التلقين في التدريس طريقة فاشلة تترجم واقعنا المؤسف

بيانات الملخص الأولية
الملخص

التلقين في التدريس طريقة فاشلة تترجم واقعنا المؤسف

القذافي خلف عبد الوهاب محمد
تخصص المناهج وطرق تدريس علم النفس

* تقدم الوطن مرهون بإعداد قوى بشرية مبدعة:

إن تقدم الوطن والأمة مرهون بإعداد متميز للقوى البشرية،وهذا الإعداد لا يتم بطريقة عشوائية أو ارتجالية، ومستقبلنا مرتبط بنوعية من المتعلمين لديها من القيم والمهارات والإمكانيات والنهج الفكري الخلاق والمبدع لديها القدرة على المنافسة
وعلى الرغم من معرفتنا بعدم جدوى طرق التدريس التقليديه – منها التلقين- إلا أننا مصرون عليها بطريقة آلية كأننا لا نمتلك من الآليات والوسائل لتغييرها، ووفقاً لهذا المفهوم فإن " باولي فيري" يصف هذه الطريقة بأنها عملية تستد على التعليم البنكي الذي لا يحقق التفاعل بين المتعلمين ومعلمهم كما لا تلبي حاجاتهم وخصائصهم، وتنشر الملل ولا تثتثير انتباههمم ، والجدير بالذكر أن التقويم يعتمد فقط على قياس كمية المعلومات التي حفظها المتعلم.

* تعريف طريقة التلقين:

كل حديث يقوم به المعلم لنقل المعلومات والمعارف بصورة لا تعطي للمتعلمين فرصة للفهم والتفكير والتساؤل والبحث والتجريب والنقد.
ويمكن القول:
 التلقين يعتمد على الإلقاء من جانب المعلم، ويقع العبء الأكبر علي كاهله في عملية التدريس.
 يتم تقديم المعلومات بصورة جاهزة علي المتعلم ولا يتطلب منه التفكير والبحث والاستقصاء.
 ينحصر دور المتعلم في الاستماع والحرمان من المشاركة في المواقف التعليمية وقلة فرص التفاعل.
 يعتمد التلقين على الترديد والحفظ والامتثال والاستظهار ولا يعطى مجالاً للفهم والتفكير والتساؤل والتجريب والنقد.

* التلقين وسيلة للقمع والاستبداد:

- إن الناظر بإطلالة إلى أسلوب التعليم السائد في العالم العربي يعود الطالب على الترديد والحفظ، والخضوع للسلطة، ولا يساعده على البحث والابداع، ولا زالت الخرافة والتقاليد تتحكم في سلوك ونظرة الإنسان العربي المتعلم والقارئ وحتى الحائز على شهادات جامعية مختلفة. وبالتالي نلمس دائماً نوعاً من الازدواجية في شخصية العربي بين دور التعليم من جهة ودور الخرافة من جهة اخرى.
- ولم يتحد التعليم بالشخصية العربية بعد بل ظل في الكثير من الأحوال قشرة هشه تنهار عند الأزمات لتعود الشخصية إلى نظرتها الخرافية. ولا شك أن العلة تكمن في نوعية التعليم وآليته في الوطن العربي ومدى تأثيره على تغيير الذهنية، فالمعرفة والحقائق لدى كثير من المثقفين والباحثين في الوطن العربي، فضلاً عن القارئ العادي، هي ما يقوله آخر حديث استمعوا له أو كتاب قرءوه، مما يدل على تقبل العقل العربي للمشاهد الفكرية بشكل مشابه لتقبل الرضيع للمشاهد الحسية البصرية دون إدراك اللاحق أو السابق منها.
- إن الاستعداد للتلقي تتعلمه الذات العربية سواء عن طريق البيت أم المدرسة، وهو الأسلوب الوحيد في التعليم والتربية. والاهم ان نوعية ما يلقن او يدرس لم يعمل على تغيير عقلية المواطن العربي، ولم يحرره من عناصر التواكل والتلقي والخنوع.
- والسبب في ذلك يرجع إلى طرق التدريس والتقييم، حيث أن المعلم هو المصدر الوحيد للمعرفة والتلميذ في وضعية المتلقي المستهلك ناهيك عن غياب محيط ثقافي متنور يحفز على المبادرة والخلق، الأمر الذي يترتب عليه فصل تام بين ما يكتسب في الأمكنة التعليمية والواقع اليومي.
- ولا زال التعليم في مختلف مراحله وبشكل إجمالي سطحياً في معظم البلدان العربية في طرقه وفي محتوياته. ولا تزال طرق التعليم تلقينية إجمالاً تذهب في اتجاه واحد من المعلم، الذي يعرف كل شيء ويقوم بالدور النشط، الى التلميذ الذي يجهل كل شيء، فيفرض عليه دور التلقي الفاتر دون أن يشارك أو يناقش أو يمارس، ودون أن يعمل فكره فيما يلقن.
- والتلقين من حيث هو طريقة تسلطية في التعليم تجعل التلميذ يستجيب باكتساب عادة الصم (أي الدراسة بالاستظهار). وما يدرسه الطفل بهذه الطريقة يحفظه كما هو، بمعنى أنه لا يتأثر بموضوع التعلم لأنه لا يهتم بفهمه وإدراكه بل باستنساخه وحفظه.
- وبالطبع لا تساعد هذه الطرق على اكتساب الطفل التفكير النقدي الجدلي.. إنه في أحسن الأحوال يحفظ العلم دون أن يستوعبه، او يحفظ الامتحان دون أن تعد شخصيته بشكل علمي. وتصبح المعرفة بهذه الطريقة بالضرورة معرفة مجردة مطلقة ليس لها سوى علاقة واهية بتجارب الحياة اليومية.

