مقدمة الدراسة

الحمد لله الذي َخلَقَ الإنسان ِمنْ عَدَمْ وعَلَّمَهُ ما لم يعلم ورَغََّبَهُ في العِّلْمِ و التَّعَلُّمْ، والصلاة والسلام على هادي البشرية ومعلِّمْ الإنسانية الذي أُمِرَ بالقراءة في أول آية أنزلت عليه والذي رغَّّبَ في التعلّمْ وحثّ عليه ، أمَّا بعد :

الجريمة ظاهرة اجتماعية تتواجد بتواجد الإنسان والمجتمع وتتطور بتطورهما، ولا شك أن المجرمين - كما رجال الأمن -  يحاولون الاستفادة من هذا التقدم التقني خاصة وأننا في عصر ثورة المعلومات وتقدم العلوم الحديثة والتكنولوجيا المتطورة، وتبعا لذلك فانه من البديهي أن تظهر أنماط جديدة من الجرائم لم تكن معهودة في السابق، وهذا ليس قاصرا على أسباب التقدم التقني فقط بل يحدث دوما وبصفة مستمرة فالمجرم والجريمة في تقدم وتجدد مستمر، فمجرم الأمس ليس كمجرم اليوم وبالتالي فجريمة الأمس ليست كجريمة اليوم.

وقد تمخضت ثورة المعلومات والتكنولوجيا المتقدمة عن وسائل اتصالات متطورة جعلت العالم قرية إلكترونية مفتوحة للعموم، ألغت معها الحدود الجغرافية والسياسية للدول، وهذه التقنية الخاصة بنظام نقل المعلومات السريع أو ما يعرف بالإنترنت ليست سيئة في حد ذاتها بل هي سلاح ذو حدين فيمكن أن تسخَّر للخير والمنفعة كما يمكن أن تسخَّر للشَّرْ  والمضرََة. وهذا ما أكده الفريق دكتور عباس أبو شامة وزير داخلية السودان الأسبق ورئيس قسم العلوم الشرطية بأكاديمية نايف للعلوم الأمنية في بحثه المقدم للندوة العلمية لدراسة الظواهر الإجرامية المستحدثة وسبل مواجهتها التي عقدت في تونس فيقول:

"ورغم الفوائد العديدة التي لا تحصى للاستفادة من شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) إلا انه في نفس الوقت فقد زادت أساليب إساءة الاستخدام لتلك الشبكة ومنها الاستخدام لارتكاب بعض الجرائم، وفي ذلك تطويع لهذه التقنية لرغبات بعض المجرمين، وسيستمر ذلك مادام المشترك في الشبكة (الإنترنت) يمكنه الاطلاع على كل المعلومات التي تكون متاحة من المصدر. وبما انه حتى الآن ليس هناك ضوابط صارمة للحد من تلك الأضرار ولكن يحكم الأمر سلوك الأفراد المستعملين إلى حد كبير"( أبوشامة،1420هـ : 21).  

فهي سلاح ذو حدين و" من دون شك أن إستخدام الإنترنت كشبكة اتصالات متطورة ومعاصرة، يُضفي على الحضارة الإنسانية بعداً جديداً في تسهيل وسرعة إنجاز المعاملات للحصول على المعلومات والبيانات المطلوبة دون عناء. ولكن هذا الاستخدام الحضاري، دخل عليه الأشرار بتقنيات مضادة " ( حبوش، 1420هـ : 253 ).

ومن سلبيات الإنترنت إستفادة المجرمون من هذا التطور حيث أن " هذه التقنيات شجعت وساعدت المجرمين على زيادة عدد وحجم جرائمهم دون زيادة في الجهد المبذول عما كانوا يبذلونه مع الوسائل التقليدية، بل مع انخفاض احتمالات انكشاف أمرهم "     ( داود، 1420هـ : 73 ).

نخلص مما تقدم إلى ظهور أنماط جديدة من الإجرام لم تكن مألوفة من السابق، بل أن الأمر تعدى أنماط الجرائم إلى ظهور أنماط جديدة من الحروب أيضا والتى تعرف بالحروب الالكترونية، ولا تزال الأيام القادمة حُبلى بكل جديد ولا نزال في بداية عصر الانفجار المعلوماتي، مما يعنى توقع ظهور  المزيد والمزيد من هذه الأنماط الجديدة والذي يتوجب معها تحديث الأنظمة والتعليمات والجهات الأمنية المختصة بمعالجة القضايا الناتجة عن ظهور هذه الأنماط الجديدة.

وهذه الدراسة هي محاولة لإلقاء نظرة سريعة على المستجدات الإجرامية في عصر الإنترنت في المجتمع السعودي مع قصرها تحديدا على ما يعرف اصطلاحا بـ "جرائم الإنترنت" في محاولة لإلقاء الضوء على حجم ونمط أهم الجرائم الجديدة وتحديدها قدر الإمكان، وبالتالي المساهمة في وضع الخطوط العريضة للتعرف على كيفية مكافحتها والحد منها. مع التنويه سلفا بأنه لا يمكن بمكان حصر هذه الجرائم لسبب بسيط وبديهي هو أن الجريمة وأنماطها في تجدد مستمر ولا تقف إطلاقا عند أنماط محددة أو أشكال معينة بل هي ومنذ قديم الأزل في تطور مستمر، وهذا التجدد في أنماط الجريمة ليس قاصرا على عصر الانفجار المعلوماتي فقط بل انه ظاهرة قديمة قدم المجتمعات البشرية كما أنها ليست قاصرة على مجتمع دون أخر بل هي ظاهرة اجتماعية عالمية تتواجد في كل المجتمعات بصرف النظر عن تقدم أو تخلف تلك المجتمعات، إلا أن تطور أي مجتمع يصاحبه بالضرورة تطور أيضا في أنماط الجريمة.

 
عندك أي استفسار فضلاً أعرضه في المنتدى
 

لأفضل مشاهدة استخدم متصفح مايكروسوفت ودقة600×800
  دقة شاشتك الآن

جميع الحقوق محفوظة © 2003-2004 لموقع المنشاوي للدراسات و البحوث

copyright © 2002-2003 www.minshawi.com All Rights Reserved