة: فتتضمن الحديث عن أهمية الموضوع، والباعث على دراسته، وتساؤلات البحث، ومنهج البحث، وخطواته البحثية، وخطته بالتفصيل، ثم الفصل الأول، وهو بمثابة فصل تمهيدي ويتناول: التعريف بالقرآن الكريم ومفهوم تعليمه وتعلمه.
ويليه الفصل الثاني في: أهمية الدعوة والعودة إلى القرآن الكريم، وفيه المبحث الأول في أهمية تعليم وتعلم
القرآن الكريم، والمبحث الثاني في كيفية العودة إلى القرآن، والثالث في تدبر القرآن الكريم وأهمية ذلك.
ثم الفصل الثالث: الآثار الإيمانية للفرد والمجتمع المسلم من تعليم وتعلم القرآن الكريم، ويشمل مبحثين:
الأول: الآثار الإيمانية التي تعود على الفرد المسلم من تعليم القرآن وتعلمه، والثاني: الآثار الإيمانية التي تعود على المجتمع المسلم والأمة المسلمة، وأخيرًا الخاتمة، وفيها خلاصة البحث، ونتائجه، وتوصياته.
وينتهج البحث المنهج الوصفي، وكـذا المنهج التحليلي التأملي؛ لمحاولة الخروج بفوائد علمية هامة دقيقة.
وتضمن البحث العديد من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية في معالجة نقاطه، موردًا وجهة نظر بعض المفسرين والعلماء القدامى والمعاصرين في تفسير الكثير هذه الآيات، وخلص البحث إلى العديد من وجهات النظر والنتائج ومن أبرزها:
أولاً : معنى "الآثار الإيمانية لتعليم وتعلم القرآن الكريم": النتيجة الحاصلة من تعليم وتعلم القرآن الكريم، والتي توصل إلى زيادة الإيمان بالله، وطاعته والتقرب له، والتي بها يتقرب العبد من ربه ـ سبحانه وتعالى ـ فيزداد معرفة بالله، ويزداد يقينًا وعملاً، وسعيًا للتوصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
ثانيًا: أن في تعلم القرآن الكريم أقرب طريق للوصول إلى الإيمان والتقوى، فيتحقق الأمن النفسي، وتتحقق السعادة في الدنيا والآخرة، وتعلم القرآن الكريم ينمي السلوك السوي للفرد المسلم، ويصحح الاعتقاد، ويعصم من الفتن، كما أن الآثار الإيجابية لتعليم وتعلم القرآن الكريم تظهر بصورة أكبر على الطفل؛ لأن الطفل يسهل تشكيله، وتعليمه، فالقرآن يعطي قوة نفسية، ومتانة في الأخلاق تظهر في المحن والابتلاءات، ويجعله يحسن التعامل مع متغيرات الحياة.
وينشئ العقلية العلمية الموضوعية التي لا تقبل نتائج بغير مقدمات، ولا تخضع إلا للحجة والبرهان، وفي حفظ القرآن تقويم لألسنة الأفراد منذ صغرهم، وحفظ لها من التلفظ بالسوء، وتقوية لملكة الحفظ، والقرآن يورث صاحبه هدوء الطبع، وحسن الخلق، وفصاحة اللسان، و التفوق في الدراسة، والقوة في اللغة العربية، والحب لطاعة الله، وبالقرآن نعرف حقيقة أنفسنا وضآلتها ونتخلص من الكبر والغرور، ونعالج الأمراض الدفينة بداخلنا، وبالجملة فالقرآن يقوم صاحبه ويجعله فردًا صالحًا في المجتمع، ومصدر إشعاع لمن حوله.
ثالثًاً : لابد من العودة الصحيحة إلى القرآن والتي تتمثل في: الانشغال بالقرآن، وتهيئة الجو المناسب له، والقراءة المتأنية، والتجاوب مع الآيات، وجعل المعنى هو المقصود، وترديد الآيات التي تؤثر في القلب، والعمل بما في الآيات من أحكام.
رابعًا : لتعليم وتعلم القرآن آثار إيمانية عديدة وعظيمة، منها ما يعود على الفرد المسلم مثل
سيطرة القرآن على القلب والمشاعر، وتعريف العبد بربه ، والباعث له على خشية الله والفزع إلى ذكره، وفيه الهداية لأهله، وتعليمه وتعلمه يرغب في الجنة ويحذر من النار، والاشتغال به سبب لجلب الطمأنينة ونزول الرحمة وحضور الملائكة، ولأهله العطاء الزائد في الدنيا، والشفاء والرحمة، والأجر والشفاعة، والقرآن يساعد المسلم على التوصل إلى الأساليب المثلى في الدعوة إلى دين الله، بلغة مناسبة لعصر المعرفة
ومن الآثار ما يعود على الأمة المسلمة مثل:
إصلاحه لحال الأمة، وجمعه لكلمتها، فيجعلها وحدة واحدة قوية مترابطة، يدًا واحدة على من سواها.
وبترابطها يزداد إنتاجها وتكثر خيراتها، ولا يتحكم فيها سواها، كما أن القرآن يربطها بواقع الحياة وحاجات العصر، ودقائق العلوم، فتتوسع دائرة العلم والثقافة، فتتأصل المعارف في ذهن صاحبها عن طريق حفظه لكلام الله والعمل به، والالتفات إلى ظواهر الكون من خلال آياته، فتفتح آفاق التوسع في العلم والتجربة والاختراع.
والقرآن مصدر هداية للأمة بأسرها، والعلم والعمل به يزيدها إيمانًا وتصديقًا، وفي تعليمه وتعلمه تقويم الأمة، وجلب الطمأنينة والرحمة والرخاء والثبات والنصر لها على الأعداء، وفي الاشتغال به شرف للأمة بأسرها ورحمة لها...إلى غير ذلك مما يكون سببًا في عزها في الدنيا ونجاتها في الآخرة.
وأخيرًا أسأل الله العلي القدير أن ينفعني والجميع بهذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.
د/ شعبان رمضان محمود مقلد
أستاذ التفسير وعلوم القرآن المساعد
بجامعة الجوف