* التلقين استراتيجية فاشلة تترجم السياسات التي تنتهجها الدول العربية:

على الرغم من نتائج البحوث والدراسات التي أثبتت عدم جدوى طريقة التلقين وعدم رضا المعلمين عنها إلا أن المعلمين يبقون عليها ولعل أهم هذه الأسباب ما يلي:
 الألفة والدفء بين المعلم وطريقة التلقين طوال السنوات الماضية.
 ما اكتسبه المعلم من قناعات عقلية، مما أدى به إلي الحرص عليها والدفاع عنها، وإقناع الآخرين بأنها الأفضل.
 تعود المعلم في طريقة التلقين على مشكلات ألفها وقد سيطر عليها بخبرته القائمة على التجربة الشخصية ـ من وجهة نظره ـ - وبالتالي يخشى من تطبيق الجديد، فهو يرى فيه تهديد لشخصيته وخطر يهدد وجوده الذي اكتسبه في هذه الطريقة وأن هذه الاستراتجيات الجديدة ستحتاج إلى جهود عظيمة لتجاوزها والسيطرة عليها.
 ولا زال نجاح المعلم يقاس بمقدرته على توقيع العقوبات وإلقاء الأوامر الجافة على التلاميذ الهائجين وخضوعهم لها. أما حب التلاميذ والتقرب منهم وإخضاعهم إلى نظام ينبع من سلوكهم ويفرضه عليهم وجدانهم فكانت ولا زالت فكرة بعيدة عن الأذهان

* الغرب يواكبون التحولات الديمقراطية والدول العربية تقمع أفكار أبنائها:

إن المدارس الحديثة في الغرب تواكب باستمرار التحولات الجذرية التي تعرفها المعرفة العلمية والإنسانية بحيث توفر للتلميذ أو الطالب كل شروط الاستقلال والتحرر، بدل تهيئته بهدف احتوائه بشكل كامل، كما هو الحال في الوطن العربي، عن طريق تدريبه على الترديد والحفظ بحيث لا يبقى مجالا للتساؤل اوالبحث او التجريب، إننا ببساطة شديدة أمام نظم أصابها الخلل وانعكس ذلك على أرجاء المنظومة ونتج عنه إشكاليات لا حصر لها، وبدلاً من تقوم المدارس بتنمية الجانب الوجداني، والولاء والانتماء، والمواطنة، وترسيخ القيم.

* ممارساتنا التربوية تترجم واقع مرير نعيشه:

إن الواقع الذي نعيشه تترجمه الممارسات الإدارية والتدريسية والمعاملات التي غلب عليها طابع المصلحة، وسيادة الطابع النظري في التدريس القائم على الحفظ والتذكر وإحراز النتائج.
ويشير صلاح عبد السميع إلى أن " وجود شعار يتمثل فى (التربية والتعليم ) لدى معظم الدول العربية ويتضمن فى ما يصاغ ويعلن عنه فى المنتديات الرسمية وغير الرسمية، إضافة الى كون المقررات الدراسية تزدحم بكل المفردات التى تعبر صراحة عن رغبة صريحة فى تنمية الوجدان والانتماء والمواطنة وغيرها من المفردات ذات الطابع الوجداني" .
ويشير الدكتور عبد الحميد أبو سليمان إلى أن مجتمع القهر والإرهاب والاستبداد هو مجتمع التفرد والتسلط الذي ينتفي فيه دور الآخر ومشاركته، ويستبد فيه كل فرد بمن هو دونه ويستعبده، فكل فرد له نفسية العبد، وهو مصاب بداء الخنوع لمن هو أقوى منه، وفى الوقت نفسه بما يعانيه من المهانة والخسف، إذا اقتدر كان بحكم ما ألف نخاساً وطاغية على كل من هو دونه وأضعف منه، ولا يربط على وجه الحقيقة بين أبناء مجتمع العبيد تكافل ولا تعاون، ولكنها فردية وأنانية وتلهف على المنافع ، وتفان فى التبعية، والخضوع والاستبداد، فى سلسلة لا تنتهى إلا عند السيد الأكبر والطاغية الأعلى الذى يعبد ذاته ، ويخضع بدوره للسيد القوى الأجنبي، ويستسلم بدوره لإرادته ولقهره والتسليم لأطماعه، وحرصا منه على ذاته ومصالحه وملذاته لا يبالى بأن يفرط فى سبيلها بمقدساته وحقوق أمته .
والتربية الحديثة تضع الطلاب في مناخ حواري، فالطالب عندما يأخذ في الحوار يأخذ في التفكير ويبتعد عن الشخصي والذاتي باحثاً عن الحقيقة. في ذلك المناخ التربوي فقط تتفتح الآراء وتنمو الشخصيات ويترسخ الاحترام المتبادل ويخف الضغط على الوعي الفردي مما يفسح المجال أمام الاقتناع الحر.
يقول هربارت Herbart: "إن التربية لتغدو طغياناً وظلماً إذا لم تؤد إلى الحرية". فالتربية الحديثة تجعل حظ الأطفال والمراهقين من الاستقلال في فعاليتهم الفردية أوسع ما يمكن. وحتى قبل أن يغدو الطفل قادراً على الاستقلال الحقيقي، أي الاختيار العقلي الصحيح، تفسح مجال الحرية الكاملة أمام حركاته على ألا تشكل خطراً عليه ولا تضايق من يعيش معه مضايقة بالغة.

* المناخ التربوي المصاحب لطريقة التلقين في التدريس:

• إن عملية التلقين تمارس بالضرورة من خلال علاقة تسلطية... سلطة المعلم لا تناقش (حتى أخطاؤه لا يسمح بإثارتها وليس من الوارد الاعتراف بها) بينما على الطالب أن يطيع ويمتثل، إذ من النادر أن يجيب محيط المدرسة على تساؤلات الطفل الطبيعية حول أسرار الوجود وقوانين ظواهره المختلفة إجابة علمية رصينة.
• والآلية المرافقة للتلقين هي العقاب الجسدي، والعنصر المشترك بين التلقين والعقاب هو أنهما يشددان على السلطة ويستبعدان الفهم والإدراك. أي يدفعان إلى الاستسلام ويمنعان حدوث التفاعل والتغيير، بدلاً من أن يكون التعليم إطاراً مؤسسياً لإنتاج الفاعلية وروح الإبداع .
• ولتأكيد سلطة المعلم في الصف فإنه يفرض على تلاميذه الضبط الشديد والقاسي.. الضبط القائم على الخوف. وطبيعي أن استعمال التوبيخ وغيرها من العقوبات تهدم شخصية الطفل وتقيد حركاته وسكناته باستمرار مما يخلق عنده الخوف من المعلم والوجل من العمل المدرسي ويؤدي ذلك إلى عرقلة عملية التعليم.
• إن الصفعة التي يوجهها المعلم لتلميذه قد لا تكون مؤلمة بقدر ما هي وسيلة إذلال. فالمدرسة مكان للتأديب، أي لتقويم الطفل حسب المطلوب منه ليكون مؤدباً (فاتراً ومطيعاً وسلبياً) بواسطة الإرهاب والقمع وأحياناً التخويف، والمطلوب إذا من المدرسة العربية أن يسود فيها مناخ الهدوء التام المطلق والنظام الشامل في جميع أوقات الدراسة عن طريق الحكم القسري الشديد وبواسطة العقوبة.
• ومن الدارج أيضاً تخويف التلميذ بالأشباح والعفاريت في المدرسة حتى يقيدوا حركته ويصدوا حيويته التي تزعجهم. من هنا يبدأ كره المدرسة وتصبح إلى جانب أساليبها الثقيلة، غير محبوبة، يلاحق شبحها الولد حتى ما بعد الشباب. إذ كثيراً ما نلاحظ كثرة الأحلام المزعجة والكوابيس المرتبطة بالمعلم والمدرسة. وليس ذلك عند الطفل والمراهق فقط بل وحتى عند الراشد بعد تركه المدرسة.
• إن طرق التلقين والعقاب والتخويف في التربية والتعليم في الوطن العربي لا تتفق مع المبادئ الديمقراطية التي هي أبسط المثل الإنسانية في العالم. لأن هذه الطرائق تلغي النقاش والندية والمساواة والحرية وتعطل الحس النقدي في الطالب.
• فالمعلم دوره تراجع فهو يلهث خلف لقمة العيش والتنافس مع الزملاء لمن ستكون له الغلبة فى عدد رواد سنتر المراجعات ، أو نسبة الدروس على المستوى الفردى والجماعى .

* توافق الفرد مع نفسه ومع الآخرين يدعو لاستخدام استراتيجيات التعلم النشط على نطاق أوسع:

فقد عنى المنهج الإسلامي ببناء شخصية الطالب المسلم بتنمية الصحة النفسية الإيجابية للفرد من خلال التأكيد على:قوة الصلة بالله، والثبات والتوازن الانفعالي، والصبر عند الشدائد، والمرونة في مواجهة الواقع،والتفاؤل وعدم اليأس، وتوافق المسلم مع نفسه، وكذا مع الآخرين، وهذا ما يدعونا لاستخدام استراتيجيات التعلم النشط على نطاق أوسع.
===============================
قائمة بالمراجع :
1-القذافي خلف عبد الوهاب محمد (2010): فاعلية إستراتيجية قائمة على التعلم النشط في خفض الإحتراق النفسي وتنمية مهارات التفاعل اللفظي لمعلمي علم النفس بالمرحلة الثانوية، رسالة ماجستير، معهد الدراسات التربوية، جامعة القاهرة.
2-صلاح عبد السميع، البناء النفسي والوجداني للطفل
( البعد الغائب في مناهج التعليم بالعالم العربي ) متاح في:
http://www.saaid.net/tarbiah/180.htm
3-عبد الحميد أبو سليمان : أزمة الإرادة والوجدان المسلم ، دمشق ، دار الفكر العربي ، 2005.
4-محمد عبد الكريم الشوبكي: عيوب التعليم في المجتمع العربي وطرق ترميمه، متاح في : http://alrai.com/article/553851.html
5-مصطفى حجازي،التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، 2005.

للتواصل مع الباحث :
-------------------
جمهورية مصر العربية- محافظة الوادي الجديد - كلية التربية بالخارجة

01115217666 + كود الدولة (002)
drasat_2010@yahoo.com
https://www.facebook.com/alkazafy.khalaf?ref=tn_tnmn